
احكام القصاص في الشريعة الاسلامية الغراء( سبحانى)
تأليف
تاريخ وفات مؤلف: معاصر
موضوع: فقه استدلالى
زبان: عربى
تعداد جلد: ۱
ناشر: موسسه امام صادق( ع)
تعداد صفحات: ۶۴۷
احكام القصاص في الشريعة الاسلامية الغراء( سبحانى)
تأليف
سبحانى تبريزى، جعفر
تاريخ وفات مؤلف: معاصر
موضوع: فقه استدلالى
زبان: عربى
تعداد جلد: ۱
ناشر: موسسه امام صادق( ع)
تعداد صفحات: ۶۴۷

احكام القصاص في الشريعة الاسلامية الغراء( سبحانى)
تأليف
سبحانى تبريزى، جعفر
تاريخ وفات مؤلف: معاصر
موضوع: فقه استدلالى
زبان: عربى
تعداد جلد: ۱
ناشر: موسسه امام صادق( ع)
تعداد صفحات: ۶۴۷

احكام القصاص في الشريعة الاسلامية الغراء( سبحانى)
تأليف
سبحانى تبريزى، جعفر
تاريخ وفات مؤلف: معاصر
موضوع: فقه استدلالى
زبان: عربى
تعداد جلد: ۱
ناشر: موسسه امام صادق( ع)
تعداد صفحات: ۶۴۷

احكام القصاص في الشريعة الاسلامية الغراء( سبحانى)
تأليف
سبحانى تبريزى، جعفر
تاريخ وفات مؤلف: معاصر
موضوع: فقه استدلالى
زبان: عربى
تعداد جلد: ۱
ناشر: موسسه امام صادق( ع)
تعداد صفحات: ۶۴۷

احكام القصاص في الشريعة الاسلامية الغراء( سبحانى)
تأليف
سبحانى تبريزى، جعفر
تاريخ وفات مؤلف: معاصر
موضوع: فقه استدلالى
زبان: عربى
تعداد جلد: ۱
ناشر: موسسه امام صادق( ع)
تعداد صفحات: ۶۴۷

احكام القصاص في الشريعة الاسلامية الغراء( سبحانى)
تأليف
سبحانى تبريزى، جعفر
تاريخ وفات مؤلف: معاصر
موضوع: فقه استدلالى
زبان: عربى
تعداد جلد: ۱
ناشر: موسسه امام صادق( ع)
تعداد صفحات: ۶۴۷
الحمد للَّهربّ العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف بريّته وخاتم رسله وأكرم أنبيائه محمد، وعلى آله الذين أذهب اللَّه عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً.
أمّا بعد؛ فلمّا فرغنا عن دراسة الحدود الشرعية، اقتضت الحال دراسة أحكام القصاص، لكثرة الابتلاء بها بعد قيام الثورة الإسلامية المباركة في إيران، حيث تبنّى الدستور فيها تطبيق الشريعة الإسلامية في الجانب الاجتماعي، وقد اتّخذنا «تحرير الوسيلة» للسيد الأُستاذ دام ظله[1] منهجاً لدراسة أحكام القصاص على خلاف ما سبق منّا في دراسة أحكام الحدود، فقد كان رائدنا فيها «شرائع الإسلام» للمحقّق الحلّي قدس سره، ولكلّ كتاب مزيّة، فقد كان السيد الأُستاذ- دام ظله- يوصي حضّار درسه الشريف باتّخاذ أُمّهات الكتب في الفقه محوراً للدراسة حتى يرجع الطلاب إليها وإلى شروحها، لكنّا عدلنا عنه في دراسة أحكام القصاص إلى ما في «تحرير الوسيلة»؛ لاشتماله على مسائل مستحدثة خلت عنها الكتب الأُمّ.
[1]. أُلقيت هذه المحاضرات في عام ۱۴۰۱ ه.
ويشتمل كتابنا- القصاص- على مقدّمة وقسمين:
۱. في قصاص النفس، وفيه أربعة فصول:
الأوّل: في موجبات القصاص.
الثاني: الشرائط المعتبرة في القصاص.
الثالث: ما يثبت به القود.
الرابع: كيفية الاستيفاء.
۲. في قصاص ما دون النفس، وفيه مسائل.
وعلى كلّ تقدير فالرجاء من الهادي الحكيم عزّ وجلّ أن يعرّفنا الحق فنتّبعه، ويعرّفنا الباطل فنجتنبه إنّه بذلك قدير، وبالإجابة جدير.
والحمد للَّهرب العالمين
^^^
جعفر السبحاني
كتاب القصاص
القصاص لغة واصطلاحاً
القصاص في الكتاب العزيز
في أقسام القصاص
القسم الأوّل: في قصاص النفس، وفيه فصول
الفصل الأوّل: في موجبات القصاص
الفصل الثاني: الشرائط المعتبرة في القصاص
الفصل الثالث: ما يثبت به القود
الفصل الرابع: كيفية الاستيفاء
القسم الثاني: في قصاص ما دون النفس
^ وهو إمّا في النفس، وإمّا فيما دونها.
والنظر فيه في الموجب، والشرائط المعتبرة فيه، وما يثبت به، وكيفية الاستيفاء
^
القصاص: على وزن فعال، مصدر قصّ، قال في اللسان: يقال: قصصت الشيء، إذا تتبّعت أثره شيئاً بعد شيء، ومنه قوله تعالى: «وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ»[1] أي: اتّبعي أثره، وكأنّ وليّ الدم يتبع أثر الجاني فيفعل به مثل فعله.
ويحتمل أن يكون مأخوذاً من القصّ بمعنى القطع، قال في اللسان:
وأصل القصّ، القطع، يقال: قصصت ما بينهما أي قطعت، ثم نقل عن—)
[1]. القصص: ۱۱.
(— أبي منصور أنّه قال: القصاص في الجراح مأخوذ من هذا، إذا اقتصّ منه له بجرحه مثل جرحه إيّاه أو قتله به.[1]
وعلى كلّ تقدير فالمراد به هنا القَوَد.
ثمّ إنّ القصاص ورد في العديد من الآيات الكريمة، نظير قوله تعالى:
۱. قال سبحانه: «وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»[2]، وذيل الآية تعليل لتشريع القصاص، فإنّه يسبّب المنع من التوغّل في الدماء حيث يرى أنّ القصاص وراء عمله. فمعنى قوله: «لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ»: أي لعلّكم تحترزون عمّا يوجب القصاص.
فعلى هذا ففي القصاص حياة المجتمع، فهو في الظاهر إماتة ولكّنه في الواقع إحياء للجماعة.
وكانت العرب قبل الإسلام يقولون: «القتل أنفى للقتل»، فجاءت هذه الآية مكان قولهم هذا، ولكن بأفصح الجمل وأبلغ المعاني، كما هو مذكور في محلّه.
۲. قال سبحانه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الأُنْثىَ بِالأُنْثىَ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى—)
[1]. لسان العرب: ۷/ ۷۳، مادة« قصّ».
[2]. البقرة: ۱۷۹.
(— بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ»[1].
ومعنى الآية: فرض عليكم القصاص في القتلى، أي يفعل بالقاتل مثل ما فعله بالمقتول، فيقتل الحر بالحر، والعبدُ بالعبد، والأُنثى بالأُنثى. «فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ» المراد من الموصول هو القاتل، والضمير في «له» يرجع إليه، والمعنى: إن ترك أخوه- أعني: ولي الدم- القصاص ورضي بالدية، فالواجب على ذلك الأخ العافي هو طلب الدية بلا عنف كما يقول «فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ»، أي لا يلحّ في الطلب، وينظره إن كان معسراً، ولا يطالبه بالزيادة على حقّه؛ وأمّا وظيفة المعفوّ له فقد أشار إليها بقوله: «وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ»، أي الدفع إليه عند الإمكان من غير مَطْل.
ثمّ إنّ تشريع القصاص والدية لأجل أنّ ذلك «تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ» بشرط رعاية العدل «وَرَحْمَةٌ» فلم يوجب القصاص فقط، بل جوّز تبديله بالدية.
«فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ»: أي تجاوز الحدّ بعد ما بُيّن له الحكم الإلهي «فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ» في الآخرة.[2]
وقد تجلّت في الآية عظمة التشريع الإسلامي حيث يصف ولي الدم، أخاً للقاتل، مشعراً بأنّ القتل لم يقطع صلة الأُخوة بينهما؛ ثم إنّه يوصي العافي باتّباع المعروف والمعفو له بأداء إليه بإحسان، وينهاهما عن الاعتداء.
۳. قال سبحانه: «الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِاْلشَّهَرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ—)
[1]. البقرة: ۱۷۸.
[2]. مجمع البيان: ۱/ ۲۶۵.
(— فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ».[1]
المراد من الشهر الحرام ما يحرم فيه ما يحل في غيره من القتال، وهي الأشهر الأربعة: ذو القعدة الحرام، وذوالحجّة الحرام، ومحرم الحرام، ورجب المرجّب.
والحرمات: جمع حُرمة، وهي ما يجب حفظه ويحرم هتكه، وإنّما جمع الحرمات؛ لأنّه أراد حرمة الشهر، وحرمة البلد، وحرمة الإحرام، بل كلّ الحرمات.
وقوله في ذيل الآية: «فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ»: أي ظلمكم، فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم، أي جازوه بمثله، وسمّاه اعتداءً من باب المشاكلة.
إلى هنا تبيّنت معاني مفردات الآية، بقي الكلام في المراد من الجملتين التاليتين:
أ. «الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِاْلشَّهَرِ الْحَرَامِ».
ب. «وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ».
أمّا الأُولى فالمراد بها: أنّ مَن استحلّ دمكم أيّها المسلمون في هذا الشهر، فاستحلّوا دمه فيه.
وأمّا الثانية فالمراد بها: أنّ مَن ينتهك حرمات اللَّه يقتص منه—)
[1]. البقرة: ۱۹۴.
(— ويعامل بمثل فعله، وهذا أصل عام يقطع عذر كل مَن ينتهك الحرمات، وعلى هذا فيمكن أن يراد من الحرمات أعم ممّا ذكرنا، كما مرّ، فتشمل دماء الناس وأموالهم وأعراضهم.[1]
۴. قال تعالى: «وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الأَنْفَ بِالأَنْفِ وَ الأُذُنَ بِالأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالْسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ».[2]
أي فرضنا على اليهود في التوراة أنّ النفس بالنفس، أي إذا قتلت نفس نفساً أُخرى فإنّه يستحق عليها القَوَد.
وأمّا قوله: «وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الأَنْفَ بِالأَنْفِ وَ الأُذُنَ بِالأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالْسِّنِّ» قال العلماء: كلّ شخصين جرى القصاص بينهما في النفس جرى القصاص بينهما في العين والأنف والأُذن والسنّ، وجميع الأطراف، وإذا امتنع القصاص في النفس امتنع أيضاً في الأطراف.
وقوله: «وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ» هذا عام في كلّ ما يمكن أن يقتص فيه، مثل الشفتين واليدين والرجلين، وتقتص الجراحات بمثلها؛ وخرج عن تحت القاعدة «المأمومة» و «الجائفة» فإنّه لا قصاص فيهما، والأُولى هي التي تبلغ أُمّ الرأس، والثانية هي التي تبلغ الجوف في البدن[3]؛ لأنّ في القصاص فيهما تغرير بالنفس، وكلّ جراحة يخاف منها التلف ففيها أُروش مقدّرة.—)
[1]. لاحظ: مجمع البيان: ۲/ ۲۸۶؛ تفسير الكاشف، لمغنية: ۱/ ۳۰۱.
[2]. المائدة: ۴۵.
[3]. مجمع البيان: ۳/ ۱۹۹.
(— «فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ»: أي مَن تصدّق بالقصاص الّذي وجب له بالعفو، فهو كفّارة للمتصدّق الّذي هو المجروح أو ولي الدم؛ وفي الوقت الّذي يجوّز القصاص وأخذ الدية، يحثّ على ترك المجازاة، وأنّ ذلك عند اللَّه كفّارة للذنوب.
«وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ» كاليهود «فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ».
هذه هي الآيات التي ورد فيها القصاص بلفظه، وهناك آيات تدلّ على القصاص بمعناه، نظير:
۱. قال سبحانه: «وَ لَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ».[1]
۲. قال سبحانه: «وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ».[2]
۳. قال سبحانه: «وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ».[3]
وقوله تعالى: «سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا» من باب المشاكلة وإلّا فالقصاص ليس سيئة.
۴. قال سبحانه: «وَ إِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ».[4]
بقيت هنا أُمور، هي:—)
[1]. الأنعام: ۱۵۱.
[2]. الإسراء: ۳۳.
[3]. الشورى: ۴۰.
[4]. النحل: ۱۲۶.
(— الأوّل:
يستفاد من بعض الآيات أنّ من قتل مؤمناً متعمّداً يُخلّد في النار، قال سبحانه: «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيًما».[1]
وقال سبحانه في وصف عباد الرحمن «… وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ التي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَ لَا يَزْنُونَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا^ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا».[2]
وقد عقد صاحب الوسائل باباً في كتاب القصاص باسم: باب تحريم القتل ظلماً، وروى فيه عشرين رواية يستفاد من بعضها خلود قاتل المؤمن في النار.
ومقتضى إطلاق الآيات والروايات أنّ قاتل المؤمن يخلّد في النار، سواء كان القاتل كافراً، أو مؤمناً، مات غير تائب أو تائباً ودافعاً للدية، أو لا مع أنّ الخلود في القسم الأخير مشكل.
أمّا الجواب فبوجهين:
۱. اختصاص الخلود الوارد في الآية بالقاتل الكافر أو المؤمن الّذي مات بلا توبة ودفع الدية، وأمّا إذا تاب ودفع الدية إلى ورثة المقتول فهو خارج عن مدلول الآية؛ لقوله سبحانه: «إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ».[3] وتوهّم أنّ الآية ناظرة إلى حقوق اللَّه ولا تعم حقوق الناس—)
[1]. النساء: ۹۳.
[2]. الفرقان: ۶۸- ۶۹.
[3]. النساء: ۴۸ و ۱۱۶.
(— خلاف إطلاقها.
۲. اختصاص الخلود بمن قتل المؤمن لإيمانه.
ويشهد على ذلك تعليق الحكم بالمؤمن «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا» وأنّ قتله لأجل إيمانه، ومثل هذا يخلد في النار. ويشهد على ذلك الروايات الدالّة على أنّ التخليد لمن قتله لإيمانه:
۱. صحيحة عبد اللَّه بن سنان وابن بكير عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: سُئل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمّداً، هل له توبة؟ فقال عليه السلام: «إن كان قتله لإيمانه فلا توبة له، وإن كان قتله لغضب أو لسبب من أمر الدنيا فإنّ توبته أن يُقاد منه».[1]
۲. موثّقة سماعة عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: سألته عن قول اللَّه عزّ وجل «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ»؟ قال: «من قتل مؤمناً على دينه فذاك المتعمّد الذي قال اللَّه عزّ وجل: «وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيًما»»[2].
الثاني:
من السنن العقلية المقرّرة رعاية المعادلة بين الجرم والعقوبة، وهذه المعادلة منتفية في العذاب المخلّد، فإنّ الذنب كان مؤقّتاً منقطعاً، فكيف يكون العذاب دائماً باقياً؟ والجواب: أنّ الإشكال يتوجّه لو كان الجزاء الأُخروي من قبيل العقوبات الدنيوية حيث لا صلة بين الجرم والعقوبة إلّاالاعتبار—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۲.
(— والجعل التشريعي، فعندئذٍ تجب الموازنة بين الأمرين، وأمّا إذا كانت العقوبة الأُخروية أمراً تكوينياً ملازماً لوجود الجرم وكان الجزاء تجسيماً للذنب المختلق أو الجرم المرتكب، فعندئذٍ تنتفي الموازنة المذكورة؛ لأنّ الجرم يورث في نفس المجرم هيئة لا تفارقه أبداً، وتكون العقوبة نتيجة تلك الظلمة، فبما أنّ الظلمة دائمة في النفس تكون نتيجتها كذلك.
الثالث:
يدلّ بعض الآيات على أنّ قتل نفس واحدة يعادل قتل الناس جميعاً، يقول سبحانه: «مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا».[1]
وحول هذه الآية يثار سؤال وهو: كيف يمكن أن يجعل قتل إنسان واحد، مكان قتل الناس جميعاً، وإحيائه إحياء للجميع؟
والجواب: هو أنّ قتل نفس بغير نفس أو بغير فساد في الأرض يعدّ عدواناً على الإنسانية التي تتمثّل بهذا الفرد، كما أنّ الإحسان إليه إحسان إلى الناس جميعاً.
وبعبارة أُخرى: أنّ هذا الفرد الذي يقتل نفساً بلا سبب هو عدو الإنسانية، ولذلك قيّد اللَّه سبحانه عملَه: «بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ»، ولذلك لو استطاع أن يقتل الناس عامّة لقام بذلك؛ لأنّه قتل نفساً بلا جُرم ولا سبب، وهذا الملاك موجود في سائر الناس، فيكون قتل الفرد بمنزلة—)
[1]. المائدة: ۳۲.
(— قتل الجميع بمعنى أنّه لو قدر على ذلك لقتلهم.
وبعبارة أُخرى: أنّ الآية كناية عن كون الناس جميعاً ذوي حقيقة واحدة إنسانية متّحدة فيها، الواحد منهم والجميع فيها سواء، فمن قصد الإنسانية التي في الواحد منهم فقد قصد الإنسانية التي في الجميع. مثلًا إذا وزّع الماء بين أواني كثيرة، فمن شرب من أحد الآنية فقد شرب الماء، وقد قصد الماء من حيث إنّه ماء- وما في جميع الآنية لا يزيد على الماء من حيث إنّه ماء- فكأنّه شرب الجميع.[1]
وإن شئت قلت: إنّ الداعي الذي يقدم بالقاتل على القتل يرجع إلى ترجيح إرضاء الداعي النفساني الناشئ عن الغضب وحبّ الانتقام على دواعي احترام الحقّ وزجر النفس والنظر في عواقب الفعل من نُظم العالم، فالذي كان من حيلته ترجيح ذلك الداعي على جملة هذه المعاني الشريفة، فذلك ذو نفس يوشك أن تدعوه دوماً إلى هضم الحقوق، فكلّما سنحت له الفرصة قتل، ولو دعته أن يقتل الناس جميعاً لفعل.[2]
ثمّ إنّ المفسّرين أجابوا عن الإشكال بأجوبة مختلفة، فقد أجاب الشيخ في «التبيان» بستة أجوبة، وفي «مجمع البيان» بخمسة، وفي «كنز العرفان» للفاضل المقداد بأربعة أجوبة، ولكن ما ذكرناه لعلّه أفضل ما يجاب به عن الإشكال.[3]
[1]. الميزان: ۵/ ۳۱۷، طبعة بيروت.
[2]. التحرير والتنوير: ۵/ ۸۹- ۹۰.
[3]. راجع: التبيان: ۳/ ۵۰۲؛ مجمع البيان: ۳/ ۳۲۲.
القول في الموجب
تعريف القتل العمد
القتل شبه العمد
القتل الخطأ المحض
القتل العمد بالمباشرة والتسبيب
في أقسام التسبيب
۱. في التسبيب المتلف الذي انفرد به الجاني
۲. انضمام عمل المجني عليه إلى فعل الجاني
۳. انضمام مباشرة حيوان إلى المتلف
۴. الجناية بانضمام شخص آخر
وهو إزهاق النفس المعصومة عمداً مع الشرائط الآتية.
المسألة ۱. يتحقّق العمد محضاً بقصد القتل بما يقتل ولو نادراً، وبقصد فعل يُقتل به غالباً، وإن لم يقصد القتل به. وقد ذكرنا تفصيل الأقسام في كتاب الديات.^
^ قال المحقّق في تعريف الموجب: وهو إزهاق النفس المعصومة المكافئة، عمداً عدواناً.[1]
فخرج بالمعصومة؛ غيرها وهي كالكافر الحربي، وكلّ مَن أباح الشارع قتله، فلا قصاص فيه.
وخرج بالمكافئة: ما لو قتل غير المكافئ، كالمسلم يقتل الذمّي، والحر يقتل العبد، والأب يقتل الابن، وبالجملة ما يكون القاتل أعلى بالنسبة للمقتول.
وخرج بالعمد: القتلُ خطأ، وما عمده خطأ كالصبي والمجنون.
وخرج بالعدوان: ما لو قتل وليُّ الدم القاتل قصاصاً، أو قتل الدافع عن نفسه من هاجمه، فإنّ قتله ليس عدواناً. ويمكن الاستغناء عنه بالمعصومة،—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۱۹۵.
(— فإنّ نفسه ليست محترمة بالنسبة إلى القاتل وإن كانت محترمة بالنسبة إلى غيره، ولعلّه لذلك استغنى المصنّف عن ذكره، والأمر سهل.
ثم إنّ المراد بالمعصومة هو المعصومة بالنسبة إلى القاتل لا مطلقاً، ولذلك لو قتل الزاني المحصن، يقتل؛ لأنّ نفسه معصومة بالنسبة إلى غير الحاكم.
ينقسم القتل إلى: قتل عمدي، وشبه العمد، والخطأ المحض؛ ولكلّ حكم خاص، فيجب على الفقيه التعرّف عليها، بشكل يستطيع أن يميّز كلّ واحد عن الآخر.
عرّف المحقّق القتل عمداً بقوله: ويتحقّق العمد بقصد البالغ العاقل إلى القتل، بما يقتل غالباً.
وظاهر التعريف اختصاص العمد بما إذا قصد القتل، فخرج ما إذا قصد الضرب وإن اتّفق القتل وكانت الآلة ممّا يقتل بها.
ولكن الظاهر أنّه لا يختصّ بما إذا قصد القتل، بل يكفي بما لو قصد الفعل وكانت الآلة قاتلة؛ كما لو رفع قضيباً حديدياً وهوى به على رأس شخص لغاية ضربه دون قتله، فهو يُعدّ قتلًا عمدياً.
فلو قال المحقّق بدل قوله: «إلى القتل» قال: «إلى الضرب» لدخل القسمان في تعريفه.—)
(— إلى هنا تبيّن أنّ العمد يتحقّق في الصورتين التاليتين:
۱. إذا قصد القتل بما يقتل غالباً.
۲. إذا قصد فعل ما يقتل غالباً.
وهنا صورة ثالثة وهي ما إذا قصد القتل بما لا يقتل، وهي عكس الصورة الثانية حيث قصد هناك الضرب- دون القتل- بما يقتل، وأمّا المقام فقد قصد القتل بما لا يقتل، وإليه أشار في المتن «بقصد القتل بما يقتل ولو نادراً» ولو قال: بقصد القتل بما لا يقتل غالباً، لكان أوضح. وعلى كلّ تقدير فالقتل هنا من أقسام العمد لكفاية قصد القتل وتحقّقه بما لا يقتل، ويصحّ أن يعد من أفعاله الاختيارية.
ويمكن استفادة حكم الجميع من صحيحة الحلبي قال: قال أبو عبد اللَّه عليه السلام: «العمد كلّ ما اعتمد شيئاً فأصابه بحديدة أو بحجر أو بعصا أو بوكزة، فهذا كلّه عمد».[1]
فقوله: «اعتمد شيئاً» أي: قصد شيئاً من القتل والضرب بما يقتل كالحديدة والحجر، فتدخل فيه الصورتان الأُوليان.
وفي قوله: «أو بوكزة» تدخل الصورة الثالثة، فإنّ الوكزة غير قاتلة غالباً، وانّما يتّفق القتل نادراً، كما هو الحال في قصة موسى عليه السلام، قال سبحانه: «فَاسْتَغَاثَهُ الذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۱ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۳.
(— قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ»،[1] لكن إذا قصد القتل يُحسب عمداً.
إذا قصد الضرب دون القتل ولم تكن الآلة قاتلة، لكن ترتّب عليه القتل، كما لو ضربه بحصاة أو عود خفيف، قال المحقّق: فيه روايتان أشهرهما أنّه ليس بعمد.
فلندرس الموضوع على ضوء القاعدة والرواية. أمّا الأُولى فاحتمل صاحب الجواهر:
أوّلًا: عدم صدق العمد، فإنّه مع عدم القصد إليه، ولا إلى فعل ما يحصل به القتل غالباً، لا يصدق العمد عليه، بل لا يقال قتله متعمّداً أي إلى قتله، ثم عدل عن ذلك، وقال:
المتّجه فيه القصاص، لصدق القتل عمداً على معنى حصوله على جهة القصد إلى الفعل عدواناً الّذي حصل به القتل وإن كان ممّا يقتل نادراً، إذ ليس في شيء من الأدلّة العمد إلى القتل، بل ولا العرف يساعد عليه، فإنّه لا ريب في صدق القتل عمداً على مَنْ ضرب رجلًا عادياً غير قاصد للقتل، أو قاصداً عدمه فاتّفق ترتّب القتل على ضربه العادي منه المتعمّد له.[2]
يلاحظ عليه: أنّ الكلام في أنّ القتل فعل اختياري له أو لا؟ الظاهر لا، لأنّ الفعل الاختياري هو الصادر عن الإنسان عن وعي وشعور وإرادة، والمفروض أنّه لم يُرد سوى الضرب لكن ترتّب عليه القتل قهراً—)
[1]. القصص: ۱۵.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۱۷- ۱۸.
(— واضطراراً، فهو بالنسبة إلى الضرب فاعل قاصد، وأمّا بالنسبة إلى القتل فهو فاعل غير قاصد.
وإن شئت قلت: إنّ كلا الأمرين: (الضرب والقتل) فعلان له، لكن أحدهما موصوف بالاختيار دون الآخر، والعمد فرع الاختيار. وما أفاد من الضابطة من صدق القتل عمداً بمجرّد كونه قاصداً إلى الفعل عدواناً الّذي حصل به القتل مجرّد ادّعاء، فلو دخل بستان الغير عدواناً للانتفاع بثماره واغتمّ صاحبه ومات، لا يقال انّه قتله عمداً.
وقد مرّ أنّ المحقّق قال فيه روايتان، أي طائفتان، فلندرسهما.
۱. صحيحة أبي العباس، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: قلت له: أرمي الرجل بالشيء الذي لا يقتل مثله، قال: «هذا خطأ»، ثم أخذ حصاة صغيرة فرمى بها.[1] فإنّ الرمي بما لا يقتل يلازم عدم قصد القتل.
۲. رواية يونس، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «إن ضرب رجل رجلًا بعصا أو بحجر فمات من ضربة واحدة قبل أن يتكلم فهو يشبه العمد، فالدية على القاتل؛ وإن علاه وألحّ عليه بالعصا أو بالحجارة حتى يقتله، فهو عمد يقتل به؛ وإن ضربه ضربة واحدة فتكلّم ثم مكث يوماً أو أكثر من يوم فهو شبه العمد».[2]—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۱ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۷.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۱ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۵.
(— فإنّ قوله: «وإن علاه وألحّ عليه بالعصا» يدلّ على أنّه قصد القتل وإن بلغ ما بلغ، بخلاف ما قبله وما بعده، فإنّ مقتضى التقابل عدم كونه قاصداً للقتل.
۱. رواية أبي بصير، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «لو أنّ رجلًا ضرب رجلًا بخزفة أو بآجرة أو بعود فمات كان عمداً»[1].
۲. رواية جميل بن دراج، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما عليهما السلام، قال:
«قتل العمد كلّ ما عُمد به الضرب فعليه القود».[2]
ولا يخفى وجود الضعف فيما دلّ على القصاص؛ لأنّ في سند الأُولى علي بن أبي حمزة، وفي سند الثانية إرسال.
ولعلّ من هذه الطائفة ما مرّ من صحيحة الحلبي حيث عبّر: «بوكزة».
والترجيح مع الطائفة الثانية لأنّها أشهر وأوفق بالاحتياط.
وهو عبارة عمّا إذا قصد شيئاً فأصاب غيره، ففي صحيح أبي العباس، قلت: أرمي الشاة فأُصيب رجلًا؟ قال: «هذا الخطأ الذي لا شكّ فيه».[3]
إلى هنا تمّت دراسة تعريف الأقسام الثلاثة للقتل العمد وشبه العمد والخطأ. وقد اقتصر الأُستاذ الكلام حيث لم يُعّرف شبه العمد ولا الخطأ المحض لعدم تعلّق القصاص بهما، وأحال ذلك إلى كتاب الديات.
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۱ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۸.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۱ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۶.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۱ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۷.
المسألة ۲. العمد قد يكون مباشرة، كالذبح والخنق باليد والضرب بالسيف والسكّين والحجر الغامز والجرح في المقتل، ونحوها ممّا يصدر بفعله المباشري عرفاً ففيه القود. وقد يكون بالتسبيب بنحو، وفيه صور نذكرها في ضمن المسائل الآتية.^
^
قد عرفت أنّ الموضوع للقصاص هو القتل عن عمد، قال سبحانه: «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَ غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيًما»[1].
فإن قلت: لا صلة للآية بالقصاص فإنّ مفادها، ترتّب العقاب.
قلت: القتل عن عمد يساوق القتل مظلوماً، فقد دلّ قوله: «وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا»[2] على القصاص. فالقتل عن عمد بفضل الآية الثانية موضوع للقصاص، مضافاً إلى رواية جميل الّتي تقدّمت.
فلابدّ من ثبوت كون فعله معنوناً بهذا العنوان بأحد الطرق الثلاثة:
۱. إمّا أن يباشر القتل بنفسه بلا استعانةٍ بالأسباب، كالذبح والخنق وسقي السم القاتل.
۲. أن يقوم به بتسبيب من الأسباب، كما لو رماه بسهم مسموم.—)
[1]. النساء: ۹۳.
[2]. الإسراء: ۳۳.
(— ۳. أن يوجد شرطاً للقتل، كما لو حفر بئراً فوقع فيه أحد بدفع الآخر.
ثم إنّ الفرق بين القتل بالمباشرة والقتل بالتسبيب يحتاج إلى دقّة، وقد عدّ المصنّف الضرب بالسيف من أقسام المباشرة، وفي الوقت نفسه عدّ في المسألة الثالثة الرمي بالسهم أو بالبندقية من التسبيب، مع أنّ التفريق بينهما مشكل. ويمكن التفريق بوجهين:
۱. لا يتوسّط في الأوّل بين فعله والتأثير في المقتول زمان، بخلاف الرمي بالسهم أو بالبندقية، خصوصاً إذا وصفنا السهم بالسمّ، وأمّا البندقية فتوجد جرحاً موجباً للسراية المولّدة للموت، فأقرب العلل إلى الزهوق هو القتل بالمباشرة، وغيره هو القتل بالتسبيب.
۲. أنّ القاتل في الضرب بالسيف يباشر بيده في إماتة الرجل، بخلاف الأخيرين فإنّه يرسل السهم ويتخلّى عن الأمر والسهم يعمل عمله بلا مباشرة الرامي.
ثم إنّ تقسيم العمد إلى مباشري وتسبيبي أمر لا طائل تحته، إذ لم يرد في السنّة هذان العنوانان، وإنّما الموجود هو القتل عن عمد، فالميزان هو صدق القتل عمداً، سواء أكان مباشرياً أم تسبيبياً أو مستنداً إليه بنحو ضعيف كإيجاد الشرط، كحفر البئر الّذي وقع فيها الغير بدفع ثالث، وأمّا إذا حفر في طريقه أو استطرقه إلى ذلك فهو داخل في التسبيب.—)
(—
ثم إنّ المصنّف ذكر للتسبيب أقساماً:
الأوّل: انفراد الجاني بالتسبيب المتلف
وقد بدأ ببيانه من المسألة الثالثة إلى المسألة الخامسة عشرة.
الثاني: أن ينضم إليه مباشرة المجني عليه كما لو قدّم طعاماً مسموماً
وبدأ ببيانه من المسألة السادسة عشرة إلى المسألة الثالثة والعشرين.
الثالث: أن ينضم إليه مباشرة حيوان كما لو ألقاه في البحر فالتقمه حوت
وقد بدأ ببيانه من المسألة الرابعة والعشرين إلى المسألة الحادية والثلاثين.
الرابع: أن ينضم إليه مباشرة إنسان آخر كما لو حفر بئراً فوقع فيه أحد بدفع الآخر
وبدأ ببيانه من المسألة الثانية والثلاثين إلى آخر الفصل.
وهذه المراتب الأربع للتسبيب، ولكل مرتبة أمثلة.
ولكنّك عرفت أنّ المهم هو إثبات عنوان العمد، ولا تأثير لكون الفعل صادراً عنه بالمباشرة أو بالتسبيب.
أمّا القتل المباشري فقد مثل له المصنّف بالذبح والخنق باليد—)
(— وسقي السم القاتل والضرب بالسكين والسيف، والحجر الغامز.[1]
والجرح في المقتل[2]، كالفؤاد والخاصرة والصدر وأصل الأُذن والأُنثيين والمثانة ونقرة النحر، فكلّ ذلك ممّا يقتل غالباً.
وقد حكم المصنّف على الجميع بأنّها من مقولة القتل عن عمد، وذلك لما عرفت من الضابطة، وهي: أنّ الفعل ممّا يقتل غالباً فالقتل موصوف بالعمد، سواء قصد القتل أو لا. والأمثلة المذكورة من هذه المقولة.
[1]. أي الكابس على البدن لثقله.
[2]. أي الجرح في المكان الّذي يقتل ولو بغرز الإبرة.
المسألة ۳. لو رماه بسهم أو بندقة فمات، فهو عمد عليه القود ولو لم يقصد القتل به، وكذا لو خنقه بحبل ولم يزح عنه حتى مات، أو غمسه في ماء ونحوه ومنعه عن الخروج حتى مات، أو جعل رأسه في جراب النورة حتى مات، إلى غير ذلك من الأسباب التي انفرد الجاني في التسبيب المتلف، فهي من العمد.^
^ بدأ المصنّف بذكر التسبيب الّذي ينفرد به المتلف ضمن مسائل تنتهي إلى المسألة الخامسة عشرة.
فذكر في هذه المسألة من أقسام القتل بالتسبيب صوراً:
أ. إذا رمى بسهم أو بغيره واتّخذ المقتل غرضاً ففيه القصاص.
ب. إذا رمى بسهم من دون أن يتخذ المقتل غرضاً للرمي، بل رمى على وجه الإطلاق فأصاب المقتل، فالقتل عمدي؛ لأنّ الآلة قاتلة غالباً والمفروض أنّه رماه على وجه الإطلاق غير مجتنب عن المقتل، فإذا أصابه يكفي كون الفعل قاتلًا.
ج. لو رماه ملتزماً بالاجتناب عن الوصول إلى المقتل ولكنّه—)
(— أصابه، فالقتل يوصف بالخطأ أو شبه العمد.
هذا ما يرجع إلى الأُوليين- أعني: الرمي بالسهم أو بالبندقية- وأمّا الثلاثة الأخيرة، أعني:
۱. الخَنَق بالحبل ولم يُرخه عنه، حتى مات.
۲. الغمس في الماء ونحوه ومنعه عن الخروج حتى مات.
۳. جعل رأسه في جراب النورة حتى مات.
فوجهه: أنّ الفعل، وإن شئت قلت: الآلة ممّا يقتل غالباً فهو عمد، سواء قصد القتل أم لا.
وحصيلة الكلام: أنّ الأسباب الأخيرة لها صورة واحدة، ولهذا حكم فيها بالقود، بخلاف الأُوليين فلهما صور في بعضها القَوَد كما مرّ.
المسألة ۴. في مثل الخنق ومابعده لو أخرجه منقطع النفس، أو غير منقطع لكن متردّد النفس، فمات من أثر ما فُعل به، فهو عمد عليه القود.^
المسألة ۵. لو فعل به أحد المذكورات بمقدار لا يقتل مثله غالباً لمثله ثم أرسله فمات بسببه، فإن قصد ولو رجاء القتل به ففيه القصاص، وإلّا فالدية؛ وكذا لو داس بطنه بما لا يقتل به غالباً، أو عصر خصيته فمات، أو أرسله منقطع القوة فمات.^^
الفرق بين هذه الصورة وما تقدّم، هو أنّ القاتل لم يرسل المقتول، حتّى مات بخنقه أو تحت الماء، ولكنّه في هذه الصورة، أرسله وله نفس منقطع أو متردّد لكنّه مات إثر ما فعل به، فهو أيضاً قتل عمد؛ لأنّ الفعل أو الآلة ممّا يقتل، وإرساله أو إخراجه من الماء بعد تأثير الفعل القاتل لا يخرجه من وصف العمد.
^^ الفرق بين هذه الصورة وما تقدّم من الصورتين أنّ الفعل في الأُوليين ممّا يقتل، غير أنّه لم يطلقه حتّى مات تحت الخنق، كما في الصورة الأُولى، أو أرسله وأخرجه من الماء بعد ما لم ينفعه، فعدّ من القتل عمداً كما في الصورة الثانية.
وأمّا الأخيرة فقد خنقه أو غمس رأسه تحت الماء ولكن لم يكن ممّا—)
(— يقتل به غالباً، كما إذا كانت المدة قليلة، فقد قال المحقّق: ففي القصاص تردّد، والأشبه القصاص إذا قصد القتل، والدية إن لم يقصد أو اشتبه القصد.[1] وهو أيضاً مختار المصنّف.
وجهه: أنّ ما جاء من الأمثلة ليس ممّا يقتل غالباً كما هو المفروض، فعلى هذا لا يوصف بالعمد إلّاإذا قصد القتل، ولذلك فصّل بين قصد القتل فالقصاص، وعدمه فالدية.
وعلى هذا يجب أن يحمل قوله: «أو عصر خصيته فمات أو أرسله منقطع القوة فمات»، على ما لا يقتل به غالباً دون ما يقتل، بقرينة أنّه قيّد دوس البطن به.
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۱۹۶.
المسألة ۶. لو كان الطرف ضعيفاً، لمرض أو كبر ونحوها، ففعل به ما ذُكر في المسألة السابقة، فالظاهر أنّ فيه القصاص ولو لم يقصد القتل مع علمه بضعفه، وإلّا ففيه التفصيل المتقدم.^
المسألة ۷. لو ضربه بعصا- مثلًا- فلم يقلع عنه حتى مات، أو ضربه مكرراً ما لا يتحمّله مثله بالنسبة إلى بدنه ككونه ضعيفاً أو صغيراً، أو بالنسبة إلى الضرب الوارد ككون الضارب قوياً، أو بالنسبة إلى الزمان كفصل البرودة الشديدة- مثلًا- فمات، فهو عمد.^^
^
إذا كان الطرف ضعيفاً ففعل به أحد المذكورات في المسألة السابقة بمقدار لا يقتل مثله، غالباً لمثله، كما إذا خنقه ثم أرسله، ولكن كان الطرف ضعيفاً لم يتحمّله، فهنا تفصيل:
۱. إن علم أنّ فيه ضعفاً لا يتحمّله ففيه القصاص؛ لأنّه قصد الفعل المنتهي إلى القتل، سواءً قصد قتله أم لم يقصد، لكفاية كون الفعل قاتلًا.
۲. إذا لم يعلم أنّ فيه ضعفاً لكن قصد القتل، فيوصف بالعمد لما مرّ من أنّ الفعل إذا لم يكن ممّا يقتل ولكن قُصد به القتل، يوصف بالعمد.
۳. تلك الصورة لكن لم يقصد القتل، فيكون شبه العمد وفيه الدية.
^^ كان الكلام في المسألة السابقة ملاحظة حال المضروب فقط؛ ولكنّه هنا أعم من ملاحظة حال المضروب من كونه ضعيفاً أو صغيراً، وحال الضارب من كونه قوياً أو غير قوي، وحال زمان الفعل من كونه في هواء—)
(— بارد أو لا. إذا عرفت ذلك فأعلم أنّ هنا فرعين:
لو ضربه بعصا مثلًا فلم يقلع عنه حتّى مات، ففيه القصاص، فإنّ الفعل قاتل، سواء أقصد قتله أم لا، حيث إنّ الضرب بالعصا على مخّه مثلًا قاتل، إذ قد يؤدّي نزف الدم داخل الدماغ إلى الموت.
والمتبادر من عبارة المتن أنّه ضربه ضربة واحدة فمات بقرينة تقابله مع قوله: لو ضربه مكرراً.
ويدلّ على ذلك ما رواه أبو الصباح الكناني والحلبي، عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: سألناه عن رجل ضرب رجلًا بعصا فلم يقلع عنه الضرب حتّى مات، أيدفع إلى ولي المقتول فيقتله؟ قال: «نعم، ولكن لا يترك يعبث به، ولكن يجيز عليه بالسيف»[1].
والمتبادر من الرواية أنّ الضارب لم يكن يقصد القتل، وإلّا لما كان هنا وجه للسؤال، إذ عندئذٍ يكون الضارب قاصداً للقتل والآلة قاتلة، ولذلك قلنا:
إنّه يقاد قصد أم لم يقصد. فإن قلت: يظهر من مرسلة يونس أنّه من مقولة شبه العمد؛ إذ روى عن بعض أصحابه، عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إن ضرب رجل رجلًا بعصا أو بحجر فمات من ضربة واحدة قبل أن يتكلّم فهو يشبه العمد، فالدية على القاتل.—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۱ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۲.
(— وإن علاه وألحّ عليه بالعصا أو بالحجارة حتّى يقتله، فهو عمد يقتل به.
وإن ضربه ضربة واحدة فتكلّم ثم مكث يوماً أو أكثر من يوم، فهو شبه العمد»[1].
والشاهد في الفقرة الأُولى– أعني: «ضرب رجل رجلًا بعصا أو بحجر فمات من ضربة واحدة»- لعلّه نفس الفرع الوارد في روايتي الكناني والحلبي.
قلت: الفرق في أنّ الآلة في الأوّل قاتلة دون الثاني، مع أنّ الفقرتين تشتركان في كون القتل مستنداً إلى ضربة واحدة، وكون الضارب غير قاصد للقتل، فحكم في الأُولى بالقود دون الثانية.
وأمّا الفقرة الثانية فقد حكم فيها بالقود لكون الفعل قاتلًا، قال: «وإن علاه وألحّ عليه بالعصا» فإنّ الإلحاح بمعنى كثرة الضرب الذي يلازم القتل.
وأمّا الفقرة الثالثة فهي نفس الفقرة الأُولى، غير أنّه مات في الفقرة الأُولى فوراً بخلاف الثالثة حيث مات بعد أكثر من يوم.
إذا ضربه مكرّراً على نحو لا تكون الضربة الواحدة كافية في القتل وإنّما قتله تعدّد الضربات، فمع كون الفعل قاتلًا فهو داخل في الفقرة الثانية في رواية يونس.—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۱ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۵.
(— ثمّ إنّ عدم التحمّل يكون لأحد الوجوه التالية:
۱. إمّا لأنّ الضرب خفيف ولكن المضروب لأجل ضعفه وصغره لا يتحمّله.
۲. أو كون الضارب قوياً، وإن لم يكن المضروب ضعيفاً أو صغيراً.
۳. أو كون الزمان مؤثراً في القتل، كفصل البرودة الشديدة.
ففي الجميع يحكم بالعمد؛ وذلك لأنّه قصد القتل، وكان- بملاحظة الظروف المحدقة به- قتّالًا.
المسألة ۸. لو ضربه بما لا يوجب القتل، فأعقبه مرضاً بسببه ومات به، فالظاهر أنّه مع عدم قصد القتل لا يكون عمداً ولا قود، ومع قصده عليه القود.^
^
ولو ضربه دون ذلك فأعقبه مرضاً ومات، فقال المحقّق: إنّه كالأوّل أي عمد.[1]
وظاهر العبارة فرضه فيما إذا لم يقصد القتل.
ولذلك علّله في «المسالك» بأنّ ضربه وإن لم يكن قاتلًا غالباً ولا قصده، إلّا أنّ إعقابه بالمرض الذي حصل به التلف صيّر الأمرين بمنزلة سبب واحد، وهو ممّا يقتل غالباً وإن كان الضرب على حدته ممّا لا يقتل. ويؤيده ما سيأتي من أنّ سراية الجرح عمداً توجب القود، وإن لم يكن الجرح قاتلًا، وهذا من أفراده؛ لأنّ المرض مسبب عن الجرح، ومنه نشأ الهلاك، فكان في معنى السراية. وبهذا الحكم صرّح في القواعد[2] والتحرير.[3]
ثم استشكل قائلًا: ولا يخلو من إشكال؛ لأنّ المعتبر في العمد إمّا القصد إلى القتل، أو فعل ما يقتل غالباً، والمفروض هنا خلاف ذلك، وإنّما حدث القتل من الضرب والمرض المتعقّب له، والمرض ليس من فعل الضارب وإن—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۱۹۶.
[2]. قواعد الأحكام: ۲/ ۲۷۸.
[3]. تحرير الأحكام: ۵/ ۴۲۴ برقم ۶۹۸۲.
(— كان سبباً له فيه، إلى أن انتهى إلى القول بالتفصيل وقال: إنّ الضرب المعقب للمرض عمد إن قُصد به القتل، ويوجب الدية إن لم يقصد، لا أنّه عمد مطلقاً، نظير ما لو حبس نَفَسَه يسيراً ثم أرسله، فقد تقدّم فيه أنّ الأشبه القصاص إن قصد القتل، أو الديه إن لم يقصد أو اشتبه.[1]
ولعلّه لهذا فصّل في المتن بين قصد القتل وعدمه، وفاقاً للمسالك.
ثم إنّ صاحب الجواهر أفتى بكونه عمداً حتّى وإن كانت السراية نادرة، وذلك لما اختاره في معنى العمد[2] من الصدق العرفي، وكون العمل عدواناً من غير اعتبار قصد القتل، ولا كون الشيء ممّا يقتل مثله، إذ ذاك عمد إلى القتل لا قَتَله عامداً.[3] ولكنّك قد عرفت ضعف المبنى وأنّ مجرد قصد الفعل العدواني لا يصحّح نسبة القتل إليه إذا كان غير قاصد للقتل ولا الآلة قاتلة، وإنّما اكتفينا في صدق العمد بكون الفعل ممّا يقتل وإن لم يقصد القتل، لأجل أنّ تعلّق الإرادة بفعل يَقتل غالباً لا ينفك في الضمير عن قصد القتل كذلك، والمفروض في المقام انتفاء الأمرين. وقد مرّ أنّه لو كان الطرف ضعيفاً لمرض أو صغر أو كبر ونحوها ففعل به مثل الخنق والغمس في الماء، أنّه يوصف بالعمد إذا قصد القتل دونما إذا لم يقصد، فلاحظ.
[1]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۷۰.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۱۷، قال: القصد إلى الفعل عدوانا الّذي حصل به القتل.
[3]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۴.
المسألة ۹. لو منعه عن الطعام أو الشراب مدّة لا يحتمل لمثله البقاء، فهو عمد وإن لم يقصد القتل، وإن كان مدّة يتحمّل مثله عادة ولا يموت به لكن اتّفق الموت، أو أعقبه بسببه مرض فمات، ففيه التفصيل بين كون القتل مقصوداً ولو رجاءً، أو لا.^
^
في المسألة فرعان:
۱. لو منعه عن الطعام والشراب مدة لا يحتمل لمثله البقاء فهو عمد؛ لأنّ الفعل ممّا يقتل، سواء أقصد القتل أم لم يقصد.
الظاهر أنّ الضمير في «لمثله» يرجع إلى الممنوع فلابدّ من ملاحظة صنف الممنوع ثم يحكم عليه بالاحتمال وعدمه.
۲. إذا منعه مدة يتحمّل مثله عادة ولا يموت، لكن اتّفق الموت أو أعقبه بسببه مرض فمات، ففيه التفصيل بين كون القتل مقصوداً ولو رجاءً، أو لا.
ففي الأوّل القود لوجود القصد، وإن لم يكن الفعل قاتلًا غالباً، دون الثاني؛ لأنّه شبه العمد، وذلك لعدم قصد القتل أوّلًا، وعدم كون الفعل ممّا يقتل ثانياً. هذا ما عليه المصنّف كالمسألة المتقدّمة.
هذا إذا كان المقياس هو صنف الممنوع من الصغر والكبر والوسط، ويمكن أن يقال: إنّ الميزان شخص الممنوع فيفرق بين علم الجاني بالحال وأنّه مميت لشخصه أو أنّه يعقب مرضاً يقتل به ففيه القود؛ لأنّ مثل هذا العلم لا ينفكّ عن قصد القتل، وبين جهله بالحال ففيه التفصيل بين كون قصده القتل وعدمه.
المسألة ۱۰. لو طرحه في النار فعجز عن الخروج حتى مات، أو منعه عنه حتى مات، قتل به؛ ولو لم يخرج منها عمداً وتخاذلًا فلا قود ولا دية قتل، وعليه دية جناية الإلقاء في النار، ولو لم يظهر الحال واحتمل الأمران لا يثبت قود ولا دية.^
^
فهنا صور:
۱. لو كان الخروج ممتنعاً لكثرة النار أو ضعف الرجل، أو كون محل النار في وهدة، قتل به؛ لأنّ الآلة قتّالة.
۲. لو كان قادراً بمعنى أنّه يتمكّن من الخروج ولكنّه لم يخرج ومات، فلو عُلم أنّه ترك الخروج تخاذلًا فلا قود؛ لأنّه أعان على نفسه، بل لا دية له عليه لأنّه مستقل بإتلاف نفسه.
۳. إذا اشتبه عدم خروجه بين كون تركه تخاذلًا وعدمه فهل يُحكم بالقود أو لا؟ ففيه وجهان:
وهو الظاهر من المحقّق حيث قال: ولو كان قادراً على الخروج؛ لأنّه قد يُشدَه، ولأنّ النار قد تشنّج الأعصاب بالملاقاة، فلا يتيسّر له الفرار.[1] فقوله «يشده» من: شُده الرجل: دهش.—)
[1]. شرائع الإسلام: ۲/ ۱۹۶.
(— والظاهر أنّ العبارة ناظرة إلى صورة الجهل بسبب الخروج، وأمّا لو عُلم أنّه ترك الخروج تخاذلًا فقد صرّح به بعد تلك العبارة وقال: أمّا لو عُلم أنّه ترك الخروج تخاذلًا، فلا قود؛ لأنّه أعان على نفسه.
ووجّهه الشهيد الثاني في «المسالك» قائلًا: ولو مات في النار واشتبه الحال هل كان قادراً على الخروج فتركه تخاذلًا، أم لا؟ فالحكم فيه كذلك، لوجود السبب المقتضي للضمان وهو الإلقاء، مع الشك في المسقط وهو القدرة على الخروج فتركه مع التهاون فيه. ولا يسقط الحكم بثبوت أصل القدرة ما لم يُعلم التخاذل عن الخروج، لاحتمال أن يعرض له ما يوجب العجز من دهش وتحيّر أو تشنّج أعضائه ونحو ذلك.[1]
ولعلّ نظر الشهيد الثاني إلى قاعدة المقتضي وعدم المانع، فالمقتضي محرز وهو الإلقاء في النار، والشكّ في المانع والأصل عدمه، مثل أصالة عدم كون خروجه من باب ا لتخاذل.
يلاحظ عليه: بأنّ المقتضي وإن كان موجوداً ولكن الجزء الآخر، أعني:
استصحاب عدم كون الخروج من باب التخاذل فاقد للحالة السابقة، إلّاعلى القول بجريان الاستصحاب في الأعدام الأزلية، وهو ممنوع.
نعم يمكن أن يقال: إنّ إثبات عدم المانع غني عن الاستصحاب؛ لأنّ الظاهر من حال الإنسان أنّه إذا وقع في النار لا يتخاذل عن الخروج، فلو لم يخرج فإنّما هو لحصول التشنّج في أعضائه أو الدهشة الّتي منعته من الخروج، فالمقتضي- أعني: الإلقاء في النار- مع ظاهر الحال كافٍ في ثبوت القود—)
[1]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۷۳.
(— على الملقي، إذ أي عاقل إذا وقع في النار لا يحاول الخروج، واحتمال التخاذل بعيد جدّاً.
وبالجملة الاحتمالان ليسا على درجة واحدة، فاحتمال أنّه لم يخرج عجزاً أقوى من احتمال كونه للتخاذل، إلّاإذا علم أنّ الرجل قبل الإلقاء بصدد الانتحار، وإلّا فاحتمال كون الترك مستنداً إلى التخاذل نادر لا يسبق إلى الأذهان، فلو لم نقل بالقصاص، فلا أقلّ من القول بثبوت الدية كما سيوافيك في كلام العلّامة.
وهو قول العلّامة في «القواعد»، قال: وإن تركه في نار يتمكّن من التخلّص منها لقلّتها، أو لكونه في طرفها يمكن الخروج بأدنى حركة فلم يخرج فلا قصاص.
وفي الضمان إشكال، أقربه السقوط إن علم منه أنّه ترك الخروج تخاذلًا، ولو لم يعلم ضمنه وإن قدر على الخروج، لأنّ النار قد ترعبه وتدهشه وتشنّج أعضاءه بالملاقاة، فلا يظفر بوجه المخلّص.[1]
فالقدرة على الخروج لا تلازمه؛ لأنّ الدهشة وتشنّج الأعضاء يصدّه عن إعمال القدرة.
ثم لو قلنا بمبنى صاحب الجواهر فالضمان أظهر حيث قال: إذا قصد فعلًا عدوانياً وإن لم يكن قاصداً للقتل ولا الآلة قاتلة[2]، والمفروض أنّ—)
[1]. قواعد الأحكام: ۳/ ۵۸۵.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۶.
(— الفعل عدوانيٌّ، ولكنّك عرفت ضعفه.
ولكنه قدس سره لم يستفد من مبناه في المقام، وإنّما أيّد قول المحقّق بقوله:
ودعوى أنّ مجرّد الإلقاء سبب للضمان، واضحة المنع.[1]
ولكنّك عرفت أنّ السبب ليس مجرّد الالقاء، بل بضميمة حال المُلقى، فإنّه قلّما يتّفق أن لا يخرج تخاذلًا، إلّاإذا قصد الانتحار، فالقول بالقصاص أقوى.
فما في المتن: «ولو لم تظهر الحال واحتمل الأمران، لا يثبت قود ولا دية» بعيد إذا لم يكن المطروح مجنوناً ولا مخبطاً ولا انتحارياً، إذ كيف يحتمل في حقّه أنّه لم يخرج تخاذلًا، فليس هناك إلّااحتمال واحد وهو عدم الخروج لعدم التمكّن.
ولو لم يمكن الخروج إلّاإلى ماء مغرق أو إلقاء من شاهق، فخرج وغرق، أو ألقى نفسه من شاهق فقتل فالأقوى القود، لأنّه يشبه ما لو خنقه بحبل ثم أرسله منقطع النفس، أو غير منقطع بضع دقائق ثم مات.
فإن قلت: إنّه وإن صار مقتولًا لكن القتل لا ينسب إلى الطارح لا مباشرة ولا تسبيباً، أمّا المباشرة فواضحة، وأمّا التسبيب فهو عبارة عن كون الفعل فعلًا ناشئاً عن عمل الطارح، وما نحن فيه ليس كذلك.
قلت: يكفي في القود، أنّه صار مقتولًا بسبب الغرق أو الإلقاء من شاهق، وكلاهما مسببان من إلقائه في النار، ولولا ذلك لم يلق نفسه من شاهق أو في الماء الكثير.
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۶.
المسألة ۱۱. لو ألقاه في البحر ونحوه فعجز عن الخروج حتى مات، أو منعه عنه حتى مات، قتل به، ومع عدم خروجه عمداً وتخاذلًا أو شُكّ في ذلك فحكمه كالمسألة السابقة، ولو اعتقد أنّه قادر على الخروج لكونه من أهل فن السباحة فألقاه ثم تبيّن الخلاف، ولم يقدر الملقي على نجاته، لم يكن عمداً.^
^
هذه المسألة تشارك سابقتها في الفروع الثلاثة، ولكن المصنّف أضاف فرعاً رابعاً، ويعلم حكم الثلاثة الأُول ممّا ذكرناه في المسألة السابقة وإليك البيان إجمالًا:
۱. لو ألقاه في البحر ولم يتمكّن من الخروج، أو منعه عنه حتى مات، ففيه القود؛ لأنّ الآلة قتّالة وقد قصد القتل أيضاً.
۲. لو كان قادراً ولم يخرج تخاذلًا، فلا قود ولا دية.
۳. لو كان قادراً على الخروج واشتبه الحال في سبب عدم خروجه، وقد تقدّم في المسألة السابقة أنّ الطرح في النار أو الماء بضمّ ظاهر الحال من أنّ الحريق أو الغريق يسعى في نجاة نفسه، فلو فشل فإنّما هو بسبب عدم التمكّن لا التخاذل يثبت أنّ القتل عمدي، حتّى إنّ العقلاء لا يرون هذين الاحتمالين على درجة واحدة، بل ربّما لا يلتفتون إلى أنّ عدم الخروج كان بسبب التخاذل. ۴. لو اعتقد أنّه قادر على الخروج لكونه من أهل فن السباحة فألقاه، ثم تبيّن الخلاف ولم يقدر الملقي أيضاً على نجاته لم يكن عمداً؛ وذلك لأنّه لم يقصد القتل، ولم تكن الآلة باعتقاده قتّالة، فيكون شبه العمد.
المسألة ۱۲. لو فصده ومنعه عن شدّه فنزف الدم ومات، فعليه القود؛ ولو فصده وتركه، فإن كان قادراً على الشدّ، فتركه تعمّداً وتخاذلًا حتى مات، فلا قود ولا دية النفس، وعليه دية الفصد، ولو لم يكن قادراً فإن علم الجاني ذلك فعليه القود، ولو لم يعلم فإن فصده بقصد القتل ولو رجاءً فمات فعليه القود ظاهراً، وإن لم يقصده بل فصده برجاء شدّه فليس عليه القود، وعليه دية شبه العمد.^
^
في المسألة فروع:
۱. لو فصده ومنعه عن الشد حتى مات.
۲. لو فصده وتركه مع علمه بأنّ المجنيّ عليه قادر على الشدّ ولكنّه لم يشدّ تخاذلًا.
۳. لم يكن قادراً ويعلم الجاني عدم قدرة المجنيّ عليه على الشدّ.
۴. لم يكن قادراً على الشدّ ولكن الجاني لم يعلم بذلك.
وإليك أحكام الفروع.
أمّا الأوّل: فلا شكّ أنّه من مصاديق قتل العمد؛ لأنّ الفصد مع المنع عن الشدّ ينتهي إلى القتل، فعليه القود.
وأمّا الثاني: أعني ما لو ترك المجنيُّ عليه الشدّ عمداً حتى مات، فلا قود ولا دية النفس؛ لأنّ الموت مستند إلى الجزء الأخير وهو تخاذله عن—)
(— الشدّ، غاية الأمر على الجاني دية الفصد.
وأمّا الثالث: ففيه القود؛ لأنّ الجاني يعلم بعجز المجني عليه عن الشدّ، والمفروض أنّ الجاني أيضاً لم يقم بالشدّ، فالسبب ممّا يقتل.
وأمّا الرابع: أعني إذا لم يعلم بعجز المجنيّ على الشدّ أو قدرته، فمات، فإن فصده بقصد القتل ولو رجاءً ففيه القود؛ لأنّ قصد القتل يكفي في ثبوت القود، إلّاأن يقوم دليلٌ على التخاذل. وإن لم يقصد القتل بل فصده برجاء شدّه ولكنّه مات قبل الشدّ، فليس عليه القود؛ لأنّه لم يقصد القتل أوّلًا، ولم يثبت كون الآلة في المورد قتّالة؛ لأنّه فصده برجاء الشدّ ولكن لم يوفّق لذلك، فالعمل أشبه بشبه العمد.
المسألة ۱۳. لو ألقى نفسه من علوّ على إنسان عمداً، فإن كان ذلك ممّا يقتل به غالباً ولو لضعف الملقى عليه- لكبر أو صغر أو مرض- فعليه القود، وإلّا فإن قصد القتل به ولو رجاء فكذلك هو عمد عليه القود، وإن لم يقصد فهو شبه عمد، وفي جميع التقادير دم الجاني هدر، ولو عثر فوقع على غيره فمات فلا شيء عليه لا ديةً ولا قوداً، وكذا لا شيء على الذي وقع عليه.^
^
في المسألة فروع:
۱. إذا ألقى نفسه من شاهق على إنسان عمداً وكان ذلك ممّا يقتل به (وإن لم يقصد الملقي القتل) وذلك لضعف الملقى عليه لكبر أو صغر أو مرض، فعليه القود؛ لأنّ الآلة- في خصوص المورد- قتّالة، ولا يشترط عندئذٍ قصد القتل في وجوب القود.
۲. إذا لم يكن الإلقاء قاتلًا ولكنّه قصد القتل من الإلقاء ولو رجاءً، فعليه القود أيضاً؛ لكون الآلة وإن لم تكن قتّالة، لكنّه قد قصد القتل وتحقّق.
۳. تلك الصورة ولكنّه لم يقصد القتل فهو شبه العمد؛ لأنّ المفروض أنّ الآلة غير قتّالة ولم يقصد الملقي القتل، فالدية فيها مغلّظة.
۴. ولو وقع على الغير بلا اختيار فهو الخطأ المحض، ففيه الدية غير المغلّظة.
^^^
—)
(— ثمّ إنّ المصنّف ذكر فرعاً خارجاً عن المسألة بقوله: لو عثر فوقع على غيره فمات، فلا شيء عليه لا دية ولا قوداً، وكذا لا شيء على الذي وقع عليه.
العبارة تحتمل وجهين:
۱. لو قلنا بأنّ الضمير في «مات» يرجع إلى العاثر ويكون المراد: أنّ رجلًا عثر فوقع على غيره فمات العاثر دون من وقع عليه، فعندئذٍ لا شيء للعاثر قوداً ولا دية؛ لأنّ موته مستند إلى نفسه، فليس له طلب القصاص أو الدية، كما لا شيء على من وقع عليه، إذ لم يصدر منه شيء حتّى يسأل عنه. ولو كان هذا هو المراد لم يكن مخالفاً للقاعدة. ولكن اللازم أن يقال: ولا شيء له، لا دية ولا قوداً.
۲. لو قلنا بأنّ الضمير يرجع إلى الغير يكون معنى العبارة: لو عثر فوقع على الغير ومات من وقع عليه فلا شيء على العاثر دية وقصاصاً لما يأتي من الروايات، وعندئذٍ يكون قوله: «ولا شيء على الّذي وقع عليه» كلاماً زائد؛ لأنّ المفروض أنّه مقتول ولا معنى لاحتمال القود، لكن الفرع ينطبق على ما جاء في الروايات التالية:
۱. روى عبيد بن زرارة، قال سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن رجل وقع على رجل فقتله؟ فقال: «ليس عليه شيء». ۲. ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السلام قال: في الرجل يسقط على الرجل فيقتله، فقال: «لا شيء عليه».—)
(— ۳. ما رواه عبيد بن زرارة قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن الرجل وقع على رجل من فوق البيت فمات أحدهما؟ قال: «ليس على الأعلى شيء ولا على الأسفل شيء».[1]
لكنّ الإفتاء بمفادها مشكل لمخالفتها مقتضى القواعد، ولابد من القول بأنّ النفي نسبي والمنفي هو القود لا الدية، ضرورة عدم كونه أقل تأثيراً من النائم والساهي. ولذا صار الإلقاء على الشخص حالة النوم والسهو سبباً لقتله.
وتصوّر أنّه لم يصدر من العاثر شيء، خلف الفرض، وإلّا يكون موت الغير مقارناً مع عثرته، وهو غني عن البيان. ولا محيص عن حمل قوله: «ليس على الأعلى شيء» على القصاص دون الدية، نعم ليس على الأسفل شيء مطلقاً، لا القصاص ولا الدية، فلاحظ.
وهذه المسألة لم يتعرّض لها المصنّف، ولها صور، ويقع الكلام فيها في مقامين:
۱. لو قصد الدافع قتل الّذي وقع عليه المدفوع، أو كان الفعل قاتلًا فهلك، أُقيد به.—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۰ من أبواب القصاص في النفس، الأحاديث ۱، ۲، ۳.
(— ۲. لو كان ملتفتاً إلى مَن وقع عليه لكن لم يقصد قتله ولم يكن الفعل قاتلًا، فهو شبه العمد.
۳. لو كان غافلًا عن المدفوع عليه فهلك، فهو من الخطأ المحض.
هذا كلّه حكم الدافع بالنسبة إلى المدفوع عليه.
۴. وأمّا بالنسبة إلى المدفوع لو قصد قتله أو كان الفعل قاتلًا، أُقيد به.
۵. لو لم يقصد قتله ولم يكن الفعل قاتلًا، فهو شبه العمد.
وعلى كلّ تقدير فليس هنا للمدفوع ولا المدفوع عليه شيء، إذ لم يصدر عنهما شيء عن اختيار، ولو صدر إنّما هو بتسبيب من الدافع، ولذلك ركّزنا الكلام على حكم الدافع من القصاص والدية.
، وإليك بيانها:
۱. ما رواه عبد اللَّه بن سنان عن أبي عبد اللَّه عليه السلام في رجل دفع رجلًا على رجل فقتله قال: «الدية على الذي دفع على الرجل فقتله، لأولياء المقتول، ويرجع المدفوع بالدية على الذي دفعه»، قال: «وإن أصاب المدفوع شيء فهو على الدافع أيضاً».[1]
والإشكال فيه من وجهين:
أ. أنّ مقتضى القاعدة تعلّق الدية على الدافع أوّلًا وبالذات، لا—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۱ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
(— على المدفوع، أوّلًا، ثم على الدافع ثانياً كما هو صريح الرواية؛ نظير باب الإكراه، فإنّ الضمان على المُكرِه (بالكسر) لا على المُكرَه (بالفتح) أوّلًا، والرجوع إلى المُكرِه ثانياً.
ب. أنّ الظاهر من الحديث عدم تعلّق القصاص بالدافع إذا قصد القتل، أو لم يقصد، وكان الوقوع ممّا يقتل غالباً مع أنّه إذا قصد القتل أو كان الوقوع آلة قاتلة يجب أن يقاد.
ويمكن الذب عن الأوّل بأنّ إرجاع أولياء المقتول إلى المدفوع، لأجل سهولة الأمر؛ لأنّه كان في متناولهم.
وعن الثاني، بأنّ المفروض ما إذا لم يقصد القتل ولم يكن الوقوع قاتلًا، بل كان الغرض، هو نفس الإيذاء.
۲. روى أبو بصير قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن رجل كان راكباً على دابة فغشى رجلًا ماشياً حتى كاد أن يوطئه، فزجر الماشي الدابة عنه، فخرّ عنها فأصابه موت أو جرح؟ قال: «ليس الذي زجر بضامن، إنّما زجر عن نفسه».[1]
وربما يقال بأنّ زجره عن نفسه لا ينافي ضمانه بعد نسبة القتل إليه؛ لأنّ الإذن في الدفاع عن نفسه لا ينافي الضمان، كأكل مال الغير في المجاعة.
يلاحظ عليه: بوجود الفرق بين المثال والممثل؛ لأنّ قتل الراكب يرجع إلى تقصيره حيث غشى الماشي ولم يكن له بدّ من الزجر عن نفسه،—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۱ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۳.
(— والحق أنّه لو كان الدفاع عن نفسه متوقّفاً على خصوص العمل الذي ارتكبه فلا ضمان، دونما إذا لم يكنكذلك.
وقد عقد صاحب الوسائل باباً لذلك، أعني: الباب ۲۲ من أبواب القصاص في النفس.
۳. صحيحة الحلبي: عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: سألته عن رجل ينفر برجل فيعقره وتعقر دابته رجلًا آخر؟ قال: «هو ضامن لما كان من شيء».[1] والرواية مطابقة للضوابط.
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۱ من أبواب قصاص النفس، الحديث ۲۳. وقوله: فيعقره أي يجرحه.
المسألة ۱۴. لو سحره فقتل وعلم سببيّة سحره له، فهو عمد إن أراد بذلك قتله، وإلّا فليس بعمد بل شبهه، من غير فرق بين القول بأنّ للسحر واقعية أو لا، ولو كان مثل هذا السحر قاتلًا نوعاً، يكون عمداً ولو لم يقصد القتل به.^
^ يقع الكلام في موضعين:
اختلفت كلمات العلماء في وجود الموضوع لهذه المسألة.
نقل المحقّق عن الشيخ أنّه لا حقيقة للسحر، وفي الأخبار ما يدلّ على أنّ له حقيقة، ثمّ أضاف وقال: لعلّ ما ذكره الشيخ قريب، غير أنّ البناء على الاحتمال أقرب.[1]
وربّما يستدلّ على أنّه لا حقيقة للسحر بقوله سبحانه: «سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ وَ جَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ»[2]، وقوله تعالى: «يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى»[3]، فإنّ الآيتين تدلّان على عدم الحقيقة للسحر في الخارج، وإنّما يتصرّف الساحر في أعين الناس.
ولكن يمكن أن يقال: إنّ للسحر مراتب: مرتبة منه تصرّف في—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۱۹۷.
[2]. الأعراف: ۱۱۶.
[3]. طه: ۶۶.
(— الباصرة والآيات ناظرة إليها. ففي هذه المرتبة ليست للسحر حقيقة في الخارج، لكن له حقيقة في مرحلة البصر والخيال، والخيال خيال بالنسبة إلى الخارج، وأمّا في حدّ نفسه فله واقعية. ولعلّ عمل سحرة فرعون كان من هذا القبيل: كانوا يتصرفون في أبصارهم أو خيالهم فيتخيّلون الحبال الملتوية، أفاعي ملتوية لأجل حركتها فيما بينهم.
ومرتبة أُخرى لها تأثير في الخارج كما يشير إليه قوله سبحانه: «فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ»[1]، حيث ينسب التفرقة بين الزوج والزوجة إلى السحرة.
وعلى ما ذكرنا فللسحر واقعية غير أنّ له مراتب:
منها: ما يُري غير الواقع واقعاً، ويتصرّف في الأعين والأبصار، وربّما يوجد فيه الخوف. و منها: ما له أثر في خارج النفس المسحورة، كما يظهر من الآية، ومن البعيد أن لا يكون لهذا العلم حقيقة وقد كان له مدارس في مصر وأساتذة وتلامذة حتّى وصفوا موسى بأنّه كبيرهم الّذي علم الآخرين السحر.[2]
وممّا يدلّ على أنّ له واقعية ما قاله الصدوق: إنّه روي أنّ توبة الساحر أن يحل ولا يعقد.[3]—)
[1]. البقرة: ۱۰۲.
[2]. طه: ۷۱.
[3]. الوسائل: ۱۸، الباب ۱ من أبواب بقية الحدود، الحديث ۲.
(— ومن الغرائب ما نقله الشيخ في المكاسب المحرّمة أنّ من أقسام السحر هو الاستعانة بالنسب الرياضية التي تسمّى بعلم الحيل وجرّ الأثقال.[1] مع أنّها من شعب علم الفيزياء. اللّهم إلّاإذا أُريد- كما هو ظاهر قوله «الاستعانة»- أنّ الساحر يستعين بهذه العلوم، لا أنّها من مقولة السحر، فلاحظ.
ذكر المصنّف في المتن فروعاً ثلاثة:
۱. لو سحره فقتل وعُلمت سببية سحره له وأراد بذلك قتله، فحكمه واضح؛ لأنّ قصد القتل كاف في الحكم بالقود، وإن لم تكن الآلة ممّا يقتل.
۲. تلك الصورة ولكن لم يُرد بذلك قتله، فهو ليس بعمد بل شبهه، وإنّما يوصف بشبه العمد إذا لم تكن الآلة قاتلة، وهو المفروض في المتن بشهادة الفرع الثالث.
۳. لو كان مثل هذا السحر قاتلًا نوعاً، يكون عمداً ولو لم يقصد القتل به، وذلك لكون الفعل ممّا يقتل وإن لم يقصد. ولذلك لو أخّر الثاني وقدّم الثالث كان أوضح حتى يذكر القتل العمدي بكلا قسميه معاً.
هذا ما يرجع إلى المتن، ولابدّ من الالتفات إلى الأمرين التاليين:
الأوّل: لا يخفى ما في المتن من التنافي حيث ابتدأ كلامه بقوله: (لو
[1]. المكاسب المحرّمة، مبحث السحر، ص ۳۳، الطبعة القديمة.
سحره فقتل وعُلمت سببية سحره له)، فقد فرض فيه السببية.—)
(— وفي الوقت نفسه يقول في الذيل: (من غير فرق بين القول بأنّ للسحر واقعية أو لا) إذ لو لم يكن له واقعية كيف يكون سبباً للقتل؟!
والعجب أنّ هذا النوع من التنافي يوجد في كلام المحقّق أيضاً، حيث يقول: «فلو سحره فمات لم يوجب قصاصاً ولا دية على ما ذكره الشيخ» وليس ما ذكره إلّاأنّه لا حقيقة للسحر، ومع ذلك أنّه رتّب قوله: «فمات» على قوله:
«فلو سحره» فلو لم يكن له واقعية فما معنى هذا الترتّب؟!
الثاني: أنّ الميزان هنا هو قصد الساحر، وأمّا الآلة- أعني: كون السحر قاتلًا أو لا- فهي مجهولة لا يمكن كشفها، ولذلك يكون الفرع الثالث منظوراً فيه.
وعلى كلّ تقدير فهل يمكن معرفة قصد الساحر بالبيّنة؟ فقد ناقش فيه الشهيد الثاني فقال بأنّ الشاهد لا يعرف قصد الساحر ولا شاهد تأثير السحر.[1]
ثمّ إنّ هنا كلاماً نلفت نظر القارئ إليه وهو أنّ الموضوع للقود والدية هو الأسباب الطبيعية الدارجة في المجتمع، لا الأسباب الخارجة عن العادة، كما هو في السحر، نظيره ما إذا دعا رجل على شخص لأن يقتله اللَّه سبحانه، فقتل فلا يقاد، ولا يقتل.
اللهم إلّاإذا ادّعي أنّ الملاك للقود والدية هو السببية واستناد الفعل—)
[1]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۷۷.
(— إلى الشخص، والمفروض أنّه موجود. وهنا فرق بين السحر المبغوض، والدعاء على الغير إذا استجيب فإنّ الاستجابة دليل المحبوبية.
فإن قلت: قد ورد في الروايات: «أنّ ساحر المسلمين يقتل».[1]
فذلك محمول على قتله حدّاً لفساده، لا قوداً. ولا صلة له للمقام. نعم لو اجتمع السببان قدّمت حقوق الناس، ولو عفا يُقتل حدّاً.
[1]. الوسائل: ۱۸، الباب ۱ من أبواب بقية الحدود، الحديث ۱.
المسألة ۱۵. لو جنى عليه عمداً فسرت فمات، فإن كانت الجناية ممّا تسري غالباً فهو عمد، أو قصد بها الموت فسرت فمات فكذلك؛ وأمّا لو كانت ممّا لا تسري ولا تقتل غالباً ولم يقصد الجاني القتل، ففيه إشكال، بل الأقرب عدم القتل بها وثبوت دية شبه العمد.^
^
في المسألة فروع ثلاثة:
۱. لو جنى عليه عمداً وكانت الجناية ممّا تسري غالباً، فسرت، فمات.
۲. إذا جنى عليه عمداً ولم تكن الجناية ممّا تسري، ولكن قصد الموت وسرت اتّفاقاً، فمات.
۳. لو كانت الجناية ممّا لا تسري ولم يقصد الجاني القتل، فمات.
أمّا الفرع الأوّل: ففيه القود؛ لكون الجناية سارية غالباً، وبالتالي الفعل ممّا يقتل.
وأمّا الفرع الثاني: ففيه القود أيضاً؛ لكونه قاصداً القتل، وإن لم تكن الجناية سارية وقد سرت اتّفاقاً.
وأمّا الفرع الثالث– أعني: ما إذا كانت الجناية لا تقتل غالباً ولم يقصد الجاني القتل، وإنّما قصد الفعل وانتهى إلى القتل-: فقد استشكل فيه أوّلًا، وجه الإشكال ما تقدّم في المسألة الثامنة من احتمال استناد الموت إلى الجناية وما أعقبت، وكلاهما من فعل الجاني، لكنّه تقدّم ضعفه هناك، ولذلك استقرب ثانياً كونه شبه العمد؛ وذلك لأنّ الآلة لم تكن ممّا تقتل ولم يقصد الجاني القتل.
المسألة ۱۶. لو قدّم له طعاماً مسموماً بما يقتل مثله غالباً أو قصد قتله به، فلو لم يعلم الحال فأكل ومات، فعليه القود، ولا أثر لمباشرة المجني عليه؛ وكذا الحال لو كان المجني عليه غير مميّز، سواء خلطه بطعام نفسه وقدّم إليه، أو أهداه أو خلطه بطعام الآكل.^
^ قد تقدّم أنّ للتسبيب مراتب أربع، وقد مرت الأُولى منها- أعني:
استقلال الجاني في الجناية والإتلاف- والثاني منها: انضمام عمل المجني عليه إلى عمل الجاني فيؤثران في موته. وسيوافيك الكلام فيه إلى نهاية المسألة الثالثة والعشرين.
إذا عرفت هذا فاعلم أنّ في المسألة فرعين:
۱. لو قدّم طعاماً مسموماً بما يقتل مثله غالباً فأكل الجاهل ومات.
۲. لو قدّم طعاماً مسموماً إلى غير المميّز.
أمّا الأوّل: فلا شكّ أنّ عليه القود إمّا لأجل أنّ الآلة قتالة، أو لأنّه قصد قتله والمفروض أنّ الآكل غير عالم بالحال، وهذا يكفي في ثبوت القصاص.
وإن شئت قلت: السبب أقوى من المباشر ولا أثر لمباشرة المجني—)
(— عليه.
وأمّا الفرع الثاني: فنفس الصورة ولكن المجني عليه غير مميّز، من غير فرق بين خلطه بطعام نفسه وتقديمه إليه أو أهدائه إلى بيته أو خلطه بطعام الآكل، وربّما يتصوّر أنّ الآكل هو القاتل لا المقدّم، أجاب عنه في الشرائع: «بأنّ حكم المباشرة سقط بالغرور».[1] وعليه العقلاء في عامّة المحاكم.
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۱۹۷.
المسألة ۱۷. لو قدّم طعاماً مسموماً مع علم الآكل بأنّ فيه سمّاً قاتلًا، فأكل متعمّداً وعن اختيار، فلا قود ولا دية؛ ولو قال كذباً: إنّ فيه سمّاً غير قاتل وفيه علاج لكذا، فأكله فمات، فعليه القود؛ ولو قال: فيه سم، وأطلق فأكله، فلا قود ولا دية.^
^
فارق هذه المسألة مع ما تقدّم هو علم الآكل بوجود السمّ في الطعام، وفيها صور ثلاث.
قال المحقّق: لو قدّم له طعاماً مسموماً فإن علم وكان مميّزاً، فلا قود ولا دية[1].
ثم إنّ المقدِّم تارة: يسكت ولا يصف الطعام بشيء، ولكنّ المقدّم إليه عالم بأنّ فيه سمّاً مهلكاً.
وأُخرى: يصفه بأنّ فيه سمّاً يعالج المرض الكذائي.
وثالثة: يصفه بأنّ فيه سمّاً فقط. فصارت الفروع ثلاثة .. والملاك في ثبوت القصاص وعدمه ثبوت استناد القتل إلى أي واحد من المقدّم والآكل. إذا عرفت ذلك فلندرس الفروع الثلاثة في المتن:
۱. لو قدّم طعاماً مسموماً قاتلًا وكان الآكل عالماً بأنّ فيه سمّاً مهلكاً،—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۱۹۷.
(— أو عالماً بأنّ فيه شيئاً قاتلًا ولكن لم يعلم أنّه سم[1]، فالفعل مستند إليه، وليس فيه أي غرور للمقدّم، غاية الأمر يكون معيناً، لا قاتلًا، نظير من يريد الانتحار، ويطلب الآلة من الغير وهو يجيبه بالإعطاء، فالمعين آثم، وليس بقاتل.
۲. ولو قدّمه له لكن وصفه بأنّه سمّ غير قاتل وفيه علاج لكذا، وكان قاتلًا فمات، فعليه القود؛ لأنّه وصفه وقدّمه إليه وغرّره بقصد القتل، وهو كافٍ في ثبوت القود، وتصوّر كون الآكل هو القاتل مردود بأنّ السبب أقوى من المباشر.
والقتل يستند إلى الواصف، كضمان الطبيب للمريض- المختار في التناول-. دواءً بأنّ فيه علاج دائه، فأكله فقتله.
۳. لو قال فيه سمّ وأطلق، فأكله المجنيّ عليه، فلا قود ولا دية؛ لأنّ المباشر مع علمه بالسم يكون أقوى من السبب، والقتل مستند إلى الآكل؛ ومثله لو كان جاعل السم في الغذاء غيره دون المقدّم، فهو المسؤول دون المقدّم ولا الآكل، نعم لو اتّفقت المسمومية فعلًا لأحد كما ربما يتّفق في الضيافة ويكون الغذاء مسموماً من دون علم المُقدِّم، فلا قصاص ولا دية.
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۳۶. وأضاف: بأنّه لا مدخلية لجهله بالسم في إقدامه على قتل نفسه.
المسألة ۱۸. لو قدّم إليه طعاماً فيه سمّ غير قاتل غالباً، فإن قصد قتله- ولو رجاءً- فهو عمد لو جهل الآكل، ولو لم يقصدالقتل فلا قود.^
المسألة ۱۹. لو قدم إليه المسموم بتخيّل أنّه مهدور الدم، فبان الخلاف، لم يكن قتل عمد ولا قود.^^
^
الفرق بين هذه المسألة وما تقدّمها هو كون السم قاتلًا هناك دون المقام، أي لو قدّم إليه طعاماً فيه سم غير قاتل لكنّه قصد قتله به، فلو أكل الآكل وهو جاهل فمات، فعليه القود، إذ يكفي في القود قصد القتل وإن لم تكن الآلة ممّا يقتل كما هو المفروض.
نعم لو لم يقصد القتل، فلا قود؛ وذلك لأنّ الآلة غير قاتلة والمقدّم لم يقصد القتل، فهو شبه العمد، فعليه الدية.
^^ المراد أنّه لا يترتّب عليه أثر قتل العمد، وإلّا فهو قتل عمد لغة لا شرعاً؛ لأنّه قدّم إليه الطعام لغاية القتل، غاية الأمر جهله وتخيّله أنّه مهدور الدم صار مانعاً لأن يترتّب عليه أثر العمد وهو القود، لكن تجب فيه الدية لئلّا يبطل دم المسلم سدى، ومع ذلك لابدّ من التعزير؛ لأنّه على فرض الارتداد معصوم الدم بالنسبة إليه وإن كان مهدور الدم بالنسبة إلى الحاكم، والمسألة محرّرة في الحدود في باب الارتداد.
المسألة ۲۰. لو جعل السمّ في طعام صاحب المنزل فأكله صاحب المنزل من غير علم به فمات، فعليه القود لو كان ذلك بقصد قتل صاحب المنزل؛ وأمّا لو جعله بقصد قتل كلب- مثلًا- فأكله صاحب المنزل فلا قود، بل الظاهر أنّه لا دية أيضاً، ولو علم أنّ صاحب المنزل يأكل منه فالظاهر أنّ عليه القود.^
^
في المسألة فروع ثلاثة:
۱. جعل السم في طعام صاحب المنزل بقصد القتل بشهادة قوله: «لو كان ذلك بقصد قتل صاحب المنزل» وعندئذٍ يكون القتل عن عمد، لاجتماع الشرطين: كون الآلة قاتلة، وقصد الجاعل القتل، حتّى لو فرضنا وجود أحدهما يكفي في وصف القتل بكونه عن عمد.
وربّما يتصوّر أنّ القاتل هو الآكل لا الجاعل، والجواب ما مرّ في قاعدة الغرور ولقوة السبب وضعف المباشر، حيث إنّه تصوّر أنّه ممّا صنعه بنفسه ولم يتصرّف فيه أحد دون أن يعلم كونه مسموماً وتصرّف فيه أحد، فعندئذٍ لا مجال لإشكال المحقّق بأنّ فيه إشكالًا، ولعلّ وجهه قوة المباشر، وعدم إلجائه إلى الأكل ولا تقديمه إليه، ففيه الدية. وضعفه واضح لما ذكرنا.
ونقل عن بعض العامّة عدم الدية والقود، وهو عجيب.
۲. ولو جعل السم في طعام صاحب المنزل لقصد قتل كلبه،—)
(— فأكله صاحب المنزل اشتباهاً، فلا دية ولا قود. أمّا عدم القود فظاهر؛ لأنّه لم يقصد أكل صاحب المنزل حتى يقال: إنّ الآلة قتّالة، لكن القول بعدم الدية كما عليه المتن مشكل؛ لأنّه أشبه بقتل الخطأ، فإنّ الجاعل قصد قتل الكلب فأصابت قتل صاحب المنزل.
۳. وعلى كلّ تقدير هذا كلّه إذا لم يعلم ولم يحتمل أنّ صاحب المنزل يأكل منه، وأمّا إذا علم أو احتمل احتمالًا معتدّاً به، بأنّه يأكل منه، فلا شكّ أنّ فيه القود.
المسألة ۲۱. لو كان في بيته طعام مسموم، فدخل شخص بلا إذنه فأكل ومات، فلا قود ولا دية؛ ولو دعاه إلى داره لا لأكل الطعام، فأكله بلا إذن منه وعدواناً، فلا قود.^
^
في المسألة فرعان:
۱. لو كان في بيته طعام مسموم فدخل إنسان بيته عدواناً فأكل فقتل، فلا قصاص ولا دية بعد أن كان القتل منتسباً إلى الآكل دون حاجة إلى قصد صاحب الطعام.
وهذا نظير ما لو علم صاحب البيت بأنّه سيهاجم فيدخل السم في الغذاء لأكل المهاجم إذا انحصر الدفاع فيه، ويترتّب عليه القتل.
۲. لو دعا رجلًا إلى بيته لا لأكل الطعام لكن الضيف أكل من طعام صاحب المنزل بغير إذنه فقتله، فلا قود ولا دية؛ لعدم الاستناد، اللّهم إلّاإذا كان الطعام في متناول الضيف بحيث تدلّ القرائن على جواز الأكل، فالميزان في الحكم بالقود أو الدية أقوائية السبب من المباشر، وهو يختلف حسب اختلاف المقامات.
المسألة ۲۲. لو حفر بئراً ممّا يقتل بوقوعه فيها ودعا غيره- الذي جهلها- بوجه يسقط فيها بمجيئه، فجاء فسقط ومات، فعليه القود. ولو كانت بئراً في غير طريقه ودعاه لا على وجه يسقط فيها، فذهب الجائي على غيرالطريق فوقع فيها، لا قود ولا دية.^
^
لو حفر بئراً بعيدة القعر في طريق ودعا غيره مع جهالته فوقع فمات، فعليه القود، لإغرار السبب.
نعم لو كانت البئر في غير طريقه لكن الضيف اختار غير الطريق المأمون المألوف، فوقع فيها، فلا قود ولا دية لعدم الإغرار.
المسألة ۲۳. لو جرحه فداوى نفسه بدواء سمّي مجهز- بحيث يستند القتل إليه لا إلى الجرح- لا قود في النفس، وفي الجرح قصاص إن كان ممّا يوجبه، وإلّا فأرش الجناية، ولو لم يكن مجهزاً لكن اتّفق القتل به وبالجرح معاً، سقط ما قابل فعل المجروح، فللولي قتل الجارح بعد رد نصف ديته.^
^
في المسألة فروع:
۱. لو جرحه شخص وكان الجرح متلفاً بنفسه، سواء داواه أم لم يداوه، فالجارح هو القاتل.
وهذه الصورة لم يذكرها المصنّف. وذكرها صاحب المسالك.[1]
۲. إذا لم يكن الجرح متلفاً بنفسه، وكان الدواء السمّي مجهزاً مستقلًا على وجه يستند القتل إليه، فالأوّل جارح والقاتل هو نفسه، فلا قصاص ولا دية النفس، نعم لوليه القصاص في الجرح إن كان الجرح يوجب القصاص، وإلّا فأرش الجناية، نظير ما لو جرحه شخص وقتله آخر، فالآخر يقتل؛ وأمّا الجارح إما يقتص- إن كان ممّا يوجبه- أو يؤخذ منه أرش الجناية.
۳. إذا لم يكن الدواء مجهزاً وكان الغالب فيه السلامة فاتّفق الموت واستند إلى الجرح والدواء، قال في المسالك: فإن لم يكن كلّ منهما—)
[1]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۷۹.
(— مستقلًا بالإتلاف فاتّفق الهلاك بهما كان مشتركاً بين المقتول والجارح، فإن كان الجرح وقع عمداً فسرايته كذلك ولو بالشركة كما مرّ، فللأولياء قتل الجارح بعد أن يردّوا نصف الدية في مقابل الشركة.[1]
وبه قال المصنّف: سقط ما قابل فعل المجروح، فللولي قتل الجارح بعد ردّ نصف ديته.
يلاحظ عليه: بأنّه إذا كان الجرح غير متلف مطلقاً وإنّما حدث التلف بضم عمل المجروح- أعني: التداوي بالسم- فلا وجه للقصاص والقود، وإنّما يتعيّن لولي المقتول قصاص الجرح أو أخذ الدية.
ويشهد على ما ذكرنا أنّه لو جرح إنسان أصبع رجل فداواه المجروح عن جهل بدواء مسموم فقتله، فالقتل وإن كان مستنداً إليهما إذ لولا الجرح لم يقدم على التداوي به، لكن الموت عرفاً مستند إلى تقصير الجارح حيث داوى نفسه بدواء مسموم وجعل ما ليس سبباً للموت، سبباً له، والسبب الناقص سبباً تاماً.
وقياس المقام على ما لو شارك شخصان في قتل واحد على نحو التساوي حيث يحكم عليهما بالقصاص بعد ردّ نصف الدية لكلّ واحد، قياس مع الفارق، لأنّ عمل كلّ واحد منهما على المقتول تجاوز عليه وعدوان، والتقصير يرجع إليهما لا إلى المجروح، وهذا بخلاف المقام فإنّ الفرد الخارجي جرحه ولم يكن جرحه قاتلًا، وإنّما قتله فعل المجروح؟ فالقاتل هو نفسه لا الأجنبي: «وَ لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى»[2].
[1]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۷۹.
[2]. الأنعام: ۱۶۴.
المسألة ۲۴. لو ألقاه في مسبعة كزبية الأسد ونحوه، فقتله السباع، فهو قتل عمد عليه القود. وكذا لو ألقاه إلى أسد ضار فافترسه إذا لم يمكنه الاعتصام منه بنحو ولو بالفرار، ولو أمكنه ذلك وترك تخاذلًا وتعمّداً لا قود ولا دية، ولو لم يكن الأسد ضارياً فألقاه لا بقصد القتل فاتّفق أنّه قتله، لم يكن من العمد، ولو ألقاه برجاء قتله فقتله فهو عمد عليه القود، ولو جهل حال الأسد فألقاه عنده فقتله فهو عمد إن قصد قتله، بل الظاهر ذلك لو لم يقصده.^
^ هذا هو القسم الثالث من التسبيب حيث ينضمّ إلى الجاني حيوان جارح فيكون القتل منتسباً إليهما، وإليك بيان الفروع.
۱. لو ألقاه في مسبعة كزبية الأسد ونحوه، ولم يمكنه الفرار منها، فقتله السباع، فهو قتل عمد؛ لأنّ السبع بما أنّه فاعل غير مختار يعمل حسب طبيعته الّتي هي الفتك، فهو يصبح كالآلة بيد الضارب، وكما ينسب القتل إلى الفاعل لا إلى السيف فهكذا المقام.
۲. إذا ألقاه أمام الأسد في قفصه فقتله فعليه القود؛ لأنّ الفعل ممّا يقتل والفاعل قصد القتل، وعلى هذا فلا فرق بين كونه في مضيق أو برّية؛—)
(— لأنّ المفروض أنّه لا يمكنه الاعتصام منه مطلقاً.
۳. تلك الصورة لكن أمكنه الاعتصام منه وتركه تخاذلًا وتعمّداً، فلا قود ولا دية؛ لأنّ القتل يسند إلى المقتول نفسه.
۴. إذا ألقاه في مقابل الأسد ولم يكن ضارياً، ولم يقصد القتل لكن اتّفق أنّه قتله، لم يكن من العمد وعليه الدية. وإن كان الفرض بعيداً إلّاإذا كان معلّماً لعدم كون الفاعل ممّا يقتل، ولا قصد الملقي قتله، وفرض الفرع فيما يعلم أنّه لا يفترس ولا يحتمله بقرينة الشق الآتي أنّه يحتمل أنّه يفترس ولذلك ألقاه برجاء القتل.
۵. إذا لم يكن الأسد ضارياً ولكن ألقاه برجاء قتله فقتله، فهو عمد عليه القود؛ وذلك لأنّه يكفي في صدق العمد قصد الفاعل وإن لم تكن الآلة قتّالة.
۶. ولو جهل حال الأسد أنّه ضار أو لا؟ فألقاه عنده فقتله، فهو عمد إن قصد قتله.
۷. تلك الصورة لكن لم يقصد قتله، لكن اتّفق القتل فيحتمل أن يكون من قبيل شبه العمد. لكن استظهر في المتن أنّه من قبيل العمد أخذاً بحكم طبيعة الأسد فهي فتّاكة قتّالة مطلقاً، وقلمّا يتّفق أن ينفك الإلقاء والحالة هذه عن قصد القتل.
المسألة ۲۵. لو ألقاه في أرض مسبعة متكتّفاً، فمع علمه بتردّد السباع عنده فهو قتل عمد بلا إشكال، بل هو من العمد مع احتمال ذلك، وإلقائه بقصد الافتراس ولو رجاءً. نعم مع علمه أو اطمئنانه بأنّه لا يتردّد السباع فاتّفق ذلك لا يكون من العمد، والظاهر ثبوت الدية.^
المسألة ۲۶. لو ألقاه عند السبع فعضّه بما لا يقتل به، لكن سرى فمات، فهو عمد عليه القود.^^
^
في المسألة فروع:
۱. لو ألقاه في أرض مسبعة متكتّفاً مع علمه بتردّد السباع، فلا شكّ أنّه من العمد؛ لأنّ إلقاءه في أرض مسبعة متكتّفاً مع العلم بتردّد السباع، يكون الملقي قاصداً قتله والفعل قتّالًا.
۲. تلك الصورة ولكن يحتمل تردّد السباع، فهو عمد إذا كان بقصد الافتراس ولو رجاء، إذ يكفي في صدق العمد، قصد القتل.
۳. إذا علم أو اطمأنّ بعدم تردّد السباع فاتّفق ذلك فهو شبه العمد، لعدم قصد القتل وليس الفعل- مع العلم بعدم التردّد- قاتلًا.
^
هذه المسألة صورة أُخرى ممّا مرّ في المسألة الثامنة، أعني: إذا ضربه بما لا يوجب القتل فأعقبه مرضاً بسببه ومات به- فقد فصّل هناك بين قصد—)
(— القتل ففيه القود، وعدمه ففيه الدية ولا محيص عنه في المقام؛ لأنّ عضّ الحيوان يُعّد فعلًا سببياً له فهو بمنزلة جرحه بالعصا في المسألة الثامنة، إلّا أن يقال بوجود الفرق بين الضرب بالعصا والإلقاء عند السبع، ففي الأوّل الفعل غير قتّال قطعاً، وأمّا الثاني فطبيعة الأسد هي الفتك فالآلة قتّالة، سواء قصد قتله أو لا، وقد أعقب مرضاً قتل به في كلا الموردين.
المسألة ۲۷. لو أنهشه حيّة لها سمّ قاتل؛ بأن أخذها وألقمها شيئاً من بدنه، فهو قتل عمد عليه القود. وكذا لو طرح عليه حيّة قاتلة فنهشته فهلك. وكذا لو جمع بينه وبينها في مضيق لا يمكنه الفرار، أو جمع بينها وبين من لا يقدر عليه- لضعف كمرض أو صغر أو كبر- فإنّ في جميعها- وكذا في نظائرها- قوداً.^
^
في المسألة فروع أربعة والحكم في الجميع القود:
۱. لو أخذ الحية ولها سم قاتل وألقمها شيئاً من بدنه.
۲. لو طرح عليه حيّة قاتلة فنهشته فمات.
۳. لو جمع بينه وبينها في مضيق لا يمكنه الفرار.
۴. لو جمع بين الحيّة وبين من لا يقدر على الفرار لضعف كمرض أو صغر أو كبر فيقاد؛ لأنّ الحية بمنزلة الآلة بيد الآخذ، فيكون القتل في جميع الموارد مستنداً إليه دون الحية.
المسألة ۲۸. لو أغرى به كلباً عقوراً قاتلًا غالباً فقتله، فعليه القود.
وكذا لو قصد القتل به ولو لم يكن قاتلًا غالباً، أو لم يعلم حاله وقصد- ولو رجاء- القتل، فهو عمد.^
^
في المسألة فروع ثلاثة:
۱. لو أغرى به كلباً عقوراً قاتلًا، ففيه القود؛ لأنّ الآلة قتّالة.
والعجب أنّ المحقّق قال: الأشبه القود،[1] مع أنّه كان عليه أن يقول: فيه القود قطعاً؛ لأنّ المغري قصد القتل والكلب العقور آلة قتّالة، وكون الكلب ذا اختيار يعمل حسب ما يأمره مالكه لا يعدّه قاتلًا دون المغري، إذ الكلب يُعدّ كالأداة بيد المالك.
۲. تلك الصورة ولكن لم يكن الكلب قاتلًا غالباً لكنّه قصد القتل، فيقاد لكفاية قصد القتل.
۳. لم يعلم حال الكلب، فقد مرّ في المسألة الرابعة والعشرين في السبع إذا لم يعلم حاله، الحكم بأنّه قتل عمد، قصد القتل أم لم يقصد، لكنّه قدس سره فصّل في الكلب وقال: فإن قصد القتل ولو رجاءً فهو أيضاً عمد، وإلّا فهو شبه العمد. ولم يعلم وجه الفرق، فالظاهر أنّه إذا كان الكلب هارشاً سيئ الخلق لا يترك الإنسان ما لم يقتله، فهو عمد وإن لم يقصد القتل. اللّهمّ- إلّاأن يقال بوجود الفرق بين السبع والكلب، فإنّ طبيعة الأوّل- إلّاما شذ- فتّاكة؛ دون الكلب فالأمر فيه بالعكس، فإنّ عمله يتم في الجرح والقبض حتّى يأتي صاحبه.
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۱۹۸.
المسألة ۲۹. لو ألقاه إلى الحوت فالتقمه، فعليه القود؛ ولو ألقاه في البحر ليقتله فالتقمه الحوت بعد الوصول إلى البحر، فعليه القود وإن لم يكن من قصده القتل بالتقام الحوت، بل كان قصده الغرق؛ ولو ألقاه في البحر وقبل وصوله إليه وقع على حجر ونحوه فقتل، فعليه الدية؛ ولو التقمه الحوت قبل وصوله إليه، فالظاهر أنّ عليه القود.^
^
في المسألة فروع:
۱. لو ألقاه إلى الحوت فالتقمه فعليه القود؛ لوجود الشرطين: القصد، والفعل القاتل.
۲. لو ألقاه في البحر ليقتله غرقاً، فالتقمه الحوت، بعد الوصول إلى البحر، فعليه القود؛ لأنّه قصد القتل بالغرق وإن لم يقصده بالتقام الحوت.
والعبرة بالقصد فهو كافٍ في صدق العمد، وإن وقع التخلّف في السبب حيث قصد القتل بالغرق لكن قتل بالتقام الحوت.
۳. لو ألقاه في البحر وقبل وصوله إليه وقع على حجر ونحوه، فقتل، قال المصنّف: فعليه الدية.
وجهه: أنّه لم يقصد إتلافه بهذا النوع، ولذلك وصفه المحقّق بأنّه قوي، لكنّه ضعيف فإنّه وإن لم يقصد النوع الخاص من الإتلاف غير أنّه قصد الجامع بين هذا النوع والنوع الآخر- أعني: الغرق في الماء- وهو كافٍ في—)
(— صدق العمد، نظيره: ما لو ألقاه في البحر فاختطفه طير في الهواء، على نحو لولا الإلقاء لما كان هناك اختطاف، ففي الجميع القود؛ لما عرفت من أنّ قصد الفاعل القتل، يكفي في القود، وإن لم يتحقّق ما قصد سبب القتل.
۴. ولو التقمه الحوت قبل وصوله إليه، فالظاهر أنّ عليه القود، والوجه ما هو المذكور في الفرع الثالث.
المسألة ۳۰. لو جرحه ثم عضّه سبع وسرتا، فعليه القود لكن مع ردّ نصف الدية؛ ولو صالح الولي على الدية فعليه نصفها، إلّاأن يكون سبب عضّ السبع هو الجارح، فعليه القود، ومع العفو- على الدية- عليه تمام الدية.^
^
في المسألة فروع:
۱. لو جرحه ثم عضّه سبع دون أن يكون الجارح مؤثراً في عضّ السبع وسريا (جرح الجارح وجرح عضّة السبع)، قال المحقّق: لم يسقط القود، وهل يرد فاضل الدية [إلى الفاعل]؟ الأشبه نعم.[1] وذلك لاستناد موته إلى سببين:
الجارح، والسبع، وإنّما يقاد منه لأجل كونه سبباً بالنسبة إلى النصف، وبما أنّه لا يمكن قصاص النصف يدفع إليه دية النصف الآخر، يعني ما قتلته عضّة السبع وعليه المصنّف.
يلاحظ عليه: بما مرّ في المسألة الثامنة فإنّ عمل الجارح، لا صلة له بعضّة السبع والمفروض أنّه لم يكن مؤثراً في تمكّن السبع منه، فلا وجه للقود إلّاأن يقترن بقصد القتل. ويدل على ذلك أنّه لو صالح الولي على الدية فله نصفها.
۲. لو كان سبب عضّة السبع هو الجارح فعليه القود؛ لأنّ عضّه يعدّ—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۱۹۹.
(— آلة للجارح، ويعدّ المجموع فعلًا له.
۳. لو عفا عن القصاص وصالح ولي المجني عليه على الدية فعليه تمام الدية، لما عرفت من أنّ عمل السبع، فعل تسبيبي للجارح، فالموت مستند إليه تماماً، فلو صولح يجب دفع الدية تماماً.
المسألة ۳۱. لو جرحه ثم عضّه سبع ثم نهشته حيّة، فعليه القود مع ردّ ثلثي الدية؛ ولو صالح بها فعليه ثلثها، وهكذا. وممّا ذكر يظهر الحال في جميع موارد اشتراك الحيوان مع الإنسان في القتل.^
^
لو جرحه وعضّه السبع ثم نهشته حيّة، من دون أن يكون للجارح أي دخل في الأمرين الآخرين، فمات من الجميع، فيقتص من الجارح، مع دفع ثلثي الدية إلى ورثة الجاني، لاستناد الموت إلى أسباب ثلاثة، ثلثه يرجع إلى الجارح والثلثان لسببين آخرين، ولو صالح على الدية فعلى ثلثها فقط. وعلى كلّ تقدير ففي تعلّق القصاص تأمّل إذا لم يقصد القتل، وقد مرّ عن الماتن أنّه لو ضربه بما لا يوجب القتل فأعقبه مرضاً بسببه ومات، أنّه ليس فيه القصاص مع عدم قصد القتل، فليكن المقام مثله.
وهذا هو الميزان في كلّ مورد يكون وراء الإنسان عاملٌ آخر مؤثّر في موته.
^^^
المسألة ۳۲. لو حفر بئراً ووقع فيها شخص بدفع ثالث فالقاتل الدافع لا الحافر، وكذا لو ألقاه من شاهق وقبل وصوله إلى الأرض ضربه آخر بالسيف- مثلًا- فقدّه نصفين، أو ألقاه في البحر وبعد وقوعه فيه قبل موته- مع بقاء حياته المستقرة- قتله آخر، فإنّ القاتل هو الضارب لا المُلقي.^
^ وهذا هو القسم الرابع من أقسام التسبيب فنقول:
في المسألة فروع:
۱. لو حفر واحد بئراً في أرضه وكانت الغاية الانتفاع بها، فوقع فيها آخر بدفع ثالث، فالقاتل هو الدافع لا الحافر؛ لأنّ القتل ينسب إلى المباشر، لا إلى الحافر الذي حفره لغاية انتفاع نفسه.
۲. لو ألقاه من شاهق فاعترضه آخر فقدّه بالسيف نصفين قبل وصوله إلى الأرض، فالقاتل هو المعترض لا الملقي.
نعم لو لم يعترضه لقتل أيضاً بسقوطه، ولكن السبب القريب هو المعترض.
نعم لو كان الملقي عالماً بالحال وأنّ المعترض يقدّه بسيفه—)
(— وكان المعترض مجنوناً، فالقود على الملقي؛ لأنّ المعترض كالسبع، إذا ألقاه وافترسه السبع.
۳. لو ألقاه في البحر ووقع فيه لكن قبل موته بالغرق قتله آخر، فالقاتل هو الضارب، لا الملقي.
المسألة ۳۳. لو أمسكه شخص وقتله آخر وكان ثالث عيناً لهم، فالقود على القاتل لا الممسك، لكن الممسك يحبس أبداً حتى يموت في الحبس، والربيئة تسمل عيناه بميل محمى ونحوه.^
^
لو أمسك واحد وقتل الآخر، فالقاتل هو المباشر دون الممسك، والقود على الأوّل.
وروي أنّ الممسك يحبس أبداً، قال في «الخلاف»: روى أصحابنا أنّ من أمسك إنساناً حتى جاء آخر فقتله، أنّ على القاتل القود، وعلى الممسك أن يحبس أبداً حتى يموت. وبه قال ربيعة.[1]
ويدلّ عليه صحيح الحلبي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام:
«قضى علي عليه السلام في رجلين أمسك أحدهما وقتل الآخر، قال: يقتل القاتل، ويحبس الآخر حتى يموت غمّاً كما حبسه حتى مات غمّاً».[2]
ويؤيّده أيضاً خبر سماعة قال: «قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل شدّ على رجل ليقتله والرجل فارٌ منه، فاستقبله رجل آخر فأمسكه عليه حتى جاء الرجل فقتله، فقتل الرجل الذي قتله وقضى على الآخر الذي أمسكه عليه أن يطرح في السجن أبداً حتى يموت فيه؛ لأنّه أمسكه على الموت».[3]—)
[1]. الخلاف: ۵/ ۱۷۳، المسألة ۳۶.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۷ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۷ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۲.
(— وفي خبر أبي المقدام شيء زائد وهو مروي عن «دعائم الإسلام» مرسلًا.[1]
ولو نظر لهما ثالث كان عيناً لهم لم يضمن، ولكن تسمل عينه، أي تفقأ بالشوك أو تكحل بمسمار محمّي.
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا كان معهم ردء (العون والناصر، كما في النهاية مادة ردأ) ينظر لهم، فإنّه تسمل عينه، ولا يجب عليه القتل. وقال أبو حنيفة: يجب على الردء القتل دون الممسك، وقال مالك: يجب على الممسك دون الردء، على ما حكيناه، وقال الشافعي: لا يجب القود إلّاعلى المباشر دون الممسك والردء.[2]
ويدلّ على ما ذكرنا خبر السكوني عن أبي عبد اللَّه عليه السلام: «إنّ ثلاثة نفر رفعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام واحد منهم أمسك رجلًا، وأقبل الآخر فقتله، والآخر يراهم؟ فقضى في [صاحب] الرؤية أن تسمل عيناه، وفي الذي أمسك أن يسجن حتى يموت كما أمسكه، وقضى في الذي قتل أن يقتل».[3]
[1]. مستدرك الوسائل: ۱۹، الباب ۱۶ من أبواب القصاص فى النفس، الحديث ۱.
[2]. الخلاف: ۵/ ۱۷۴، المسألة ۳۷، كتاب الجنايات.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۷ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۳.
المسألة ۳۴. لو أكرهه على القتل فالقود على المباشر إذا كان بالغاً عاقلًا دون المكرِه وإن أوعده على القتل ويحبس الآمر به أبداً حتى يموت، ولو كان المكرَه مجنوناً أو طفلًا غير مميز فالقصاص على المكرِه الآمر، ولو أمر شخص طفلًا مميّزاً بالقتل فقتله ليس على واحد منهما القود، والدية على عاقلة الطفل، ولو أكرهه على ذلك فهل على الرجل المكرِه القود أو الحبس أبداً؟ الأحوط الثاني.^
^
في المسألة فروع:
۱. إذا أكرهه على القتل فالقصاص على المباشر إذا كان بالغاً عاقلًا دون الآمر، وإن أوعده على القتل؛ وذلك لأنّ الإكراه في القتل غير مؤثر لما أُثر عنهم عليهم السلام: «إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم، فلا تقيّة».[1]
هذا هو حكم المباشر، وأمّا الآمر فيحبس كما سيأتي.
قال الشيخ: إذا أكره الأمير غيره على قتل من لا يجب قتله، فقال له: إن قتلته وإلّا قتلتك. لم يحل له قتله بلا خلاف، فإن خالف وقتل فإنّ القود على المباشر دون الملجئ، ثم نقل أقوال فقهاء السنّة، فقال: إنّ للشافعية قولين:
أ. يجب عليهما القود كأنّهما باشرا قتله معاً، وبه قال زفر؛ وإن عفا الأولياء، فعلى كلّ واحد منهما نصف الدية والكفّارة.—)
[1]. الوسائل: ۱۱، الباب ۳۱ من أبواب الأمر والنهي، الحديث ۱ و ۲.
(— ب. على الملجئ (الآمر) وحده القود، وعلى المكره (المباشر) نصف الدية.
وقال أبو حنيفة: القود على المُكرَه وحده ولا ضمان على المُكرِه من قود ولا دية ولا كفّارة.[1]
ويدلّ على المختار صحيح زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في رجل أمر رجلًا بقتل رجل، فقتله؟ قال: «يقتل به الذي قتله، ويحبس الآمر بقتله في الحبس حتى يموت».[2]
۲. لو كان المُكرَه مجنوناً أو طفلًا غير مميّز، فالقصاص على المُكرِه الآمر، لقوة السبب وضعف المباشر.
۳. لو أمر شخص طفلًا مميّزاً بالقتل فقتله، ليس على واحد منهم القود، والدية على عاقلة الطفل.
وجهه: أنّ المباشر مختار غير مكره، فالفعل ينسب إليه، وبما أنّه غير مكلّف لا يقتص منه وتؤخذ الدية وهي على عاقلته. وأمّا الآمر فهو سبب بعيد.
ومع ذلك يحبس الآمر كما مرّ في صحيح زرارة.
۴. لو أكره الطفل المميّز- مكان الآمر- على ذلك، فقال المصنّف، فهل على الرجل المكره القود أو الحبس أبداً؟ الأحوط الثاني.
أقول: يقع الكلام تارة في الطفل المميّز المكرَه، وأُخرى في—)
[1]. الخلاف: ۵/ ۱۶۶، المسألة ۲۹، كتاب الجنايات؛ ولاحظ: بداية المجتهد للقرطبي: ۳۸۸.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۳ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۲.
(— الرجل المُكرِه.
أمّا الأوّل فلا قود لرفع التكليف، وأمّا الدية فعلى عاقلة المباشر؛ وذلك لأنّ عمد الصبي خطأ تحمله العاقلة.
نعم للشيخ في المسألة قول خاص، قال في «النهاية»: إذا قتل الصبي رجلًا متعمّداً، كان عمده وخطأه واحداً، فإنّه يجب فيه الدية على عاقلته إلى أن يبلغ عشر سنين أو خمسة أشبار، فإذا بلغ ذلك، اقتص منه، وأُقيمت عليه الحدود التامّة.[1]
وما ذكره مبني على حديث مطروح وهو خبر السكوني: «إذا بلغ الغلام خمسة أشبار اقتص منه، وإذا لم يكن بلغ خمسة أشبار قُضي بالدية».[2]
والحديث غير معمول به وإنّما عمل به الشيخ في «النهاية»، وحكي عن ابن البراج في «المهذب»، ولكنّه ينافي عموم ما تضافر: «رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ».[3]
كما هو منافٍ لنصوص البلوغ، وهو تمامية الخمسة عشرة سنة.
وأمّا الرجل المُكرِه ففيه وجهان:
۱. القود على المكرِه؛ وذلك لأنّه هو الذي أجبر المباشر على القتل وسلب عنه الاختيار، فلا يقصر تأثيره عن المباشر.—)
[1]. النهاية: ۷۶۱.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۶ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
[3]. الوسائل: ۱، الباب ۴ من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث ۱۰.
(— ۲. الحبس حتى يموت فيه لما ورد في صحيح زرارة من قوله عليه السلام:
«ويحبس الآمر بقتله بالحبس حتى يموت».[1]
ولا يخفى أنّ الوجه الثاني هو الأقوى والأحوط، وذلك لأنّ إكراه المكره لا يسلب الاختيار عن المباشر، فإنّه هو قدّم قتل الرجل على قتله وإلّا كان في وسعه أن يعكس.
نعم ورد في مرفوعة عبد الرحمن بن الحجاج أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان لا يرى الحبس إلّافي ثلاثة: رجل أكل مال اليتيم، أو غصبه، أو رجل اؤتمن أمانة فذهب بها.[2]
لكن الحصر فيها إضافيّ وقد ورد الحبس في موارد أُخرى، فالسارق في المرحلة الثالثة يسجن،[3] وروي: أنّ عليّاً كان يحبس في الدين، فإذا تبيّن له حاجة وإفلاس خلّى سبيله حتى يستفيد مالًا.[4]
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۳ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۲.
[2]. الوسائل: ۱۸، الباب ۵ من أبواب بقية الحدود والتعزيرات، الحديث ۱.
[3]. لاحظ: الوسائل: ۱۸، الباب ۵ من أبواب حدّ السرقة، الحديث ۱ و ۳ وغيرهما.
[4]. الوسائل: ۱۳، الباب ۷ من أبواب كتاب الحجر، الحديث ۱ و ۳.
المسألة ۳۵. لو قال بالغ عاقل لآخر: «اقتلني وإلّا قتلتك» لا يجوز له القتل، ولا ترفع الحرمة؛ لكن لو حمل عليه بعد عدم إطاعته ليقتله جاز قتله دفاعاً، بل وجب، ولا شيء عليه؛ ولو قتله بمجرد الإيعاد كان آثماً، وهل عليه القود؟ فيه إشكال وإن كان الأرجح عدمه، كما لا يبعد عدم الدية أيضاً.^
^
في المسألة فروع:
الأوّل: لو قال بالغ عاقل لآخر: اقتلني وإلّا قتلتك، لا يجوز له القتل، ولا ترفع الحرمة، وذلك لما ورد من عدم التقية في الدماء.
وربما يتصوّر جواز القتل؛ لأنّه أسقط حقّه فلا يتسلّط الوارث عليه؛ لأنّه يرث ما للمورّث من الحقوق والمفروض أنّه أسقط حقّه وقال: اقتلني.
يلاحظ عليه: أنّ الإسقاط فرع الثبوت، فإذا كان الابقاء والإسقاط بيد الإنسان فله أن يسقط، ولكن ليست حياة الإنسان بيده حتى يبقيها أو يسقطها، فإسقاطه لا يؤثر في أمر القصاص، ولذلك لو رضيت المرأة بالزنا لا يسبب حلّية العمل من جانب الزاني.
وحصيلة الكلام: أنّ الإكراه لا يكون مبرراً للقتل، سواء كان المكره عليه قتل الغير، أو قتل المكره، وتوهّم انصراف أدلّة القصاص أو الدية عن مثل المقام كماترى بعد ما ورد أنّ التقية شرعت لصيانة الدماء، فإذا بلغت الدم—)
(— فلا تقية.
الثاني: لو حمل عليه بعد عدم إطاعته ليقتله، جاز قتله دفاعاً، بل وجب.
الثالث: ولو قتله بمجرد الإيعاد، لا شكّ أنّه كان آثماً، وهل عليه القود؟
قال في المتن: فيه إشكال وإن كان الأرجح عدمه، كما لا يبعد عدم الدية.
أمّا القود فيمكن أن يكون وجهه ضابطة درء الحدود بالشبهات لأجل إذنه في قتله، وأمّا الدية فالظاهر ثبوتها.
وبذلك يعلم ضعف ما في المتن من أنّ الأرجح عدم القود كما لا يبعد عدم الدية أيضاً فإنّه ليس براجح على إطلاقه، بل لابدّ من التفصيل بين الإيعاد الجدّي على نحو لو خالف يقتل، فيكون حكمه حكم الفرع السابق؛ وبين الإيعاد غير المعلوم كونه جدّياً، فلا يبعد فيه القصاص، فلو درأ فيه للشبهة فلا أقل من الدية.
المسألة ۳۶. لو قال: «اقتل نفسك» فإن كان المأمور عاقلًا مميّزاً فلا شيء على الآمر، بل الظاهر أنّه لو أكرهه على ذلك فكذلك، ويحتمل الحبس أبداً لإكراهه فيما صدق الإكراه، كما لو قال: «اقتل نفسك وإلّا قتلتك شرّ قتلة».^
المسألة ۳۷. يصحّ الإكراه بما دون النفس، فلو قال له: اقطع يد هذا وإلّا قتلتك، كان له قطعها وليس عليه قصاص، بل القصاص على المكره؛ ولو أمره من دون إكراه فقطعها فالقصاص على المباشر، ولو أكرهه على قطع إحدى اليدين فاختار إحداهما، أو قطع يد أحد الرجلين فاختار أحدهما، فليس عليه شيء، وإنّما القصاص على المكره الآمر.^^
^ إذا قال: اقتل نفسك، وكان المأمور عاقلًا مميّزاً، فلا قود على الآمر؛ لأنّ المأمور هو المباشر، والآمر على تقدير تسبيبه ضعيف جدّاً، نعم يحتمل الحبس أبداً فيما لو صدق على فعله الإكراه، كما لو قال: اقتل نفسك وإلّا قتلتك شرّ قتلة. وقد مرّ ما يدلّ عليه في المسألة الرابعة والثلاثين، فلاحظ.
نعم لو كان المأمور غير مميّز، فالقود على الآمر لضعف المباشر؛ لأنّه بمنزلة الآلة.
^^
في المسألة فروع ثلاثة:
الأوّل: لو أكرهه على مادون النفس، كما لو أكرهه على قطع يد
(— شخص وإلّا قتله، لا شكّ أنّه يجوز له القطع، للفرق بين الإكراه على النفس والإكراه على الطرف، ففي الأوّل يحرم عليه الفعل؛ وذلك لأنّ التقيّة شُرّعت لصيانة الدم، فإذا بلغت الدم فلا تقيّة. وفي الثاني يجوز لأنّه بعمله هذا يحفظ نفسه.
هذا ممّا لا غبار عليه، إنّما الكلام فيمن يقتص منه، فقال المصنّف:
القصاص على المُكرِه؛ وذلك لأنّ المُكرَه صار أداة طيّعة بيد المُكرِه، ولو عُدّ مباشراً فمنزلته بمنزلة السيف فلا تتوجه إليه المسؤولية، بل على من أوجد ظروف الجريمة.
ذهب السيد الخوئي إلى سقوط القصاص عن المكرِه قائلًا بعدم كونه قاطعاً لليد حتى يثبت عليه القود، وانّما القاطع هو المكرَه (بالفتح) باختياره ولو من جهة دفع الضرر الأهمّ، وأمّا عدم ثبوته على المكرَه فلعدم صدور القطع منه عدواناً الذي هو الموضوع للقصاص، وأمّا ثبوت الدية عليه فلأنّ قطع يد المسلم لا يذهب هدراً.[1]
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذكره من عدم ثبوت القصاص على المكرَه صحيح، إنّما الكلام في تبرئة المكرِه عن القصاص والدية مع أنّه هو الذي ألجأ المكرَه على قطع يد المسلم لحفظ نفسه، فكيف يكون بريئاً من القصاص والدية فإنّه بإكراهه المباشر وتهديده له بالقتل يضعف اختياره فيلجأ لأجل حفظ نفسه إلى قطع اليد. ثم لو فرضنا عدم القصاص هنا، فالدية على المكرِه لا على—)
[1]. مباني تكملة المنهاج: ۲/ ۱۸.
(— المكرَه؛ وما ذاك إلّالأنّ المكرَه أقدم على أمر جائز بأمر الشرع، فلو كان لهذا العمل تبعة فالمكرِه أولى أن يتحمّله دون المباشر.
نعم رفع الحرمة لا يلازم عدم الضمان في بعض الموارد، كما في جواز السرقة في أيام المجاعة فلا يرتفع الضمان، لكن المقام يفارقه حيث إنّ الآكل والضامن في المثال شخص واحد؛ وأمّا المقام فالقتل مستند إلى المُكرِه تسبيباً وإلى المكرَه (بالفتح) مباشرة، ولولا تهديد المكرِه لما أقدم المكرَه على العمل.
الفرع الثاني: لو أمره من دون إكراه فقطعها فالقصاص على المباشر؛ وذلك لأنّه ليس مكرهاً عليه حتى ترتفع الحرمة، بل مأمور وليس في ترك العمل وعيد، فالفعل ينتسب إلى المباشر، إذ لو تركه لما ترتّب عليه شيء.
الفرع الثالث: لو أكرهه على قطع إحدى اليدين فاختار إحداهما، أو أكرهه على قطع يد أحد الرجلين فاختار أحد الرجلين، فالقصاص على المُكرِه، إذ لا فرق بين هذا الفرع والفرع الأوّل، لاستناد الفعل إلى المُكرِه (الآمر) وإقدام المُكرَه بأمر الشارع.
وإنّما عنوَنه في المتن فلأجل رد توهّم، وهو أنّه وإن كان في أصل القطع مكرهاً لكنّه في انتخاب إحدى اليدين أو يد أحد الرجلين غير مكره، فالخصوصية بيد المكرَه لا بيد المُكرِه.
والإجابة عنه واضحة؛ لأنّ الإلزام على الجامع إلزام على الخصوصية عرفاً وعقلًا؛ لأنّ الجامع لا يتحقّق إلّافي ضمن فرد، وتهديد المكرِه لا يرتفع إلّا بانتخاب فرد من الجامع فينتهي الأمر إلى المكرَه.
المسألة ۳۸. لو أكرهه على صعود شاهق فزلق رجله وسقط فمات، فالظاهر أنّ عليه الدية لا القصاص، بل الظاهر أنّ الأمر كذلك لو كان مثل الصعود موجباً للسقوط غالباً على إشكال.^
^
لو أُكره على صعود شاهق أو شجرة مثلًا فزلق رجله ومات، ثبت الضمان على المكرِه، والمفروض ليس مجرد الأمر، بل التوأم مع الإكراه، لكن الكلام في أنّه يثبت عليه القصاص أو الدية، فالمصنّف احتمل وجوب الدية في كلتا الصورتين، أي سواء كان مثل الصعود موجباً للسقوط غالباً أم لا، على إشكال في الأوّل، الظاهر وجود الفرق بين ما لو لم يكن الصعود موجباً للسقوط غالباً، وما يكون كذلك؛ فالفعل في الأوّل لا يقتل، فيثبت فيه الدية، بخلاف الثاني ففيه القود.
هذا كلّه إذا لم يقصد القتل في كلتا الصورتين وإلّا يقتص مطلقاً.
المسألة ۳۹. لو شهد اثنان بما يوجب قتلًا كالارتداد مثلًا، أو شهد أربعة بما يوجب رجماً كالزنا، ثم ثبت أنّهم شهدوا زوراً بعد إجراء الحدّ أو القصاص، لم يضمن الحاكم ولا المأمور من قبله في الحدّ، وكان القود على الشهود زوراً مع ردّ الدية على حساب الشهود.
ولو طلب الولي القصاص كذباً وشهد الشهود زوراً، فهل القود عليهم جميعاً، أو على الولي، أو على الشهود؟ وجوه، أقربها الأخير.^
^
في المسألة فرعان:
الأوّل: لو شهد اثنان بما يوجب قتلًا، أو شهد أربعة بما يوجب رجماً، ثم ثبت كذبهم بعد إجراء الحدّ.
يقع الكلام في مَن عليه القصاص.
لا شكّ أنّ الحاكم والحدّاد لا يضمنان، بل القود على الشهود؛ لأنّ عملهم تسبيب متلف بحكم الشرع. والحاصل: أنّ نسبة القتل إليهما ضعيفة؛ لأنّهما قاما بوظيفتهما الشرعية، وإنّما ينتسب إلى الشهود العالمين بالكذب، فالسبب هنا أقوى في التأثير من المباشر الجاهل.
ويدلّ عليه مرسل ابن محبوب، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا، ثمّ رجع أحدهم بعد ما قتل الرجل، فقال: «إن قال الرابع: وهمت، ضرب الحدّ وغرم الدية؛ وإن قال:—)
(— تعمّدت، قتل».[1]
ونظيره خبر مسمع عن أبي عبد اللَّه عليه السلام أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قضى في أربعة شهدوا على رجل أنّهم رأوه مع امرأة يجامعها، فيرجم، ثمّ يرجع واحد منهم، قال: «يغرم ربع الدية إذا قال: شبه عليَّ، فإن رجع اثنان وقالا: شبّه علينا، غرما نصف الدية، وإن رجعوا وقالوا: شبّه علينا غرموا الدية؛ وإن قالوا: شهدنا بالزور، قتلوا جميعاً».[2]
ثمّ إنّ المصنّف أشار بقوله: مع ردّ الدية على حساب الشهود، إلى الضابطة في باب القصاص من أنّه مثلًا إذا قتل اثنان بواحد يُردّ على أولياء المقتولين فاضل ديتهما، وهكذا، وفي المقام إذا قتل الأربعة يُرد إلى أوليائهم ثلاث ديات، وإذا قتل اثنين منهم يأخذ ربع الدية من كلّ واحد من الباقيين فيكون المجموع نصف الدية ويرد إلى أولياء المقتولين دية ونصف الدية، لكلّ واحد ثلاث أرباع الدية، فاضل ديته.
وهذا هو الذي رواه الكليني بإسناد عن الفتح بن يزيد الجرجاني، عن أبي الحسن عليه السلام في أربعة شهدوا على رجل أنّه زنى فرجم ثمّ رجعوا، وقالوا: قد وهمنا، يلزمون الدية وإن قالوا: إنّما تعمّدنا، قتل أيّ الأربعة شاء وليُّ المقتول ورد الثلاثة ثلاثة أرباع الدية إلى أولياء المقتول الثاني، ويجلد الثلاثة كلّ واحد منهم ثمانينجلدة؛ وإن شاء وليّ المقتول أن يقتلهم ردّ ثلاث ديات على—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۶۳ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۶۴ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱؛ ولاحظ الحديث ۲.
(— أولياء الشهود الأربعة ويجلدون ثمانين كلّ واحد منهم، ثم يقتلهم الإمام.[1]
الثاني: ولو شهد الشهود زوراً ولم يعلم الولي بكذب شهادتهم فليس عليه شيء، وأمّا لو علم بكذب شهادتهم ولكن طلب القصاص؛ فهل القود على الشهود، أو على الولي، أو عليهم جميعاً؟
يمكن أن يقال: إنّ القود على الولي إذا كان هو المباشر للقتل مكان الحدّاد، فالمباشر هنا أقوى من السبب الذي هو الشهود، لأنّه قصد قتله وفعله، وإن كانت شهادة الشهود ذريعة لفعله.
وأمّا لو افترضنا أنّ القتل وقع بيد الحدّاد كما هو المفروض، فلا شكّ في براءته مع القاضي عن القصاص والدية، فعندئذٍ يقع الكلام في أنّ القصاص على مَن؟
فهنا احتمالات أُشير إليها في المتن:
۱. القود على الشهود والولي، للمساواة المقتضية للتشريك.
۲. القصاص على الولي؛ لأنّ الطلب أقوى من الشهادة فهي كالشرط.
۳. القصاص على الشهود، إذ لولا الشهادة لم يؤثر الطلب.
والأقوى عند المصنّف هو الأخير، والظاهر أنّ الأوجه هو الأوّل؛ لأنّ القتل معلول طلب الولي الكاذب والشهود الزور.—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۶۴ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۲.
(— نعم لو تبيّن أنّ الولي كان صادقاً في نفسه وإن كان خاطئاً في الواقع، لم يبعد اختصاص القصاص بالشهود.
وليعلم أنّ ما ذكره في المتن من الارتداد أو الزنا مع الإحصان لا يصلح مثالًا للفرع الثاني، إذ ليس للولي فيهما دور، بل الأمر بيد الحاكم، ولابدّ أن يمثل بالقتل الذي للولي فيه حق الطلب.
المسألة ۴۰. لو جنى عليه فصيّره في حكم المذبوح- بحيث لا يبقى له حياة مستقرة- فذبحه آخر فالقود على الأوّل، وهو القاتل عمداً، وعلى الثاني دية الجناية على الميت، ولو جنى عليه وكانت حياته مستقرة فذبحه آخر فالقود على الثاني، وعلى الأوّل حكم الجرح قصاصاً أو أرشاً، سواء كان الجرح ممّا لا يقتل مثله أو يقتل غالباً.^
^
في المسألة فرعان:
۱. لو جنى عليه فصيّره في حكم المذبوح، فذبحه آخر.
۲. لو جنى عليه وكانت حياته مستقرة فذبحه آخر.
أمّا الفرع الأوّل، كما إذا ضربه ضربات شديدة بالسيف فصار كالمحتضر، فقال المحقّق: قُضي على الأوّل بالقود، وعلى الثاني دية الميّت.[1]
أمّا القود فلأنّه القاتل حقيقة، وأمّا الدية على الثاني فلأنّه حكم من قطع رأس الميت، والمفروض أنّ المجني عليه بحكم الميّت، وهذا أيضاً خيرة المصنّف.
وأمّا الفرع الثاني أعني: لو كانت حياته مستقرة سواء يقضي عليه الموت لولا عمل الثاني أو لا، قال المحقّق: فالأوّل جارح والثاني قاتل.[2]—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۰۱.
[2]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۰۱.
(— لأنّه منع من سراية الجناية الأُولى.
وما ذكره المحقّق هو خيرة العلّامة أيضاً في «قواعد الأحكام».[1]
وحاصل الكلام: أنّ المذبوح لو صار على حالة يفارق روحه بعد دقائق ويصير ميّتاً حقيقة، فالأول هو القاتل غير أنّ الثاني عجّل موته؛ بخلاف ما إذا كانت الحياة مستقرة على نحو يدرك ويتكلّم وإن كانت الضربات تقضي عليه بعد بضع أيّام، فالقاتل هو الثاني؛ لأنّه أنهى حياته بعد ما كان قابلًا للبقاء مدة لا يستهان بها.
وهنا احتمال آخر وهو أنّه لو كان فعل كلّ منهما مزهقاً فهما قاتلان، وكذا لو لم يكونا مزهقين، لكن مات منهما.
نعم لو كان أحدهما مزهقاً دون الآخر فهو القاتل.
[1]. قواعد الأحكام: ۳/ ۵۸۸.
المسألة ۴۱. لو جرحه اثنان فاندمل جراحة أحدهما وسرت الأُخرى فمات، فعلى من اندملت جراحته دية الجراحة أو قصاصها، وعلى الثاني القود. فهل يقتل بعد ردّ دية الجرح المندمل أم يقتل بلا رد؟ فيه إشكال، وإن كان الأقرب عدم الردّ.^
^
لو قطع واحد يد شخص، وقطع آخر رجله، فاندملت إحداهما، ثم هلك بغير المندمل، فمن اندمل جرحه فهو جارح، والآخر قاتل يقتل بعد ردّه دية الجرح المندمل.
أمّا مَن اندمل جرحه فعليه القصاص في الطرف أو الدية مع التراضي، وأمّا مَن لم يندمل جرحه وأدّى إلى القتل فعليه القود لاستناد القتل إليه، دون من اندمل جرحه.
ولو افترضنا أنّه أخذت الدية من الجارح المندمل جرحه فهل يجب دفعها إلى أولياء القاتل- الذي لم يندمل جرحه وأدّى إلى القتل- كما عليه المحقّق حيث قال: يقتل بعد ردّه دية الجرح المندمل،[1] أو لا، كما عليه المصنّف حيث قال: وإن كان الأقرب عدم الردّ؟
الظاهر قوة الثاني لعدم صلته بمن لم يندمل جرحه. نعم سيأتي في—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۰۱.
(— باب قصاص ما دون النفس اشتراط التساوي في السلامة من الشلل ونحوه وأنّه لا تقطع اليد الصحيحة بالشلّاء. وأمّا التساوي في غير هذا المورد فهو ليس شرطاً فلو كان المقتول واحد اليد، يقتصّ من القاتل وإن كان واجد اليدين، لأنّ القصاص فيه مركّز على إعدام حياته من دون نظر إلى جثمانه.
ولكن الظاهر من رواية سورة بن كليب دفع الدية المأخوذة إليه.
روى سورة بن كليب عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: سُئل عن رجل قتل رجلًا عمداً وكان المقتول أقطع اليد اليمنى؟ فقال: «إن كانت قطعت يده في جناية جناها على نفسه أو كان قطع فأخذ دية يده من الذي قطعها، فإن أراد أولياؤه أن يقتلوا قاتله أدّوا إلى أولياء قاتله دية يده الذي قيد منها إن كان أخذ دية يده- إلى أن قال:- وإن كانت يده قطعت في غير جناية جناها على نفسه ولا أخذ لها دية قتلوا قاتله ولا يغرم شيئاً، وإن شاءُوا أخذوا دية كامله، قال: وهكذا وجدناه في كتاب علي عليه السلام».[1] لكن الرواية ضعيفة فإنّ سورة بن كليب لم يوثّق.
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۵۰ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
المسألة ۴۲. لو قطع أحد يده من الزند وآخر من المرفق فمات فإن كان قطع الأوّل بنحو بقيت سرايته بعد قطع الثاني، كما لو كانت الآلة مسمومة وسرى السمّ في الدم، وهلك به وبالقطع الثاني، كان القود عليهما؛ كما أنّه لو كان القتل مستنداً إلى السمّ القاتل في القطع ولم يكن في القطع سراية، كان الأوّل قاتلًا، فالقود عليه، وإذا كان سراية القطع الأوّل انقطع بقطع الثاني، كان الثاني قاتلًا.^
^
في المسألة فروع:
۱. إذا استند القتل إلى كلٍّ من القطعين.
۲. إذا استند إلى القطع الأوّل.
۳. إذا استند إلى القطع الثاني.
أمّا الفرع الأوّل: إذا جرح شخصان أحداً، على نحو لا يكون جرح الثاني مانعاً عن سراية جرح الأوّل، مثل ما إذا قطع أحدهما يده اليمنى والآخر يده اليسرى فمات منهما، فلا شكّ أنّ القود عليهما؛ لاستناد الموت إليهما وعدم دخول أحد الجرحين في الآخر.
وأمّا إذا فرضنا أنّ أحد الجرحين صار مانعاً عن سراية الجرح الآخر كما قطع أحدهما يده من الزند والآخر من المرفق ففيه يدخل الجرح الأوّل في الثاني، ويكون الموت مستنداً إلى الآخر.
ولمّا كانت الحال كذلك فرض المصنّف أنّ الجرح الثاني في—)
(— مورد المثال لم يكن مانعاً عن سراية الجناية الأُولى، كما إذا كانت آلة الأوّل مسمومة ودخل السمّ في الدم قبل قطع الثاني، ولكن مات من كلا السببين، فلا شكّ أنّ القود عليهما، قال المحقّق: إنّ الأجزاء الرئيسية تأثرت بألم الأوّل ثم انضم إليه ألم الثاني.
وبما ذكرنا ظهر ضعف ما ربما يقال أنّه يقتص من الجاني الثاني لانقطاع سراية الجرح الأوّل بالثاني بمعنى دخوله في ضمنه، والمفروض أنّ الألم السابق لم يبلغ حد القتل نظير ما لو جرح أحدهما وأزهق الآخر.
ولا يخفى أنّه خلاف الفرض؛ لأنّ المفروض مساواتهما في التأثير، وما ذكره من أنّ الألم السابق لم يبلغ حد القتل، فليكن مثله الجرح الثاني وهو أيضاً لم يبلغ حد القتل، وإنّما بلغ حدّه بكلا القطعين.
وأمّا قياس المقام بما إذا جرح واحد وأزهق الآخر حيث إنّ القاتل هو المزهق لا الجارح، فضعفه ظاهر؛ لأنّ السراية انقطعت بالتعجيل، لأنّ الإزهاق يقطع السراية بخلاف القطع من المرفق، فإنّ الروح معه باقية.
وأمّا الفرع الثاني: أعني لو استند القتل إلى القطع الأوّل، كما لو جرح الأوّل بآلة مسمومة يسري جراحها عادة، وكانت وحدها كافية في الموت ولم تكن الجناية الثانية مؤثّرة في موته، فالقاتل هو الأوّل، وعلى الثاني دية الجرح.
وأمّا الفرع الثالث: أي إذا انقطعت سراية القطع الأوّل بقطع الثاني، كما إذا لم تكن الآلة مسمومة وإنّما قضى عليه القطع الثاني، فالقاتل هو الثاني، وعلى الأوّل دية الجرح إلى أولياء المقتول.
المسألة ۴۳. لو كان الجاني في الفرض المتقدّم واحداً، دخل دية الطرف في دية النفس على تأمّل في بعض الفروض. وهل يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس مطلقاً، أو لا مطلقاً، أو يدخل إذا كانت الجناية أو الجنايات بضربة واحدة، فلو ضربه ففقئت عيناه وشجّ رأسه فمات، دخل قصاص الطرف في قصاص النفس، وأمّا إذا كانت الجنايات بضربات عديدة لم يدخل في قصاصها، أو يفرّق بين ما كانت الجنايات العديدة متوالية، كمن أخذ سيفاً وقطّع الرجلَ إرباً إرباً حتى مات، فيدخل قصاصها في قصاص النفس، وبين ما إذا كانت متفرّقة، كمن قطع يده في يوم وقطع رجله في يوم آخر، وهكذا إلى أن مات، فلم يدخل قصاصها في قصاصها؟ وجوه، لا تبعد أوجهيّة الأخير، والمسألة بعد مشكلة. نعم لا إشكال في عدم التداخل لو كان التفريق بوجه اندمل بعض الجراحات، فمن قطع يد رجل فلم يمت واندملت جراحتها ثم قطع رجله فاندملت ثم قتله يقتص منه ثم يقتل.^
^
كان الفرض الأخير في المسألة السابقة، هو صدور جنايتين من شخصين، ولو فرضنا صدور كلتا الجنايتين من شخص واحد وانتهى إلى موت الرجل- وإلّا فهو خارج عن محط البحث- كما إذ فقأ العين وقطع الاذن من دون ان يموت فلا اشكال في عدم التداخل، فيقع الكلام تارة في دخول دية الطرف في دية النفس، وأُخرى في دخول قصاصه في قصاصها، فهنا—)
(— فرعان:
الظاهر من الفقهاء دخول دية الطرف في دية النفس، فلو جرحه ثم قتله، وتراضيا بالدية فليس هنا إلّادية واحدة.
وقال في «الجواهر»: إجماعاً بقسميه، إذا كانت ثبتت أصالة، (كما في صورة الخطأ)، وأمّا إذا ثبتت صلحاً (كما في صورة العمد) واتّفقا على أخذ الدية فالإشكال- مع إطلاق الصلح عليها عوض القصاص- ينشأ من دخول قصاص الطرف في النفس وعدمه.[1]
وإلى ذلك يشير في المتن بقوله: «على تأمّل في بعض الفروض». والمراد ما أشار إليه في الجواهر وحاصله: أنّ الجنايتين لو صدرتا عن خطأ، فالواجب فيهما أصالة هو الدية، فتدخل دية الطرف في دية النفس.
وأمّا لو صدرتا عن عمد، فالواجب في الجناية عن عمد، هو القصاص لا الدية، فالدية في طول القصاص. نعم لو تصالحا عليها يصح. وعندئذٍ فدخول دية الطرف في دية النفس، متفرّع على الفرع التالي، أي دخول قصاص الطرف في قصاص النفس، فلو قلنا به في الأصل يكون الحكم في الفرع (دية الطرف المتصالح) كذلك، وإلّا فلا تتداخل الديتان كما لا يتداخل القصاصان.
ثم إنّ الدليل على التداخل- وراء الإجماع- صحيحة أبي عبيدة الحذّاء- الّتي ستوافيك في الفرع التالي.—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۶۲.
(—
ذكر المصنّف قدس سره في دخول قصاص الطرف في قصاص النفس احتمالات:
۱. دخوله مطلقاً.
۲. عدم دخوله كذلك.
۳. التفريق بين كون الجنايات بضربة واحدة فيدخل، أو بضربات عديدة فلا يدخل.
۴. التفريق بين الجنايات العديدة المتوالية فيدخل، و غير المتوالية فلا يدخل.
ثمّ إنّه قدس سره أذعن بأنّه لا إشكال في عدم التداخل لو كان التفريق بوجه اندمل بعض الجراحات، مثلًا: قطع يد رجل فلم يمت واندملت جراحتها، ثم قطع رجله فاندملت، ثم قتله، ففيه يقتصّ منه ثم يُقتل.
و أمّا كلمات الأصحاب فقد اختلفت في دخول قصاص الطرف و الشجاج في قصاص النفس إذا اجتمعا، على أقوال ثلاثة، و هي كلّها للشيخ:
أحدها: عدم الدخول مطلقاً، وهو خيرة الشيخ في «الخلاف»، قال: إذا قطع يد رجل ثم قتله، كان لولي الدم أن يقطع يده ثم يقتله. وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال أبو يوسف و محمد: ليس له القصاص في الطرف كما—)
(— لو سرى إلى النفس.[1] وبه قال في المبسوط[2]، وهو خيرة ابن إدريس.[3]
ثانيها: الدخول مطلقاً هو خيرته أيضاً في موضع آخر من «الخلاف» حيث قال: يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس، ودية الطرف تدخل في دية النفس، مثل أن يقطع يده ثم يقتله، أو يقلع عينه ثم يقتله، فليس عليه إلّاقتله أو دية النفس و لا يجمع بينهما، وبه قال أبو حنيفة، و قال الشافعي: لا يدخل قصاص الطرف في قصاص النفس، و تدخل دية الطرف في دية النفس، و قال أبو سعيد الإصطخري: لا تدخل دية الطرف في دية النفس أيضاً مثل القصاص.[4]
و به قال أيضا في موضع من المبسوط.[5]
ثالثها: التفصيل وهو التداخل إن اتّحد الضرب، وعدمه مع تعدده. ونقل المحقّق هذا القول في «الشرائع» عن الشيخ في «النهاية»، قال: ففي «النهاية» يقتص منه إن فرّق ذلك، وإن ضربه ضربة واحدة لم يكن عليه أكثر من القتل.[6]
و بذلك ظهر أنّ للشيخ أقوالًا ثلاثة.—)
[1]. الخلاف: ۵/ ۲۱۰، المسألة ۸۹.
[2]. المبسوط: ۷/ ۲۱ و ۱۱۳.
[3]. السرائر: ۳/ ۳۹۶.
[4]. الخلاف: ۵/ ۱۶۳، المسألة ۲۳.
[5]. المبسوط: ۷/ ۲۲.
[6]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۰۱. لاحظ النهاية: ۷۷۱.
(— وأقول- أيضاً-: إنّ الموضوع هو ما إذا جنى عليه جنايتين، لا ما إذا جنى عليه جناية واحدة فسرت وقتلته، فقد اتّفقوا في ذلك على وحدة القصاص، وهو القتل.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ محل النزاع في غير الموضعين التاليين:
۱. إذا ضربه ضربة واحدة فقطعت يده فمات بالسراية حيث كانت الآلة مسمومة، فلاريب في دخول قصاص الطرف في قصاص النفس، و لا يقتص منه بغير القتل، كما سيوافيك بيانه عند دراسة الروايات. وقد اتّفقت كلمة الأصحاب على التداخل في صورة السراية.
۲. إذا كان الجرح و القتل بضربتين متفرقتين زماناً كما لو قطع يده ولم يمت به واندملت ثم قتله فلا شكّ في عدم التداخل، و هذا هوالذي أشار اليه في المتن في آخر المسألة حيث قال: «نعم لا إشكال في عدم التداخل لوكان التفريق بوجه اندمل بعض الجراحات، فمن قطع يد رجل فلم يمت واندملت جراحتها، ثم قطع رجله فاندملت، ثم قتله، يقتص منه ثم يقتل».
ولا يخفى أنّه لا حاجة إلى الاندمالين، بل يكفي اندمال واحد.
إنّما الكلام في الموردين التاليين:
۱. إذا كانت الضربتان متواليتين زماناً، كما إذا ضربه ضربة فقطعت يده مثلًا، و ضربه ضربة ثانية فقتلته بحيث يكون القتل منتسباً إلى كلتا الضربتين.
۲. إذا كانت الضربتان غير متواليتين زماناً، كما إذا قطع يده ثم قطع—)
(— رجله بعد زمان، ولكن القتل صار منسوباً إليهما.
فنقول:
۱. مقتضى القواعد العامّة.
۲. مقتضى الروايات.
أمّا مقتضى القواعد فقد اتّفقت كلمتهم على عدم التداخل وهو رهن دراسة آيتين، وقد استدلّ بهما كلّ من قال بعدم التداخل.
الآية الأُولى: قال سبحانه: «وَ كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الأَنْفَ بِالأَنْفِ وَ الأُذُنَ بِالأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالْسِّنِّ وَ الْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ»[1]، أي فرضنا على بني إسرائيل في التوراة «أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»: أي تقتل النفس بالنفس إذا قتلتها «وَ الْعَيْنَ» تفقأ «بِالْعَيْنِ»، «وَالأَنْفَ» يجدع «بِالأَنْفِ»، «والأُذُنَ» تقطع «بِالأُذُنِ»، «وَالسِّنَّ» يقلع «بِالْسِّنِّ»، «وَ الْجُرُوحَ قِصَاصٌ» أي يقتص فيها.
ثم إنّ القصاص مصدر أُريد به المفعول أي: الجروح متقاصّة بعضها من بعض، «فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ» المراد بالموصول هو المجني عليه، أي إذا تصدّق بالقصاص بالعفو عن الجاني فهو كفّارة له؛ وربما يتصوّر أنّ المراد به—)
[1]. المائدة: ۴۵.
(— هو الجاني، والمراد بالتصدّق تمكين نفسه من القصاص.[1] وهو بعيد، إذ التصدّق ظاهر في العفو، وليس تمكين النفس لإجراء الحدّ، عفواً.
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الأعلام استظهروا أنّ إطلاق الآية يقتضي عدم تداخل قصاص الطرف في قصاص النفس في عامّة الصور مطلقاً، سوى من مات على وجه السراية.
حيث إنّ مقتضى قوله: «الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ» هو الاقتصاص من العين بالعين، سواء أقتله أم لا، وسواء كان القتل بنفس الضربة الواقعة على الطرف- كما لو ضربه ضربة قطع أُذنه أوّلًا ثم عنقه- أم بضربتين، وسواء أكانت الضربتان متواليتين أم متفرّقتين، فالإطلاق في الآية يدلّ على عدم التداخل مطلقاً.
ولكنّ في ثبوت الإطلاق نظراً، و الظاهر أنّ موردها فيما إذا جنى جناية على الطرف فقط، أو على النفس فقط، ففي هذه الصورة يقول: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ»، و أمّا إذا اجتمعت الجنايتان في مورد ففقأ العين أو جدع الأنف ثم قتله، فهل هناك قصاصان أو ثلاثة قصاصات أو قصاص واحد يدخل فيه قصاصا الطرف، أعني: العين و الأنف؟ فالآية غير ناظرة إليه، والمتبادر منها هو ما إذا انفصل كلّ واحد عن الآخر بشهادة أنّه قال: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» إذا قتله، ثم قال: «الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ» إذا لم يقتل، وأمّا إذا اجتمعت الجنايتان فالآية ساكتة عن هذه الصورة، ويعلم ذلك بتدقيق النظر في الآية.—)
[1]. تفسير الجلالين: ۱۴۵.
(— وبعبارة أُخرى: المراد نفي التجاوز عن حدّ الجناية، فإذا قتل نفساً فلا يجوز لولي المجنيّ عليه أن يقتل نفسين أو أكثر، وإذا فقأ عيناً فليس له أن يفقأ أزيد من عين واحدة، فمصبّ الآية التأكيد على نفي التجاوز، وأين هذا من الإطلاق المدّعى؟!
الآية الثانية: قال سبحانه: «وَ قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ»[1]، ثم قال: «الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِاْلشَّهَرِ الْحَرَامِ وَ الْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ»[2].
ترى أنّ الآيتين وردتا في أمر الجهاد مع المشركين، وكلّ منهما إرشاد إلى حكم العقل و هو رعاية العدل والإنصاف في مقام الاقتصاص وعدم التعدّي عنه، وأمّا كونهما ناظرتين إلى جناية مسلم على مسلم آخر- اجتمعت فيه جنايتان كبرى وصغرى، فيقتص من المعتدي بالصغرى أوّلًا ثم الكبرى، ليكون محقّقاً لقوله: «فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ»– فغير ظاهر؛ لأنّ مورد الآية: المشركون أوّلًا، والمراد بالمماثلة هو كيفية القتل، فلو قتل مسلماً فيقتل القاتل و لا يمثّل به.
فالآية ناظرة إلى عدم العبث بجسد الجاني انتقاماً و تشفّياً، وأين هذا المدلول في الآية من أنّ من جنى جنايتين صغرى وكبرى فمات—)
[1]. البقرة: ۱۹۰.
[2]. البقرة: ۱۹۴.
(— بالجناية الثانية، فعلى أولياء المقتول القصاص بالطرف أوّلًا ثم القصاص بالنفس ثانياً.
هذا ما توصّلنا إليه في دراسة الآيتين و إن كان مخالفاً للرأي المشهور، فلم يثبت لحدّ الآن حسب مقتضى القواعد العامّة، عدم التداخل.
اللّهم إلّاأن يقال: إذا صدرت جناية حكم عليه بالقصاص، وإذا صدرت جناية ثانية نشك في زوال الحكم الأوّل، فيستصحب وتكون النتيجة عدم التداخل فتأمّل.
أمّا الروايات فقد وردت روايات ثلاث كلّها صحاح، أو معتبرة:
وقد استدلّ بصحيحة أبي عبيدة على التداخل- كما في الجواهر[1]– وهذه الرواية تدلّ على أمرين:
۱. دخول دية الطرف في دية النفس (و هذه هي المسألة التي مرّ ذكرها سابقاً).
۲. دخول قصاص الطرف في قصاص النفس.
ولأجل ذلك نقطّع الرواية إلى جزأين ليعلم موضع كلّ منهما.
روى أبو عبيدة الحذّاء، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل ضرب—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۶۳.
(— رجلًا بعمود فسطاط على رأسه ضربة واحدة فأجافه حتى وصلت الضربة إلى الدماغ فذهب عقله؟
ثم إنّ جواب الإمام عليه السلام مشتمل على فقرتين:
الفقرة الأُولى من الرواية:
قال عليه السلام: «إن كان المضروب لا يعقل منها أوقات الصلاة، و لا يعقل ما قال و لا ما قيل له، فإنّه ينتظر به سنة، فإن مات فيما بينه و بين السنة أُقيد به ضاربه؛ وإن لم يمت فيما بينه وبين السنة و لم يرجع إليه عقله، أغرم ضاربه الدية في ماله لذهاب عقله» قلت: فما ترى عليه في الشجّة شيئاً؟ قال: «لا، لأنّه إنّما ضرب ضربة واحدة فجنت الضربة جنايتين فألزمتْه أغلظَ الجنايتين وهي الدية.
ولو كان ضربه ضربتين فجنت الضربتان جنايتين لألزمته جناية ما جنتا كائناً ما كان، إلّاأن يكون فيهما الموت بواحدة وتطرح الأُخرى فيقاد به ضاربه».
أقول: هذه الفقرة من الرواية تركّز على أمرين:
۱. أنّ قصاص طرف واحد لا يدلّ على قصاص الطرف الآخر.
۲. يدلّ على دخول دية الطرف في دية العقل، إلّاأنّ مقتضى عموم التعليل هو دخول دية الطرف في دية النفس أيضاً في مفهوم الكلام.
و إليك الفقرة الثانية من الرواية والذي هو موضع النظر في هذا الفرع: [قال:] «فإن ضربه ثلاث ضربات واحدة بعد واحدة فجنين ثلاث—)
(— جنايات، ألزمته جناية ماجنت الثلاث ضربات كائنات ما كانت ما لم يكن فيها الموت، فيقاد به ضاربه، قال: فإن ضربه عشر ضربات فجنين جناية واحدة ألزمته تلك الجناية التي جنتها العشر ضربات».[1]
فتشير هذه الفقرة: «فإن ضربه ثلاث ضربات، واحدة بعد واحدة فجنين ثلاث جنايات، ألزمته جناية ما جنت الثلاث ضربات كائنات ما كانت». إلى عدم دخول جناية طرف في طرف آخر.
كما تدّل على أنّ هذا الحكم محدّد إذا لم يقض على المجني عليه بالموت، فلومات فليس هناك إلّاقصاص واحد وهو القتل حيث قال: «ما لم يكن فيها الموت فيقاد به ضاربه» فكأنّه إذا انتهت الجنايات المتعدّدة إلى الموت فإنّ الجناية الضعيفة تدخل في الجناية الأقوى. والرواية ظاهرة في التداخل.
وقلنا: إنّ الرواية صحيحة، لأنّ جميل بن صالح في سند الرواية، أسديّ ثقة.
وهذه الصحيحة وما بعدها على طرف النقيض من رواية أبي عبيدة حيث تدلّ على التداخل إذا اتّحد الضرب و عدمه مع تعدّده، وهو خيرة المحقّق في «الشرائع» حيث قال: الأقرب ما تضمنته «النهاية» لثبوت—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۷ من أبواب ديات المنافع، الحديث ۱.
(— القصاص بالجناية الأُولى، ولا كذا لو كانت الضربة واحدة، و كذا لو كان بسرايته.[1] وإليك نص الرواية:
روى محمد بن قيس، عن أحدهما عليهما السلام في رجل فقأ عيني رجل وقطع أُذنيه ثمّ قتله، فقال: «إن كان فرّق ذلك اقتصّ منه ثمّ يقتل، وإن كان ضربه ضربة واحدة، ضُربت عنقه و لم يقتصّ منه».[2]
والمتبادر من قوله: «إن كان فرّق ذلك» هو تعدّد الضربة لا التفريق في الزمان، بقرينة قوله: «و إن كان ضربه ضربة واحدة» فعلى هذا فلو تحقّقت الجنايتان بضربة واحدة تداخلتا، وإلّا فلكلّ قصاص، حتى ولو مات. ويتحقّق التعارض بينها وبين صحيحة أبي عبيدة الحذاء في هذه الصورة دون وحدة الضربة، لاتفاقهما فيها على التداخل.
والرواية صحيحة و محمد بن أبي حمزة هو ابن صاحب دعاء السحر المعروف و هو ثقة، نقل الكشّي عن حمدويه أنّه ثقة فاضل، وروى عنه ابن أبي عمير في المقام.
قال: سألت أباعبدالله عليه السلام عن رجل ضُرب على رأسه فذهب سمعه وبصره واعتقل لسانه ثمّ مات؟ فقال: «إن كان ضربه ضربة بعد ضربة، اقتصّ منه ثمّ قتل؛ وإن كان أصابه هذا من ضربة واحدة قتل ولم يقتص منه».[3]—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۰۱.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۵۱ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۵۱ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۲.
(— إذا علمت هذا فاعلم أنّ التعارض بين الرواية الأُولى والأخيرتين واضح، حيث إنّ الأُولى تدلّ على التداخل مطلقاً، ولكن الأخيرتين تفصّلان بين الضربة والضربات، والسيد الخوئي يرجّح الأخيرتين على الأُولى قائلًا بأنّهما متوافقتان لإطلاق الكتاب دون الأُولى فتتقدّمان عليها.[1]
و لكّنك عرفت أن الكتاب غير ناظر إلى صورة الاجتماع، كما أنّ المراد من الاعتداء هو الخروج عن الطريقة المألوفة، أعني: المثلة.
ويمكن أن يقال: بأنّ مقتضى الصحيحتين الأخيرتين هو التفريق بين وحدة الضربة و تعدّدها، ومقتضى الإطلاق عدم الفرق في صورة التعدّد بين التوالي وعدمه فلا يتداخلان مطلقاً.
هذا هو مقتضى إطلاقهما غير أنّ مقتضى منطوق صحيحة أبي عبيدة التداخل في صورة توالي الضربات دون تفرّقها، فيؤخذ بالمنطوق في صورة التوالي فيتداخلان، وبإطلاق الروايتين في صورة عدم التوالي.
و الشاهد على أنّ رواية الحذّاء ناظرة إلى صورة توالي الضربات قوله:
«فإن ضربه ثلاث ضربات واحدة بعد واحدة فجنين ثلاث جنايات …» فهذا ظاهر في التوالي.
فخرجنا بالنتيجة التالية: التفصيل بين وحدة الضربة و تعدّدها، وفي صورة التعدّد؛ التداخل عند التوالي، وعدمه عند عدم التوالي.
[1]. مباني تكملة المنهاج: ۲/ ۲۴.
المسألة ۴۴. لو اشترك اثنان فما زاد في قتل واحد اقتصّ منهم إذا أراد الولي، فيردّ عليهم ما فضل من دية المقتول، فيأخذ كلّ واحد ما فضل عن ديته؛ فلو قتله إثنان وأراد القصاص يؤديّ لكلّ منهما نصف دية القتل، ولو كانوا ثلاثة فلكلّ ثلثا ديته وهكذا، وللوليّ أن يقتصّ من بعضهم ويردّ الباقون المتروكون دية جنايتهم إلى الذي اقتصّ منه، ثم لو فضل للمقتول أو المقتولين فضل عمّا ردّه شركاؤهم قام الولي به، ويردّه إليهم كما لو كان الشركاء ثلاثة فاقتصّ من اثنين، فيردّ المتروك دية جنايته، وهي الثلث إليهما، ويردّ الولي البقيّة إليهما، و هي دية كاملة، فيكون لكلّ واحد ثلثا الدية.^
^
إذا قتل جماعة واحداً فقد ذهبت الإمامية إلى أنّ نفس المقتول موزّعة بين القاتلين، فيتحمّل كلّ واحد منهم بنسبته [المقتول] إلى الجميع، فإن اتّفقوا على الدية أُلزم كلّ واحد منهم بتلك النسبة إلى الجميع، وإلّا فيقتصّ منهم بردّ فاضل ديتهم.
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا قتل جماعة واحداً قتلوا به أجمعين بشرطين:
أحدهما: أن يكون كلّ واحد منهم مكافئاً له، أعني: إذا انفرد كلّ واحد منهم بقتله قتل، وهو أن لا يكون فيهم مسلم مشارك للكفّار في قتل كافر،—)
(— ولا والد شارك غيره في قتل ولده.
والثاني: أن تكون جناية كلّ واحد منهم- لو انفرد بها- كان منها التلف، فإذا حصل هذا في الحياة و الجناية قتلوا كلّهم به. وبه قال في الصحابة:
علي عليه السلام، وعمر بن الخطاب، والمغيرة بن شعبة، وابن عباس. وفي التابعين:
سعيد بن المسيّب، والحسن البصري، وعطاء. وفي الفقهاء: مالك، و الأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي، وأحمد، وإسحاق إلّاأنّ عندنا أنّهم لا يقتلون بواحد إلّاإذا ردّ أولياؤه ما زاد على دية صاحبهم، ومتى أراد أولياء المقتول قتل كلّ واحد منهم كان لهم ذلك، وردّ الباقون على أولياء هذا المقاد منه، ما يزيد على حصّة صاحبهم. ولم يعتبر ذلك أحد من الفقهاء.[1]
و قالت طائفة منهم: إنّ الجماعة لا تقتل بالواحد، لكن ولي المقتول يقتل منهم واحداً ويسقط من الدية بحصته ويأخذ من الباقين، الباقي من الدية على عدد الجناة. وهو خيرة عبدالله بن الزبير ومعاذ، وفي التابعين ابن سيرين والزهري.
وقالت طائفة: إنّ الجماعة لاتقتل بالواحد، ولا واحد منهم، ذهب إليه ربيعة بن أبي عبدالرحمن وأهل الظاهر داود وأصحابه[2].
فظهر أنّ الإمامية على قول واحد وغيرهم على أقوال ثلاثة.
ثم إنّه ربما يتصوّر بأنّ قتل نفسين في مقابل نفس واحدة يُعدّ إسرافاً—)
[1]. الخلاف: ۵/ ۱۵۵، المسألة ۱۴، كتاب الجنايات.
[2]. الخلاف: ۵/ ۱۵۶، المسألة ۱۴ كتاب الجنايات.
(— في القتل، قال سبحانه: «وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا»[1]، ولكنّه ظاهر الضعف:
أمّا أوّلًا: فلأنّ المراد من الإسراف في القتل قتل البريء والمذنب معاً والتمثيل بهما. ويدلّ عليه روايتان:
۱. ما ورد في رواية إسحاق بن عمّار قال: قلت لأبي عبدالله عليه السلام: إنّ الله يقول في كتابه: «وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ»[2] ما هذا الإسراف الذي نهى الله عنه؟ قال: «نهى أن يقتل غير قاتله أو يمثّل بالقاتل»[3].
فكأنّ الآية نهت عمّا ربما كان شائعاً بين القبائل بأنّه إذا قتل منهم واحد يقتلون المذنب والبريء تشفّياً لغيظهم، و أين هذا ممّن شارك في قتل المظلوم بحيث يوصف بكونه قاتلًا كعديله؟
۲. يمكن أن يقال: بأنّ الآية ناظرة إلى التمثيل في الجاني، فهذا يُعدّ إسرافاً في القتل؛ فقد روي عن علي عليه السلام بعد أن ضربه عبدالرحمن بن ملجم، قال:
«احبسوا هذا الأسير و أطعموه وأحسنوا إساره، فإن عشت فأنا أولى بما صنع بي، إن شئت استقدت، وإن شئت عفوت، وإن شئت صالحت، وإن متّ فذلك إليكم، فإن بدا لكم أن تقتلوه فلا تمثّلوا به»[4].—)
[1]. الإسراء: ۳۳.
[2]. الإسراء: ۳۳.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۶۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۲.
[4]. الوسائل: ۱۹، الباب ۶۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۴.
(— وثانياً: أنّ المفروض أنّ كلّ واحدٍ من الشخصين أو الأشخاص قد شاركوا في قتله- وسيوافيك معنى المشاركة في القتل في المسألة التالية- وأنّ كلّاً منهم عمل ما عمل بقصد الجناية والقتل فلا يعدّ الإقتصاص منه إسرافاً وتجاوزاً عن الحدّ، يقول المحقّق: وتتحقّق الشركة في القتل بأن يفعل كلّ واحدٍ منهم ما يقتل لوانفرد، أو ما يكون له شركة في السراية مع القصد إلى الجناية.[1]
وأمّا قوله سبحانه: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» فهو بصدد بيان أنّ نفس الجاني تزهق في مقابل نفس المجنيّ عليه، وأمّا لو كان الجاني واحداً أو أكثر فالآية غير ناظرة إليه.
وثالثاً: أنّه لو لم يفرض القصاص على الجماعة و اكتفي بالدية يلزم اتخاذ ذلك ذريعة إلى سفك الدماء، خصوصاً بين أهل الثراء، والله سبحانه هو العليم الحكيم.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّه قد تضافرت الروايات عن أئمة أهل البيت عليهم السلام على جواز قتل الجميع لكن بشروط خاصّة:
۱. عن داود بن سرحان، عن أبي عبدالله عليه السلام في رجلين قتلا رجلًا؟ قال:
«إن شاء أولياء المقتول أن يؤدّوا دية ويقتلوهما جميعاً، قتلوهما».[2]
۲. عن الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، في عشرة اشتركوا في قتل—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۰۲.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
(— رجل، قال: «يخيّر أهل المقتول فأيّهم شاءُوا قتلوا، و يرجع أولياؤه على الباقين بتسعة أعشار الدية»[1]، أي يأخذ من كلّ تسعة أعشار الدية.
۳. عن عبد الله بن مسكان، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجلين قتلا رجلًا، قال: «إن أراد أولياء المقتول قتلهما أدّوا دية كاملة وقتلوهما، وتكون الدية بين أولياء المقتولين، فإن أرادوا قتل أحدهما قتلوه وأدّى المتروك نصف الدية إلى أهل المقتول ….. إلخ».[2]
۴. وعن الفضيل بن يسار، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: عشرة قتلوا رجلًا، قال: «إن شاء أولياؤه قتلوهم جميعاً وغرموا تسع ديات، و إن شاءُوا تخيّروا رجلًا فقتلوه وأدى التسعة الباقون إلى أهل المقتول الأخير، عشر الدية، كل رجل منهم، قال: ثم الوالي بعد يلي أدبهم و حبسهم».[3]
وظاهر الرواية هو التخيير بين قصاص الجميع و قصاص الواحد، ولكنّه من باب المثال، فإذا جاز التخيير في هذه الصورة، ففي غيرها بوجه أولى.
۵. عن داود بن سرحان عن أبي عبد الله عليه السلام في رجلين قتلا رجلًا؟ قال:
«يقتلان إن شاء أهل المقتول و يرد- على إهلهما- دية واحدة».[4]
و ينافي ما ذكرنا من الروايات ما يلي:—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۳.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۴.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۶.
[4]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱۱.
(— ۱. ما رواه القاسم بن عروة عن أبي العباس و غيره عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إذا اجتمع العدّة على قتل رجل واحد حكم الوالي أن يقتل أيّهم شاءُوا، وليس لهم أن يقتلوا أكثر من واحد، إنّ الله عزّ وجلّ يقول: «وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ»».[1]
۲. ورواه الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير وزاد: «وإذا قتل ثلاثة واحداً، خيّر الوالي أي الثلاثة شاء أن يقتل، ويضمن الآخران ثلثي الدية لورثة المقتول».[2]
ويظهر من الرواية الثانية أنّ الجميع رواية واحدة، ولكنّها رواية شاذّة قاصرة عن معارضة ما تضافر، فلتحمل على الندب أو التقّية أو القتل بلا ردّ الدية.
وعلى هذا فيعلم حكم الصور التالية المذكورة في المتن:
۱. فلو قتلَ الولي الجميعَ، دفع دية كاملة بالمناصفة إلى ورثة كلّ من القاتلين.
۲. ولو قتل البعض دون البعض، فقد استوفى بمقدار حقّه من المقتول وهو النصف، ولكن لم يستوف حقّه ممّن بقي حيّاً وهو النصف، فيأخذ—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۷.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۸.
(— نصف الدية منه ويدفعه إلى ورثة المقتول.
۳. فلو قتل الجميع، يدفع إلى ورثة كلّ واحد ثلثا الدية؛ وذلك لأنّ كلّ واحد شارك في قتل المقتول بالثلث فيسقط من ديته مقابل ما جناه، وتبقى دية ما لم يجنه و هو الثلثان لكلّ واحد.
۴. ولو اختار الولي قتل اثنين منهم، وترك الثالث، فقد استوفى من كلّ حقّه وهو الثلث، فيبقى من كلٍّ ثلثان في ذمّة الولي، فعليه أن يأخذ ممّن لم يقتله ثلث الدية ويضم إليه ثلاثة أثلاث (أي دية كاملة) فيكون المجموع أربعة أثلاث، يدفعها إلى ورثة كلّ من المقتولين بالمناصفة.
وبذلك يعلم حال ما لم نذكر من الفروع.
بقي الكلام في أمرين:
۱. هل يجب ردّ ما فضل على أولياء الجاني قبل القصاص، أو يكفي بعده؟
فالظاهر من رواية الفضيل بن يسار عدمه، حين قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: عشرة قتلوا رجلًا؟ قال: «إن شاء أولياؤه قتلوهم جميعاً و غرموا تسع ديات …»[1].
ولكن الظاهر من صحيحة أبي مريم الأنصاري وجوب التقديم،—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۲ من ابواب القصاص في النفس، الحديث ۶.
(— فعن أبي جعفر عليه السلام، في رجلين اجتمعا على قطع يد رجل؟ قال: «إن أحبّ أن يقطعهما أدّى إليهما دية يد»، و قال: «وإن قطع يد أحدهما ردّ الذي لم تقطع يده على الذي قطعت يده ربع الدية»[1]. ومورد الرواية هو قصاص الطرف، والاستدلال رهن وحدة الحكم في قصاص الطرف والنفس، والظاهر مساعدة العرف في فهم وحدة الحكم، ومع ذلك ففي دلالتها على وجوب التقديم نظر، وذلك بملاحظة ذيلها حيث تدلّ على جواز التأخير، فلاحظ.
وبما أنّ المصنّف سيتعرض لهذا الفرع في المسألة (۵۰)، نحيل القارئ إلى هناك.
۲. إذا قتله رجلان، وقتل الولي واحداً منهما يجب على الباقي ردّ نصف الدية إلى أولياء المقتول، ولو افترضنا أنّ الباقي لم يدفع نصف الدية عليهم، فهل يجب على الولي دفعها إليهم؟
إنّ مقتضى القواعد، هو الوجوب لأنّه المباشر للقتل وإن كان له حقّ على الآخر، لكن ظاهر صحيح الحلبي[2] رجوع أولياء المقتول إلى الباقين.
وسيوافيك في المسألة (۵۰) أنّ اللازم وجوب تأمين حق أولياء الجاني على القاضي، ثم الحكم بالقصاص.
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۵ من أبواب قصاص الطرف، الحديث ۱.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۳.
المسألة ۴۵. تتحقّق الشركة في القتل بأن يفعل كلّ منهم ما يقتل لو انفرد، كأن أخذوه جميعاً فألقوه في النار أو البحر أو من شاهق، أو جرحوه بجراحات كلّ واحدة منها قاتلة لو انفردت، وكذا تتحقّق بما يكون له الشركة في السراية مع قصد الجناية؛ فلو اجتمع عليه عدّة، فجرحه كلّ واحد بما لا يقتل منفرداً لكن سرت الجميع فمات، فعليهم القود بنحو ما مرّ. ولا يعتبر التساوي في عدد الجناية، فلو ضربه أحدهم ضربة والآخر ضربات والثالث أكثر وهكذا، فمات بالجميع، فالقصاص عليهم بالسواء، والدية عليهم سواء. وكذا لا يعتبر التساوي في جنس الجناية، فلو جرحه أحدهما جائفة و الآخر موضحة مثلًا، أو جرحه أحدهما وضربه الآخر، يقتصّ منهما سواء، والدية عليهما كذلك بعد كون السراية من فعلهما.^
^ في المسألة فرعان:
ذكر المحقّق بأنّ الشركة تتحقّق بأحد أمرين:
۱. أن يفعل كلّ واحد منهم ما يقتل لو انفرد.
۲. ما يكون له شركة في السراية مع القصد إلى الجناية.
وقد أشار المصنّف في المتن إلى كلا القسمين، أمّا الأوّل فقد مثّل له بقوله: كأن أخذوه جميعاً فألقوه في النار، أو البحر، أو جرحوه بجراحات—)
(— كلّ واحدة منها قاتلة لو انفردت.
وإلى الثاني بقوله: لو اجتمع عليه عدّة فجرحه كلّ واحد بما لا يقتل منفرداً ولكن سرت الجميع فمات، فعليهم القود بنحو ما مرّ.
ثم إنّ الظاهر من عبارة المحقّق- وهكذا عبارة المصنّف- شرطية قصد الجناية في الصورة الثانية، والمراد به قصد القتل، فخرج ما إذا قصدوا به التأديب غافلين عن أنّ المجموع فعلٌ قتّال، فيكون شبه العمد.
لا يعتبر التساوي في عدد الجناية ولا في جنسها؛ أمّا العدد فلو ضربه أحدهم ضربة و الآخر ضربات فمات بالجميع، فالقصاص عليهم بالسواء، وهكذا الدية.
وأمّا الجنس، فلو جرحه أحدهما جائفة و الآخر موضحة أو جرحه أحدهما و ضربه الآخر، يقتصّ منهما سواء.
كلّ ذلك فيما إذا استند الموت إلى كلا الجنايتين المختلفتين عدداً أو جنساً، دون ما إذا أسند إلى الأخير، أو إلى الأقوى فلا تتحقّق الشركة.
المسألة ۴۶. لو اشترك اثنان أو جماعة في الجناية على الأطراف، يقتصّ منهم كما يقتصّ في النفس؛ فلو اجتمع رجلان على قطع يد رجل، فإن أحب أن يقطعهما أدّى إليهما دية يد يقتسمانها ثم يقطعهما؛ وإن أحب أخذ منهما دية يد، وإن قطع يد أحدهما ردّ الذي لم تُقطع يده على الذي قطعت يده ربع الدية، وعلى هذا القياس اشتراك الجماعة.^
^
أشار المصنّف في هذه المسألة إلى أنّ حكم الجناية على الأطراف كحكم الجناية على النفس، دية وقصاصاً بلا فرق بينهما، كما سيشير في المسألة التالية إلى كيفية تحقّق الشركة في الجناية على الأطراف.
أمّا وحدة الحكم فقد أشار إليها المحقّق بقوله: يقتصّ من الجماعة في الأطراف كما يقتصّ في النفس[1].
و ادّعى في «الجواهر» عدم الخلاف و الإشكال.[2]
واستدلّ عليه بصحيحة أبي مريم الأنصاري عن أبي جعفر عليه السلام في رجلين اجتمعا على قطع يد رجل، قال: «إنْ أحبّ أن يقطعهما أدّى إليهما دية يد [واقتسماها ثم يقطعهما، وإن أحب أخذ منهما دية يد][3] قال: وإن قطع—)
[1]. شرائع الاسلام: ۴/ ۲۰۲.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۷۰.
[3]. ما بين المعقوفتين من تهذيب الأحكام: ۱۰/ ۲۴۱ برقم ۹۵۷، الباب ۲۰ من كتاب الديات.
(— يد أحدهما ردّ الذي لم تقطع يده على الذي قطعت يده ربع الدية».[1]
وبهذا يعلم حكم الفروع التالية:
۱. لو اجتمع رجلان على قطع يد رجل، فإن أحبّ أن يقطعهما أدّى إليهما دية يد يقتسمانها ثم يقطعهما، وإن أحب أخذ منهما دية يد.
۲. وإن قطع يد أحدهما ردّ الذي لم تُقطع يده على الذي قطعت يده ربع الدية.
۳. وعلى هذا القياس اشتراك الجماعة، فلو قطع ثلاثة يد رجل فله أن يقطع الجميع ويرد على كل واحد ثلثا دية اليد، لأنّ كلّ واحد شارك في ثلث الجناية فيؤخذ منه ثلث الدية ويدفع إلى كلّ ثلثيها.
ثم إنّ ظاهر الصحيحة عدم جواز الاقتصاص قبل أن يؤدّي إليهما فاضل الدية.
وقد مرّ الإيعاز إليه في المسألة ۴۴، وسيوافيك الكلام فيه في المسألة ۵۰، فانتظر.
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۵ من أبواب قصاص الطرف، الحديث ۱.
المسألة ۴۷. الاشتراك فيها يحصل باشتراكهم في الفعل الواحد المقتضي للقطع بأن يكرهوا شخصاً على قطع اليد، أو يضعوا خنجراً على يده واعتمدوا عليه أجمع حتى تقطع. وأمّا لو انفرد كلّ على قطع جزء من يده فلا قطع في يدهما، وكذا لو جعل أحدهما آلته فوق يده والآخر تحتها فقطع كلّ جزءاً منها حتى وصل الآلتان وقطعت اليد فلا شركة ولا قطع، بل كل جنى جناية منفردة، وعليه القصاص أو الدية في جنايته الخاصّة.^
^
إنّ الجناية على الأطراف تشارك الجناية على النفس من حيث الحكم، وأمّا من حيث الموضوع فيفترقان؛ وذلك لأنّ الاشتراك في النفس يتحقّق بموته بالأمرين أو الأُمور، سواء اجتمعت أم تفرّقت، وأمّا الاشتراك في الطرف لا يتحقّق إلّامع صدور الفعل عنهم متزامناً، نظير:
۱. أن يشهدوا على رجل بما يوجب قطع يده، ثم يرجعوا عن شهادتهم.
۲. يُكرهوا إنساناً على قطعه.
۳. أو يضعوا حديدة على المفصل ويعتمدوا عليها جميعاً.
وقد مثل له المصنّف بمثالين:
أ. «لو انفرد كلٌّ بقطع جزء من يده» وهذا التعبير هو نفسه في «الشرائع» والظاهر أنّ المراد إذا قطع أحد الرجلين شيئاً من الزند على نحو لم تنفصل—)
(— من الساعد، بل بقيت عالقة وجاء الآخر فقطعها فانفصلت عنه، فهناك عمل واحد بمعنى قطع اليد لكن لم يشاركا فيه في زمان واحد، بل في زمانين، ولذلك لا يصدق عليه المشاركة في عمل واحد في زمان واحد.
ب. لو جعل أحدهما آلته فوق يده والآخر تحتها فقطعت كلُّ جزءاً منها، والفرق بين الموردين وجود الفاصل الزماني في الأوّل دون الثاني.
فخرج ما لو انفرد كلّ واحد منهما بقطع جزء من يده، فيكون على كلّ واحد حقّ جنايته لانفراده بها.
وحاصل الكلام: أنّ الجناية لو كانت نتيجة مشاركة عملين متزامنين فيجري فيها ما ذكرنا في الجناية على النفس. وإلّا فلو كان أحد العملين منفصلًا زماناً عن الآخر، أو يكون عمل كلّ غير الآخر وإن كانا متزامنين كما في المثال الثاني، يثبت على كلّ حكم جنايته.
ومع ذلك فخروج الموردين عن مصبّ النفس مورد تأمّل إذ ورد في صحيحة أبي مريم قوله: «اجتمعا على قطع يد رجل» وهو صادق على كلا الموردين. نعم حسب النظرة العقلية لم يشاركا في عمل واحد لكن حسب النظرة العرفية اجتمعا على عمل واحد، ولذا ينسب قطع اليد إليهما لا إلى الواحد.
المسألة ۴۸. لو اشترك في قتل رجل امرأتان، قتلتا به من غير ردّ شيء؛ ولو كنّ أكثر، فللولي قتلهنّ وردّ فاضل ديته تقسّم عليهن بالسوية؛ فإن كنّ ثلاثاً وأراد قتلهنّ ردّ عليهن دية امرأة، وهي بينهنّ بالسوية؛ وإن كن أربعاً فدية امرأتين كذلك وهكذا؛ وإن قتل بعضهن ردّ البعض الآخر ما فضل من جنايتها، فلو قتل في الثلاث اثنتين ردّت المتروكة ثلث ديته على المقتولتين بالسوية، ولو اختار قتل واحدة ردّت المتروكتان على المقتولة ثلث ديتها، وعلى الولي نصف دية الرجل.^
^
لو اشترك في قتل رجل امرأتان قتلتا به ولا ردّ، أمّا جواز القتل فلقوله سبحانه: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»، وأمّا عدم الردّ فلأن دية المرأة نصف دية الرجل.
ففي صحيح محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن امرأتين قتلتا رجلًا عمداً؟ قال: «تقتلان به، ما يختلف في هذا أحد».[1]
وبهذا يظهر حكم الفروع التالية:
۱. فإن كنّ ثلاثاً وأراد قتلهن ردّ عليهن دية امرأة وهي بينهن بالسوية.
ووجهه واضح؛ لأنّ دية الرجل تساوي دية امرأتين، فقتل اثنتين منهما يعادل دية الرجل تماماً، وتبقى دية الثالثة التي هي نصف دية رجل على ذمة الولي، فيدفع خمسمائة دينار تقسّم على أولياء المقتولتين بالسويّة.—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۳ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱۵.
(— ۲. وإن كنّ أربعاً فقتل الجميع فيدفع دية امرأتين؛ وذلك لأنّ قتل اثنتين يعادل دية الرجل، وقتل الأخيرتين يتوقّف على دفع ديتهما فتقسّم بين أولياء المقتولات.
۳. ولو قتل في الثلاثة اثنتين، فقد استوفى ولي المجنيّ عليه الدية؛ لأنّه قتل امرأتين، وهما يعادلان دية رجل. ويبقى الكلام في المقام في حق المتروكة، فإنّ المقتولتين تضمنان ثلثي دية الرجل، والثلث الآخر على المتروكة، فهي تدفع ثلث دية الرجل إلى أولياء المقتولتين.
۴. ولو اختار قتل واحدة من الثلاث، فاللازم على المتروكتين أمران:
۱. دفع نصف الدية إلى ولي الدم؛ لأنّه بقتل واحدة منهن لم يستوف إلّا النصف- أعني: خمسمائة دينار- وبقي النصف الآخر فيجب على المتروكتين دفعها إلى ولي الدم.
۲. دفع ثلث دية المرأة إلى ولي المقتولة- كما في المتن-.
وجه ذلك: أنّ المقتولة جنت ثلث دية الرجل، أعني: (۳۳۳ ديناراً تقريباً) فبذلك صار هذا المقدار جزءاً من ديتها، فبقي لها (۱۶۶ ديناراً تقريباً) الذي هو ثلث دية المرأة. وهذا هو الّذي تدفعه المتروكتان إليها.
وبالجملة أنّ ولي الدم يطلب نصف دية المجنيّ عليه والمرأة المقتولة تطلب ثلث دية المرأة، فاللازم على المتروكتين دفع خمسمائة دينار مضافاً إلى (۱۶۶ ديناراً).—)
(— وإن أردت الصورة بالحسابات الرياضية فهي بالشكل التالي:
دية المرأة ۵۰۰ دينار
ثلث دية الرجل ۳۳۳ ديناراً تقريباً
–
الباقي ۱۶۷ ديناراً، أو ۱۶۶ ديناراً تقريباً
وهو ما فضل من دية المرأة المقتولة.
ما تدفعه المتروكتان للولي ۵۰۰
+ ما تدفعه المتروكتان للمقتولة ۱۶۶
–
فمجموع ما تدفعه المتروكتان ۶۶۶ ديناراً.
المسألة ۴۹. لو اشترك في قتل رجل، رجلٌ وامرأةٌ فعلى كلّ منهما نصف الدية، فلو قتلهما الولي فعليه ردّ نصف الدية على الرجل، ولا ردّ على المرأة، ولو قتل المرأة فلا ردّ، وعلى الرجل نصف الدية، ولو قتل الرجل ردّت المرأة عليه نصف ديته لا ديتها.^
^
في المسألة فروع:
۱. لو اشترك رجل وامرأة في قتل رجل، يجب على كلّ واحد منهما نصف دية المقتول؛ وعلى هذا فلو قتلهما الولي، فالمرأة لا يرد عليها شيء، وأمّا الرجل فيرد عليه نصف الدية، وذلك واضح لأنّ دية المرأة لم يفضل منها شيء، وأمّا الرجل فيردّ عليه نصف الدية؛ لأنّه مع قتله استوفى الولي تمام دية المجني عليه، فلو قتلهما فقد استوفى دية كاملة ونصف دية، ولهذا وجب رد الفاضل من ديته، ولكن يرد الفاضل على الرجل دون المرأة.
قال الشيخ المفيد في «المقنعة» بأنّ نصف الدية يقسم بينهما أثلاثاً وإليك نصّ كلامه: إذا اجتمع رجل وامرأة على قتل رجل، كان لأولياء الرجل قتلهما جميعاً و يؤدّون إلى ورثتهما خمسة آلاف درهم، يقتسمونها على ثلاثة أسهم، لورثة الرجل الثلثان ولورثة المرأة الثلث.[1]
ولكنّه ضعيف؛ لأنّ دية المرأة نصف دية الرجل، فلو قتلت فكأنّها—)
[1]. المقنعة: ۷۵۲.
(— أدّت نصف دية المقتول، ومعه لا يستحق ورثتها شيئاً، بخلاف الرجل فإنّ له دية كاملة و ولي الدم لا يستحق إلّانصف دية أُخرى، فالفاضل سواء أكان خمسمائة دينار، أو خمسة آلاف درهم يردّ إلى ورثة الرجل.
۲. ولو اشترك رجل وامرأة في قتل رجل وقتل الولي المرأة، فلا ردّ، وبقي الرجل فعليه دفع نصف الدية إلى ولي الدم.
۳. تلك الصورة لكن قتل الولي الرجل، فقد استوفى ولي الدم دية المجنيّ عليه فلا يستحق شيئاً، نعم يستحق الرجل نصف الدية فترد المرأة إلى أولياء الرجل نصف ديته.
وقال الشيخ في «النهاية»: ترد نصف ديتها (ربع دية الرجل) إلى ورثة المقتول.[1] وتبعه القاضي في المهذب.[2] وهو ضعيف.
[1]. النهاية: ۷۴۵.
[2]. المهذب البارع: ۲/ ۴۶۸.
المسألة ۵۰. قالوا: كلّ موضع يوجب الردّ يجب أوّلًا الردّ ثم يستوفي، وله وجه. ثم إنّ المفروض في المسائل المتقدّمة، الرجل المسلم الحرّ والمرأة كذلك.^
^
أشار قدس سره في كلامه هذا إلى أمرين:
۱. أنّه إذا توقّف القصاص على ردّ فاضل الدية يجب الردّ أولًا ثم الاستيفاء، ووجهه واضح وهو: أنّ القاطع ليس له حقّ إلّافي نصف يد الجاني فكيف يقطعها كلّها بلا مجوّز؟ اللّهم إلّاإذا ردّ دية النصف حتى يكون هناك مبرر لقطع اليد كاملة.
أقول: هنا حقّان؛ حق ولي الدم وهو الاقتصاص من الرجل الذي قتل المرأة مثلًا، وحق للمجني عليه لأنّه جنى بنصف ديته لا كلّها، فلا بدّ من دفعه إليه، فالقاضي- الذي بيده السلطة والشوكة- يقوم بالجمع بين الحقّين؛ إمّا بأخذ نصف الدية من ولي الدم ودفعه إلى المجني عليه الذي هو على عتبة القصاص، أو يأخذ ضماناً على ذلك من ولي الدم على نحو لا يضيع حقّه، وعلى هذا يكون البحث عن تأخر الردّ أو تقدّمه يناسب فيما لو كان المباشر هو ولي الدم لا الجهاز الحاكم على المجتمع، فإنّك لو أمعنت النظر في بعض المسائل الواردة في الحدود والقصاص والديات، ترى كأنّها تناسب عدم وجود جهاز حاكم على المجتمع.—)
(— ۲. أشار إلى أنّ المفروض في المسائل المتقدّمة كون الرجل مسلماً حرّاً والمرأة كذلك، فخرج ما لو كان الجاني أو المجنيّ عليه عبداً أو ذمّياً، ولأجل عدم الابتلاء بهما صرف كلامه عنهما.
أمّا العبد فله وجه، وأمّا الذمّيّ فلا بأس بالإشارة إليه ضمن بعض الفروع التي فات على المصنّف بيانها، والّتي سنذكرها تالياً.
فهنا أُمور:
۱. جاز قتل الأجنبي.
۲. لا يقتل الأب.
۳. إذا قُتل الأجنبي فعلى الأب أن يعطي ورثة الأجنبي نصف الدية.
۴. إذا لم يقتصّ من الأجنبي بل أخذ منه نصف الدية فهو لولي المقتول (غير الأب)، ويؤخذ من الأب أيضاً نصف الدية ويعطى لولي المقتول من أُمّه وأولاده.
أمّا الأوّل: فلأنّ القاتل يقتل وإن لم يكن مستقلًا في القتل، بل كان شريكاً.
وأمّا الثاني: فلما يأتي من أنّ الوالد لا يقاد بالولد.—)
(— وأمّا الثالث: أعني ثبوت الدية على الأب، وإعطاؤها لورثة الأجنبي فلأجل أنّ دم المسلم لا يذهب هدراً، كما في قتل الحرّ غير الحرّ، أو فيما لو كان القتل خطأ، أو إذا فرّ القاتل فتأخذ الدية من ماله.
وفي كتاب ظريف عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: «وقضى أنّه لا قود لرجل أصابه والده في أمر يعيب عليه فيه فأصابه عيب من قطع وغيره ويكون له الدية ولا يقاد».[1]
وأمّا إعطاؤها لولي المقتصّ منه (أي ولي الأجنبي) فواضح، لأنّه لم يكن مستقلًا بالقتل بل مشاركاً، فعليه نصف الجناية.
وبما أنّه لا يمكن استيفاء النصف فيقتل ويرد عليه دية النصف المأخوذ من المشارك الآخر، وهو الأب.
وأمّا الرابع: أعني: ما إذا لم يقتصّ من الأجنبي، فيؤخذ منه نصف الدية فهو لولي المقتول (غير الأب) فلما عرفت من أنّه في كلّ مورد ينتفي القصاص تتعيّن الدية.
إنّ المسلم لا يقتل بالذمّيّ، لما سيوافيك من اشتراط المساواة في الدين، فعليه نصف الدية، فيعطيها إمّا لأولياء الذمّيّ القاتل إذا اقتص منه، أو لأولياء المقتول إذا لم يقتص، فتجتمع هناك دية كاملة- أعني: ثمانمائة—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱۰.
(— درهم-: النصف من المسلم والنصف الآخر من الذمّيّ.
لو اشترك إنسان مع حيوان بلا إغراء، في قتل مسلم، فلولي المقتول الأُمور التالية:
۱. أن يقتل القاتل.
وإن شئت قلت: إنّ المقام لا يقصر من اشتراك رجلين في قتل واحد، غاية الأمر أنّ جرح الحيوان غير مضمون.
۲. لو اقتصّ منه ردّ نصف الدية إلى أوليائه لعدم استقلاله في القتل، فلابدّ من تدارك الزيادة، كما إذا قتل رجلان رجلًا.
۳. ولو أخذت منه الدية رُدّت إلى ولي المقتول لئلّا يذهب دم المسلم هدراً، كما هو واضح.
۱. التساوي في الحرية والعبودية
۲. التساوي في الدين
۳. انتفاء الأُبوّة
۴. العقل
۵. البلوغ
۶. أن يكون المقتول محقون الدم
وهي أُمور:
الأوّل: التساوي في الحرية والرقيّة، فيقتل الحرّ بالحرّ، وبالحرّة لكن مع ردّ فاضل الدية، وهو نصف دية الرجل الحرّ، وكذا تقتل الحرّة بالحرّة وبالحرّ لكن لا يؤخذ من وليّها أو تركتها فاضل دية الرجل.^
^
يشترط في القصاص التساوي في الحرّية والعبودية، لقوله سبحانه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الأُنْثىَ بِالأُنْثىَ»[1].
ويترتّب على ذلك الفروع الأربعة التالية:
الأوّل: إذا قتل الحرّ حرّاً، قتل به، لصريح الآية المذكورة.
الثاني: إذا قتلت الحرّة حرّة يقتص من القاتلة، إذا لم يتراضوا على الدية، لصريح الآية أيضاً.
الثالث: إذا قتل الحرّ حرّةً، يجوز لأولياء الحرّة قتل الحرّ، لكن بشرط رد فاضل ديته، إلى ورثته.—)
[1]. البقرة: ۱۷۸.
(— وربما يقال: إنّ قتل الحرّ بالحرّة يخالف قوله سبحانه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الأُنْثىَ بِالأُنْثىَ»، وجه المخالفة أنّه سبحانه حدّد القصاص «الْحُرُّ بِالْحُرِّ» كما حدّد «وَ الأُنْثىَ بِالأُنْثىَ» فقتل الحرّ بالحرّة يخالف كلتا الفقرتين، نعم يوافقه قوله سبحانه: «وَ كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَ الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ …»[1]، فمقتضى الآية الأُولى عدم جواز قتل الرجل بالأنثى غير أنّ مقتضى الآية الثانية جواز القتل ومعادلة النفس بالنفس.
وفي المقام كلمات ثلاث ونتيجة الكلّ عدم جواز قتل الحرّ بالحرّة:
۱. ما في رسالة المحكم والمتشابه نقلًا عن تفسير النعماني بإسناده عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث قال: «ومن الناسخ ما يكون مثبتاً في التوراة من الفرائض في القصاص وهو قوله تعالى: «وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالْسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ» فكان الذكر والأُنثى والحرّ والعبد شرعاً فنسخ الله تعالى ما في التوراة بقوله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الأُنْثىَ بِالأُنْثىَ …». فنسخت هذه الآية: «وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ …».
وعلى هذا فلا يقتل الحرّ بالحرّة؛ لأنّ الآية الأُولى منسوخة.
۲. يقول الشيخ الحرّ العاملي: النسخ هنا بمعنى التخصيص فلا ينافي—)
[1]. المائدة: ۴۵.
(— ما مرّ من أنّها [يعني: قوله سبحانه: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»] محكمة لبقاء العمل بها بعده.[1] وعلى ما ذكره أيضاً لا يقتل الحرّ بالحرة.
۳. وفي تفسير الميزان: ونسبة قوله سبحانه: «الْحُرُّ بِالْحُرِّ …» إلى قوله: «أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ …» نسبة التفسير.[2]
وهو قدس سره لم يبين كيفية التفسير، ويمكن الجواب بوجهين:
۱. أنّ دلالة الفقرتين: «الْحُرُّ بِالْحُرِّ» و «الأُنْثَى بِالأُنْثَى» على عدم قتل الحرّ بالحرّة، بالدلالة المفهومية، وهي في المقام أشبه بدلالة الوصف غير المعتمد على الموصوف (المفهوم).
وهذا النوع من الدلالة ضعيف لا يصلح لتقييد الإطلاق في قوله: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»، ولذلك نفى قسم من الأُصوليّين دلالة الوصف على المفهوم خصوصاً الوصف غير المعتمد على الموصوف.
۲. نفترض أنّ الفقرتين تدلّان على المفهوم وتنفيان قتل الحرّ بالحرّة، لكن القدر المتيقّن من النفي هو قتل الحر بالحرّة من دون ردّ شيء، وأمّا معه- كما هو المفروض- فلا دلالة للمفهوم عليه، فالمنفي حسب الدلالة المفهومية هو القصاص بلا ردّ وتدارك لا القصاص ولو مع الردّ، وعلى هذا يكون المفهوم مخصّصاً لقوله: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» فيما لا ردّ فيه دون ما إذا كان فيه ردّ فيبقى تحت قوله: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ».—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۳ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱۹.
[2]. تفسير الميزان: ۱/ ۴۴۱.
(— وإليك بعض النصوص:
۱. صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال في الرجل يقتل المرأة متعمّداً فأراد أهل المرأة أن يقتلوه؟ قال: «ذاك لهم إذا أدّوا إلى أهله نصف الدية، وإن قبلوا الدية فلهم نصف دية الرجل، وإن قتلت المرأة الرجل قتلت به ليس لهم إلّانفسها».[1]
۲. صحيحة عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول في رجل قتل امرأته متعمّداً، قال: «إن شاء أهلها أن يقتلوه قتلوه ويؤدّوا إلى أهله نصف الدية، وإن شاءوا أخذوا نصف الدية خمسة آلاف درهم».[2]
۳. صحيحة عبد الله بن مسكان عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «إذا قتلت المرأة رجلًا قتلت به، وإذا قتل الرجل المرأة فإن أرادوا القود أدّوا فضل دية الرجل على دية المرأة وأقادوه بها، وإن لم يفعلوا قبلوا الدية، الخ».[3]
نعم ربما ينافي ما ذكرنا الروايتان التاليتان:
أ. ما رواه السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام: «أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قتل رجلًا بامرأة قتلها عمداً، وقتل امرأة قتلت رجلًا عمداً».[4] فإنّ الفقرة الأُولى خالية عن ردّ نصف دية الرجل إلى أولياء المقتول.—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۳ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۳.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۳ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۳ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۲.
[4]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۳ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱۴.
(— يلاحظ عليه: أنّ دلالتها بالإطلاق، فيقيّد بما دلّ على الرجوع.
ويمكن أن يقال: إنّ الناقل لم يكن بصدد نقل الحديث بعامّة خصوصياته.
ب. ما رواه إسحاق بن عمّار عن جعفر عليه السلام: «إنّ رجلًا قتل امرأة، فلم يجعل عليٌّ عليه السلام بينهما قصاصاً وألزمه الدية».[1]
يلاحظ عليه: بأنّه من المحتمل أنّ ورثة المقتول لم يرضوا بالقصاص مع ردّ نصف الدية، فألزمهم الإمام عليه السلام بأخذ الدية. وهذا المقدار من الروايات كافٍ في إثبات المطلوب.
الرابع: إذا قتلت الحرّة حرّاً فيقتصّ من المرأة ولا يؤخذ منها ما فضل على أشهر القولين. ويدلّ على ذلك ما مرّ عليك في صحيحة الحلبي حيث قال عليه السلام: «إن قتلت المرأة الرجل قتلت به ليس لهم إلّانفسها» وهكذا في صحيحة عبد الله بن سنان حيث جاء فيها: وفي امرأة قتلت زوجها متعمدة؟
قال: «إن شاء أهله أن يقتلوها قتلوها، وليس يجني أحد أكثر من جنايته على نفسه».
وفي خبر هشام بن سالم عن أبي عبداللَّه عليه السلام في المرأة تقتل الرجل ما عليها؟، قال: «لا يجني الجاني على أكثر من نفسه».[2]
إلى غير ذلك من النصوص الموافقة للذكر الحكيم- أعني قوله تعالى: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»– وينافيها خبر أبي مريم الأنصاري، عن أبي جعفر عليه السلام—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۳ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱۶.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۳ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱۰.
(— قال: في امرأة قتلت رجلًا، قال: «تُقْتل ويؤدّي وليّها بقيّة المال».[1]
والرواية شاذّة لا يُعمل بها، مع إمكان حملها على الاستحباب.
^^^
ثمّ إنّ هنا مسائل ترك المصنّف ذكرها ولكن صاحب الشرائع عنونها، فلنذكرمنها ما هو المهم:
إذا قتل حرّ حرّين فصاعداً، فإن اجتمع أولياؤهما على الاستيفاء فليس لهم إلّانفسه، وذلك لما ورد في الروايات من أنّه لا يجني الجاني على أكثر من نفسه.[2]
ولو قتل بطلب البعض فهل يجوز للباقين طلب الدية، وجهان:
۱. أنّ الأصل في الجناية هو القصاص كما سيوافيك في المستقبل، وقد فات محلّه بطلب البعض، وأمّا دية العمد فلا تثبت إلّاصلحاً، والصلح يتحقّق مع عدم القتل، والمفروض أنّ القاتل قتل بطلب البعض.
۲. إنّ الواجب هو أحد الأمرين من القصاص أو الدية، وهو خيرة العلّامة في القواعد، حيث قال: ولو قتل حرّ حرّين فليس لأوليائهما سوى قتله، فأيّهما بدأ استوفى وليس لهما المطالبة بالدية إذا قتلاه، ولو قتله أحدهما فالأقرب—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۳ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱۷.
[2]. كما في رواية هشام بن سالم المتقدمة ورواية عبداللَّه بن سنان الآتية.
(— أنّ للآخر أخذ الدية من التركة.[1]
وربما يؤيّد بأنّ فيه جمعاً بين الحقّين وأنّه لولاه لزم طل دم المسلم، وهو باطل لقوله صلى الله عليه و آله و سلم: «لا يطلّ دم امرئ مسلم».[2] والأَولى الاستدلال بما سيوافيك من رواية أبي بصير، فانتظر.
واستوجهه في «المسالك».[3]
لكن الذي يبعده ما ورد في الروايات:
روى عبد الله بن سنان في امرأة قتلت زوجها متعمّدة، قال: «إن شاء أهله أن يقتلوها، قتلوها، وليس يجني أحد أكثر من جنايته على نفسه».[4]
وروى الحلبي عن أبي عبداللَّه عليه السلام: «وإن قتلت المرأة الرجل قتلت به، ليس لهم إلّانفسها».[5]
وروى هشام بن سالم: «لا يجني الجاني على أكثر من نفسه».[6]
ومورد الروايات وإن كان غير ما نحن فيه، لكنّها لا تختصّ بموردها، بل تعمّ سائر الموارد إذا كان فيها ملاكها، فإنّ القاتل الحرّ لا يجني على أكثر من نفسه، فبقتله تستوفي الجناية فلا يبقى موضوع للدية.—)
[1]. قواعد الأحكام: ۳/ ۵۹۴.
[2]. عوالي اللآلي: ۳/ ۵۸۱، الحديث ۲۱.
[3]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۱۲۶.
[4]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۳ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
[5]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۳ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۳.
[6]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۳ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱۰.
(— نعم يمكن تأييد القول الآخر بما رواه أبو بصير، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قتل رجلًا متعمّداً ثم هرب القاتل، فلم يُقدر عليه؟ قال: «إن كان له مال أخذت الدية من ماله، وإلّا فمن الأقرب فالأقرب، وإن لم يكن له قرابة أدّاه الإمام فإنّه لا يبطل دم امرئ مسلم».[1]
وقريب منه ما رواه ابن أبي نصر عن أبي جعفر عليه السلام في رجل قتل رجلًا عمداً ثم فرّ فلم يقدر عليه حتى مات؟ قال: «إن كان له مال أخذ منه، وإلّا أخذ من الأقرب فالأقرب».[2]
وكيفية الدلالة هو وجود الجامع بين مورد الرواية ومورد البحث، وهو فوت القصاص إمّا بقتله أو بموته أو بفراره. إلا أن يقال: وجود الفرق بين المقيس والمقيس عليه وهو استيفاء القصاص في المقام دون مورد الروايتين، فإنّ الرجل القاتل إمّا مات موتاً طبيعياً أو فرّ، فالانتقال إلى أخذ الدية من تركته في صورة الفرار أمرٌ موافقٌ للقاعدة، دون المقام.
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۴ من أبواب العاقلة، الحديث ۱.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۴، من أبواب العاقلة، الحديث ۳.
المسألة ۱. لو امتنع ولي دم المرأة عن تأدية فاضل الدية، أو كان فقيراً، ولم يرض القاتل بالدية، أو كان فقيراً، يؤخّر القصاص إلى وقت الأداء والميسرة.^
^
لو قتل الرجل المرأة وامتنع ولي المرأة- الّذي يريد القصاص من الرجل- من ردّ الفاضل أو كان فقيراً، فهل يجوز لولي المرأة طلب الدية مكان القصاص أو لا؟ وجهان:
۱. أنّ الأصل هو القصاص، والدية رهن التراضي من الطرفين، وفي المقام رهن رضا القاتل. والمفروض عدم رضاه، بل استعدّ للقصاص مع ردّ فاضل ديته.
۲. أنّ الدية أصل برأسه مثل القصاص، فالخيار بيد الوليّ. واستقربه في «القواعد» وقال: الأقرب أنّ للولي الممتنع الفقير، المطالبة بدية الحرّة، إذ لا سبيل إلى طلّ الدم.[1]
والمشهور هو القول الأوّل، لظاهر قوله سبحانه: «وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا»[2]. وسيوافيك أنّ الدية ليست في عرض القصاص، بل في طوله لا تفرض إلّابالرضا والتصالح.—)
[1]. قواعد الأحكام: ۲/ ۲۸۴.
[2]. الإسراء: ۳۳.
(— ولكن الظاهر من رواية أبي مريم الأنصاري عن أبي جعفر عليه السلام أنّ الخيار بيد الوليّ حيث روى عنه عليه السلام في رجلين اجتمعا على قطع يد رجل. قال:
«إنّ أحبّ أن يقطعهما أدّى إليهما دية يد أحد [فاقتسماها ثم يقطعهما، وإن أحبّ أخذ منهما دية يد] قال: وإن قطع يد أحدهما ردّ الذي لم تقطع يده على الذي قطعت يده ربع الدية».[1]
والسند لا غبار عليه، وأبو مريم الأنصاري هو عبد الغفار بن القاسم الثقة، وله روايات كثيرة في الكتب الأربعة.
وعلى هذا فيجوز لولي الدم طلب الدية فلوكان القاتل واحداً فيجبر على الدفع، فلو امتنع أو كان فقيراً فعلى ولي الدم الصبر إلى الميسرة.
يلاحظ عليه: بأنّ ما ذُكر خلاف المشهور، ولعلّ الجانبين كانا مستعدين لدفع الدية حيث ذهبوا إلى أنّ الأصل فيها القود، والدية إنّما تثبت صلحاً موقوفاً على التراضي، فمع عدم رضا القاتل يتوقّف القصاص على بذل الولي الزائد، فلو امتنع أو كان فقيراً، يكون ولي المرأة مخيّراً بين القصاص بدفع الزائد أو الصبر إلى أن يرضى القاتل بدفع الدية.
والمسألة إجماعية، كما في الجواهر.[2]
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۵، من أبواب قصاص الطرف، الحديث ۱.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۸۲.
المسألة ۲. يقتصّ للرجل من المرأة في الأطراف، وكذا يقتصّ للمرأة من الرجل فيها من غير ردّ، وتتساوى ديتهما في الأطراف ما لم يبلغ جراحة المرأة ثلث دية الحرّ، فإذا بلغته ترجع إلى النصف من الرجل فيهما. فحينئذٍ لا يقتصّ من الرجل لها إلا مع ردّ التفاوت.^
^
إذا قطعت المرأة إصبعاً من الرجل أو إصبعين أو ثلاثة، يقتصّ للرجل منها من دون رجوع زائد على الجرح، وإذا قطع الرجل إصبعاً أو إصبعين أو ثلاثة أصابع من المرأة، يقتصّ للمرأة من الرجل من غير ردّ، لأنّ ديتهما إلى ثلث الدية متساوية، إنّما الكلام فيما إذا تجاوزت الثلث، فإنّ دية المرأة ترجع إلى النصف.
فعلى هذا إذا قطع الرجل أربعة أصابع من المرأة فلها أن تقتصّ منه مع ردّ التفاوت على حسب ما مرّ في النفس، وذلك للمستفيضة المعتضدة بعمل الأصحاب من غير خلاف.
روي عن أبان بن تغلب بسند صحيح قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: ما تقول في رجل قطع إصبعاً من أصابع المرأة، كم فيها؟ قال: «عشرة من الإبل»، قلت: قطع اثنتين؟ قال: «عشرون»، قلت: قطع ثلاثاً؟ قال: «ثلاثون»، قلت: قطع أربعاً؟ قال: «عشرون»، قلت: سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون، ويقطع أربعاً فيكون عليه عشرون؟ إنّ هذا كان يبلغنا ونحن بالعراق فنبرأ—)
(— ممن قاله، ونقول: الذي جاء به شيطان، فقال عليه السلام: «مهلًا يا أبان، إنّ هذا حكم رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم، إنّ المرأة تقابل الرجل إلى ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف، يا أبان إنّك أخذتني بالقياس، والسنّة إذا قيست محق الدين».[1]
هذا ممّا لا خلاف فيه إنّما الكلام في أنّ الموضوع هو بلوغ الثلث أو التجاوز عنه؟ والروايات في المقام مختلفة وهي على طائفتين:
الأُولى: ما يدلّ على أنّ الموضوع هو البلوغ، منها:
۱. صحيحة أبان بن تغلب حيث جاء فيها: «فإذا بلغت الثلث رجعت إلى النصف»- كما مرّ عليك نصُّها.
۲. صحيحة الحلبي حيث جاء فيها: «وأصبع المرأة باصبع الرجل حتّى تبلغ الجراحة ثلث الدية، فإذا بلغت ثلث الدية، ضعفت دية الرجل على دية المرأة»[2].
۳. خبر أبي بصير قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن الجراحات؟ فقال:
«جراحة المرأة مثل جراحة الرجل حتّى تبلغ ثلث الدية، فإذا بلغت ثلث الدية سواء، أضعفت جراحة الرجل ضعفين على جراحة المرأة، وسنّ الرجل وسن المراة سواء …».[3]
كذا ما ورد في «الوسائل» إلّاأنّ صاحب الجواهر نقله بالنحو التالي:—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۴۴ من أبواب ديات الأعضاء، الحديث ۱.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱ من أبواب قصاص الطرف، الحديث ۱.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱ من أبواب قصاص الطرف، الحديث ۲.
(— قال: «جراحات المرأة والرجل سواء إلى أن تبلغ ثلث الدية، فإذا جاز ذلك تضاعفت جراحة الرجل على جراحة المرأة ضعفين».[1]
۴. ما رواه جميل بن درّاج، قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن المرأة بينها وبين الرجل قصاص؟ قال: «نعم، في الجراحات حتّى تبلغ الثلث سواء، فإذا بلغت الثلث سواء ارتفع الرجل وسفلت المرأة»[2].
الطائفة الثانية: ما يدل على أنّ الموضوع هو الجمع بين البلوغ والتجاوز، منها:
۱. ما رواه ابن أبي يعفور، قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن رجل قطع إصبع امرأة؟ قال: «تقطع إصبعه حتّى ينتهي إلى ثلث المرأة، فإذا جاز الثلث أضعف الرجل»[3].
۲. ما رواه الحلبي، قال: سئل أبو عبداللَّه عليه السلام عن جراحات الرجال والنساء في الديات والقصاص سواء؟ فقال: «الرجال والنساء في القصاص السنّ بالسنّ والشجّة بالشجّة، والإصبع بالإصبع سواء، حتّى تبلغ الجراحات ثلث الدية، فإذا جازت الثلث صيرت دية الرجال في الجراحات ثلثي الدية، ودية النساء ثلث الدية»[4].—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۸۷، ولاحظ الكافي: ۷/ ۳۰۰.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱ من أبواب قصاص الطرف، الحديث ۳.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱ من أبواب قصاص الطرف، الحديث ۴.
[4]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱ من أبواب القصاص في الطرف، الحديث ۶. ولاحظ الوسائل: ۲۹ طبعة آل البيت عليهم السلام، ففي طبعة المكتبة الإسلامية، سقط.
(— فيبقى الكلام في ترجيح أحد العنوانين على الآخر؛ والظاهر أنّ الميزان هو البلوغ وذلك للأُمور التالية:
۱. لأنّ صحيحة أبان وردت في مقام البيان، والشاهد عليه التفصيل الموجود فيها، فلو كان التجاوز هو الموضوع لما اقتصر على ذكر البلوغ فقط.
۲. أنّ المشهور بين الأصحاب هو البلوغ، ولذلك قال العلّامة في التحرير: ويُتساوى جراح المرأة والرجل وأطرافهما إلى أن يبلغ ثلث الدية، فإذا بلغت الثلث نقصت المرأة إلى النصف، وربما قيل: ما لم يتجاوز الثلث، فإذا تجاوزت رجعت إلى النصف، والأوّل أصحّ لرواية أبان بن تغلب الصحيحة عن الصادق عليه السلام ورواية جميل بن دراج الصحيحة عنه.[1]
ويشير العلّامة في قوله: «وربما قيل» إلى ما ذكره الشيخ في «النهاية» أعني قوله: إلى أن تتجاوز المرأة ثلث دية الرجل، فإذا جاوزت الثلث، سفلت المرأة وتضاعف الرجل على ما نبينه فيما بعد إن شاء اللَّه.[2]
۳. أنّ ما دلّ على القول الأوّل من الروايات هو أكثر عدداً وأصحّ سنداً، وأظهر دلالة، لفقدان التعارض بين الصدر والذيل بخلاف الطائفة الثانية، ففيها وجود التعارض بينهما.
قال صاحب الجواهر: إنّ النصوص المعارضة مع قصور سند جملة منها غير واضحة الدلالة إلّامن حيث مفهوم اشتراط الجواز في الذيل وهو معارض لمفهوم الغاية في الصدر، والجمع بينهما كما يمكن بصرف مفهوم الغاية—)
[1]. تحرير الاحكام: ۵/ ۵۶۸، المسألة ۷۲۲۱.
[2]. النهاية: ۷۴۸.
(— إلى الشرط كذا يمكن بالعكس.[1]
ومراده من (مفهوم الغاية في الصدر) هو دلالته على شرطية البلوغ فقط دون شيء آخر، أعني التجاوز.
أقول: إنّ الثمرة للقولين لا تظهر في مورد اليد، إذا كانت الدية إبلًا أو ديناراً، وذلك لأنّه لا واسطة بين البلوغ والتجاوز في الإصبع مطلقاً، سواء كانت الدية إبلًا أو ديناراً مثلًا؛ لأنّه لو قطع ثلاث أصابع تكون ديته ثلاثين إبلًا ولا تبلغ ثلث الدية، لأنّ ثلث الدية عبارة عن ثلاث وثلاثين وثلث دينار، فلا يتجاوز الثلث إلّابقطع أربعة أصابع حتّى تكون الدية أربعين من الإبل، وعندئذٍ يتحقّق العنوانان، وعلى ذلك فلا فرق أن يقال: بلغت الثلث أو تجاوزته.
نعم تظهر الثمرة بين كون الموضوع هو البلوغ أو التجاوز في المورد التالي: قد قُرر في محلّه أنّه لو انتهت الجراحة في اللسان إلى استئصاله بالنسبة إلى عامّة الحروف، فعلى الجارح الدية الكاملة، وأمّا في غير الاستئصال فتعتبر الدية حسب حروف المعجم، وهي ثمان وعشرون حرفاً، وتقسّط الدية على الحروف بالسوية، ويؤخذ نصيب ما أعدم منها، فلو قسّمنا الدية الكاملة وهي ألف دينار على عدد الحروف المذكورة، يكون نصيب كل حرف ۷، ۳۵ ديناراً تقريباً، وعلى هذا فلو أدّت الجناية على اللسان إلى ذهاب تسعة أحرف وثلث حرف واحد تكون ديته ۳۳۳ ديناراً تقريباً، وهو ثلث الدية، فلو قلنا بأنّ—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۸۷.
(— الميزان هو بلوغ الثلث، فلو أُصيبت المرأة بهذه الجراحة يتنزل نصيبها من الدية إلى النصف أي يكون ۵، ۱۶۶ ديناراً، وأمّا لو قلنا بأنّ الميزان هو التجاوز عن الثلث فتكون دية المرأة والرجل في هذه الصورة سواء.
وأمّا لو بلغت الجناية إلى ضياع عشرة حروف فتكون ديتها ۳۵۷ ديناراً تقريباً، وهي تزيد على الثلث أربع وعشرين ديناراً تقريباً، فلو أُصيبت المرأة بضياع عشرة حروف تتنّزل ديتها إلى النصف ۵، ۱۷۸ ديناراً، على كلا القولين.
ثم إنّ الحكم (دية المرأة نصف دية الرجل) لايختصّ فيما لو تساوت الديتان بينهما في درجات ثم اختلفتا، بل يعمّ ما ورد النصّ على الثلث وما فوقه ابتداءً، فدية المرأة نصف دية الرجل، مثلًا: قال الشيخ في «المبسوط»: في الشفتين: في العليا الثلث وفي السفلى الثلثان، فدية المرأة في العليا نصف دية الرجل فضلًا عن الثلثين.[1]
وقالوا في سلس البول الدية: إذا دام إلى الليل، وإن كان إلى الزوال فثلثا الدية، وإن دام إلى ارتفاع النهار فثلث الدية. ففي الجميع تكون دية المرأة نصف دية الرجل، إلى غير ذلك من الموارد.[2]
إذا عرفت ذلك فهنا فروع:
الفرع الأوّل: إذا طلبت المرأة القصاص في ثلاث أصابع والعفو عن الرابعة، فهل يجوز لها ذلك، وجهان:
أ. أنّ الحقّ راجع إليها فهي تتخيّر بين قطع ثلاث أصابع من دون ردّ—)
[1]. المبسوط: ۷/ ۱۳۲.
[2]. شرائع الاسلام: ۴/ ۲۶۳، جواهر الكلام: ۴۳/ ۳۱۴.
(— شيء أو قطع أربع وردّ الزائد.
ب. أنّ المرأة مخيّرة بين أخذ الدية وعدم قطع شيء من الأصابع أو قطع الأربعة وردّ دية اثنين بناءً على أنّ الثابت لها بالأصالة إنّما هو الدية، أو القصاص في الأربعة مع ردّ الفاضل.[1]
ولك أن تقول: إنّ المرأة يجوز لها القصاص على وجه التساوي إذا لم تتجاوز الجناية عن الثلث كما إذا قطعت ثلاثة أصابع منها، وأمّا إذا تجاوزت الجناية فهي مخيّرة بين أخذ الدية وعدم قطع شيء من الأصابع، أو قطع الأربعة وردّ دية اثنين، وأمّا إجراء القصاص في اثنين والعفو عن اثنين آخرين، فلم يثبت.
الفرع الثاني: لا شكّ أنّ الحكم السابق قطعي فيما لو قطع الرجل أصابع المرأة بضربة واحدة، وأمّا لو قطعها بضربات متعدّدة بحيث تُعدّ كلّ ضربة جنايةً مستقلّة، كما إذا قطع كلّ إصبع من الأصابع الأربعة في أُسبوع، فالظاهر أنّ للمرأة جواز قطع الجميع من دون ردّ شيء، لأنّ ما سبق من رجوع الدية بعد الثلث إلى النصف هو فيما إذا كانت الجناية واحدة، وأمّا إذا تعدّدت فلكلٍّ حكمٌ ثابت يستصحب عند الشكّ.
الفرع الثالث: إذا انعكس الأمر، فقطعت المرأة أصابع الرجل، فهنا الأمر سهل، فأصبع بأصبع، أي للرجل أن يقطع أربعة أصابع من المرأة في مقابل قطعها أصابعه الأربعة من دون ردّ شيء زائد.
[1]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۱۲۶.
الثاني: التساوي في الدين، فلا يقتل مسلم بكافر، مع عدم اعتياده قتل الكفّار.^
^
قد أشار في المتن إلى أمرين:
۱. عدم جواز قتل المسلم بالكافر. وهذا هو الذي سندرسه هنا.
۲. يجوز قتله عند الاعتياد وهذا هو الذي ستأتي دراسته في المسألة رقم (۲).
سواء أكان حربياً أو ذمّياً أو معاهداً أو مستأمناً. وشذّ من قال من العامّة بجواز قتل المسلم بالذميّ، ونُسب إلى أبي يوسف تلميذ أبي حنيفة، وفي حقّه يقول القائل:
|
يا قاتل المسلم بالكافر |
جِرتَ وما العادل كالجائر |
|
|
يا من ببغداد وأطرافها |
من فقهاء الناس أو الشاعر |
|
|
جار على الدين أبو يو |
سف بقتله المسلم بالكافر |
|
|
فاسترجعوا وابكوا على دينكم |
واصطبروا فالأجر للصابر |
|
قال الشيخ: لا يقتل مسلمٌ بكافر، سواء كان معاهداً أو مستأمناً أو حربياً.
وبه قال في الصحابة: علي عليه السلام وعمر وعثمان وزيد بن ثابت، وفي—)
(— التابعين: الحسن البصري وعطاء وعكرمة، وفي الفقهاء: مالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق، وإليه ذهب: أبو عبيد وأبو ثور، وذهبت طائفة إلى أنّه يُقتل بالذميّ، ولايقتل بالمستأمن ولا بالحربي، ذهب إليه الشعبي والنخعي وأبو حنيفة وأصحابه، والمستأمن عند أبي حنيفة كالحربي.
ثم استدلّوا بقوله تعالى: «وَ لَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا»[1].
وبما رواه الجمهور عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده».
ثم نقل ما روت العامّة عن علي عليه السلام أنّه أخرج كتاباً من قراب سيفه فإذا فيه مكتوب: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمّتهم أدناهم، ألا لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده»[2].
والمسألة مورد اتّفاق إلّاأنّ الاستدلال بالآية مورد نظر، لانصراف الآية إلى السبيل على المؤمن بلا وجه، وأمّا قتله لأجل أنّه قتل ذميّاً محترم الدم، فالآية منصرفة عنه، فالأولى الاستدلال بالروايات التي مضى قسم منها عن الخلاف، وما تضافر عن أئمة أهل البيت عليهم السلام، وهي مختلفة:
الأُولى: ما يدلّ على أنه لايقتل، بل يؤخذ من المسلم جنايته للذميّ على قدر دية الذمّيّ ثمانمائة درهم، روى محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام أنّه—)
[1]. النساء: ۱۴۱.
[2]. الخلاف: ۵/ ۱۴۵، المسألة ۲.
(— قال: «لايُقاد مسلم بذميّ في القتل ولا في الجراحات، ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذميّ، على قدر ديّة الذمّي ثمانمائة درهم».[1]
الطائفة الثانية: ما يدلّ على أنّه يقتل بشرط ردّ فضل دية المسلم، منها:
۱. روى ابن مسكان عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إذا قتل المسلم يهودياً أو نصرانياً أو مجوسياً فأرادوا أن يقيدوا، ردّوا فضل دية المسلم وأقادوه»[2].
۲. روى سماعة عن أبي عبداللَّه عليه السلام في رجل قتل رجلًا من أهل الذمّة فقال: «هذا حديث شديد لا يتحمّله الناس، ولكن يعطي الذمّيّ دية المسلم ثم يقتل به المسلم».[3]
ومراده من إعطاء دية المسلم هو دفع فاضل الدية بقرينة سائر الروايات، فيطرح من عشرة آلاف درهم ثمانمائة درهم فيصير ۹۲۰۰ درهماً.
۳. روى أبو بصير عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إذا قتل المسلم النصراني فأراد أهل النصراني أن يقتلوه، قتلوه وأدّوا فضل ما بين الديتين».[4] الطائفة الثالثة: ما يدلّ على أنّه يقتل إذا كان معتاداً للقتل الّذي يأتي الكلام عنه في المسألة التالية، ولا يخفى عدم وجود التعارض بين الطائفة الأُولى والثالثة، لأنّ النسبة بينهما نسبة العموم والخصوص فتختصّ—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۴۷ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۵.
[2]. الوسال: ۱۹، الباب ۴۷ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۲.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۴۷ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۳. وفي طبعة آل البيت« لا يحتمله» فلاحظ.
[4]. الوسائل: ۱۹، الباب ۴۷ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۴.
(— الأُولى بالثانية، إنّما الكلام في رفع التعارض بين الأُوليين.
فربما يقال لأجل رفع التعارض بحمل الطائفة الثانية على المتعوّد، فلا يقتل إلّاإذا كان قد اعتاد قتلهم، والنسبة بينهما نسبة العموم والخصوص.
يلاحظ عليه: أوّلًا: أنّ لسان ما دلّ على جواز القتل بشرط رد فضل دية المسلم آب عن حمله على صورة الاحتياط، فإنّ المتبادر منها أنّه صدر من المسلم القتل اتّفاقاً لا مستمراً واعتياداً.
وثانياً: أنّ ما دلّ على جواز القتل عند الاعتياد خال عن ردّ فضل الدية، فلو كان شرطاً لجواز القتل كان على الإمام أن يذكر هذا الشرط في نفس المسألة.
فالذي يمكن أن يقال حمل هذه الطائفة على التقية، فقد مرّ جواز القتل من الشعبي وأبي حنيفة وأصحابه حيث نقله الشيخ في «الخلاف».
المسألة ۱. لا فرق بين أصناف الكفّار من الذمّيّ والحربي والمستأمن وغيره، ولو كان الكافر محرّم القتل كالذميّ والمعاهد يعزّر لقتله، ويغرم المسلم دية الذمّيّ لهم.^
المسألة ۲. لو اعتاد المسلم قتل أهل الذمّة، جاز الاقتصاص منه بعد ردّ فاضل ديته، وقيل إنّ ذلك حدٌّ لا قصاص، وهو ضعيف.^^
^ لا فرق في عدم جواز قتل المسلم بالكافر [إلّا ما يستثنى في المسألة التالية] بين الذمّيّ والحربي والمستأمن وغيره، لإطلاق ما دلّ على عدم جواز القتل، الّذي مرّ في ضمن الشرط الثاني.
نعم لو كان محرّم القتل كالذميّ والمعاهد، يعزّر لقتله ويغرم المسلم دية الذمّيّ لهم، كما دلّت عليه صحيحة محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال: «لا يقاد مسلم بذميّ في القتل ولا في الجراحات، ولكن يؤخذ على المسلم جنايته للذميّ، على قدر دية الذمّيّ ثمانمائة درهم» وقد مضى الكلام فيه عند دراسة الشرط الثاني.
^^
فهنا أقوال:
الأوّل: أنّه يقتل قصاصاً، بعد أن يردّ أولياء المقتول فاضل دية المسلم من دية الذمّيّ. وهو خيرة الشيخ في «النهاية»، وسلّار في «المراسم»، وابن حمزة في «الوسيلة».—)
(— قال الشيخ: وإذا قتل المسلم ذميّاً عمداً وجب عليه ديته، ولايجب عليه القود إلّاأن يكون معتاداً لقتل أهل الذمّة، فإن كان كذلك وطلب أولياء المقتول القود، كان على الإمام أن يقيده به، بعد أن يأخذ من أولياء الذمّيّ ما يفضل من دية المسلم فيردّه على ورثته، فإن لم يكن معتاداً فلا يجوز قتله به على حال، ودية الذمّيّ ثمانمائة درهم جياداً أو قيمتها من العين، ودية نسائهم على النصف من دية رجالهم.[1]
ونسبه المحقّق إلى «قيل» مشعراً بضعفه، قال: وقيل: إن اعتاد قتل أهل الذمّة، جاز الاقتصاص بعد ردّ فاضل ديته.[2]
وكذلك العلّامة في «القواعد» حيث قال: وقيل: إن اعتاد قتل أهل الذّمة، قتل قصاصاً بعد ردّ فاضل دية المسلم.[3]
الثاني: أنّه يقتل حدّاً لا قصاصاً، لإفساده في الأرض. وهو قول ابن الجنيد، وأبي الصلاح.[4]
الثالث: أنّه لايقتل مطلقاً. وهو قول ابن إدريس، فإنّه بعد ما روى ما دلّ على جواز القتل بعد ردّ فاضل الدية، قال: ولا ينبغي أن يلتفت إلى هذه الرواية ولا يعرّج عليها، لأنّها مخالفة للقرآن والإجماع.[5]—)
[1]. النهاية: ۷۴۹؛ ولاحظ: المراسم: ۲۳۶، والوسيلة: ۴۳۱.
[2]. شرائع الإسلام: ۴/ ۱۹۶.
[3]. قواعد الأحكام: ۳/ ۶۰۵.
[4]. مختلف الشيعة: ۹/ ۳۲۳.
[5]. السرائر: ۳/ ۳۵۲.
(— والأقوى هو الأوّل، ويدلّ عليه ما ورد من الروايات:
روى إسماعيل بن الفضل رواية واحدة نقلت بصورة ثلاث روايات تختلف طولًا وقصراً (مع أنّها واحدة) لوحدة الراوي والإمام المرويّ عنه:
أ- قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن دماء المجوس واليهود والنصارى، هل عليهم وعلى من قتلهم شيء إذا غشوا المسلمين وأظهروا العداوة لهم؟ قال:
«لا، إلّاأن يكون متعوداً لقتلهم».
قال: وسألته عن المسلم هل يقتل بأهل الذمة وأهل الكتاب إذا قتلهم، قال: «لا، إلا أن يكون معتاداً لذلك لا يدع قتلهم، فيقتل وهو صاغر».[1]
والحديث في بادئ النظر لا يخلو عن اضطراب من وجهين:
الأوّل: السؤال عن شيء واحد مرتين، حيث سأل الراوي في الأوّل عن دماء اليهود والمجوس والنصارى، وفي الثاني عن قتل أهل الذمة وأهل الكتاب، مع أنّ الجواب عن أحد السؤالين مغنٍ عن السؤال الآخر.
الثاني: ماذا يريد السائل من قوله: هل عليهم- أولياء المقتول- شيءٌ؟ مع أنّه لو كان هنا شيءٌ، فإنّما هو على القاتل لا على أولياء المقتول.
والجواب عن الأوّل هو اختلاف المسؤول عنه فيهما، فإنّ السؤال في الأوّل عن دماء المجوس واليهود والنصارى إذا أخلّوا بشرائط الذمّة لا ما—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۴۷ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
(— إذا عملوا بها … وأما المسؤول عنه في السؤال الثاني فهو مطلق أهل الذمّة الذين عبّر عنهم ثانياً بقوله: «أهل الكتاب»، وبين الموضوعين فرق واضح، وجواز القتل في الأوّل لا يكون دليلًا على جوازه في الثاني، فأين المخل بالشرائط عن العامل بها؟!
والجواب عن الثاني هو: أنّه يمكن أن يكون المراد دفع فاضل الدية عند قتل المسلم، وهذا على أولياء المقتول.
إذا عرفت ذلك فلندرس سائر صور الرواية.
ب- روى أبان عن إسماعيل بن الفضل:
قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المسلم هل يقتل بأهل الذمّة؟ قال «لا، إلا أن يكون معوّداً لقتلهم فيقتل وهو صاغر».[1]
ورواها الصدوق عن علي بن الحكم عن إسماعيل بن الفضل مثله، إلّاأنه قال: «إلا أن يكون معتاداً لذلك لايدع قتلهم».
ج- روى جعفر بن بشير، عن إسماعيل بن الفضل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: رجل قتل رجلًا من أهل الذمة؟ قال: «لايقتل به إلّاأن يكون متعوّداً للقتل».[2]
والظاهر أنّ الجميع رواية واحدة لوحدة الراوي والمروي عنه.—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۴۷ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۶.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۴۷ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۷.
(—
روى يونس عن محمد بن الفضل (أو الفضيل) عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: قلت له: رجل قتل رجلًا من أهل الذمة؟ قال: «لا يقتل به إلا أن يكون متعوّداً للقتل».[1]
إذا عرفت ذلك فيقع الكلام في أُمور:
هنا احتمالات:
۱. قتل من غشى المسلمين وأظهر العداوة لهم.
۲. قتل أهل الذمّة إذا عملوا بشرائط الذمّة.
۳. مطلق أهل الكتاب وإن لم يكونوا من أهل الذمّة، كما في المستأمن.
والظاهر أنّ الموضوع هو الثاني، إذ هو القدر المتيقّن، وقد ورد ذلك اللفظ في السؤال الثاني في الرواية الأُولى لإسماعيل بن الفضل، كما ورد أيضاً في الرواية الثانية له. وعلى هذا فلو قتل المخل بشرائط أهل الذمة أو المستأمن فلا يقتل؛ لأنّ الأصل في الدماء الحرمة، فقتل المسلم في هاتين الصورتين موضع شك يدرأ بالشبهة.—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۴۷ من أبواب القصاص في النفس، ذيل الحديث ۷.
(—
إنّ الحكم (قتل المعتاد) إمّا محل إجماع أو مشهور، حتى أنّ صاحب الجواهر حكى عن صاحب «غاية المراد»، أنّه قال: إنّ هذه المسألة إجماعية، ولو كان هذا الخلاف مؤثراً في الإجماع، لم يوجد إجماع أصلًا.[1]
ثم إنّ المصنّف قيّد قتل المسلم المعتاد بالذميّ بأنّه يجوز الاقتصاص بعد ردّ فاضل ديته، بمعنى أنّه يطرح ثمانمائة درهم من ألف دينار وهي دية المسلم، فيرد الباقي إلى أولياء المسلم المقتص منه.
وقد حكى صاحب الجواهر عن المرتضى والشيخين وابني حمزة وسعيد وسلّار والشهيد جواز القصاص بعد رد فاضل ديته.[2] ومع ذلك فليس في الروايتين ما يدلّ عليه، وقد مرّ أنّ ما دلّ على ردّ فاضل الدية منصرف عن صورة الاعتياد، وعلى هذا فرد فاضل الدية يكون من باب الاحتياط.
قال في «الجواهر»: لم يحك القول بالقتل حدّاً إلّاعن أبي علي (ابن الجنيد) والتقيّ (أبي الصلاح)، نعم في «كشف اللثام» حكايته عن المختلف وظاهر الغنية، بل عن الفقيه أنّه يقتل عقوبة لخلافه على الإمام. قال: والخلاف على الإمام والامتناع عليه يوجبان القتل فيما دون ذلك.[3]
أقول: ظاهر ما ورد في مورد المعتاد هو القصاص؛ وذلك لأنّه ورد فيما رواه إسماعيل بن الفضل، قوله: سألته عن المسلم هل يقتل بأهل الذمّة؟—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۱۵۱.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۱۵۲.
[3]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۱۵۳.
(— وهو يدلّ أنّ القتل من باب القصاص؛ ونظير ذلك ما رواه محمد بن الفضل، والّذي جاء في كلام الإمام الرضا عليه السلام: «لا يقتل به إلّاأن يكون متعوّداً للقتل»[1].
فتظهر ثمرة كون القتل حدّاً أو قصاصاً فيما لو عفا أولياء المقتول، فيسقط القتل لو كان بالقصاص دونما لو كان حدّاً؛ لأنّ عفو الورثة لا يؤثّر في ردّ العقوبة.
وتظهر الثمرة أيضاً في ردّ فاضل الدية على القول به، فعلى الحدّ لا ردّ دون القصاص.
هذا وقد يظهر من حديث سماعة أنّ القتل من باب الحدّ، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن مسلم قتل ذميّاً؟ فقال: «هذا شيء شديد لا يحتمله الناس فليعط أهله دية المسلم حتى ينكل عن قتل أهل السواد، وعن قتل الذمّيّ، ثمّ قال: لو أنّ مسلماً غضب على ذميّ فأراد أن يقتله ويأخذ أرضه ويؤدّي إلى أهله ثمانمائة درهم إذاً يكثر القتل في الذميين، ومن قتل ذميّاً ظلماً فإنّه ليحرم على المسلم أن يقتل ذميّاً حراماً ما آمن بالجزية وأداها ولم يجحدها».[2]
فإنّ التعبير بقوله: «حتى ينكل عن قتل أهل السواد، وعن قتل الذمّيّ» يدلّ على أنّه من باب الحدّ أي حتّى يحجم ويمتنع عن قتل الذمّيّ. ثم إنّ الاعتياد أمر عرفي يتحقّق بتكرّره مرّتين مع استمرار القصد. والله العالم.
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۴۷ من أبواب القصاص في النفس، ذيل الحديث ۷.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۴ من أبواب ديات النفس، الحديث ۱.
المسألة ۳. يقتل الذمّيّ بالذمّيّ وبالذمّيّة مع ردّ فاضل الدية، والذمّيّة بالذمّيّة وبالذمّيّ من غير ردّ الفضل كالمسلمين، من غير فرق بين وحدة ملّتهما واختلافهما، فيقتل اليهودي بالنصراني وبالعكس والمجوسي بهما، وبالعكس.^
^
فعلى هذا يظهر حكم الفروع التالية:
۱. لو قتل الذمّيّ ذمّياً يقتل به، لقوله سبحانه: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ».
۲. لو قتل الذمّيّ ذمّيّة، يقتل بها بعد ردّ فاضل الدية، لأنّ دية الذمّيّة نصف دية الذمّيّ، كما أنّ دية المرأة المسلمة نصف دية الرجل المسلم.
۳. تقتل الذمّيّة بالذمّيّة أخذاً بقوله سبحانه: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» وتقتل الذمّيّة بالذمّيّ من غير رجوع عليها بالفضل، كما هو الحال في قصاص المسلمة بالمسلم.
روى السكوني عن أبي عبد الله عليه السلام: «أنّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول:
يقتصّ اليهودي والنصراني والمجوسي بعضهم من بعض ويقتل بعضهم بعضاً إذا قتلوا عمداً».[1]
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۴۸ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
المسألة ۴. لو قتل ذمّي مسلماً عمداً دفع هو وماله إلى أولياء المقتول، وهم مخيّرون بين قتله واسترقاقه، من غير فرق بين كون المال عيناً أو ديناً منقولًا أو لا، ولا بين كونه مساوياً لفاضل دية المسلم أو زائداً عليه أو مساوياً للدية أو زائداً عليها.^
^
المشهور بين الأصحاب أنّه يدفع هو وماله إلى أولياء المقتول، وهم مخيّرون بين قتله أو استرقاقه.
قال في «النهاية»: وإذا قتل الذمّيُّ مسلماً عمداً دُفع برمّته هو وجميع ما يملكه إلى أولياء المقتول، فإن أرادوا قتله كان لهم ذلك، ويتولّى ذلك عنهم السلطان، وإن أرادوا استرقاقه، كان رقّاً لهم؛ فإن أسلم بعد القتل، فليس عليه إلّا القود والمطالبة بالدية كما يكون على المسلم سواء.[1]
وحاصل كلامه: أنّه إذا لم يُسلم يُدفع هو وجميع مايملكه إلى أولياء المقتول، وإن أسلم يكون حكمه حكم المسلم إذا قتل المسلم.
وقال العلّامة: ولو قتل الذمّيّ مسلماً عمداً، دُفع هو وماله إلى أولياء المقتول ويتخيّرون بين قتله واسترقاقه، ولو أسلم قبل الاسترقاق لم يكن لهم إلّا قتله كما لو قتل وهو مسلم.[2]—)
[1]. النهاية: ۷۴۸.
[2]. قواعد الأحكام: ۳/ ۶۰۶.
(— وهنا أُمور:
والأصل في ذلك روايتان:
الأُولى: مارواه ضريس الكناسي والتي رواها عنه المشايخ، وإليك نصّها كما ورد في «الكافي»:
عن ضريس الكناسي عن أبي جعفر عليه السلام في نصرانيٍّ قتل مسلماً فلمّا أُخذَ أسلم، قال: «اقتله به»، قيل: وإن لم يسلم: قال: «يدفع إلى أولياء المقتول [فإن شاءُوا قتلوا، وإن شاءُوا عفوا، وإن شاءُوا استرقوا، وإن كان معه مال دفع إلى أولياء المقتول] هو وماله»[1].
ورواها الصدوق في «الفقيه» والشيخ في «التهذيب» بنفس اللّفظ إلّا بإضافة كلمة «عين» في قوله: «وإن كان معه عين مال، قال: دفع إلى أولياء المقتول».[2]
ورواها في الوسائل عن «الكافي» بالنحو التالي: «وإن شاءُوا استرقوا (قيل) وإن كان معه عين [مال]، قال: «دفع إلى أولياء المقتول هو وماله».[3]—)
[1]. الكافي: ۷/ ۳۱۰، كتاب الديات.
[2]. الفقيه: ۴/ ۱۲۱ برقم ۵۲۵۱؛ التهذيب: ۱۰/ ۱۹۰- ۱۹۱، برقم ۷۵۰.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۴۹ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
(— فقد تفرّد صاحب الوسائل بنقل لفظة «قيل».
ونقلها في «الجواهر» مطابقاً لما نقله الشيخ في «التهذيب».[1]
الرواية الثانية: ما رواه الشيخ عن عبد الله بن سنان عن أبي عبداللَّه عليه السلام، بنفس اللفظ الذي نقله عن ضريس الكناسي، ففيه كلمة «عين مال» مكان «مال» في نقل «الكافي»، مع عدم اشتماله على لفظة «قيل» في قوله: «قيل: وإن كان معه مال»[2].
إذا علمت مصدر الحكم فيظهر وجه ما ورد في كلام المصنّف من أنّه يدفع هو وماله إلى أولياء المقتول وهم مخيّرون بين قتله واسترقاقه.
ففي رواية الكافي: «وإن كان معه مال»، وفي رواية الشيخ: «إن كان معه عين مال» وحسب القواعد تقدّم النقيصة على الزيادة؛ لأنّ احتمال السقوط أكثرمن احتمال الزيادة السهوية. لكن إتقان الكليني يدفعنا إلى الأخذ به، فيعم الحكم العين وما في ذمم الغير.
هذا وبما أنّ أخذ المال أمر على خلاف القاعدة فالذي يستحقه أولياء المقتول نفس القاتل وفاضل ديته، وأمّا الزائد عليه سواء كان عيناً أو في الذمة على خلاف القاعدة، فيقتصر على القدر المتيقّن وهو العين لا في الذمم.—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۱۵۶.
[2]. التهذيب: ۱۰/ ۱۹۰ برقم ۷۵۰.
(—
يظهر من بعض الروايات أنّ التجاوز على أعراض المسلمين يخرج الذمّيّ عن ذمّته؛ فقد روي عن الامام الهادي عليه السلام في تفسير قوله تعالى: «فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللهِ وَحْدَهُ وَ كَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ^ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللهِ التي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَ خَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ»[1].
حينما سُئل الإمام في زمان المتوكل عن رجلٍّ نصرانيٍّ فجر بامرأة مسلمة وأرادوا أن يقيموا عليه الحدّ فأسلم، فكتب الامام في جوابه: «يضرب حتى يموت».[2] واستدلّ عليه بالآية المتقدّمة، ولعلّها ظاهرة في خروجه عن الذمّة. ولكن الظاهر في المقام عدم خروج هذا الشخص عنها، وإلّا لأوكل عقوبته إلى الإمام دون أولياء المقتول. وهذا يدلّ على عدم خروجه عن الذمّة.
الظاهر من الروايتين الأُولى والثانية أنّ أولياء المقتول مخيّرون بين أُمور ثلاثة: ۱. القتل ۲. العفو ۳. الاسترقاق.
والظاهر أنّ دفع ماله إليهم لأجل استرقاقهم له، خصوصاً على ما نقله الكليني حيث قال: «وإن شاءُوا استرقّوا، وإن كان معه مال دفع إلى أولياء—)
[1]. غافر: ۸۴- ۸۵.
[2]. الوسائل: ۱۸، الباب ۳۶ من أبواب حد الزنا، الحديث ۲.
(— المقتول»، فإنّ الظاهر منه ترتّب دفع المال على صورة الاسترقاق دون ما إذا اختاروا القتل أو العفو فليس لهم عندئذ أخذ ماله.
نعم حسب ما نقله صاحب الوسائل عن الكليني بتوسيط «قيل» بين «استرقوا» وبين «وإن كان معه مال» يمكن أن يُعدّ أخذ ماله أمراً مستقلًا غير تابع للاسترقاق، ولكن الوجه الأوّل هو الأقوى.
قال العلامة في «التحرير»: وإذا اختار الأولياء القتل تولى ذلك عنهم السلطان، قال ابن إدريس: وإذا اختاروا قَتْلَه لم يكن لهم على ماله سبيلٌ، لأنّه لا يدخل في ملكهم إلا باختيارهم استرقاقه.[1]
[1]. تحرير الأحكام: ۵/ ۴۵۵، المسألة ۷۰۴۱.
المسألة ۵. أولاد الذمّيّ القاتل أحرار لا يسترقّ واحد منهم لقتل والدهم، ولو أسلم الذمّيّ القاتل قبل استرقاقه لم يكن لأولياء المقتول غير قتله.^
^ في المسألة فرعان:
الظاهر أنّ المراد من الأولاد هم الأصاغر لا مطلق الأولاد، كما يقول المحقّق: وفي استرقاق ولده الصغار تردّد، أشبهه بقاؤهم على الحرية.[1]
وقال العلّامة: وهل يسترق الأولياء أولادهم الأصاغر؟ قال الشيخ: نعم، ومنعه ابن إدريس.[2]
وجه الاسترقاق هو تبعية الولد لأبيه، وقد ثبت له الاسترقاق فيثبت لتابعه؛ ولأنّ المقتضي لحقن دمه هو وماله ونفي استرقاقه هو التزامه بالذمّة، وبالقتل خرقها فتجري عليه أحكام الحرب، التي من جملتها استرقاق أصاغر أولاده.[3]
ووجه عدمه هو أنّ المتيقّن من تبعية الأولاد للآباء في الاسترقاق إذا أسروا في ميدان القتال لا في هذه الصورة، فأصالة بقائهم على الحرية لانعقادهم عليها كافٍ في عدم جواز استرقاقهم مضافاً إلى أنّ جناية الأب—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۱۱.
[2]. تحرير الأحكام: ۵/ ۴۵۵ برقم ۷۰۴۱.
[3]. فالتبعيّة في المقام سبب لاسترقاق الولد الصغار. بخلاف التبعية في قتل ولد الزانية حيث إنّها سبب لقتل القاتل المسلم وعدم التبعية لعدم قتله، فانتظر.
(— لا تتجاوزه، قال سبحانه: «وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى»[1].
وقد مرّ أن قتل الذمّيّ المسلم لايخرجه عن الذمّة وإلّا لما خيّر أولياء الدم بين الأُمور الثلاثة، أضف إلى ذلك: سكوت الرواية عنه مع كونه في مقام البيان، ولذلك قال المحقّق: إنّ الأشبه بالقواعد بقاؤهم على الحرية.
قال المحقّق: لم يكن لهم إلّاقتله، كما لو قتل وهو مسلم.
وقال العلّامة: ولو أسلم فإن كان قبل الإسترقاق لم يكن لهم على ماله وأولاده سبيل، وليس لهم استرقاقه بل لهم قتله كما لو قتل وهو مسلم؛ وإن كان بعد الاسترقاق، لم يسقط عنه شي من الأحكام.[2]
والدليل عليه رواية ضريس الكناسي، عن أبي جعفر عليه السلام في نصراني قتل مسلماً، فلمّا أُخذ أسلم؟ قال: «اقتله به».[3]
[1]. الأنعام: ۱۶۴؛ الإسراء: ۱۵؛ فاطر: ۱۸؛ الزمر: ۷.
[2]. تحرير الأحكام: ۵/ ۴۵۵، المسألة ۷۰۴۱.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۴۹ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱؛ ولاحظ التهذيب: ۱/ ۱۹۰. برقم ۷۵۰.
المسألة ۶. لو قتل الكافر كافراً وأسلم لم يقتل به، بل عليه الدية إن كان المقتول ذا دية.^
^
قال المحقّق: ولو قتل الكافر كافراً، وأسلم القاتل، لم يقتل به، وأُلزم الدية، إن كان المقتول ذا دية.[1]
إذا كان القاتل والمقتول كلاهما كافرين، يقع الكلام في تعلّق القصاص أوّلًا، والدية ثانياً، ومن المعلوم أنّ مطلق الكافرليس مصون الدم بل قسم منه، أعني: الذمّيّ فهو الذي يستحقّ القصاص والدية، وبذلك يعلم أنّ الأفضل في التعبير أن يقال: ولو قتل الكافر ذميّاً، حتى يستحق كلا الأمرين.
ولو فرضنا أنّ القاتل أسلم بعد القتل- عن صميم القلب لافراراً من القصاص- فهل هذا يوجب سقوط القصاص أوّلًا، وتتعلّق به الدية ثانياً؟
أمّا أوّلًا: فإنّ الإسلام يكون حاجزاً بينه وبين قتله، روى محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام قال: «لا يقاد مسلم بذمّيّ في القتل ولا في الجراحات، ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمّيّ على قدر دية الذمّيّ، ثمانمائة درهم».[2]
فإن قلت: إنّ ما ورد من الروايات حول أنّه لا يقتل المسلم إذا قتل الكافر، ناظر إلى ما كان القاتل مسلماً حال جنايته لا بعدها، كما في المقام.—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۱۱.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۴۷ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۵.
(— قلت: إنّ ظاهر بعض الروايات هو الأعم، سواء أكان مسلماً حينها أو بعدها وحين القصاص، نظير ما رواه إسماعيل بن الفضل قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المسلم هل يقتل بأهل الذمّة؟ قال: «لا».[1]
أضف إلى ذلك: أنّه يمكن استظهار أنّ المناط حال الاقتصاص، فقد مرّ ذلك في رواية محمد بن قيس قوله: «لايقاد مسلم بذمّي في القتل»، مضافاً إلى كونه موافقاً للاحتياط المطلوب في الدماء.
وأمّا الثاني: أعني تعلّق الدية، فلأجل ما ربّما يقال: كلّ مورد امتنع القصاص تجب فيه الدية؛ وذلك لأنّ المفروض أنّ المقتول محقون الدم، فلو منع من الاقتصاص لأجل التفاوت بالدين فيجب جبران دمه بالدية، وإلّا يكون مهدور الدم، وهو خلاف الفرض. نعم لو أسلم فراراً عن القصاص لاينفع إسلامه، لما مرّ في الرواية الواردة عن الإمام الهادي عليه السلام.
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۴۷ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۶.
المسألة ۷. يقتل ولد الرشيدة بولد الزنية بعد وصفه الإسلام حين تميّزه ولولم يبلغ، وأمّا في حال صغره قبل التميّز أو بعده وقبل إسلامه، ففي قتله به وعدمه تأمّل وإشكال.^
^
في المسألة فروع:
۱. لو قتل ولد الحلال ولد الزنا بعد بلوغه ووصفه الإسلام.
۲. إذا قتل ولد الحلال ولد الزنا قبل بلوغه وبعد تميّزه ووصفه الإسلام.
۳. إذا قتل ولد الحلال ولد الزنا بعد تميّزه وقبل وصفه إسلامه.
۴. إذا قتل ولد الحلال ولد الزنا قبل تميّزه.
فقد أفتى المصنّف بالقصاص في الصورتين الأُوليين، وتأمّل واستشكل في الصورتين الأخيرتين.
قال المحقّق: ويقتل ولد الرشيدة بولد الزنية لتساويهما في الإسلام.[1]
وقال العلّامة: يقتل ولد الرشدة بولد الزنية.[2]
والرشدة (بكسر الراء وفتحها) خلاف الزنية، وهي بهما أيضاً.
ثم إنّ الداعي لعنوان المسألة هو أنّ بعض الفقهاء كالسيد المرتضى يرى أنّ ولد الزنا كافر لايقتل به المسلم.[3] وهو قول شاذّ في مقابل الآخرين.—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۱۲.
[2]. تحرير الأحكام: ۵/ ۴۵۹ برقم ۷۰۵۰.
[3]. الانتصار: ۵۴۴، المسألة ۵۰۳.
(— وحقيقة الكلام قبل الخوض في بيان الفروع أنّ ولد الزنا إذا كان الزاني مسلماً محكوم بالإسلام تبعاً، قبل البلوغ، وصف الإسلام أوْ لا، مميّزاً كان أو غير مميّز، كولد الحلال في عامّة المراتب؛ وذلك لأنّه ولد- حقيقي لغوي عرفي- للزاني، ويترتّب عليه كلّ أثر شرعي للأولاد، فيحرم عليه الزواج مع أُخته بنت الرشيدة، كما أنّه يجب على الوالد نفقته، إلى غير ذلك من الآثار.
نعم هو محروم من الإرث ونحوه إخراجاً حكميّاً لا وضعياً، فعلى ما ذكرنا فهو محكوم بالإسلام بالتبعية التكوينية للأب، سواء كان قبل التمييز أو بعده، قبل التوصيف أو بعده.
وبعبارة أُخرى: إنّ الاشتباه حصل بين كونه ولداً تكوينياً عرفياً لغوياً، وبين كونه ولداً شرعياً، تولّد من عقد شرعي أو ملك يمين؛ ولكن نفي الثاني لا يلازم نفي الأوّل، إذ لا شكّ أنّه ولد حقيقي، يحرم على الأب الزواج منها إذا كانت بنتاً ويجوز له النظر إليها، إلى غير ذلك من الأحكام العامّة في الأولاد، إلّا ما خرج بالدليل كالميراث و الإمامة في الصلاة والقضاء.
وبذلك يعلم أنّ ولد الحلال يقتل إذا قتل ولد الحرام حسب القواعد في عامّة الفروع الأربعة، الّتي أُشير إليها في المتن. لقوله سبحانه: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ».[1]
فعلى هذا لو قتله إذا كان بالغاً وأظهر الإسلام، أو قتله قبل البلوغ ولكنّه واصف الإسلام، فلا شكّ في القصاص عند المصنّف وغيره، إنّما—)
[1]. المائدة: ۴۵.
(— الإشكال عندهم في الصورة الثالثة (ميّز و لم يصف الإسلام) والرابعة (لم يميّز). وجه الاشكال هو عدم وجود التبعية؛ لأنّه ليس ولداً شرعياً يحكم بإسلامه لأجلها، ولذلك تأمّل في المتن واستشكل.
يلاحظ عليه: أنّ ملاك التبعية هو كون المولود ولداً حقيقياً عند العرف والمفروض أنّه كذلك، فولد الزاني المسلم محكوم بالإسلام لأجل التبعية.
ولذلك نرى أنّ العلّامة أفتى بجواز القصاص من دون فرق بين الصور، قال: يقتل ولد الرشدة بولد الزنية مع تساويهما في الإسلام، وعند مَن يرى أنّ ولد الزنا كافر لايقتل به المسلم، والمعتمد ما قلناه.[1]
ثم لو قلنا بعدم التبعية فمع ذلك يجري فيه القصاص؛ وذلك لأنّ الوارد:
«لايقاد المسلم بذمّي».
وإن شئت قلت: لايقاد مسلم بكافر، والمفروض أنّ ولد الزنا في الصورتين الأخيرتين ليس محكوماً بالكفر ولا بالإسلام، فلا يعمّه دليل الاستثناء …
[1]. تحرير الأحكام: ۵/ ۴۵۹ برقم ۷۰۵۰.
منها: لو قطع مسلم يد ذمّي عمداً فأسلم وسرت إلى نفسه، فلا قصاص في الطرف ولا قود في النفس، وعليه دية النفس كاملة، وكذا لو قطع صبي يد بالغ فبلغ ثم سرت جنايته، لا قصاص في الطرف ولا قود في النفس، وعلى عاقلته دية النفس.^
^ في المسألة فرعان:
إذا جنى المسلم جناية على طرف من أطراف ذمّيّ فسرت إلى نفسه لا يقتصّ منه، فالنفس والأطراف في الحكم واحدة.
روى محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: «لايقاد مسلم بذمّيّ في القتل ولا في الجراحات».[1] هذا حكم القصاص، وأمّا الدية فهي عليه ما دام المجنيّ عليه كافراً.
كما في نفس الرواية حيث جاء فيها: «ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمّيّ على قدر دية الذمّيّ ثمانمائة درهم» ولكن لو فرضنا أنّ الذمّيّ أسلم بعد الجناية وسرت الجناية إلى نفسه فقتلته، فلاشكّ في عدم القصاص نفساً وطرفاً؛ لعدم التساوي في الدين عند الجناية، إنّما الكلام في مقدار الدية،—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۴۷ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۵.
(— فهل يستحق دية الذمّيّ أو دية المسلم؟
الظاهر هو الثاني؛ لأنّ الميزان حال التأدية، والمفروض أنّه مسلم في ذلك الحال.
وبعبارة أُخرى: أنّ الجناية كانت مضمونة حين وقوعها بالدية لا بالقصاص وقد سرت الجناية المضمونة إلى نفسها فيكون المضمون حال تحقّق الجزء الأخير كما هو الحال في عامّة الجنايات.
وإن شئت قلت: إنّه وإن جُرح حال الكفر ولكنّه مات بجرح سرى إلى نفسه فقتله وهو مسلم، فيصح أن يُسند القتل إلى القاتل وأن يقال بأنّه قتل مسلماً ولو نهاية، فيلزم دفع دية المسلم.
لو قطع صبيٌّ يد بالغ، ثم بلغ الجاني ثم سرت جنايته، فلاشكّ أنّ الصبي حين الجناية لم يكن محكوماً بالقصاص في الطرف لعدم كونه بالغاً، وقد رفع القلم عن ثلاثة: «الصبي حتى يحتلم» إنّما الكلام إذا سرت جنايته بعد البلوغ وانتهت إلى تلف النفس، فهل يحكم على الصبي البالغ بالقصاص؟ الظاهر: لا؛ لأنّ قصده كلا قصد، فلا عبرة بجنايته حين الصبى، فلو سرت إلى تلف النفس فالسراية نتيجة جناية غير مضمونة على الصبي فلا يحكم بالقصاص، وأمّا الدية فنعم لكن على العاقلة.
ومنها: لو قطع يد حربي أو مرتد فأسلم ثم سرت فلا قود، ولا دية على الأقوى، وقيل بالدية اعتباراً بحال الاستقرار، والأوّل أقوى، ولو رماه فأصابه بعد إسلامه فلا قود ولكن عليه الدية، وربما يحتمل العدم اعتباراً بحال الرمي، وهو ضعيف، وكذا الحال لو رمى ذميّاً فأسلم ثم أصابه فلا قود، وعليه الدية.^
^ في المسألة فروع ثلاثة:
۱. لو قطع يد حربي أو مرتد فأسلم ثم سرت إلى النفس.
۲. لو رمى الحربي فأصابه بعد إسلامه.
۳. لو رمى ذمّياً فأسلم ثم أصابه.
والجامع بين هذه الفروع: أنّ الجناية وقعت في حال كفر المجني عليه، وأمّا ما يتبع الجناية فقد وقع في حال الإسلام، مثلًا:
ففي الأوّل قطع يد الحربي في حال الكفر والسراية إلى النفس في حال الإسلام، وفي الثاني وقع الرمي إلى الحربي في حال الكفر لكن وقعت الإصابة في حال إسلام المرمي.
ومثله الثالث فرمي الذمّي كان في حال الكفر، ولكن الإصابة حصلت في حال الإسلام.
إذا عرفت ذلك فلندرس الفروع:—)
(—
لو قطع يد حربي أو مرتد فأسلم المقطوع وسرت الجناية إلى نفسه، يقع الكلام في القصاص أوّلًا، وفي الدية ثانياً.
أمّا القصاص، فلا، وذلك لما مرّ من رواية محمد بن قيس: «لا يقاد مسلم بذمّيّ في القتل، ولا في الجراحات»، فإذا كان الحكم في الذمّيّ ثابتاً، ففي الحربي والمرتد بطريق أولى.
وقد عرفت أنّ الميزان في القصاص هو حال الجناية، والمفروض كونه كافراً في حالها وهو لا يعادل مسلماً.
وأمّا الدية فمثل القصاص؛ لأنّ الجناية لم تكن مضمونة حال وقوعها، لأنّ مقطوع اليد هو الحربي أو المرتد، وبهذا يفارق ما مرّ في الملحق الأوّل، أعني: لو قطع مسلم يد ذمّيّ عمداً فأسلم، لأنّ الجناية هناك وقعت على محقون الدم، ولذلك أفتى في المتن بعدم القصاص والدية.
وما ربما يقال من أنّ الميزان في الدية حال الاستقرار- كما أشار إليه في المتن- إنّما يصحّ إذا كانت الجناية على محقون الدم.
لو رمى الحربي، ولكن أصابه بعد إسلامه، فقد أفتى المصنّف بعدم القود ولكن عليه الدية، أمّا القود فلما عرفت من أنّ الميزان حال الجناية والمفروض أنّه في تلك الحال كافر مهدور الدم، إنّما الكلام في وجوب الدية، فقد—)
(— علّله المحقّق بقوله: لأنّ الإصابة صادفت مسلماً محقون الدم[1]، وكأنّ الميزان في كون المجني عليه محقون الدم أو مهدوره هو وقت الإصابة، والمفروض أنّه مسلم حالها.
وبذلك يظهر الفرق بين الفرع الأوّل والثاني، فإنّ الجناية في الأوّل وقعت بعامّة أجزائها حال الكفر، لكن نتيجة الجناية صارت سبباً للقتل وهو مسلم، وهذا بخلاف المقام (الثاني) فإنّ جزءاً من الجناية (أعني: الرمي) وقع في حال الكفر، ولكن الجزء الآخر (أعني: الإصابة) الّذي هو فعل تسبيبي للرامي وقع حال الإسلام، فإذا لم يحكم بالقود فلا بدّ من الدية.
كما إذا رمى بالصاروخ من طريق بعيد قال المصنّف: فلا قود، وعليه الدية.
أمّا القود فلما عرفت من أنّ الميزان حال الجناية، والمفروض أنّ الرمي وقع في حال الكفر، وأمّا الإصابة (أعني: الجزء الآخر) قد وقعت في زمان الإسلام، فالقصاص منتف؛ لأنّ الميزان فيه حال الجناية، وقد تحقّقت وهو مسلم فلا يقتص من الجاني المسلم بكافر ذمّي، وأمّا الدية فلأنّه محقون الدم قبل الرمي وبعده. وعلى كلّ تقدير فالفرعان الأخيران من الفروض النادرة التي لا تتحقّق إلا في نوادر الزمان.
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۱۲.
ومنها: لو قتل مرتد ذمّياً يقتل به، وإن قتله ورجع إلى الإسلام فلا قود، وعليه دية الذمّيّ، ولو قتل ذمّي مرتدّاً- ولو عن فطرة- قتل به، ولو قتله مسلم فلا قود، والظاهر عدم الدية عليه، وللإمام عليه السلام تعزيره.^
^
في المسألة فروع:
۱. لو قتل مرتدٌ ذميّاً، وبقي على ارتداده.
۲. إن قتل مرتدٌ ذميّاً، وأسلم ثم قتل الذمّي.
۳. لو قتل ذميٌّ مرتدّاً ولوعن فطرة.
۴. لو قتل مسلمٌ مرتدّاً.
وقبل دراسة الفروع نشير إلى نكتة وهي أنّ المرتدّ في المسألة تارة يفرض كونه مقتولًا، وأُخرى يفرض كونه قاتلًا، فما هو الوجه في تخصيصه بالبحث؟
أقول: إنّ تخصيص المرتد بالبحث لأجل أُمور ثلاثة:
۱. أنّ المرتد برزخ بين المسلم والكافر، فلا هو مسلم قطعاً ومع ذلك لايتعامل معه معاملة الكافر، تماماً، حيث يحرم عليه نكاح الذمّية ولا يرثه الكافر ويجب عليه قضاء صلواته إذا أسلم ثانياً، ولذلك عاد موضوعاً للبحث.
وقد أشار إليه في «الشرائع» بقوله: «منشأه تحرّم المرتد بالإسلام» المانع من نكاحه الذمّية، ومن إرث الذمّي له، ومن استرقاقه ووجوب—)
(— قضاء الصلاة عليه لو تاب فأسلم، كل ذلك صار سبباً لا بتعاده عن الكفر واقترابه إلى الاسلام.
۲. يظهر من بعض أحكام المرتد أنّه أسوأ حالًا من الذمّيّ كوجوب قتله مع عدم قبول توبته، إجماعاً وعدم حل ذبيحته، وعدم إقراره بالجزية.
۳. هل المرتد مهدور الدم مطلقاً أو مهدور بالنسبة إلى الإمام والمسلمين أو هو مهدور الدم بالنسبة إلى خصوص الإمام الحاكم بارتداده.
فكل ذلك- كما أشار إليه في الجواهر[1]– صار سبباً للتردد في الحكم، ولذلك قال المحقّق: إذا قتل مرتد ذميّاً، ففي قتله تردد منشأه تحرّم قتل المرتد بالاسلام.[2]
إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى دراسة الفروع:
الأقوى جواز قتله، لإطلاق أدلّة القصاص- أعني قوله: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»– فخرج عنها قتل المسلم بالذمّي، أو الكافر، وبقي الباقي تحت إطلاق الآية. وما مرّ من اشتراط التساوي في الدين فهو حاصل في المقام، لأن الكفر كالملّة الواحدة فيقتل النصراني باليهودي وبالعكس، ويقتل المرتدّ بالذمّي.
إلّا أن يقال بتحرّم المرتد حال الجناية بالإسلام، فيصير مانعاً—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۱۶۳- ۱۶۴.
[2]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۱۳.
(— من القصاص كما هو الحال في الفرع التالي.
مقتضى القاعدة هو القود لتساوي القاتل والمقتول في الدين أي الكفر في حال الجناية وقد عرفت أنّ الميزان هو تلك الحالة، لكن الحكم بعدم القود في المتن لأجل تحرّم المرتد حال الجناية بالإسلام فصار مانعاً من القود وإلّا فالإسلام المتأخر لا يمنع من القود الثابت. وما يقال من أنّ الميزان هو حال القصاص لا الجناية ينافي ما سبق من أنّ الملاك حال الجناية فلاحظ، نعم عليه الدية لأن الذمّيّ محقون الدم، وكل مورد يمتنع القصاص تتعيّن الدية، على تأمّل في كليّة القاعدة.
قال الشيخ: إذا قتل نصرانيٌّ مرتدّاً وجب عليه القود، وليس للشافعي فيه نصٌّ، ولأصحابه فيه ثلاثة أوجه: قال أبو إسحاق: لا قود له ولادية، ومنهم من قال: عليه القود فإن عفا فعليه الدية، وقال أبو الطيب ابن سلمة: عليه القود، فإن عفا فلا دية له[1].
ثم إن الداعي لعنوان هذه المسألة كما مرّ هو تحديد قولهم: «المرتد مهدور الدم» فهل هو مهدور الدم لخصوص الإمام أو للمسلمين أو لأعم منهم ومن غيرهم، فصار ذلك سبباً لعنوان المسألة، وبما أن المرتد ليس مهدور—)
[1]. الخلاف: ۵/ ۱۷۲، المسألة ۳۴.
(— الدم بالنسبة إلى الكافر الذمّيّ فيقتل الذمّيّ به، وأمّا كونه مهدور الدم بالنسبة إلى خصوص الإمام أو عموم المسلمين فيترك بحثه إلى موضعه.
وبالجملة كون الإنسان مهدور الدم لايلازم جواز قتله لغير الحاكم، فإنّ الزاني المحصن مهدور الدم لكن بالنسبة إلى الإمام لاغيره.
قال المحقّق: لو قتل ذمّيٌّ مرتدّاً قُتل به، لأنّه محقون الدم بالنسبة للذمّيّ[1].
فلا قود لعدم الكفاءة، فيشمله قوله: لا يقتل مسلم بكافر، إنّما الكلام في الدية فقد تردّد المحقّق فيه واستقرب أنّه لادية له، ولعلّ وجهه أنّه مباح الدم، ولكنّه مبني على عدم الاحترام بالنسبة للمسلمين، ولا يبعد كونه محقون الدم بالنسبة إلى غير الإمام، فإنّ القول بعدم الدية أشبه بتنزيل المرتد منزلة الحيوانات التي لا احترام لها، وهو بعيد، كيف ولو قتل مسلم ذمّيّاً تجب عليه الدية، فالمرتد لأجل وجود سبق للإسلام في حياته لا يقصر عن الذمّيّ، فالأحوط دفع الدية. إلّاأن يقال: إنّ المرتد أدون من الذمّيّ؛ لأنّه مجاز في البقاء على دينه بخلاف المرتد بل أضرّ من الذميّ كما لا يخفى فصار أدون منه. نعم من قال بعدم الدية- كالمحقّق في الشرائع والمصنّف في المتن- ذكروا أنّ للإمام تعزير القاتل، لأنّه ارتكب أمراً حراماً ….
[1]. شرائع الاسلام: ۴/ ۲۱۳.
ومنها: لو وجب على مسلم قصاص فقتله غير الولي، كان عليه القود؛ ولو وجب قتله بالزنا أو اللواط فقتله غير الإمام، قيل: لا قود عليه ولا دية، وفيه تردّد.^
^
في المسألة فرعان:
۱. لو وجب على مسلم قصاص فقتله غير الولي.
۲. لو وجب قتل إنسان لحدٍّ شرعي كالزنا واللواط، فقتله غير الإمام.
أمّا الفرع الأوّل: فلا شكّ أنّ على القاتل القود، لأنّه محقون الدم بالنسبة إلى غير ولي الدم، فتعمّه العمومات والقواعد، أعني قوله سبحانه: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» إلى غير ذلك. إلّاإذا عفا عنه ولي الدم.
الفرع الثاني: لو وجب قتله بحدٍّ من حدود الله كالزنا واللواط فقتله غير الإمام، قال المحقّق: لم يكن عليه قود ولادية، مستدلّاً بأنّ عليّاً عليه السلام قال لرجل قتل رجلًا وادّعى أنّه وجده مع امرأته: «عليك القود إلّاأن تأتي ببيّنة».[1]
وأشار قدس سره إلى خبر سعيد بن المسيّب: أنّ معاوية كتب إلى أبي موسى الأشعري أنّ ابن أبي الجسرين (الحسين) وجد رجلًا مع امرأته فقتله، فأسأل لي عليّاً عليه السلام عن هذا؟ قال أبو موسى: فلقيت عليّاً عليه السلام فسألته … إلى أن قال:—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۱۳.
(— (فقال: والله ما هذا في هذه البلاد- يعني الكوفة- ولا هذا بحضرتي، فمن أين جاءك هذا؟ قلت: كتب إليّ معاوية أنّ ابن أبي الجسرين (الحسين) وجد مع امرأته رجلًا فقتله وقد أشكل عليه القضاة فيه فرأيك في هذا؟) فقال: «أنا أبو الحسن إن جاء بأربعة يشهدون على ما شهد، وإلّا دفع برمّته».[1]
لكن تردّد في المتن؛ وذلك لأنّ الحديث مختصّ بالزوج، فالتعدّي إلى غير هذا المورد- خصوصاً الأجانب- مشكل، فكونه مهدور الدم لدى الحاكم، لا يبرّر جواز قتله لغيره؛ لأنّ الأصل في الدماء الاحترام، فلو قتله غيره يقتصّ منه، لقوله سبحانه: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»، خرج منه مورد الرواية وبقي الباقي تحته. فلو لم نقل بالقود لانصراف الآية إلى محقون الدم، فلا أقل من القول بالدية.
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۶۹ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۲.
الشرط الثالث: انتفاء الأبوّة، فلا يقتل أبٌ بقتل ابنه، والظاهر أن لا يقتل أب الأب، وهكذا.^
^
هنا فرعان:
الأوّل: لا يقتل الوالد بقتله الولد، ووصفه في «الجواهر» بقوله: بلا خلاف أجده، بل الإجماع بقسميه عليه.[1]
وقال الشيخ في «الخلاف»: لا يقتل الوالد بولده، سواء قتله بالسيف حذفاً أو ذبحاً، وعلى أي وجه كان. وبه قال في الصحابة: عمر بن الخطاب. وفي الفقهاء: ربيعة، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. وقال مالك: إن قتله حذفاً بالسيف فلا قود، وإن قتله ذبحاً أو شقّ بطنه فعليه القود، وبه قال عثمان البتي.[2]
ويدلّ على ما ذكرنا روايات:
۱. ما رواه حمران عن أحدهما عليهما السلام قال: «لا يقاد والد بولده، ويقتل الولد إذا قتل والده عمداً».[3]
۲. صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يقتل—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۱۶۹.
[2]. الخلاف: ۵/ ۱۵۱، المسألة ۹. يقال: حذفه بالعصا أو الحجر: ضربه.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
(— ابنه، أيقتل به؟ قال عليه السلام: «لا».[1]
۳. ما رواه الفضيل بن يسار عن الصادق عليه السلام، قال: «لا يقتل الرجل بولده إذا قتله، ويقتل الولد بوالده إذا قتل والده».[2] إلى غير ذلك من الروايات.[3]
الفرع الثاني: عموم الحكم لأب الأب وإن علا، وقد جزم به المحقّق في «الشرائع»، ولكنّه تردّد في «النافع». والدليل عليه شمول إطلاق الأب لأب الأب، فعلى هذا فيصدق عليه قول الصادق عليه السلام: «لا يقتل الأب بابنه».
إنّ المتتبع للقرآن والسنّة يقف على أنّ الأب في الإطلاق يشمل الجدّ أيضاً، فلو مات الجدّ وليس له وارث إلا الأحفاد والأسباط يشمله قوله سبحانه: «يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ»[4].
وقوله سبحانه: «أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ»[5] حيث يشمل أبا الأب.
وقوله سبحانه: «وَ لَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ»[6]، فهو يشمل الجدّ وإن علا.—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۲.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۳.
[3]. لاحظ: الوسائل: ۱۹، الباب ۳۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث، ۴ و ۶ و ۷ و ۸ و ۹ و ۱۰ و ۱۱.
[4]. النساء: ۱۱.
[5]. النور: ۶۱.
[6]. النور: ۳۱.
(— ومع ذلك كلّه ففي النفس من الشمول شيءٌ حيث إنّ الموضوع في أغلب الروايات هو الوالد، نعم ورد في رواية واحدة: «لا يقتل الأب بابنه إذا قتله»[1].
ومن المعلوم أنّ الوالد لا يطلق إلّاعلى الأب بلا واسطة، قال سبحانه حاكياً عن إبراهيم: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوَالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا»[2]، فالوالد في الآية هو الأب بلا واسطة.
والشاهد على ذلك أنّ إبراهيم استغفر لوالده في آخر عمره كما مرّ مع أنّه قد تبرّأ عن أبيه آزر في أوائل نبوّته، قال سبحانه: «وَ مَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ»[3]. وهذا دليل على أنّ مَن تبرّأ منه غير من دعا له، ولذلك عبّر عن الأوّل بالأب وعن الآخر بالوالد، وهذا دليل على اختصاص الوالد بمن تولّد الإنسان منه بخلاف الأب، وبما أنّ الوارد في أكثر النصوص هو الوالد لا يمكن رفع اليد عنه بحديث واحد.
وبالجملة فإطلاق قوله سبحانه: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» محكم في غير الوالد، وخروج الجدّ يحتاج إلى دليل، فتردّد المحقّق في المختصر النافع في محلّه.
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۵.
[2]. نوح: ۲۸.
[3]. التوبة: ۱۱۴.
المسألة ۱: لا تسقط الكفّارة عن الأب بقتل ابنه ولا الدية، فيؤدّي الدية إلى غيره من الورّاث، ولا يرث هو منها.^
^
أشار المصنّف في هذه المسألة إلى أمرين:
۱. وجوب الكفّارة على الأب.
۲. وجوب الدية إلى ورثة المقتول.
وقد أشار المحقّق في المقام إلى أحكام ثلاثة وقال: وعليه الكفّارة والدية والتعزير.[1]
والمفروض أنه قتل عمد، وسقوط القصاص عن الأب لا يكون دليلًا على جواز القتل فضلًا عمّا يترتّب عليه من الكفّارة. وأما وجوب أداء الدية فكذلك؛ لأنّه دم محترم لايذهب سُدى، وكل مورد يمتنع فيه القصاص ففيه الدية، مضافاً إلى ما في كتاب ظريف: «قضى أمير المؤمنين عليه السلام أنه لا قود لولد أصابه والده في أمر يعيب عليه فيه فأصابه عيب من قطع وغيره، وتكون له الدية و لا يُقاد»[2].
وأما التعزير ففي خبر جابر عن أبي جعفر عليه السلام في الرجل يقتل بأبنه أو عبده؟
«قال لا يقتل به ولكن يضرب ضرباً شديداً وينفى عن مسقط رأسه».[3]—)
[1]. شرائع الاسلام: ۴/ ۲۱۴.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱۰.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۹.
المسألة ۲: لا يقتل الأب بقتل ابنه ولو لم يكن مكافئاً له، فلا يقتل الأب الكافر بقتل ابنه المسلم.^
المسألة ۳. يقتل الولد بقتل أبيه، وكذا الأُمّ وإن علت بقتل ولدها، والولد بقتل أُمّه، وكذا الأقارب كالأجداد والجدّات من قبل الأُمّ، والإخوة من الطرفين، والأعمام والعمّات والأخوال والخالات.^^
(— والحديث محمول على بيان المصداق، كما احتمله في «الجواهر»، وقال: ولعله محمول على أن ذلك بعض أفراد ما يراه الحاكم.[1]
^
وجه عنوان المسألة هو احتمال أنّ سقوط القصاص عن الأب القاتل يختصّ بما إذا كانا متكافئين في الدين كمسلمين أو كافرين، وأمّا إذا كانا غير متكافئين، كما إذا كان الأب كافراً والابن مسلماً، فالقول بالسقوط يحتاج إلى دليل. والظاهر أنّ إطلاق ما مضى من الروايات كاف للحكم بالسقوط في هذه الصورة أيضاً؛ ففي صحيحة حمران عن أحدهما عليهما السلام، قال: «لا يقاد والد بولده»،[2] وفي خبر الفضيل بن يسار: «لا يقتل الرجل بولده إذا قتله»[3]، إلى غير ذلك من الروايات.
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۱۷۰.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۳.
^^ في المسألة فروع نشير إلى عناوينها:—)
(— ۱. قتل الولد بقتل أبيه.
۲. قتل الأُم وإن علت بقتل ولدها.
۳. قتل الولد بقتل أُمّه.
۴. قتل الأجداد والجدّات من قبل الأُم، بقتل ولد بنتهم.
۵. قتل الإخوة من الطرفين بقتلهم الأخ.
۶. قتل الأعمام والعمات والأخوال والخالات بقتل ابن أخيهم أو ابن أُختهم.
وإليك دراسة الجميع:
ووصفه في «الجواهر» بقوله: إجماعاً بقسميه.[1]
ويدلّ عليه وراء الإجماع وإطلاق قوله تعالى: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»[2] أو «الْحُرُّ بِالْحُرِّ»[3] ما رواه أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «لا يقتل الأب بابنه إذا قتله، ويقتل الابن بأبيه إذا قتل أباه»[4].—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۱۷۰.
[2]. المائدة: ۴۵.
[3]. البقرة: ۱۷۸.
[4]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۶.
(—
ووصفه في «الجواهر» بقوله: بلاخلاف أجده.[1]
قال الشيخ في «الخلاف»: الأُمّ إذا قتلت ولدها، قتلت به. وكذلك أُمّهاتها، وكذلك أُمّهات الأب- وإن علون- فأمّا الأجداد فيجرون مجرى الأب، لا يقادون به، لتناول اسم الأب لهم.
وقال الشافعي: لا يقاد واحد من الأجداد والجدّات، والأُمّ وأُمّهاتها في الطرفين بالولد. وهو قول باقي الفقهاء، لأنّه لم يذكر فيه خلاف.
ودليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم. وأيضاً قوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ»[2] وكذلك قوله: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»، ولم يفصل، فوجب حملها على العموم، إلّاما أخرجه الدليل.[3]
ووصفه في «الجواهر» بقوله: بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه.
والأولى الاستدلال بالعمومات، أعني: ما مرّ من الآيات، وخصوص ما رواه أبو عبيدة، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل قتل أُمّه؟ قال: «يقتل—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۱۷۰.
[2]. البقرة: ۱۷۸.
[3]. الخلاف: ۵/ ۱۵۲، المسألة ۱۰.
(— بها صاغراً، ولا أظن قتله بها كفّارة له ولا يرثها».[1]
وهل يردّ أولياء الدم فاضل دية الابن، لكون القاتل رجلًا والمقتول امرأة، فمقتضى الضابطة دفع فاضل الدية، لكن قوله: «يقتل بها صاغراً» مشعر بعدم ردّ فاضل الدية، وإلّا لما قتل صاغراً.
الفروع الرابع والخامس والسادس: أعني إذا قتل الأجداد والجدّات من قبل الأُم، أو الأُخوة أو الأعمام أو الأخوال فالعمومات في الجميع محكّمة، إذ الخارج عن تحتها هو قتل الأب وإن علا، ابنه، وأمّا غيرهم فالعمومات في الجميع محكّمة.
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۵.
المسألة ۴. لو ادّعى اثنان ولداً مجهولًا: ۱. فإن قتله أحدهما قبل القرعة، فلا قود. ۲. ولو قتلاه معاً فهل هو كذلك لبقاء الاحتمال بالنسبة إلى كلّ منهما، أو يرجع إلى القرعة؟ الأقوى هو الثاني، ۳. ولو ادّعياه ثم رجع أحدهما وقتلاه، توجّه القصاص على الراجع بعد ردّ ما يفضل عن جنايته، وعلى الآخر نصف الدية بعد انتفاء القصاص عنه. ۴. ولو قتله الراجع خاصّة اختصّ بالقصاص. ۵. ولو قتله الآخر لا يقتص منه. ۶. ولو رجعا [قبل القتل] معاً فللوارث أن يقتص منهما بعد ردّ دية نفس عليهما.
۷. وكذا الحال لو رجعا أو رجع أحدهما بعد القتل. ۸. بل الظاهر أنّه لو رجع مَن أخرجته القرعة، كان الأمر كذلك، بقي الآخر على الدعوى أم لا.^
^
قد ذكر المصنّف لصورة التداعي ثماني صور، وقبل الخوض في بيان أحكامها نقدّم بيان صورة لم يذكرها المصنّف، وهي: مَن قتل وادّعى أنّه ابنه فنقول: لوقتل شخصاً وادّعى أنّه ابنه، لم تسمع دعواه ما لم تثبت ببيّنة ونحوها، فيجوز لولي المقتول الاقتصاص.
وذلك لأنّ الأصل في الدماء الحرمة ولايصح رفع اليد عنها إلّابدليل، وهذا النوع من الاستدلال جار في نظائر المقام، ككون الأصل في الوقف حرمة البيع، فلو شُكّ في وجود مسوّغاته فلا يُعتدّ بالشكّ ويكون الأصل حاكماً. هذا هو المختار في المقام.—)
(— فإن قلت: إنّ التمسّك بعموم قوله سبحانه: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» تمسّك بالعام في الشبهة المصداقية حيث خرج منه قتل الوالد بولده، والمورد مردّد بين كونه والداً حتى يدخل في المخصّص، وأجنبياً حتى يبقى تحت العام، ومعه لا يصحّ التمسّك بالعام للشكّ في بقائه تحته.
قلت: أجاب عنه السيد الخوئي بأنّه يصحّ إحراز موضوع جواز القتل بالأصل، بناءً على جواز التمسّك بالأصل لإثبات كون الفرد المشكوك فيه من الأفراد الباقية تحت العام، فيتمسّك به[1].
ومقصوده من الأصل هو أصالة عدم تخلّق هذا من ماء هذا، أو أصالة عدم نسبة الأُبوة والبنوة بينهما، فيثبتان عدم كون المورد من أفراد المخصص فيبقى تحت العام، أعني: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ».
يلاحظ عليه: بما مرّ منّا مراراً وهو أنّ استصحاب العدم الأزلي ليس أصلًا عقلانياً يعتمد عليه، مضافاً إلى أنّ القضية المتيقّنة سالبة بانتفاء الموضوع، والمشكوكة موجبة معدولة المحمول، وقد أوضحنا حاله في المباحث الأُصولية. والأولى في الاستدلال ما ذكرنا من الضابطة في الدماء التي عليها العقلاء وسيرة الأصحاب من دون الحاجة إلى التمسّك بعموم الآية أو إطلاق الأدلّة. ثم إنّ المصنّف لم يذكر هذا الفرع، وإنّما ذكر صورة التداعي وقال: «لو ادّعى اثنان ولداً مجهولًا» فقد ذكر له صور ثمان، نشير إليها:—)
[1]. مباني تكملة المنهاج: ۲/ ۷۳.
(— الصورة الأُولى: لو ادّعى اثنان ولداً مجهولًا وعلم صدق أحدهما وكذب الآخر، كانت الوظيفة الإقراع بينهما- كما مرّ- لكن قتله أحدهما قبل القرعة.
قال المحقّق: فلا قود لتحقّق الاحتمال (احتمال الأُبوّة) في طرف القاتل.[1]
وأوضحه في «الجواهر» بقوله: فلم يثبت شرط القصاص الذي هو انتفاء الأُبوة في الواقع، مضافاً إلى إشكال التهجّم على الدماء مع الشبهة،[2] ولذلك قال المصنّف: فلا قود.
أقول: إنّ مفروض المسألة هو العلم الإجمالي بصدق أحدهما دون الآخر، فالوظيفة الأوّلية بعد اليأس عن سائر الطرق هي القرعة، فإنّ المقام دائر بين المحذورين فمن جانب، وجود العلم الإجمالي بكون أحدهما أب المقتول المانع من إجراء القصاص، ومن جانب أنّ ترك القصاص يوجب ذهاب دم المسلم، فلماذا لايكون المرجع هو القرعة كما كانت هي الوظيفة قبل القتل، فإذا أصابت القرعة أحدهما فلو كان هو القاتل فيترك وتؤخذ منه الدية، وإن كان غيره فيقتص منه، وقد ورد في حق القرعة قوله عليه السلام: «ليس من قوم تقارعوا ثم فوّضوا أمرهم إلى الله إلّاخرج سهم المحقّ».[3]
الصورة الثانية: لو ادّعى اثنان ولداً مجهولًا ثم قتلاه معاً قبل أن—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۱۴.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۱۷۱.
[3]. الوسائل: ۱۸، الباب ۱۳ من أبواب كيفية الحكم، الحديث ۶.
(— يقترعا، فهنا علم إجمالي بأنّ أحدهما مصون الدم بالنسبة إلى المقتول، والآخر مهدوره بالنسبة إليه، فهنا وجهان أشار إليهما المصنّف:
الأوّل: لاقود عليهما، لبقاء الاحتمال بالنسبة إلى كلّ منهما.
الثاني: الرجوع إلى القرعة، وهو الأقوى عند المصنّف.
وأمّا المحقّق فقد رجّح كون الحكم في هذه الصورة نفس الحكم في الصورة الأُولى وهو أنّه لاقود، وعلّله بقوله: وجود الاحتمال بالنسبة إلى كلّ واحد منهما، ثم احتمل الرجوع إلى القرعة وقال: وربما خطر الاستناد إلى القرعة، وردّه بأنّه تهجّم على الدم.[1]
وقال في «المسالك» في توضيح عبارة المحقّق: ويحتمل القرعة بعد القتل فإن ظهرت لمن قتله فلا قصاص، وإن ظهرت للآخر اقتص من القاتل لظهور انتفائه عنه شرعاً، ثم قال: والأصحّ الأوّل (عدم القود) للشبهة الدارئة للقتل حالته وفوات محل القرعة بالنظر إلى مثل ذلك وإن بقيت في غيره.[2]
أقول: كيف تكون القرعة تهجّماً على الدم مع أنّ رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم قال:
«ليس من قوم تنازعوا ثم فوّضوا أمرهم إلى الله إلّاخرج سهم المحقّ»[3]، وأمّا قوله: «فوات محل القرعة» فنمنع فوات وقتها، إذا كان للقرعة أثر شرعي، فالظاهر أنّ الصورتين من باب واحد وهو الإقراع لأجل تعيين الأب، غاية الأمر أنّ أحد المتداعيين قتله في الأُولى، وكليهما قتلاه في الثانية.
الصورة الثالثة: لو ادّعياه ثم رجع أحدهما وقتلاه، توجّه القصاص—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۱۴.
[2]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۱۵۸.
[3]. الوسائل: ۱۸، الباب ۱۳ من أبواب كيفية الحكم، الحديث ۵.
(— على الراجع لاعترافه بانتفاء الأُبوّة فيقتل بالقتل العمد. نعم إنّه جنى بنصف ديته دون تمام ديته، فعلى الآخر ردّ نصف الدية إليه بعد انتفاء القصاص عنه.
الصورة الرابعة: لو ادّعياه ثم رجع أحدهما وقتل الراجع، فلاشكّ أنّه يقتصّ من الراجع، لانتفاء الأُبوّة، ولايردّ عليه شيئاً من الدية لعدم اشتراك الآخر معه في القتل.
الصورة الخامسة: لو ادّعياه ثم رجع أحدهما وقتله غير الراجع فلا يقتصّ منه لثبوت وجود المانع فيه- أعني: الأبوة- غير أنّه يحكم بالدية.
الصورة السادسة: لو ادّعياه ورجعا فقتلاه، فللوارث أن يقتصّ منهما بعد ردّ دية نفس عليهما، فإنّ حكمهما حكم من قتلا رجلًا، فللوارث أن يقتصّ منهما بعد ردّ دية نفسٍ عليهما.
الصورة السابعة: لو ادّعياه وقتلاه ولكن رجعا أو رجع أحدهما بعد القتل، فحكمه حكم الصورة السابقة، إذ لا فرق بين كون الرجوع قبل القتل كما في السابق أو بعد القتل كما في المقام.
الصورة الثامنة: لو ادّعياه وأصابت القرعة أحدهما ثم قتلاه ولكن رجع من خرجت باسمه القرعة، فيقتل الراجع سواء بقي الآخر على الدعوى أم لا، وذلك لتقدّم الإقرار على القرعة ولكن في تقدّم الإقرار على القرعة بعد حكم الحاكم بمفاد القرعة، تأمل خصوصاً بعد قول الرسول صلى الله عليه و آله و سلم: «إلّا خرج سهم المحقّ» ومعه يكون الحكم بقتل الراجع أمراً مشكلًا.
نعم يقتل الآخر إذا شارك مع الراجع في القتل.
المسألة ۵. لو قتل رجل زوجته، يثبت القصاص عليه لولدها منه، على الأصحّ. وقيل: لا يملك أن يقتصّ من والده، وهو غير وجيه.^
^ في المسألة فروع ذكر المصنّف بعضها وترك البعض الآخر، ونحن نأتي بالجميع وهي:
لو قتل الرجل زوجته هل يقتصّ منه لولدها أو لا؟ فيه وجهان:
۱. لا يثبت القود بالولد على والده بالأصالة، وكذا بالتبع والإرث، وهذا خيرة «المبسوط»، قال: رجل له زوجة وله منها ولد فقتل هذا الرجل زوجته، لم يرثها وورثها ولده ولم يرث القصاص من أبيه، لأنّه لو قتله أبوه لم يملك القصاص عليه.[1]
۲. مقتضى القاعدة قصر الحكم على موضع اليقين وظاهر النص، وهو ما لو قتل الأب الابن، فإنّ أولياء الابن لايستحقون القصاص. فالمراد من قوله:
لايقاد بالولد الوالد هو قصاص الوالد بقتل الولد، لاقصاص الولد بقتل الأُم الذي ورث الابن حقّ قصاصها. قال في «المسالك»: إنّ الباء ظاهرة هنا في السببية ولايكون الولد سبباً للقود إلّامع كونه هو المقتول، وأمّا إذا كان المقتول مورّثه (الأُم) فذلك المقتول هو السبب دون الولد.
فإن قلت: إنّ استيفاء القصاص موقوف على مطالبة المستحق، فإذا—)
[1]. المبسوط: ۷/ ۱۰.
(— كان هو الولد وطلب القصاص كان هو السبب في القود.
قلت: إنّ السبب الحقيقي هو قتل الزوجة، وإن شئت قلت: قتل أُمّه، غير أنّ طلب الولد طلب لإجراء ما ثبت لا لإيجاد الاستحقاق، ولذلك لوكان للزوجة المقتولة ولد من غير ذلك الزوج كان له الطلب والاستيفاء.
إنّ استيفاء القصاص بواسطة الولد سواء كان بالمباشرة أو بالتسبيب- أعني: طرح الدعوى وطلب القصاص- ينافي ما أمر به سبحانه من المصاحبة بالمعروف حتى ولو كانا كافرين. قال سبحانه: «وَ إِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَ صَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا»[1]، وبالنظر إلى الروايات- خصوصاً الروايات التي رواها الكليني في كتاب الإيمان والكفر باب البرّ بالوالدين- فإنّ مقتضى الجميع هو الخضوع للوالدين في عامّة الحالات وجاء في بعضها: «إن ضرباك فقل لهما: غفر الله لكما، فذلك منك قول كريم».[2]
فلو قلنا بعموم: «الحدود تدرأ بالشبهات» لهذا المقام أيضاً، كان وجه عدم القود على خلاف ما في المتن.
ومع ذلك فالذي يصدّنا عن الإفتاء بمفاد الضابطة صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل قذف ابنه بالزنا؟ قال: «لو قتله ما قتل به، وإن قذفه لم يجلد له» إلى أن قال: «وإن كان قال لابنه: يا ابن الزانية وأُمّه—)
[1]. لقمان: ۱۵.
[2]. الكافي: ۲/ ۱۵۷- ۱۶۳.
(— ميّتة ولم يكن لها من يأخذ بحقّها منه إلّاولدها منه، فإنّه لايقام عليه الحدّ؛ لأنّ حق الحدّ قد صار لولده منها، فإن كان لها ولد من غيره فهو وليُّها يُجلد له …».[1]
ومورد الرواية وإن كان هو حدّ القذف، لكن العبرة بعموم التعليل حيث قال: «إلّا ولدها منه فإنّه لا يقام عليه الحدّ».
لو قذف الزوج زوجته وماتت الزوجة ولا وارث إلّاولده منها، فيقع الكلام في أنّه هل يثبت حدّ القذف لولده منها أو لا؟ وقد عرفت أنّ الحقّ هو الثاني لصحيحة محمد بن مسلم. نعم لو كان لها ولد من غيره فله القصاص في كلتا الصورتين: قتل الزوجة وقذفها- على كلا القولين- لكن بعد ردّ نصيب ولده من الدية وهو النصف، ثم استيفاء الحدّ.
لو كان للرجل من زوجة واحدة ولدان قتل أحدهما الأب والآخر الأُمّ، فلكلّ منهما على الآخر القود مختصّاً به؛ لعموم قوله سبحانه: «فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا»[2]، وللحاكم أن يقتل أحدهما ثمّ الآخر، ولو كان هناك تشاحّ في الاقتصاص مع اتحاد وقت الجناية، أقرع بينهما وقدّم في الاستيفاء من أخرجته القرعة، فلو بدر أحدهما واقتصّ قبل القرعة كان لورثة الآخر الاقتصاص منه.
[1]. الوسائل: ۱۸، الباب ۱۴ من أبواب حدّ القذف، الحديث ۱.
[2]. الإسراء: ۳۳.
الشرط الرابع والخامس: العقل والبلوغ، فلا يقتل المجنون؛ سواء قتل عاقلًا أو مجنوناً. نعم تثبت الدية على عاقلته، ولا يقتل الصبي بصبي ولا ببالغ وإن بلغ عشراً أو بلغ خمسة أشبار، فعمده خطأ حتى يبلغ حدّ الرجال في السن أو سائر الأمارات، والدية على عاقلته.^
^
لو قتل مجنون عاقلًا أو مجنوناً مطبقاً كان أو أدوارياً، وكان القتل في زمان الجنون، لايقتل بل تثبت الدية على عاقلته؛ لأنّ عمده خطأٌ.
قال الشيخ في «الخلاف»: روى أصحابنا أنّ عمد الصبي والمجنون وخطأهما سواء، فعلى هذا يسقط القود عنهما والدية على العاقلة مخفّفة …
وروي عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم أنّه قال: «رفع القلم عن ثلاثة: أحدهم الصبي حتى يبلغ».[1]
وتدلّ عليه روايات:
۱. روى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: «كان أمير المؤمنين عليه السلام يجعل جناية المعتوه على عاقلته، خطأ كان أو عمداً».[2]
۲. وروى إسماعيل بن أبي زياد، عن أبي عبدالله عليه السلام أنّ محمد بن أبي بكر كتب إلى أمير المؤمنين عليه السلام يسأله عن رجل مجنون قتل رجلًا عمداً—)
[1]. الخلاف: ۵/ ۱۷۶، المسألة ۳۹.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۱ من أبواب العاقلة، الحديث ۱.
(— فجعل الدية على قومه وجعل خطأه وعمده سواء.[1]
۳. روى أبو البختري عن جعفر، عن أبيه، عن علي عليهم السلام أنّه كان يقول: «في المجنون والمعتوه الذي لايفيق والصبي الذي لم يبلغ، عمدهما خطأ تحمله العاقلة، وقد رفع عنهما القلم».[2]
۴. روى بريد بن معاوية العجلي قال: سُئل أبو جعفر عليه السلام عن رجل قتل رجلًا عمداً فلم يُقم عليه الحدّ ولم تصح الشهادة عليه حتى خولط وذهب عقله، ثم إنّ قوماً آخرين شهدوا عليه بعدما خولط أنّه قتله؟ فقال: «إن شهدوا عليه أنّه قتله حين قتله وهو صحيح ليس به علّة من فساد عقل قُتل به، وإن لم يشهدوا عليه بذلك وكان له مال يُعرف دُفع إلى ورثة المقتول الدية من مال القاتل، وإن لم يكن له مال أُعطي الدية من بيت المال ولا يبطل دم امرئ مسلم».[3] قوله: «وإن لم يشهدوا عليه بذلك» يراد به: لم يشهدوا على أحد الأمرين أنّه قتله حين هو صحيح أو قتله حين هو مجنون، إذ على الأوّل يقتصّ منه وعلى الثاني على العاقلة، فبما أنّه لم يُعرف أحد الأمرين أفتى الإمام بكونه محكوماً بدفع الدية من ماله إذا كان له مال، وإلّا فمن بيت المال، وعلى ماذكرنا لاتكون الرواية مخالفة لما مرّ من كون ديته على العاقلة.—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۱ من أبواب العاقلة، الحديث ۵.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۶ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۲.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۹ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
(—
لا يقتل الصبي بقتل صبي ولا بالغ؛ لأنّ البلوغ شرط، فقد مضى كلام الشيخ في «الخلاف» حول المجنون والصبي.
ويدلّ عليه:
۱. قول علي عليه السلام: «أما علمت أنّ القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ».[1]
۲. صحيح ابن مسلم: «عمد الصبي وخطأه واحد».[2]
۳. خبر إسحاق بن عمّار: «عمد الصبيان خطأ تحمله العاقلة». وفي نسخة: «يحمل على العاقلة».[3]
۴. ومضت رواية أبي البختري وفيها: «… والصبي الذي لم يبلغ، عمدهما خطأ تحمله العاقلة، وقد رفع عنهما القلم».[4]
وهذه الروايات تركّز على شرطية البلوغ غير أنّ المشهور أنّ بلوغ الصبي بإتمام خمس عشرة سنة، إلّاأنّه قد وردت في المقام روايات تخالف الضابطة التي ذكرناها و إليك دراستها:
أ. يقتصّ من الصبي إذا بلغ عشراً.—)
[1]. الوسائل: ۱، الباب ۴ من أبواب مقدّمة العبادات، الحديث ۱۱.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۱ من أبواب العاقلة، الحديث ۲.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۱ من أبواب العاقلة، الحديث ۳.
[4]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۶ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۲.
(— روى أبو بصير عن الباقر عليه السلام أنّه سُئل عن غلام لم يدرك وامرأةٍ قتلا رجلًا خطأ، قال: «إنّ خطأ المرأة والغلام عمد، فإن أحب أولياء المقتول أن يقتلوهما قتلوهما».[1]
يقول العلّامة المجلسي في دراسة الحديث: لا يخفى مخالفته للمشهور، بل للإجماع، ويحتمل أن يكون المراد بخطئهما ما صدر عنهما لنقصان عقلهما لا الخطأ المصطلح، فالمراد بغلام لم يُدرك، شاب لم يبلغ كمال العقل مع كونه بالغاً.[2]
وقال الشيخ الطوسي حول الخبر: هذا مخالف لقول اللَّه، لأنّ اللَّه تعالى حكم في قتل الخطأ الدية دون القود، ولا يجوز أن يكون الخطأ عمداً، كما لا يجوز أن يكون العمد خطأ إلّافيمن ليس بمكلّف، ثمّ ذكر ما ذكره العلّامة المجلسي بأنّ المراد: لم يدرك حدّ الكمال.[3]
ولذلك حملها الشيخ على بلوغ الغلام عشر سنين أو خمسة أشبار، وهو حمل بلا دليل.
ب. يقتص من الصبي إذا بلغ ثماني سنين.
روى الحسن بن راشد عن العسكري عليه السلام قال: «إذا بلغ الغلام ثماني سنين فجائز أمره في ماله، وقد وجبت عليه الفرائض والحدود».[4]—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۴ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
[2]. مرآة العقول: ۲۴/ ۶۴.
[3]. التهذيب: ۱۰/ ۲۴۳.
[4]. الوسائل: ۱۳، الباب ۱۵ من أبواب أحكام الوقوف والصدقات، الحديث ۴.
(— ج: يقتص من الصبي إذا بلغ خمسة أشبار.
روى السكوني عن أبي عبدالله عليه السلام أنّه قال: «قال أمير المؤمنين عليه السلام في رجل وغلام اشتركا في قتل رجل فقتلاه، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: إذا بلغ الغلام خمسة أشبار اقتصّ منه، وإذا لم يكن يبلغ خمسة أشبار قضي بالدية».[1]
وقد أفتى المفيد ببعض هذه الروايات، فقال: والصبي إذا قتل كانت الدية على عاقلته؛ لأنّ خطأه وعمده سواء، فإذا بلغ الصبي خمسة أشبار اقتصّ منه.[2]
وتبعه الشيخ في «النهاية»، قال: وإذا قتل الصبي رجلًا متعمّداً كان عمده وخطأه واحداً، فإنّه يجب فيه الدية على عاقلته إلى أن يبلغ عشر سنين أو خمسة أشبار.[3]
والحق أنّ هذه الروايات شاذّة لاتقاوم ماذكرناه، رواية وفتوى، ولذلك نرى أنّ المحقّق يشير إلى تلك الروايات بقوله: وفي رواية يقتص من الصبي إذا بلغ عشراً، وفي أُخرى: إذا بلغ خمسة أشبار، وتقام عليه الحدود- ومع ذلك قال:- والوجه أنّ عمد الصبي خطأ محض يلزم أرشهُ العاقلة حتى يبلغ خمس عشرة سنة.[4]—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۶ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
[2]. المقنعة: ۷۴۸.
[3]. النهاية: ۷۶۱.
[4]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۱۵.
إنّ المحقّق الأردبيلي استقوى في بدء كلامه شرطية البلوغ في القصاص وقال ما هذا حاصله: إنّ قوله سبحانه: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» وكذا قوله: «الْحُرُّ بِالْحُرِّ» وكذا قوله: «وَ لَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ» وإن كان يدفع شرطية البلوغ، إلّا أنّ القرآن يخصّص بالخبر الواحد والإجماع، وقد عرفت وجود الخبر الواحد والاجماع على شرطية البلوغ.
إلى هنا أظهر موافقته للمشهور ولكنّه تأمّل فيما بعد، وحاصل كلامه: أنّ القرآن يخصّص بالخبر الواحد، وكذا الإجماع بشرط أن يكونا نصّين في موردهما، مثل قوله: «لا ربا بين الزوج والزوجة» بالنسبة إلى قوله تعالى: «وَحَرَّمَ الرِّبَا»[1]، ولكنّ الأمر فيما نحن فيه ليس كذلك، فإن الثابت: رفع القلم عامّاً، وهو قابل للتخصيص بغير القصاص.
وحاصل كلامه: أنّه يجب العمل على خلاف ما ذكروه فيجب تخصيص الخبر الواحد- أعني: رفع القلم- بقوله تعالى: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ».
ثم أضاف وقال: على أنّه قد يقال: ليس القصاص من باب القلم، فإنّ المتبادر منه التكليف، فيحتمل أن يكون فعلهما موجباً للقصاص مع رفع القلم عنهما، كما يثبت به ضمان المتلفات (إذا أتلف الصبيّ) والدية فيما يوجب الدية، يمكن أن يوجب القصاص إن كان عمداً.[2]—)
[1]. البقرة: ۲۷۵.
[2]. مجمع الفائدة والبرهان: ۱۴/ ۶. أي يكون القصاص حكماً وضعيّاً غير مرفوع بالرواية كما في نظائره.
(— يلاحظ عليه: أوّلًا: أنّه كيف يمكن تخصيص حديث الرفع بآية النفس، مع أنّ حديث رفع القلم آبٍ عن التخصيص، وما ذلك إلّالوجود أرضية تقتضي رفع القلم عن الثلاثة في عامّة الموارد، فكيف يمكن أن يقال: «رفع القلم عن الثلاثة» إلّافي مورد القصاص؟
وثانياً: أنّ ما ذكره من أنّ القصاص ليس من مقولة التكليف، بل من مقولة شبيه بضمان الصبيّ المال الّذي أتلفه، غير تامّ، لأنّ ضمان الصبيّ يفارق الاقتصاص منه، فإنّ المال يمكن أن يعوّض دون النفس.
المسألة ۱. لو قتل عاقل ثمّ خولط وذهب عقله، لم يسقط عنه القود؛ سواء ثبت القتل بالبيّنة، أو بإقراره حال صحّته.^
^
لو قتل عاقل ثم خولط وذهب عقله فهل يجري عليه القصاص، أولا؟
اتّفقت كلمة فقهائنا على عدم السقوط، ويدلّ عليه خبر بريد العجلي قال: سُئل أبو جعفر عليه السلام عن رجل قتل رجلًا عمداً فلم يُقم عليه الحدّ ولم تصح الشهادة عليه حتّى خولط وذهب عقله، ثمّ إنّ قوماً آخرين شهدوا عليه بعد ما خولط أنّه قتله؟ فقال: «إن شهدوا عليه أنّه قتله حين قتله وهو صحيح ليس به علّة من فساد عقل، قتل به …».[1]
وفي «المسالك»: ومن وجب عليه القصاص ثم جنّ استوفي منه القصاص، سواء ثبت موجب القصاص بإقراره أم بالبيّنة، خلافاً لبعض العامّة حيث منع من الاقتصاص منه في المجنون مطلقاً، ولبعض آخر حيث فصّل فقال: إن جنّ حين قدّم للقصاص اقتصّ منه، وإن جنّ قبله لم يقتص. ويضعّف بأنّه حقّ وجب عليه حال تكليفه، فلا يسقط باعتراض الجنون كغيره من الحقوق، ولأصالة بقاء الحقّ.[2]
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۹ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
[2]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۱۶۲.
المسألة ۲. لا يشترط الرشد بالمعنى المعهود في القصاص، فلو قتل بالغ غير رشيد فعليه القود.^
^
المراد من الرشد هو خلاف السفه الذي لايُعتدّ بمعاملاته وهباته، لقوله سبحانه: «فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ».[1]
ومن المعلوم أنّه شرط في نفوذ عقوده، ولم ينقل الخلاف إلّاعن العلّامة، ومع ذلك فكلامه مختلف، ففي مورد يقول: والأقرب أنّ عمده خطأ محض يلزم العاقلة أرش جنايته حتى يبلغ خمس عشرة سنة، إن كان ذكراً، وتسعاً إن كان أُنثى بشرط الرشد فيهما.[2]
وفي موضع آخر يقول: والسفيه والمفلّس كالبالغ في استيفاء القصاص وعفوه، وكالصبي في اسقاط الدية.[3] ولكن العبارة الأخيرة ناظرة إلى استيفاء القصاص وعفوه لا الاقتصاص منه، وعلى كلّ تقدير فلا وجه لهذا الشرط بعد إطلاق الروايات.
[1]. النساء: ۶.
[2]. تحرير الأحكام: ۵/ ۴۶۴، المسألة ۷۰۵۹. لا يجوز لهما إسقاط الدية؛ لأنّه أمر مالي لا يجوز لهما التصرّف فيه كالصبي.
[3]. تحرير الأحكام: ۵/ ۵۰۱، المسألة ۷۱۳۹.
المسألة ۳. لو اختلف الوليّ والجاني بعد بلوغه أو بعد إفاقته، فقال الولي: قتلته حال بلوغك أو عقلك، فأنكره الجاني، فالقول قول الجاني بيمينه، ولكن تثبت الدية في مالهما بإقرارهما لا العاقلة، من غير فرق بين الجهل بتاريخهما أو بتاريخ أحدهما دون الآخر. هذا في فرض الاختلاف في البلوغ، وأمّا في الاختلاف في عروض الجنون، فيمكن الفرق بين ما إذا كان القتل معلوم التاريخ، وشكّ في تاريخ عروض الجنون، فالقول قول الولي، وبين سائر الصور فالقول قول الجاني؛ ولو لم يعهد للقاتل حال جنون، فالظاهر أنّ القول قول الولي أيضاً.^
^ في المسألة فروع أربعة:
فلو قال الجاني بعد بلوغه: قتلت وأنا غير بالغ.
وادّعى الولي أنّه جنى وهو بالغ، وعندئذ فهنا صور ثلاث:
۱. إمّا أن يكون كُلٌّ من تاريخ البلوغ والقتل مجهولين.
۲. أن يكون البلوغ مجهول التاريخ والقتل معلومه.
۳. أن يكون البلوغ معلوم التاريخ والقتل مجهوله.
وهنا يقع الكلام في جميع الصور في مقامين:
۱. حكم القصاص، هل يقتص أو لا؟
۲. حكم الدية إذا لم نقل بالقصاص.—)
(—
الصورة الأُولى: إذا كان كلّ من البلوغ والقتل مجهولي التاريخ، ومن المعلوم أنّه لا يمكن التمسّك لا بالدليل العام- أعني قوله تعالى: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»– ولا بمخصّصه «إلّا الصبي والمجنون» لأنّه من قبيل التمسّك بالعام أو المخصّص في الشبهة المصداقية. فتصل النوبة إلى الاستصحاب، والأصلان متعارضان، فأصالة عدم البلوغ إلى زمان القتل الذي يلازم عقلًا عدم الضمان معارض لاستصحاب عدم القتل إلى زمان البلوغ الذي يلازم عقلًا القصاص، فالأصلان متعارضان فضلًا عن أنّهما بالنسبة إلى كلا الأثرين: عدم القصاص والقصاص مثبتان.
الصورة الثانية: إذا كان البلوغ مجهول التاريخ والقتل معلومه، فمن المعلوم أنّ الأصل لا يجري في معلوم التاريخ لعدم وجود الجهل فيه بالذات، وكونه مجهولًا من حيث التقدّم والتأخّر على البلوغ، غير كاف لجريان الاستصحاب، فإنّ المصحّح لجريان الاستصحاب كون الشيء مجهولًا من حيث الزمان والبقاء، لا مجهولًا بالنسبة إلى الآخر، فتصل النوبة إلى الأصل الآخر أعني مجهول التاريخ.
فنقول: إذا عُلم بحدوث القتل في يوم السبت، وشُكّ في حدوث البلوغ وأنّه هل حدث قبل يوم السبت فيقتص من القاتل، أو بعده فلا يقتص منه فيقال: أصالة عدم حدوث البلوغ إلى يوم السبت، وهذا (أي إحراز عدم شرط القصاص إلى زمان القتل) كافٍ في الحكم بعدم القصاص، لأنّ—)
(— القصاص مشروط بالبلوغ، والمفروض أنّه محرز العدم بحكم الاستصحاب، ومع إحراز عدم الشرط يكون المشروط ساقطاً.
الصورة الثالثة: إذا كان البلوغ معلوم التاريخ والقتل مجهوله فمثلًا علمنا بحدوث البلوغ يوم السبت وجهل تاريخ القتل، فمصب الاستصحاب هو المجهول على الإطلاق فيقال: أصالة عدم القتل إلى زمان البلوغ، ولازم ذلك عقلًا، وقوع القتل في زمان البلوغ، وبما أنّه لازم عقلي لا يترتّب عليه الأثر الشرعي (أعني: القصاص) فلذلك حكم المصنّف في جميع الصور بعدم القصاص، أمّا الأُولى فللتعارض، وأمّا الثانية فلأنّ مفاد الاستصحاب إحراز عدم شرط القصاص أعني البلوغ في زمان القتل، وأمّا الثالثة فلازم الاستصحاب وإن كان وجود الشرط في زمان القتل، لكنّه لازم عقلي لا يترتّب عليه أثر شرعي.
الضابطة الكلّية في الدية أنّه إذا ثبتت جناية الصبي بالإقرار فهي في ماله، ولو ثبتت بالبيّنة فهي على العاقلة، والمفروض أنّها ثبتت بإقرار الجاني (الصبي) بعد بلوغه، فتكون الدية في ماله. ولا شكَّ أنّ القتل أمر مسلّم صدر من الفاعل، فإذا امتنع القصاص تحل محلّه الدية. ولا يمكن التخلّي عن الدية بعد القتل المردّد بين العمد والخطأ.
لو كان الجاني مسبوقاً بالجنون ثم أفاق، وصدرت منه الجناية وتردّد—)
(— بين كونها وقعت قبل الإفاقة أو بعدها، فالولي يدّعي كونها بعد الإفاقة، والجاني يدّعي أنّها وقعت قبل الإفاقة، فتأتي فيها الصور الثلاث في كلّ من المقامين، والنظر في جميعها واحد، أي كما سبق في الفرع الأوّل.
كان الكلام في الفرع الثاني حول تاريخ الإفاقة، بعد تسليم أصل الجنون وقد عرفت أنّ الحكم في الصور الثلاث هو عدم ثبوت القصاص وتعلّق الدية في مال الجاني.
وأمّا إذا اختلفا في تاريخ عروض الجنون بعد تسليم أنّه كان رجلًا سالماً مصحّاً، وعلى هذا فقد تحقّقت ظاهرتان، ظاهرة الجنون وظاهرة القتل، واختلف في تاريخ عروض الجنون وأنّه هل كان قبل القتل أو بعده؟ فقال المصنّف قدس سره بتقديم قول الولي فيما إذا كان القتل معلوم التاريخ، وشُكّ في تاريخ عروض الجنون، وتقديم قول الجاني في سائر الصور.
وإليك دراسة الصور الثلاث:
أمّا الصورة الأُولى: إذا كان تاريخ القتل معلوماً وتاريخ عروض الجنون مجهولًا، والرجل كان مسبوقاً بالعقل والشعور واختلفا في تاريخ عروض الاختلال، فالأصل بقاء كونه سالماً إلى زمان القتل، فيتحقّق بذلك موضوع القصاص وهو القتل في حال السلامة.
وإن شئت قلت: استصحاب كونه عاقلًا إلى زمان القتل، فالقتل محرز بالوجدان، والشرط محرز بالأصل، فيقدّم قول الولي.—)
(— فإن قلت: استصحاب بقاء العقل أو عدم الجنون إلى زمان القتل لايثبت وقوع القتل فيهما.
قلت: لو عُدّ مثل هذا الأصل مثبتاً لبطلت أكثر الاستصحابات، مثلًا:
لوشكّ في بقاء الوضوء وصلّى، فإنّ استصحاب الطهارة لايثبت وقوع الصلاة في الطهارة.
وأمّا الصورتان الأخيرتان، أعني:
۱. إذا كان كلّ من عروض الجنون ووقوع القتل مجهولي التاريخ، فالأصلان يتعارضان ويتساقطان، فتكون النتيجة عدم إحراز شرط القصاص وهو العقل حال الجناية، فيقدّم قول الجاني.
۲. إذا كان تاريخ القتل مجهولًا وتاريخ عروض الجنون معلوماً، فالأصل لايجري في معلوم التاريخ، وإنّما يجري في مجهوله، فأصالة عدم وقوع القتل إلى زمان عروض الجنون تكفي في عدم ثبوت القصاص لعدم إحراز سبب القصاص، أعني: القتل قبل زمان الجنون.
وهو ما أشار إليه بقوله: ولو لم يعهد للقاتل حال جنون، فالظاهر أنّ القول قول الولي أيضاً. وتوضيحه: هو أنّ الجاني يدّعي أنّه قتله وهو مجنون، والولي يدّعي أنّه قتله وهو عاقل، وبتعبير آخر: يختلفان في أصل الجنون وعدمه، ومن المعلوم أنّه يقدّم قول الولي؛ لأنّ الأصل في الإنسان هو السلامة، كما هو الحال في سائر الأحكام، فمن يدّعي الخلاف يجب عليه إثباته.
المسألة ۴. لو ادّعى الجاني صغره فعلًا وكان ممكناً في حقّه، فإن أمكن إثبات بلوغه فهو، وإلّا فالقول قوله بلا يمين، ولا أثر لإقراره بالقتل، إلّا بعد زمان العلم ببلوغه وبقائه على الإقرار به.^
^
الفرق بين هذه المسألة والمسألة المتقدّمة واضح، وهو أنّ اختلاف الولي والجاني فيما تقدّم بعد بلوغ الجاني أو إفاقته، فحينئذ يدّعي الجاني:
فعلته وأنا غير بالغ، ويدّعي الولي أنه فعله وهو بالغ؛ وأمّا المقام فإنّ الجاني ادّعى صغره فعلًا، وبالتالي يكون فعله قبل البلوغ، ويدّعي الولي بلوغه في هذا الحال.
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ هنا صورتين:
الأُولى: إذا أمكن أن يثبت الولي بلوغ الجاني بأحد الوجوه، إمّا بإقامة البيّنة على تاريخ ولادته، ومضي خمس عشرة سنة منها أو إثباته بأحد العلائم، فعندئذٍ يقدّم قول الولي لقيام البيّنة، ويدخل المورد في المسألة السابقة وتأتي فيها الصور الثلاث.
الصورة الثانية: إذا لم يتمكّن الولي من إثبات بلوغ الجاني، فيقدّم قول الجاني بلا يمين، أمّا التقديم فلأجل الاستصحاب- أي استصحاب القاضي أو غيره- وأمّا عدم الحاجة إلى اليمين فلأنّه من وظائف البالغ، والمفروض أنّه لم يحرز بلوغه، فكيف يكلّف به؟! بل أنّه يلزم التعارض؛ لأنّ اليمين دليل—)
(— كونه بالغاً مع أنّ المحلوف عليه كونه غير بالغ، فكيف يجتمعان؟
ثمّ إنّه ينتظر إلى أن يبلغ إذ لا أثر لإقراره بالقتل وهو غير بالغ، فإن بلغ وأقرّ بالقتل حين الصبا تتعلّق به الدية لكن في ماله لا في مال العاقلة، لما ذكرنا من اختصاص تعلّق الدية بالعاقلة في حال ثبوت الجناية بالبيّنة.
المسألة ۵. لو قتل البالغ الصبي قُتل به على الأشبه، وإن كان الاحتياط أن لا يختار ولي المقتول قتله، بل يصالح عنه بالدية، ولا يقتل العاقل بالمجنون وإن كان أدواريّاً مع كون القتل حال جنونه، وتثبت الدية على القاتل إن كان عمداً أو شبهه، وعلى العاقلة إن كان خطأً محضاً، ولو كان المجنون أراده فدفعه عن نفسه فلا شيء عليه من قود ولا دية، ويعطى ورثته الدية من بيت مال المسلمين.^
^ في المسألة فروع نشير إلى عناوينها:
۱. إذا قتل البالغُ الصبيَّ.
۲. إذا قتل البالغُ العاقلُ المجنونَ.
۳. إذا أراد المجنونُ قتل العاقلِ، فقتله دفاعاً.
فالمشهور أنه يقتل به، قال العلّامة: لو قتل البالغُ الصبيَّ قُتل به على الأصحّ، سواء أكان الصبي مميّزاً أو غير مميّز إن كان القتل عمداً، وإن كان شبيه عمد فالدية كاملة في مال الجاني، وإن كان خطأ فالدية على العاقلة.[1] وقد نزّل الصبي- إذا قُتِل- منزلة البالغ في عامّة الأحكام.
وقال في «المسالك»: القول بقتل البالغ بالصبي مذهب أكثر—)
[1]. تحرير الأحكام: ۵/ ۴۶۴، المسألة ۷۰۶۲.
(— الأصحاب، بل هو المذهب لعموم الأدلّة المتناولة له، وخالف في ذلك أبو الصلاح،[1] فألحقه بالمجنون في إثبات الدية بقتله عمداً مطلقاً لاشتراكهما في نقصان العقل.[2]
أقول: إنّ مقتضى القاعدة هو ماذكره المشهور لقوله سبحانه: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» دون أن يقيّد بالبلوغ، والمجنون خرج بالدليل كما سيوافيك.
ويؤيّد القود ما رواه الشيخ بإسناده عن ابن فضّال عن بعض أصحابه، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «كلّ من قتل شيئاً صغيراً أو كبيراً بعد أن يتعمّد فعليه القود».[3]
ونوقش بالإرسال في السند لقوله: عن بعض أصحابه. ويمكن الذب عنه بنقل الصدوق حيث نقله بإسناده عن عبداللَّه بن بكير عن أبي عبد اللَّه عليه السلام بالنحو التالي: قال: قال أبو عبدالله عليه السلام: «كلّ من قتل بشيء صغر أو كبر بعد أن يتعمّد فعليه القود».[4]
وسند الصدوق إلى عبد الله بن بكير صحيح في المشيخة، قال قدس سره: وما كان فيه عن عبد الله بن بكير فقد رويته عن أبي رحمه الله، عن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي بن فضّال، عن عبد الله بن بكير. والتلميذ (الحسن بن علي) والأُستاذ (عبد الله بن—)
[1]. الكافي في الفقه: ۳۸۴.
[2]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۱۶۴.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۱ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۴.
[4]. الفقيه: ۴/ ۸۳، باب القود ومبلغ الدية، الحديث ۲۸.
(— بكير) فطحيان ثقتان.[1]
فلم يبق إلّاالاختلاف البسيط بين النقلين والظاهر أنّ «بشيء» مصحّف «شيئاً»، كما أنّ «صغر أو كبر» مصحف «صغيراً أو كبيراً».
ومع ذلك ففي الاستناد على المرسلة اعتماداً على ما نقله الصدوق مسنداً، إشكال؛ وذلك لأنّ الوارد في المسند قوله: «كلّ من قتل بشيء صغر أو كَبُر بعد أن يتعمّد فعليه القود»، فإنّ الظاهر أنّ الحديث بصدد بيان أمر آخر، وهو عدم العبرة بصغر الآلة وكبرها، فمن قتل بآلة من غير فرق بين كونها صغيرة أو كبيرة يقتصّ منه، وأين هذا ممّا نحن فيه؟
واحتمال أنّ قوله: «بشيء» مصحّف «شيئاً»، بعيد أيضاً، إذ لا وجه للعدول من لفظ «الإنسان» إلى لفظ «شيئاً»، واحتمال أنّ «شيئاً» مصحّف «نفساً» يبعّده تذكير الفعلين- أعني: صغر أو كبر- فإنّ النفس مؤنث سماعي يسند إليه الفعل بالتأنيث.
كلّ ذلك يكون سبباً للاحتياط الذي أشار إليه المصنّف في المتن.
وبذلك ظهر أنّ القول بالقصاص مطابق للقواعد العامّة والرواية.
ثمّ إنّ المصنّف احتاط بعدم اختيار الولي القصاص، بل يصالح بالدية.
وجهه: ما يأتي في قتل المجنون حيث ورد فيه قوله: «فلا قود لمن لا يقاد منه» فبما أنّ الصبي لا يقاد منه- لو قتل- فلا قود له، وسيوافيك وجه العدول—)
[1]. لاحظ: مشيخة الفقيه: ۴/ ۱۳، آخر الكتاب.
(— عن الضابطة.
نعم سيأتي في الفرع الثاني ما في رواية أبي بصير التي تصلح أن تكون دليلًا للحلبي، واحتياط المتن بالمصالحة بالدية، فانتظر.
وله صورتان:
فالمشهور فيها عدم القصاص، على خلاف ماسبق في قتل الصغير، ووصفه في «الجواهر» بقوله: بلاخلاف أجده فيه، كما عن الغنية وغيرها، الاعتراف به، بل في «كشف اللثام» نسبته إلى قطع الأصحاب، بل عن «كشف الرموز» الإجماع عليه، وهو الحجّة بعد الرواية.[1]
قال العلّامة: كما يعتبر العقل في طرف القاتل كذا يعتبر في طرف المقتول، فلو قتل العاقل مجنوناً لم يقتل به، وتثبت الدية على القاتل إن كان عمداً وشبه العمد، وإن كان خطأ فالدية على العاقلة.[2]
ويدلّ عليه صحيحة أبي بصير (يعني المرادي) قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل قتل رجلًا مجنوناً، فقال: «إن كان المجنون أراده فدفعه عن نفسه فلا شيء عليه من قود ولادية، ويعطى ورثته ديته من بيت مال المسلمين، قال:—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۱۸۴.
[2]. تحرير الأحكام: ۵/ ۴۶۴، المسألة ۷۰۶۱.
(— وإن كان قتله من غير أن يكون المجنون أراده فلا قود لمن لايقاد منه، وأرى أنّ على قاتله الدية في ماله يدفعها إلى ورثة المجنون، ويستغفر اللَّه ويتوب إليه».[1]
والشاهد في قوله: «وإن كان قتله من غير أن يكون المجنون أراده، فلا قود لمن لايقاد منه».
فإن قلت: التعليل الوارد في الرواية: «فلا قود لمن لا يقاد منه» يقتضي أن لايقاد من قاتل الصبي؛ لأنّ الصبي لايقاد منه، فقاتله مثله، ولذلك ذهب أبو الصلاح في الفرع السابق إلى عدم القصاص.
قلت: إن قوله: «فلا قود لمن لا يقاد منه» ضابطة كليّة، فلا مانع من أن تخرج عنها صورة واحدة، أعني: إذا قتل البالغُ الصبيَّ.
وإن شئت قلت: إنّ رواية ابن فضّال صريحة في موردها والضابطة ظاهرة في موردها، فالنصّ يقدّم على الظاهر. ومع ذلك فقد عرفت الإشكال في الاعتماد على رواية ابن فضّال، ولذلك قوّينا جانب الاحتياط إلّاإذا ثبت الإجماع على الخلاف.
فقد مرّ عليك ما في رواية أبي بصير أنّه قال: «إن كان المجنون أراده فدفعه عن نفسه فلا شيء عليه من قود ولادية، ويعطى ورثته ديته من بيت—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۸ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
(— مال المسلمين».[1]
ويؤيّده أيضاً خبر أبي الورد، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام أولأبي جعفر عليه السلام: أصلحك الله: رجل حمل عليه رجل مجنون فضربه المجنون ضربة فتناول الرجل السيف من المجنون فضربه فقتله فقال: «أرى أن لايُقتل به ولا يُغرم ديتَه، وتكون ديتُه على الإمام ولايبطل دمه».[2]
وإنّما يصح الاستدلال به على هذا الفرع إذا كان المورد من مورد الدفاع مع أنّه بعد تناول السيف يعجز المجنون عن قتله فلا يكون قتله دفاعاً، ولأجل هذا قال في «الجواهر»: بعد حمله على الدفع.[3]
ومع ذلك يمكن تصحيح كون قتله دفاعاً عن نفسه، وهو أنّ المجنون بعد أخذ السيف منه تشبّث بأشياء أُخرى لضرب العاقل كالحجر أو غيره، فلم يجد العاقل بدّاً إلّاقتله.
ومع ذلك كلّه فبين الخبرين تفاوت، إذ على صحيحة أبي بصير فالدية على بيت مال المسلمين، وفي خبر أبي الورد على الإمام، وبما أنّ بيت مال المسلمين تحت يد الإمام، صحّ التعبير عنه بقوله: على الإمام.
فإن قلت: إنّ الصحيحة والخبر اتّفقا على دفع الدية إمّا من بيت مال المسلمين أو من الإمام، ولكن إيجاب الدية يخالف ما تضافر عنهم من أنّ—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۸ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۸ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۲.
[3]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۱۸۶.
(— من دفع لصّاً أو محارباً أو نحوهما فلا قود ولادية عليه، وقد عقد صاحب الوسائل باباً لذلك نذكر من رواياته مايلي:
۱. صحيحة العلاء بن الفضيل قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: «إذا أراد الرجل أن يضرب رجلًا ظلماً فاتّقاه الرجل أو دفعه عن نفسه فأصابه ضرر، فلا شيء عليه»[1].
۲. صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «أيّما رجل قتله الحدّ في القصاص فلادية له»، وقال: «أيمّا رجل عدا على رجل ليضربه فدفعه عن نفسه فجرحه أو قتله، فلا شيء عليه»[2].
قلت: إنّ هذه الروايات روايات عامّة لامانع من ورود التخصيص عليها في مورد قتل المجنون، فدم الظالم يكون سدى مطلقاً لتعدّيه وظلمه؛ بخلاف المجنون، فهو مسلوب الإرادة والاختيار؛ فالأوّل ليس مستحقّاً للترحّم، بخلاف الثاني.
وأخيراً كما في المتن، لا فرق في الحكم بين كون المجنون مطبقاً أو أدواريّاً، مع كون القتل حال جنونه، لإطلاق الأدلّة.
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۲.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
المسألة ۶. في ثبوت القود على السكران الآثم في شرب المسكر- إن خرج به عن العمد والاختيار- تردّد، والأقرب الأحوط عدم القود.
نعم لو شكّ في زوال العمد والاختيار منه يلحق بالعامد، وكذا الحال في كلّ ما يسلب العمد والاختيار، فلو فرض أنّ في البنج وشرب المرقد حصول ذلك يلحق بالسكران، ومع الشكّ يعمل معه معاملة العمد، ولو كان السكر ونحوه من غير إثم فلا شبهة في عدم القود، ولا قود على النائم والمغمى عليه، وفي الأعمى تردّد.^
^ في المسألة فروع:
۱. السكران الآثم في شرب الخمر إذا قتل نفساً بلا اختيار.
۲. نفس الصورة إذا شُكّ في زوال الاختيار.
۳. إذا شرب المسكر من غير إثم.
۴. من شرب كلّ ما يسلب العمد والاختيار.
۵. النائم إذا قتل شخصاً، وهكذا المغمى عليه.
۶. الأعمى إذا قتل شخصاً.
وإليك دراسة الفروع:
إذا شرب المسكر وكان آثماً في شربه، وقتل شخصاً خارجاً عن الاختيار، فهل عليه القود أو لا؟—)
(— فقد تردّد في المتن وجعل الأحوط عدم القود.
وقد ذكر الشهيد الثاني منشأ التردّد وقال: إنّ منشأه أنّ الشارع لم يعذّر السكران مطلقاً، بل نزّله منزلة الصاحي فيقتص منه، وهو اختيار الأكثر، ومِن أن القصد شرط في العمد، وهو منتف في حقّه، وتنزيله منزلة الصاحي مطلقاً ممنوع، ولعلّ هذا أظهر.[1]
ومع ذلك فإنّ المحقّق جعل الثبوت أشبه، وقال: وفي ثبوت القود على السكران تردّد، والثبوت أشبه، لأنّه كالصاحي في تعلّق الأحكام.[2]
ولعلّ التفصيل- مع قطع النظر عن النصوص- أقرب إلى الحق، وهو أنّ السكران إذا علم أو احتمل أنّ شرب الخمر سيؤدي إلى ارتكاب جرائم كالقطع والقتل، فعليه القود، وإن خرج عن الاختيار والعمد؛ وذلك لأنّ الاضطرار بالاختيار لا ينافي الاختيار، فالعلم حتّى الاحتمال في هذه الحالة منجز للحكم الواقعي قبل أن يسكر، فيبقى على فعليّته حتّى بعد الإسكار.
فإن قلت: إنّ خطاب السكران الفاقد للشعور قبيح.
قلت: فرق بين الخطاب القانوني والخطاب الشخصي، فهو غير مخاطب بالخطاب الشخصي في هذه اللحظة لكنّه تمّت الحجّة عليه قبل أن يسكر، هذا على حسب القواعد وأمّا بالنسبة إلى النصوص فهناك رواية واحدة نقلت بوجهين: أحدهما نقله السكوني عن أبي عبداللَّه عليه السلام، والآخر نقله محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام. وإليك كلا الوجهين مع الإشارة إلى—)
[1]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۱۶۶.
[2]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۱۶.
(— وجوه الاختلاف بينهما.
روى السكوني عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «كان قوم يشربون فيسكرون فيتباعجون[1] بسكاكين كانت معهم، فرفعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام، فسجنهم، فمات منهم رجلان وبقي رجلان، فقال أهل المقتولين: يا أمير المؤمنين أقدهما بصاحبينا، فقال للقوم: ما ترون؟ فقالوا: نرى أن تقيدهما، فقال علي عليه السلام للقوم: فلعل ذينك اللّذين ماتا قتل كلّ واحد منهما صاحبه، قالوا: لا ندري، فقال علي عليه السلام: بل اجعل دية المقتولين على قبائل الأربعة، وآخذ دية جراحة الباقيين من دية المقتولين»[2].
وجه الدلالة: أنّ ظاهر الحديث المفروغية عن كون القود عليهما لو فرض العلم بأن الباقيين قتلاهما، وبعبارة أُخرى: أنّ الأمير عليه السلام توقّف في القصاص لاحتمال أنّ كلّ واحد قتل صاحبه، ولذلك توقّف عن قصاص الباقيين. نعم لولا هذا الاحتمال لتوجّه عليهما القود.
وروى محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: «قضى أمير المؤمنين عليه السلام في أربعة شربوا مسكراً، فأخذ بعضهم على بعض السلاح فاقتتلوا فقتل اثنان وجرح اثنان، فأمر المجروحين فضرب كلّ واحد منهما ثمانين جلدة، وقضى بدية المقتولين على المجروحين، وأمر أن تقاس جراحة المجروحين—)
[1]. بعج بطنه بالسكين، إذا شقّه، فهو باعج.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱ من أبواب موجبات الضمان، الحديث ۲.
(— فترفع من الدية، فإن مات المجروحان فليس على أحد من أولياء المقتولين شيء».[1]
ولا يخفى وجود التنافي بين النقلين، ومن القريب أن تكون القضية قضية واحدة، وأمّا وجه التنافي:
أوّلًا: أنّ المتبادر من رواية السكوني أنّ عدم القصاص لأجل عدم تعيّن القاتل، لوجود احتمال أنّ كلّاً منهما قتل الآخر، وإلّا فلو كان متعيّناً لقيد منهما.
ولكن المتبادر من صحيحة محمد بن قيس أنّه لا يقاد حتّى مع تعيّن القاتل؛ وذلك لأنّ الإمام تلقّى أنّ القتل صدر من المجروحين بشهادة أنّه جعل دية المقتولين على المجروحين، ولولا ذلك لما كان هناك وجه لهذا.
ثانياً: أنّ الإمام عليه السلام (حسب نقل السكوني) جعل دية المقتولين على القبائل الأربعة، وأخذ دية جراحة الباقيين من دية المقتولين، وأمّا على حسب صحيحة محمد بن قيس فقد جعل دية المقتولين على المجروحين وأمر أن تقاس جراحة المجروحين فترفع من الدية، ومع هذا التعارض لا يمكن العمل بالروايتين.
ولذلك تردّد في المتن في تعلّق القود، ولا بأس به لولا ملاحظة القواعد العامّة، أعني قوله تعالى: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» من غير فرق بين السكران وغيره. إلّا أن يدّعي الانصراف إلى الصاحي دون السكران، كلّ ذلك إذا لم يعلم أو لم يحتمل ترتّب القتل على شرب المسكر، وإلّا فالنص فيه محكّم ولا—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱ من أبواب موجبات الضمان، الحديث ۱.
(— معنى للانصراف.
أمّا إذا قتل السكران شخصاً وشُكّ في زوال الاختيار فقد ألحقه في المتن بالعامد لاستصحاب الاختيار والقصد.
إذا شرب المسكر للعلاج على نحو لا يكون آثماً وقتل نفساً خارجاً عن العمد والاختيار، فيأتي فيه ما تقدّم في الإثم وهو أنّه لو علم أو احتمل صدور القطع والقتل يتوجّه عليه القود؛ لأنّ العلم قبل الاضطرار- بل الاحتمال في المقام- منجِّز للتكليف فيتوجّه عليه القود، وأمّا إذا قطع بالسلامة ولكن صارت النتيجة على خلاف ما كان يتنبّأ يكون القتل خطأ خصوصاً إذا لم يكن آثماً في شرب الخمر.
لو بنّج نفسه بما لا يُعدّ مسكراً، أو شرب مرقداً، أو كلّ ما يسلب العمد والاختيار كذلك لا لعذر، فقد اختلف العلمان في ذلك فذهب الشيخ في «المبسوط» إلى إلحاقه بالسكران، وقال: وأمّا من جُنّ بسبب هو غير معذور فيه، مثل أن يشرب الأدوية المجننة فذهب عقله، فهو كالسكران.[1] ولكن تردّد فيه المحقّق وقال: أمّا مَنْ بنّج نفسه أو شرب مرقداً لا—)
[1]. المبسوط: ۷/ ۵۰.
(— لعذر، فقد ألحقه الشيخ رحمه الله بالسكران، وفيه تردّد.[1]
وأمّا المصنّف فقد ألحقه بالسكران، ولكن فيه منع واضح؛ لأنّ السكران موضوع والمبنّج موضوع آخر، فلو قلنا بعدم القود بالسكران لا يلازم القول في المبنّج، والقول بالقصاص هنا أقوى أخذاً بإطلاق «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» خرج السكران وبقي الباقي تحته، خصوصاً إذا علم بأنّه ربما يؤدّي إلى القتل. اللّهم إلّا أن يقال: إنّ السكران وإن غلب استعماله في الشراب لكنّه يشمل المبنّج أيضاً لغة، كما هو الظاهر من «المفردات»، وعلى هذا فالاحتياط عدم القصاص خصوصاً بملاحظة درء الحدود بالشبهات.
ووصفه في «الجواهر» بقوله: الإجماع بقسميه عليه.[2]
لأنّ النوم أمر طبيعي للإنسان، فحكمه حكم سائر المتلفات، إنّما الكلام في أنّ الدية في ماله أو على عاقلته. والظاهر هو الأوّل؛ لأنّ الأصل في الضمان كونه على المتلف، خرج عنه الخطأ المحض فهو على العاقلة.
لاشك أنّه إذا صدر القتل من الأعمى عن خطأ، فلا شكّ أنّ فحكمه حكم المبصر، أي فيه الدية على العاقلة دون القود؛ إنّما الكلام إذا صدر عنه عن عمد، فهل هو كالمبصر يُقاد منه، أو أنّ عمده خطأ كالصبي؟—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۱۶.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۱۸۸.
(— أمّا الأوّل: فهو خيرة ابن إدريس[1] والمحقّق[2] وفخر المحقّقين[3]، فهؤلاء يقولون بأنّ الأعمى كالمبصر في وجوب القصاص عليه لوجود المقتضي له، وهو قصده إلى القتل وانتفاء المانع؛ لأنّ العمى لا يصلح مانعاً مع اجتماع شروط القصاص حتّى التكليف والقصد ونحوهما.
هذا ولعموم الأدلّة من الآيات والروايات الشاملة للأعمى والمبصر على وجه واحد.
وأمّا الثاني: فهو خيرة ابن الجنيد[4]، والشيخ قال في «النهاية»: إن عمد الأعمى وخطأه سواء تجب فيه الدية على عاقلته،[5] وابن البراج[6].
هذان هما القولان المعروفان بين فقهائنا، ولاشكّ أنّ القول الأوّل هو مقتضى القواعد، أي عدم الفرق بين الأعمى والمبصر، وإنّما يخرج عنه إذا كان هناك دليل عليه، وليس في المقام إلّاروايتان:
۱. ما رواه الحلبي، قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن رجل ضرب رأس رجل بمعول فسالت عيناه على خدّيه، فوثب المضروب على ضاربه فقتله؟ قال:
فقال أبو عبد اللَّه عليه السلام: «هذان متعدّيان جميعاً فلا أرى على الذي قتل الرجل قوداً، لأنّه قتله حين قتله وهو أعمى، والأعمى جنايته خطأ يلزم عاقلته …».[7]—)
[1]. السرائر: ۳/ ۳۶۸.
[2]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۱۶.
[3]. إيضاح الفوائد: ۴/ ۶۰۱.
[4]. مختلف الشيعة: ۹/ ۳۴۷.
[5]. النهاية: ۷۶۰.
[6]. المهذب: ۲/ ۴۹۵.
[7]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۰ من أبواب العاقلة، الحديث ۱.
(— ۲. ما رواه أبو عبيدة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن أعمى فقأ عين صحيح متعمّداً؟ فقال: «إنّ عمد الأعمى مثل الخطأ، هذا فيه الدية في ماله، فإن لم يكن له مال فالدية على الإمام ولا يبطل حق امرئ مسلم».[1]
والاستدلال بالروايتين فرع صحّة السند وتمامية الدلالة في المتن.
أمّا السند فقد روى الشيخ الرواية الأُولى بالسند التالي: عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبداللَّه، عن العلاء، عن محمد الحلبي. والسند لا غبار عليه إلّافي محمد بن عبداللَّه[2]، وهو مشترك بين الثقة وغيره.
يلاحظ عليه: أنّ الصدوق رواه بسنده عن العلاء[3]، وطريقه إليه صحيح في «الفقيه»، وسواء أُريد منه العلاء بن رزين أو العلاء بن سيابة[4]، لاحظ المشيخة. وعلى هذا فالرواية صالحة للاحتجاج.
وأمّا سند الرواية الثانية ففيه عمّار الساباطي وهو فطحي.
يلاحظ عليه: أنّ الأصحاب عملوا بروايات الفطحيين الثقات، وقد روي عن الإمام العسكري عليه السلام أنّه سُئل عنهم فقال: «خذوا ما رووا وذروا ما رأوا»[5].—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۵ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
[2]. مجمع الفائدة والبرهان: ۱۴/ ۱۵.
[3]. الفقيه: ۴/ ۱۰۷، برقم ۳۶۱.
[4]. لاحظ: مشيخة الفقيه: ۴/ ۵۷، ۱۲۶، آخر الكتاب.
[5]. من لا يحضره الفقيه: ۴/ ۵۴۲.
(— هذا كلّه حول سندي الروايتين، وأمّا الدلالة فقد أورد عليها بوجهين:
الأوّل: أنّ رواية الحلبي تتحدّث عن كون الدية على عاقلة الأعمى يؤخذون بها في ثلاث سنين في كلّ سنة نجماً، فإن لم يكن للأعمى عاقلة تعلّقت الدية بماله.
وأمّا الرواية الثانية فقد جعلت الدية في مال الأعمى ابتداءً، فإن لم يكن له مال فالدية على الإمام.
فعلى الرواية الأُولى تؤدّى الدية بالترتيب التالي:
على العاقلة أوّلًا ثم الأعمى ثانياً.
وعلى الرواية الثانية تؤدّى الدية بالترتيب التالي:
على الأعمى أوّلًا وعلى الإمام ثانياً.
يلاحظ عليه: بأنّ غاية ما يلزم تقييد الرواية الثانية بالأُولى، فيقال: الدية على العاقلة أوّلًا ثم على الأعمى في ماله وإلّا فعلى الإمام، فيتصرّف في الرواية الثانية بدأ بتقديم العاقلة على الأعمى، كما يتصرف في نهاية الرواية الأُولى بأن في حال فقدان ماله تكون الدية على الإمام.
وبعبارة أُخرى: تضاف الدية على العاقلة على الرواية الثانية، والدية على الإمام على الرواية الأُولى.
بقي هنا أمر وهو تخصيص الكتاب بخبر الواحد، وهذا وإن استسهله صاحب الجواهر وقال: ودعوى عدم صلاحية أخبار الآحاد- وإن—)
(— صحّت- لتخصيص الكتاب، قد ذكرنا فسادها في الأُصول.[1]
ولكنّه ليس بسهل فهذا هو المحقّق رحمه الله يمنع من تخصيص الكتاب بخبر الواحد.[2]
نعم تبيين مجملات الكتاب بالخبر الواحد أمر مقبول وعليه سيرة الفقهاء، إنّما الكلام في تخصيصه وتضيق دائرة حكمه بالخبر الواحد. وليس هذا إنكاراً لحجية الخبر الواحد وإنّما الكلام في سعة حجيته في مقابل عموم الكتاب وإطلاقه.
فإنّ للكتاب مقاماً سامياً لا يعدل عنه إلّابدليل قطعي، وهذه هي سيرة العقلاء في العدول عن الدستور الدائم، فلا يُعدل عنه إلّابدليل قطعي.
ولذلك تردّد المصنّف في الحكم، فمن أنصف فليقل: إنّه إذا ثبت بالعلائم والأمارات المفيدة للقطع أو إقرار الأعمى بأنّه كان بصدد قتل المجني عليه، يعامل معه معاملة المبصر، ونظيرها ما لو كانت الآلة قتّالة.
نعم لو لم تكن الآلة قتالة وادّعى عدم قصد القتل، يشكل الاقتصاص منه، فعلى هذا فالظاهر هو التفصيل بين ما عُلم أو اعترف بأنّه بصدد القتل يقتصّ منه، سواء كانت الآلة قتّالة أو لا.
وهكذا لو كانت الآلة قتّالة وإن لم يعترف بقصد القتل.
نعم لو لم تكن الآلة قتّالة ولم يعترف بقصد القتل، فلا يقتص منه. واللَّه العالم.
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۱۹۰.
[2]. معارج الأُصول: ۱۷۲.
الشرط السادس: أن يكون المقتول محقون الدم، فلو قتل من كان مهدور الدم- كالساب للنبي صلى الله عليه و آله- فليس عليه القود. وكذا لا قود على من قتله بحقّ كالقصاص والقتل دفاعاً، وفي القود على قتل من وجب قتله حدّاً- كاللائط والزاني والمرتدّ فطرة بعد التوبة- تأمّل وإشكال، ولا قود على من هلك بسراية القصاص أو الحد.^
^
وقد مضى في صدر هذا الكتاب أنّ الموجب هو إزهاق النفس المعصومة عمداً، ومن المعلوم أنّ مهدور الدم ليس نفساً معصومة.
وقد أخرج المصنّف عن محقون الدم في المتن الموارد التالية:
۱. سابّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم.
۲. من قتله بحقٍّ، كالقصاص والدفاع.
۳. من هلك بسراية القصاص أو الحدّ.
هذه هي الموارد الّتي أخرجها في المتن على أنّه لا قصاص على من قتل هؤلاء. ولكنّه تأمّل في الرابع.
۴. قاتل اللائط والزاني والمرتدّ فطرة بعد التوبة، فلو قتل أحد هؤلاء شخصٌ فهل يقاد به أو لا؟ ففيه تأمّل.
وإليك دراسة الفروع:
أمّا الأوّل: فقد عقد صاحب الوسائل باباً لذلك فنقل فيه أربع—)
(— روايات، نذكر واحدة منها: روى محمد بن مسلم، قال: فقلت لأبي جعفر عليه السلام: أرأيت لو أنّ رجلًا الآن سبّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم أيقتل؟ قال: «إن لم تخف على نفسك فاقتله»[1].
وأمّا الثاني: فهو متمثّل في موردين:
۱. من قتله بحق، فقد روى أبو الصباح الكناني عن أبي عبداللَّه عليه السلام في حديث قال: سألته عن رجل قتله القصاص، له دية؟ فقال: «لو كان ذلك لم يقتص من أحد. وقال: من قتله الحدّ فلا دية له»[2].
وأظهر مصداق له هو الحدّاد عند القاضي المجري لحكمه، ويؤيد ذلك ما رواه الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: سمعته يقول: «من ضربناه حدّاً من حدود اللَّه فمات، فلا دية له علينا»[3].
وقد روى في «الفقيه» عن الصادقين عليهما السلام قولهما: «من قتله القصاص فلا دية له»[4].
وروى أبو العباس عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: سألته عمّن أُقيم عليه الحد (فمات)، أيقاد منه، أو تؤدّى ديته؟ قال: «لا، إلّاأن يزاد على القود».[5] والضمير في «منه» يعود إلى المقيم للحدّ.—)
[1]. الوسائل: ۱۸، الباب ۲۵ من أبواب حدّ القذف، الحديث ۳.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۴ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۴ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۳.
[4]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۴ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۴.
[5]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۴ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۷.
(— ۲. من قتل دفاعاً عن نفسه أو ماله، فقد روى محمد بن الفضيل عن الرضا عليه السلام قال: سألته عن لصٍّ دخل على امرأة وهي حبلى فقتل ما في بطنها فعمدت المرأة إلى سكين فوجأته بها فقتلته؟ فقال: «هدر دم اللص»[1]. وأمّا الثالث: مَن هلك بسراية القصاص أو الحدّ فقد روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: «من قتله القصاص بأمر الإمام فلا دية له في قتل ولا جراحة».[2] فقوله: «ولا جراحة» إشارة إلى أنّ الجرح للقصاص إذا سرى وأدّى إلى موت الجارح فلا قصاص. ويمكن الاستدلال له بما مرّ من رواية أبي الصباح الكناني من قوله عليه السلام: «من قتله الحدّ فلا دية له» فإطلاقه يعمّ ما لو قطعت يد السارق لكن الجرح سرى إلى نفسه فيصدق عليه أنّه قتله الحد.
وأمّا الرابع: أعني من قتل الزاني المحصن واللائط والمرتدّ فطرة بعد التوبة بدون إذن القائم بالأمر، فهل يقاد به أو لا؟ ففي «الجواهر»: ليس في شيء ممّا وصل إلينا من النصوص تعرّض لذلك، فضلًا عن تواترها.[3]
والحق أن يقال: إنّ الأصل في الدماء هو الاحترام ولا يجوز لأحد إراقة دم وإن كان غير مصون عند اللَّه سبحانه، لأنّ كونه مهدور الدم إجمالًا لا يكون دليلًا على كونه كذلك بالنسبة إلى عامّة الناس، وإلّا يلزم الهرج والفوضى.
ووجه التأمّل عدم وجود نصّ في المورد.—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۶. ولاحظ بقية روايات الباب.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۴ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۸.
[3]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۱۹۲.
(— وبذلك ظهر أنّ مهدور الدم على أقسام أربعة:
أ. أن يكون مهدور الدم لعامّة الناس كسابّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم، والكافر والحربي.
ب. أن يكون مهدور الدم بالنسبة إلى كلّ مسلم كالمرتد قبل التوبة؛ لأنّه كالكافر، فلو قتله المسلم لم يثبت عليه القود. لما مرّ من أنّه لا يقاد المسلم بكافر.
ج. أن يكون مهدور الدم بالنسبة إلى الإمام ونائبه كالزاني واللائط والمرتدّ فطرة بعد التوبة؛ لأنّ الأصل في الدماء الحرمة، خرج عنه قتلهم بحكم الإمام أو نائبه فيبقى الباقي تحت قوله: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ».
د. أن يكون مهدور الدم بالنسبة إلى ورثة المقتول وأوليائه. هذا هو المشهور، وقد علم وجهه ممّا ذكرنا في الطوائف الثلاث، فلاحظ.
^^^
الأوّل: الإقرار بالقتل
الثاني: البيّنة
الثالث: القسامة، وفيه مقاصد
۱. في اللوث
۲. في كمية القسامة
۳. في أحكام القسامة
وهو أُمور:
ويكفي فيه مرّة واحدة، ومنهم من يشترط مرّتين، وهو غير وجيه.^
^ الأوّل: الإقرار بالقتل
يثبت القود بإقرار القاتل بالقتل، أخذاً بما عليه سيرة العقلاء وإمضاء الشرع لها، أعني: إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، إلى غير ذلك من الروايات الّتي ستوافيك دراستها في أثناء المسائل الّتي تُعرب عن مفروغية ثبوت القود بالإقرار.
إنّما الكلام في كفاية المرّة منه، والظاهر كفايتها من دون حاجة إلى التعدّد أخذاً بالسيرة وإطلاق الرواية، إذا اجتمعت شرائط الإقرار.
وأمّا لزوم التعدّد في بعض الموارد فإنّما هو بتعبّد من الشارع.
ولعلّ تداخل حقّ الناس مع حقّ اللَّه سبحانه صار سبباً للتعدّد.
وبذلك ظهر أنّ من اشترط التعدّد لا يعتمد على دليل مُقِنع.
المسألة ۱. يعتبر في المقرّ: البلوغ، والعقل، والاختيار، والقصد، والحرّية. فلا عبرة بإقرار الصبي وإن كان مراهقاً، ولا المجنون، ولا المكره، ولا الساهي والنائم والغافل والسكران الذي ذهب عقله واختياره.^
^
قد تكرّر من المصنّف وغيره ذكر هذه الشروط في كثير من الأبواب، ووجه اعتبارها عدم الاعتداد بأقارير هؤلاء، فيشترط في المقرّ: البلوغ والعقل؛ لأنّ الصبي والمجنون مسلوبي العبارة.
كما يشترط الاختيار والقصد؛ لأنّ حجّية الإقرار لأجل كونه كاشفاً عن الواقع، وإقرار المُكره يفقد هذه الخصوصية، ونظيره الهازل الّذي يفقد القصد، فلا يكشف إقراره عن الواقع.
وبذلك يُعلم عدم حجّية إقرار الساهي والنائم والغافل والسكران الّذي ذهب عقله؛ وذلك لأنّ الملاك في حجّية الإقرار كونه كاشفاً عن الواقع.
وأمّا اشتراط الحرية فلأنّ إقرار العبد إقرار على المولى وإضرار له، وإقرار العقلاء على أنفسهم جائز لا على غيرهم.
المسألة ۲. يقبل إقرار المحجور عليه لسفه أو فلس بالقتل العمدي، فيؤخذ بإقراره، ويقتصّ منه في الحال من غير انتظار لفكّ حجره.^
^
إذا كان الإنسان محجوراً عليه (ماليّاً) لسفه أو فلس، فهو محجور التصرّف في أمواله، وعلى هذا فلو أقرّ بالقتل عمداً فيسمع لعدم منافاته لحقوق الآخرين؛ لأنّ نتيجة الإقرار بالقتل العمد هو الاقتصاص منه لا التصرّف في أمواله. وتوهم أنّه كيف لا يسمع إقراره في ماله، ويسمع في نفسه، مدفوع، بأنّ عدم رشده في التصرّفات المالية وتطرّق الغبن إلى عقوده غالباً صار سبباً للمنع عن التصرّف وعدم قبول إقراره فيها، وأمّا التصرّف في النفوس فإنّ قبح القتل أمر فطري يعرفه السفيه وغيره، فلو اعترف فلا وجه لعدم قبول إقراره.
وأمّا إذا أقرّ بالقتل خطأ، يجمع بين إقراره وحقّ الغرماء، فيسمع فيكون المال في ذمّة المحجور، ولكن لا يشارك ولي الدم الغرماء بشرط عدم تصديق الغرماء صحّة القتل، وإلّا فيشارك الغرماء في مقدار الدية، لعدم الفرق بين الدين قبل الحكم بالحجر والدين الطارئ بعده.
المسألة ۳. لو أقرّ شخص بقتله عمداً وآخر بقتله خطأ، كان للولي الأخذ بقول صاحب العمد، فيقتصّ منه، والأخذ بقول صاحب الخطأ، فيلزمه بالدية، وليس له الأخذ بقولهما.^
^
لو قُتل شخصٌ وادّعى أحد الشخصين أنّه قتله عمداً، وادّعى الآخر أنّه قتله خطأ، فما هي وظيفة الولي أو القاضي أمام الرجلين؟
قال المحقّق بالتخيير، وقال: لو أقرّ واحدٌ بقتله عمداً، وآخر بقتله خطأ، تخيّر الولي تصديق أحدهما، وليس له على الآخر سبيل.[1]
وعلّله في الجواهر بقوله: إنّ إقرار كلٍّ منهما سبب في إيجاب مقتضاه على المقرّ، ولا يمكن الجمع بين الأمرين فيتخيّر ولو جهل الحال.[2]
يلاحظ عليه: كيف يمكن القول بتخييره مع علمه الإجمالي بكذب أحدهما، فهو أشبه بالشبهة المحصورة، فلو أخذ بقول صاحب العمد فاستعدّ للاقتصاص فهو شاكّ في حصول شرط الاقتصاص وهو العمد لاحتمال صدور القتل من الآخر.
ولو أخذ بقول صاحب الخطأ فاستعدّ لأخذ الدية، فهو شاكّ في استحقاقها، فمقتضى القاعدة ترك قوليهما إلى أن تتبيّن الحال.—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۱۸.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۰۶.
(— هذا هو مقتضى القاعدة وأمّا بالنظر إلى غيره، فقد ورد التخيير في ما رواه الكليني بسنده الصحيح عن الحسن بن محبوب عن الحسن بن صالح، قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن رجل وجد مقتولًا فجاء رجلان إلى وليّه، فقال أحدهما: أنا قتلته عمداً، وقال الآخر: أنا قتلته خطأ؟ فقال: «إن هو أخذ [بقول] صاحب العمد فليس له على صاحب الخطأ سبيل، وإن أخذ بقول صاحب الخطأ فليس له على صاحب العمد سبيل»[1].
وقد رواها الصدوق عن الحسن بن محبوب عن الحسن بن حيّ، والظاهر أنّ الراوي في آخر الحديث في كلا النقلين واحد، فالحسن بن صالح في نقل الكليني هو الحسن بن صالح بن حيّ، فقد سقط «صالح» بين اسم الراوي وجدّه، قال الشيخ الطوسي: الحسن بن صالح بن حيّ، له أصل.
وقال في رجال الباقر عليه السلام: الهمداني، الثوري، الكوفي، صاحب المقالة، زيدي، إليه تنسب الصالحية منهم.
وقال في رجال الصادق عليه السلام: أبو عبداللَّه، أُسند عنه.
وقال في «التهذيب»: هو زيدي بتريّ، متروك العمل بما يختصّ بروايته.
وقال ابن النديم في «الفهرست»: ولد سنة ۱۶۸ ه، وكان من كبار الشيعة الزيدية وعظمائهم، وكان فقيهاً متكلّماً، له أكثر من ۴۷ رواية، فقد روى عنه الحسن بن محبوب من أصحاب الإجماع في جميع ذلك إلّافي مورد—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۱.
(— واحد، فقد روى عنه علي بن محمد بن سليمان النوفلي.[1]
وعلى هذا فالرواية غير صالحة للاحتجاج. نعم يمكن أن يقال: إنّها صالحة للاحتجاج بوجهين:
۱. رواية ابن محبوب عنه في موارد كثيرة تبلغ ۴۶ مورداً وقد قلنا في محلّه إنّ كثرة رواية الثقة عن شخص، آية كونه ثقة عنده وإلّا لغى عمله، نعم قلة روايته لا تدلّ على شيء.
۲. عمل الأصحاب بها على درجة جابرة لضعف السند، فلو صحّ ما ذكرنا أمكن الإفتاء بالتخيير، وإلّا فاللازم إرجاء الحكم حتى يتبيّن الواقع.
[1]. الموسوعة الرجالية الميسّرة: برقم ۱۵۳۱.
المسألة ۴. لو اتّهم رجل بقتل وأقرّ المتهم بقتله عمداً، فجاء آخر وأقرّ أنّه هو الذي قتله، ورجع المقرّ الأوّل عن إقراره، درئ عنهما القصاص والدية، وتؤدّى دية المقتول من بيت المال على رواية عمل بها الأصحاب، ولا بأس به، لكن يقتصر على موردها والمتيقّن من مورد فتوى الأصحاب، فلو لم يرجع الأوّل عن إقراره عمل على القواعد، ولو لم يكن بيت مال للمسلمين فلا يبعد إلزامهما أو إلزام أحدهما بالدية، ولو لم يكن لهما مال، ففي القود إشكال.^
^
لو أقرّ شخصّ بقتل رجل عمداً وأقرّ آخر أنّه هو الّذي قتله، ورجع الأوّل عن إقراره، فما هو الحكم؟
ثم إنّ الفرق بين هذه المسألة وما تقدّمها واضح، بوجهين:
۱. أنّ أحد الإقرارين على العمد والآخر على الخطأ في المسألة السابقة، ولكنّهما في المقام على العمد.
۲. عدم رجوع المقرّ الأوّل في المسألة السابقة دون المقام.
إذا عرفت ذلك فلندرس مقتضى القاعدة في المسألة.
الظاهر أنّ العلم الإجمالي بكذب أحد الادّعائين يصدّنا عن الأخذ بأيّ منهما، نظير المسألة السابقة، فلا يمكن القول بالتخيير، إذ في كلّ احتمال مخالفة الواقع خصوصاً في الدماء، وإنّ رجوع الغير لا يؤثر في حجّية—)
(— إقراره بل هو باقٍ على ما كان، وقد اشتهر أنّه لا إنكار بعد الإقرار، فكأنّ كلّاً منهما يقرّ بأنّه القاتل.
وعلى هذا فمقتضى القاعدة تأخير الحكم إلى أن يظهر الواقع.
هذا على مقتضى القاعدة ولكن وردت في المقام رواية تدلّ على درء القصاص والدية عنهما، وأنّ دية المقتول من بيت المال، فهل هي حجّة يخرج بها عن مقتضى القاعدة أو لا؟
وإليك نصّ الرواية:
روى الكليني عن علي بن إبراهيم مرسلًا عن بعض أصحابنا، رفعه إلى أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «أُتي أمير المؤمنين عليه السلام برجل وجد في خربة وبيده سكين ملطخ بالدم، وإذا رجل مذبوح يتشحّط في دمه، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: ما تقول؟ قال: أنا قتلته، قال: اذهبوا به فأقيدوه به، فلمّا ذهبوا به أقبل رجل مسرع- إلى أن قال-: فقال: أنا قتلته، فقال أمير المؤمنين عليه السلام للأوّل: ما حملك على إقرارك على نفسك؟ فقال: وما كنت أستطيع أن أقول، وقد شهد عليّ أمثال هؤلاء الرجال وأخذوني، وبيدي سكين ملطخ بالدم، والرجل يتشحط في دمه، وأنا قائم عليه، خفت الضرب فأقرّرت، وأنا رجل كنت ذبحت بجنب هذه الخربة شاة، وأخذني البول فدخلت الخربة فرأيت الرجل متشحّطاً في دمه، فقمت متعجباً، فدخل عليّ هؤلاء فأخذوني، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: خذوا هذين فاذهبوا بهما إلى الحسن، وقولوا له: ما الحكم فيهما، فقال: فذهبوا إلى الحسن وقصّوا عليه قصتهما، فقال الحسن عليه السلام: قولوا لأمير المؤمنين عليه السلام:—)
(— إن كان هذا ذبح ذاك فقد أحيا هذا، وقد قال اللَّه عزّ وجلّ: «وَ مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا»[1] يخلّى عنهما، وتخرج دية المذبوح من بيت المال».[2]
ورواها الشيخ بإسناده عن علي بن إبراهيم نحوه[3].
ورواها الصدوق مرسلة وقال: وقال أبو جعفر عليه السلام: «وجد على عهد أمير المؤمنين صلوات اللَّه عليه رجل مذبوح في خربة … الخ»[4].
وبذلك ظهر أنّ المشايخ الثلاثة رووا الحديث إمّا مرسلًا أو بإسناد فيه إرسال، والظاهر عمل الأصحاب بالرواية، ففي «الجواهر»: وفي التنقيح وغاية المرام، عليها عمل الأصحاب، وعن السرائر نسبتها إلى رواية أصحابنا ولم نجد مخالفاً في ذلك إلّاثاني الشهيدين وأبا العباس فيما حُكي عنه لأرسال الخبر المنجبر بما عرفت على وجه يصلح قاطعاً للأصل.[5] وقد عبر الصدوق عن الرواية بقوله: وقال: أبو جعفر عليه السلام مشعراً بجزمه بصدور الحديث.
والّذي أظن أنّ الحكم الوارد في الرواية على وفق القاعدة، لما عرفت من أنّ العلم الإجمالي بكذب أحد الإقرارين يصدّ الفقيه عن الأخذ بأحدهما، وقد وصل إليه سيدنا الحسن بن علي عليه السلام ولكن عبّر عن هذه الحقيقة بلطافة خاصّة تقنع السامع وقال عليه السلام: «إن كان هذا ذبح هذا فقد أحيا هذا».—)
[1]. المائدة: ۳۲.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۴ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۱.
[3]. التهذيب: ۱۰/ ۱۷۳، برقم ۶۷۹.
[4]. الفقيه: ۳/ ۵۱۴ في باب الحيل في الأحكام، الحديث ۸.
[5]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۰۷.
(— ثم إنّ صاحب الجواهر جعل فتوى الإمام الحسن عليه السلام كرامة له باعتبار أنّه لو كان غيره لأخذ بقاعدة الإقرار إلّاأنّه لمّا كان مؤيداً بروح القدس ومسدّداً بتسديداته، والفرض أنّ الحكم عند اللَّه تعالى شأنه على خلاف قاعدة الإقرار للحكمة الّتي ذكرها أبو محمد عليه السلام، قضى فيها بما سمعت، وأراد أمير المؤمنين عليه السلام إظهار أمر الحسن عليه السلام وأنّه من معادن أسرار اللَّه تعالى.[1]
وما ذكره قدس سره له وجه، ولكن ما ذكرناه أوضح، حيث إنّ الإمام عليه السلام وقف على وجود الكذب في أحد الإقرارين فصدّه عن الأخذ بأحدهما، لكنّه تطرّق إلى ذلك ببيان آخر، كما عرفت.
وعلى كلّ تقدير فالعمل بالرواية الموافق للقاعدة هو المتعيّن.
هذا كلّه إذا رجع المقرّ الأوّل عن إقراره، وإلّا فيكون حكمه عند المصنّف وغيره حكم المسألة السابقة وهو التخيير في القصاص والدية، وقد عرفت الكلام فيه فلاحظ.
بقي الكلام في أمرين أُشير إليهما في المتن:
۱. لو لم يرجع الأوّل عن إقراره عمل بالقواعد. ۲. أنّ ظاهر قوله: «وتخرج دية المذبوح من بيت المال» عدم الفرق بين وجود بيت المال وعدمه ولكن المصنّف لم يستبعد إلزامهما أو أحدهما بالدية في صورة عدم وجود بيت المال، لئلّا يبطل دم مسلم، ولو لم يكن لهما مال ففي القود إشكال عند الماتن، وقد عرفت أنّ الحق تأخير الحكم إلى أن يتبيّن.
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۰۸.
لا يثبت ما يوجب القصاص- سواء كان في النفس أو الطرف- إلّا بشاهدين عدلين، ولا اعتبار بشهادة النساء فيه منفردات ولا منضمّات إلى الرجال، ولا توجب بشهادتهنّ الدية فيما يوجب القصاص، نعم تجوز شهادتهنّ فيما توجب الدية كالقتل خطأ أو شبه عمد، وفي الجراحات التي لا توجب القصاص كالهاشمة وما فوقها. ولا يثبت ما يوجب القصاص بشهادة شاهد، ويمين المدّعي على قول مشهور.^
^
في المسألة فروع ستة:
۱. ثبوت ما يوجب القصاص بشهادة الرجال.
۲. عدم ثبوته بشهادة النساء منفردات.
۳. عدم ثبوته بشهادة النساء منضمّات إلى الرجال.
۴. عدم ثبوت الدية بشهادتهنّ فيما يوجب القصاص.
۵. ثبوت الدية بشهادتهنّ في قتل الخطأ وشبه العمد والجراحات التي لا توجب القصاص.
۶. عدم ثبوت ما يوجب القصاص بشهادة شاهد ويمين المدّعي.
وإليك دراسة الفروع:—)
(— أمّا الأوّل: أي ثبوت ما يوجب القصاص بشهادة الرجال، سواء أكانت الجناية في النفس أو الطرف، وتكفي شهادة عدلين منهم، لإطلاق حجّية البيّنة.
وأمّا الفرع الثاني: أي عدم ثبوت ما يوجب القصاص بشهادة النساء منفردات. ويدلّ عليه الروايات التالية:
۱ روى محمد بن الفضيل عن الرضا عليه السلام: «لا تجوز شهادتهنّ في الطلاق ولا الدم».[1]
۲. ما رواه إبراهيم الخارقي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام- في حديث- قال: «لا تجوز شهادة النساء في الطلاق ولا في الدم».[2]
۳. ما رواه غياث بن إبراهيم عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي عليه السلام:
«لا تجوز شهادة النساء في الحدود، ولا في القود».[3]
۴. ما رواه موسى بن إسماعيل بن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن علي عليهم السلام قال: «لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا قود».[4] وأمّا الفرع الثالث:– أي عدم ثبوت ما يوجب القصاص بشهادة النساء منضمّات إلى الرجال- ففيه خلاف، فقد ذهب الشيخ إلى عدم ثبوته—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۳.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۲.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۷.
[4]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۸.
(— بشهادة امرأتين ورجل قال: لا يثبت القتل الموجب للقود إلّابشهادة رجلين، ولا يثبت بشهادة رجل وامرأتين، وبه قال الشافعي.[1] وتبعه ابن إدريس في «السرائر»[2].
وأمّا المحقّق فقد اختلفت كلمته، ففي هذا المقام وافق الشيخ وقال: فلا يثبت ما يجب به القصاص إلّابشاهدين، ولا يثبت بشاهد وامرأتين.[3] وعليه المصنّف في المتن.
ولكنّه في كتاب الشهادات، عند البحث عن حقوق الآدمي استظهر ثبوته بالشاهد والمرأتين، وقال: وفي العتق والنكاح والقصاص تردّد، أظهره ثبوته بالشاهد والمرأتين.[4]
ثم إنّ هنا قولًا ثالثاً وهو أنّه لا يثبت القصاص بشاهد وامرأتين ولكن تثبت به الدية، ووصفه المحقّق بالشذوذ.[5]
ونسبه في الجواهر إلى الشيخ في النهاية وابن الجنيد وأبي الصلاح والقاضي، والفاضل في المختلف.[6]
أمّا دليل القول بعدم الثبوت، فهو مقتضى إطلاق الروايات المتقدّمة،—)
[1]. الخلاف: ۳/ ۲۵۲، المسألة ۴.
[2]. السرائر: ۲/ ۱۱۵.
[3]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۱۸.
[4]. شرائع الإسلام: ۴/ ۱۳۶.
[5]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۱۸.
[6]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۰۸.
(— حيث إنّ مقتضاها عدم الفرق بين كونهنّ منفردات أو منضمّات، وفي مقابل ذلك يوجد ما يدلّ على الجواز، نظير:
۱. ما رواه جميل بن درّاج ومحمد بن حمران عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال:
قلنا: أتجوز شهادة النساء في الحدود؟ فقال: «في القتل وحده، إنّ عليّاً عليه السلام كان يقول لا يبطل دم امرئ مسلم»[1].
۲. ما رواه محمد بن فضيل، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام في حديث قال: «تجوز شهادة النساء في الدم مع الرجال».[2]
۳. ما رواه المفضّل بن صالح عن زيد الشحّام في حديث قال: قلت له:
تجوز شهادة النساء مع الرجال في الدم؟ قال: «نعم».[3]
۴. ما رواه محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السلام قال: «قضى أمير المؤمنين عليه السلام في غلام شهدت عليه امرأة أنّه دفع غلاماً في بئر فقتله، فأجاز شهادة المرأة بحساب شهادة المرأة».[4] ۵. عن عبد اللَّه بن الحكم قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام في امرأة شهدت على رجل أنّه دفع صبياً في بئر فمات؟ قال: «على الرجل ربع دية الصبي بشهادة المرأة».[5] ۲
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۱.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۵.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۹.
[4]. الوسائل: ۱۸، الباب ۲۴ من أبواب الشهادات، الحديث ۲۶.
[5]. الوسائل: ۱۸، الباب ۲۴ من أبواب الشهادات، الحديث ۳۳.
(— والذي يمكن أن يقال: إنّ الروايات المانعة ناظرة إلى القصاص، وأمّا الروايات المجوّزة فيمكن حملها على الدية، ويشهد على ذلك أنّ عليّاً عليه السلام قال:
على الرجل ربع دية الصبي بشهادة المرأة، فيثبت بشهادتهن ما يوجب الدية، كما سيوافيك، والتفصيل في محلّه.
الفرع الرابع: عدم ثبوت الدية بشهادة النساء فيما يوجب القصاص.
وجهه: أنّ ثبوت الدية فرع ثبوت القصاص، والمفروض عدم حجّية قولهن فيه حتى تثبت إذا اتّفق الطرفان على التصالح بالدية.
الفرع الخامس: ثبوت الدية بشهادتهنّ في القتل الخطئي وشبه العمد والجراحات التي لا توجب القصاص، وذلك كحجيّة قولهنّ في الأُمور المالية.
وقد عرفت أنّ الروايات السابقة الدالّة على ثبوت الدم بشهادتهن محمولة على هذه الصورة، وإلى ذلك يشير المحقّق بقوله: ويثبت بكلّ منهما ما موجبه الدية، و قد مثّل له بالأمثلة التالية:
۱. قتل الخطأ الشبيه بالعمد، إذ ليس فيه القصاص بل الدية.
۲. الهاشمة وهي كسر عظم الرأس الّذي ليس فيه القصاص بل الدية.
۳. المنقلة وهي التي تخرج صغار العظام وتنتقل عن أماكنها.
۴. الجائفة وهي الطعنة الّتي تبلغ الجوف.
وفي الجميع الدية دون القصاص، تثبت بشاهد وامرأتين.[1] ۲
[1]. يلاحظ: شرائع الإسلام: ۴/ ۲۱۸.
(— وعليه المصنّف في المتن، حيث أشار إلى هذه الأمثلة بقوله:
(الهاشمة وما فوقها).
الفرع السادس: عدم ثبوت ما يوجب القصاص بشهادة شاهد ويمين المدّعي ففيه خلاف، والمشهور عدم الثبوت.
قال في «الشرائع»: ولا بشاهد ويمين.[1]
ونسبه في «الجواهر» إلى المشهور، ونقل عن الرياض الاتّفاق عليه، كما نقل الثبوت بهما عن الشيخ وابن إدريس.[2] والتفصيل موكول إلى محلّه.
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۱۸.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۰۹.
المسألة ۱. يعتبر في قبول الشهادة بالقتل أن تكون الشهادة صريحة أو كالصريحة، نحو قوله: «قتله بالسيف»، أو «ضربه به فمات»، أو «أراق دمه فمات منه»، ولو كان فيه إجمال أو احتمال لا تقبل. نعم الظاهر عدم الاعتبار بالاحتمالات العقلية التي لا تنافي الظهور أو الصراحة عرفاً، مثل أن يقال في قوله: «ضربه بالسيف فمات»، يحتمل أن يكون الموت بغير الضرب، بل الظاهر اعتبار الظهور العقلائي، ولا يلزم التصريح بما لا يتخلّل فيه الاحتمال عقلًا.^
^
إنّ الشهادة على ما يوجب القتل كسائر الموضوعات يجب أن تكون صريحة أو ظاهرة في نظر العرف في الموجب، وتكون عارية عن الإبهام والإجمال والاحتمال المساوي للاحتمال الآخر، كل ذلك لأنّ اعتبار البيّنة عند العقلاء لأجل كونها كاشفة عن الواقع كشفاً وثوقيّاً مفيداً للاطمئنان، ولا يحصل ذلك إلّاإذا كانت عارية عن الإبهام والإجمال والاحتمال.
نعم لا يعتدّ ببعض الاحتمالات الخارجة عن دائرة فهم العرف فإنّها وسوسة لا يعتنى بها.
فإذا قال: ضربه بالسيف فمات، لا يحتمل العرف إلّاأنّه مات بضرب السيف، لا عامل آخر، ولذلك يقول المحقّق: ولا تقبل الشهادة بالقتل إلّاصافية عن الاحتمال، كقوله: ضربه بالسيف فمات، أو فقتله، أو فأنهر دمه فمات—)
(— في الحال، أو لم يزل مريضاً منها حتّى مات وإن طالت المدّة.[1]
والأمثلة المذكورة أمثلة للخلوص عن الاحتمال، قال العلّامة في التحرير: يشترط في الشهادة خلوصها عن الاحتمال، مثل أن يقول: ضربه بالسيف فمات من الضربة … الخ[2].
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۱۸.
[2]. تحرير الأحكام: ۵/ ۷۰.
المسألة ۲. يعتبر في قبول الشهادة أن ترد شهادتهما على موضوع واحد ووصف واحد، فلو شهد أحدهما أنّه قتله غدوة والآخر عشية، أو شهد أحدهما أنّه قتله بالسم والآخر أنّه بالسيف، أو قال أحدهما: إنّه قتله في السوق، وقال الآخر: في المسجد، لم يقبل قولهما، والظاهر أنّه ليس من اللوث أيضاً، نعم لو شهد أحدهما بأنّه أقرّ بالقتل والآخر بمشاهدته لم يقبل شهادتهما، ولكنّه من اللوث.^
^
لا شكّ أنّه يشترط في حجّية البيّنة توارد الشهادتين على أمر واحد حتّى يصدق أنّه قام شاهدان عادلان عليه، وبما أنّ كلّاً من الزمان والمكان وآلة القتل يُعدّ من مشخّصاته، فلابدّ أن ترد شهادتهما على وقوع القتل في زمان واحد ومكان واحد وآلة مشخّصة، فلو اختلفا وشهد أحدهما أنّه قتله نهاراً والآخر ليلًا، أو شهد أنّه قتله في الشارع والآخر شهد على أنّه قتله في البيت، أو شهد أحدهما على أنّه قتله بالسيف، والآخر على أنّه قتله بالسمّ، لا يحتجّ بهما لما ذكرنا من أن العبرة بالبيّنة لأجل كونها طريقاً إلى الواقع، وهي لا تنفكّ عن عدم وجود التعارض في شهادة الشاهدين. وأمّا إذا كان هناك تعارض فيسقط كلاهما عن الاعتبار.
وقد قُرّر في محلّه أنّ الأصل في تعارض الأمارات هو التساقط، ولو دلّ الدليل على أخذ الراجح من الخبرين أو التخيير عند التساوي، فإنّما هو—)
(— بدليل خارجي ولولاه لسقط عن الاعتبار، هذا ممّا لا كلام فيه، إنّما الكلام في ثبوت اللوث في هذه الموارد، فقد فرّق المصنّف بين الموردين التاليين:
الأوّل: إذا قال أحدهما: قتله في السوق، والآخر: في المسجد، لم يقبل قولهما، واستظهر أنّه ليس من اللوث.
الثاني: لو شهد أحدهما أنّه أقرّ بالقتل، والآخر بمشاهدته، لم تقبل شهادتهما ولكنّه من اللوث.
أمّا عدم قبول شهادتهما في الأوّل فلوجود التعارض، وأمّا في الثاني فلأجل اختلاف المشهود به، فقد شهد أحدهما بإقرار القاتل بالقتل، والآخر شهد بمشاهدته نفس القتل، فلم يردا على موضوع واحد.
إنّما الكلام في الفرق بين الموردين في عدم ثبوت اللوث في الأوّل وثبوته في الثاني.
أمّا الأوّل: فالظاهر من الشيخ في «المبسوط» أنّه من مقولة اللوث، فإنّه بعد ما ذكر أنّ شهادتهما لم تثبت على أمر واحد، قال: لكنّه يكون لوثاً لأنّ كلّ واحدٍ منهما يقوّي ما شهد به صاحبه، فإذا ثبت أنّه لوث كان له أن يحلف مع أيّهما شاء.[1]
وأمّا المحقّق فقد استشكل فيه وقال: «وفيه إشكال لتكاذبهما»[2].
وقد وافقه المصنّف في المتن، ويمكن أن يقال: إنّه لو قلنا بلزوم—)
[1]. المبسوط: ۷/ ۲۵۴.
[2]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۱۹.
(— وجود شاهد واحد بلا معارض في اللوث، صحّ ما ذكراه لوجود التعارض.
وأمّا لو قلنا بكفاية وجود الظن بالقتل فلا شكّ أنّ شهادتهما تورث الظن، وقد عرّف قدس سره اللوث بقوله: والمراد به أمارة ظنيّة قامت عند الحاكم على صدق المدّعي، كالشاهد الواحد أو الشاهدين مع عدم استجماع شرائط القبول؛ وكذا لو وجد متشحطاً بدمه وعنده ذو سلاح عليه الدم، أو وجد كذلك في دار قوم، أو في محلّة منفردة عن البلد لا يدخل فيها غير أهلها … الخ.
فإذا كان الملاك هو الأمارة الظنيّة فلا يبعد من حصول الظن بأنّ المشهود عليه هو القاتل، وإن اختلف الشاهدان في مكان القتل.
وأمّا الثاني: فلاشكّ أنّه من موارد اللوث لعدم التعارض بين شهادتي الشاهدين، إذ لا تنافي بين الشهادة على الإقرار بالقتل والشهادة على نفس القتل. ولذلك قال المحقّق: لو شهد أحدهما بالإقرار والآخر بالمشاهدة لم يثبت (القتل لاختلاف المشهود به) وكان لوثاً لعدم التكاذب (بل التعاضد)[1].
[1]. لاحظ: جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۱۳.
المسألة ۳. لو شهد أحد الشاهدين بالإقرار بالقتل مطلقاً وشهد الآخر بالإقرار عمداً، ثبت أصل القتل الذي اتّفقا عليه، فحينئذٍ يكلّف المدّعى عليه بالبيان، فإن أنكر أصل القتل لا يقبل منه، وإن أقرّ بالعمد قبل منه، وإن أنكر العمد وادّعاه الوليّ فالقول قول الجاني مع يمينه، وإن ادّعى الخطأ وأنكر الوليّ، قيل: يقبل قول الجاني بيمينه، وفيه إشكال، بل الظاهر أنّ القول قول الوليّ، ولو ادّعى الجاني الخطأ وادّعى الوليّ العمد، فالظاهر هو التداعي.^
^
إذا شهد أحد الشاهدين بالإقرار بأصل القتل دون وصفه من العمد والخطأ، وشهد الآخر بالإقرار بالقتل وبالوصف وأنّه قتله عمداً يثبت ما أجمعا عليه وهو القتل، لاتّفاقهما عليه من دون تكاذب، ولكن لا يثبت الوصف- أعني: العمد- لكون الشهادة عليه واحدة، فعندئذٍ يجب على القاضي أن يكلّف المدّعى عليه بالبيان، فعند ذلك تأتي الصور التالية:
۱. أنكر المدّعى عليه أصل القتل.
۲. أقرّ بالقتل والعمد.
۳. أنكر العمد وادّعاه الولي.
۴. ادّعى القتل خطأ وأنكر الولي.
۵. لو ادّعى الجاني الخطأ وادّعى الولي العمد.—)
(— وإليك دراسة أحكام الصور:
أمّا الصورة الأُولى: فلا يقبل منه، لما عرفت من اتّفاق الشاهدين على الإقرار بالقتل، وإن اختلفا في الوصف حيث وصفه أحدهما بالعمد، والآخر سكت عنه.
وأمّا الصورة الثانية: أي إذا أقرّ بالعمد قُبل منه؛ لأنّ الإقرار مرّة واحدة كافٍ في ثبوته فضلًا عن شهادة عادل واحد على العمد أيضاً.
وأمّا الصورة الثالثة: أي إذا ادّعى الولي العمد وأنكره المدّعى عليه، فلو أقام الولي البيّنة فهو، وإلّا فالقول قول المنكر مع يمينه.
وأمّا الصورة الرابعة: أعني إذا ادّعى المدّعى عليه الخطأ، وأنكره الوليّ، مثلًا بأن يقول: قتلتُه خطأ، وأنكره الولي، فهنا قولان:
۱. قول المحقّق، بتقديم قول الجاني مع يمينه حيث قال: فإن قال خطأ، وصدّقه الولي فلا بحث، وإلّا فالقول قول الجاني مع يمينه.[1]
ووجّهه في «الجواهر» بقوله: لأنّه من التفسير الّذي يرجع به إليه، ولأنّه كذي اليد على صفة فعله.[2]
۲. قول المصنّف وهو أنّه يقدّم قول الولي فيكون منكراً وله اليمين، ووجهه: أنّه لو كان الميزان مصبّ الدعوى فمن يدّعي الخطأ هو المدّعي ومن ينكره فهو المنكر، والمفروض أنّ المدّعى عليه يدّعي الخطأ والولي—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۱۹.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۱۳.
(— ينكره.
أقول: ما ذكره يصحّ إذا كان الميزان في تمييز المدّعي عن المنكر هو مصب الدعوى وظاهرها، وأمّا لو كان الميزان هو نتيجة الدعوى فلا شكّ أنّ الولي هو المدّعي لأنّه بانكاره الخطأ لا يريد إلّاأنّ القتلَ موصوف بالعمد، فيكون هو المدّعي، والمدّعى عليه هو المنكر.
وبعبارة أُخرى: ماذا يريد الولي من إنكار الخطأ مع أنّه لا يترتّب عليه أثر، بل يريد إثبات كون القتل عن عمد، ومن المعلوم أنّ حلفه على نفي الخطأ- لو افترضنا أنّه منكر- لا يثبت كون القتل عن عمد، فلا يصل الولي بإنكاره ويمينه إلى ما يتوخّاه إلّاإذا صرّح بما يدّعيه.
وعندئذٍ تدخل هذه الصورة في الصورة التالية، وعلى ما ذكرنا فالظاهر ما عليه المحقّق من تقديم قول الجاني.
الصورة الخامسة: وهوما إذا ادّعى الجاني الخطأ وادّعى الولي العمد، فيمكن أن يكون من قبيل التداعي، ونتيجته سقوط الدعويين، وبما أنّ أصل القتل ثابت، فكلّ مورد لم يمكن الحكم فيه بالقصاص تؤخذ فيه الدية.
ويحتمل إلحاقه بالصورة الرابعة إذا كان الميزان نتيجة الدعوى، فلاحظ.
المسألة ۴. لو شهد أحدهما بمشاهدة القتل عمداً والآخر بالقتل المطلق، وأنكر القاتل العمد وادّعاه الولي، كانت شهادة الواحد لوثاً، فإن أراد الولي إثبات دعواه فلابد من القسامة.^
^
لو شهد أحدهما بمشاهدة القتل عمداً، والآخر بالقتل المطلق، وأنكر القاتل العمد وادّعاه الولي، كانت شهادة الواحد لوثاً، ويثبت الولي دعواه بالقسامة إن شاء[1].
فإن قلت: ما الفرق بين هذه المسألة والمسألة رقم ۲، أعني: إذا اختلفا في الزمان والمكان أو الآلة، حيث إنّ الشيخ ذهب إلى القول باللوث واستشكل فيه المحقّق والمصنّف.
قلت: الفرق بينهما وجود التكاذب في المسألة السابقة حيث إنّ القتل غدوة، غير القتل عشيّة، فلم يكن هناك شاهد واحد على القتل؛ بخلاف المقام لعدم التكاذب بين الشاهدين ضرورة عدم تضمنّ شهادة الآخر الصفة، فكان كالشاهد الواحد ابتداءً من غير أن يشهد معه غيره، بخلاف ما إذا تضمّنت شهادة الآخر المناقضة.[2]
أقول: التفريق بين المسألتين مبني على أنّ اللوث يتوقّف على—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۱۹.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۱۴.
(— شهادة الواحد غير المعارض كما يظهر من الجواهر هنا وفي المسألة السابقة، ولكن لو قلنا بكفاية الظن بالقتل الحاصل من الشهادتين المتناقضتين، لا يبعد كلام الشيخ في «المبسوط» هنا وفي السابق.
ونظير المسألة السابقة في عدم ثبوت اللوث ما إذا ادّعى أحدهما أنّ القتل عن عمد والآخر أنّ القتل كان خطأ.
وعلى كلّ تقدير فلو كان الميزان وجود الشاهد الخالي عن المعارض لم يثبت اللوث، لا في المسألة السابقة، ولا فيما إذا اختلفا في العمد والخطأ، بل يثبت فيما إذا لم يكن بينهما تكاذب كما في الشهادة على القتل بالعمد والشهادة على مطلق القتل، كما في المقام؛ وأمّا لو كان الميزان وجود المظنّة بالقتل بالعمد، فالجميع من موارد اللوث.
المسألة ۵. لو شهد اثنان بأنّ القاتل زيد مثلًا، وآخران بأنّه عمرو دونه، قيل: يسقط القصاص، ووجب الدية عليهما نصفين لو كان القتل المشهود به عمداً أو شبيهاً به، وعلى عاقلتهما لو كان خطأ، وقيل: إنّ الولي مخيّر في تصديق أيّهما شاء، كما لو أقرّ اثنان كلّ واحد بقتله منفرداً، والوجه سقوط القود والدية جميعاً.^
^
إذا شهد اثنان على أنّ زيداً قتله، وشهد آخران على أنّ عمراً قتله، ففي المسألة أقوال:
الأوّل: لو كانت الشهادتان على العمد يسقط القصاص إذا كان المشهود به قتلًا عمديّاً ووجبت الدية عليهما نصفين فيما إذا كان المشهود به عمداً وشبه عمد، ولو كانت الشهادتان على الخطأ كانت الدية على عاقلتهما. وهذا هو خيرة المفيد والشيخ وجماعة أُخرى. ونسبه في الجواهر إلى القاضي والصهرشتي والطبرسي والعلّامة.[1]
قال المفيد- بعد عنوان المسألة-: بطل القود في هذا المكان وكان دية المقتول على النفسين اللّذين اختلف الشهود فيهما بالسوية.[2]
وقال الشيخ في «النهاية» بعد عنوان المسألة: بطل هاهنا القود إن—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۱۹.
[2]. المقنعة: ۷۳۷.
(— كان عمداً، وكانت الدية على المشهود عليهما نصفين. وإن كان القتلُ شبيه العمد فكمثل ذلك، وإن كان خطأ كانت الدية على عاقلتهما نصفين.[1]
ووجهه: أنّ البيّنتين لا يمكن العمل بهما لاستلزامه قتل نفسين ولا يمكن تركهما للعلم بمطابقة إحداهما للواقع، ولاستلزامه بطلان دم مسلم، ولا العمل بإحداهما دون الأُخرى لكونه ترجيحاً بلا مرجّح. وأمّا ثبوت الدية عليهما فلكي لا يبطل دم امرئ مسلم.
وبعبارة أُخرى: أنّ القصاص يسقط لعدم معلومية مورده بعد تعارض البيّنتين فيه، فلا يمكن التهجّم عليه بقتل واحد منهما فضلًا عن قتلهما. وأمّا ثبوت الدية في الصور الثلاث: إذا كان المشهود به قتلًا عمدياً أو شبه عمد أو خطأ فلعدم بطلان دم المسلم وتساويهما في قيام البيّنة على كلّ منهما.[2]
ثم إنّ شهادتهما قبل طلب القاضي مبنيّة على أحد الأُمور الثلاثة:
۱. جواز التبرّع بالشهادة في الدماء، ولو لم يكن هناك طلب من القاضي.
۲. أن يكون للمدّعي وكيلان فادّعى كلّ منهما.
۳. أو أنّ للمدّعى عليه براءة نفسه بإقامة البيّنة على أنّ القاتل غيره.
ولكن الظاهر عدم تمامية هذا القول لوجود العلم الإجمالي بكذب إحدى البيّنتين، فمع ذلك كيف يمكن الغمض عن القصاص والأخذ بالدية، فإنّ البيّنتين كما يتكاذبان في مورد القصاص يتكاذبان في الدية،—)
[1]. النهاية: ۷۴۲- ۷۴۳.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۱۹.
(— فإحداهما تكلّف زيداً بإعطاء الدية، والأُخرى تكلّف عمراً به، فالتنصيف مخالفة تفصيلية لهذا العلم، وعدم بطلان دم المسلم لا يقتضي كونهما عليهما، بل يمكن أن تكون على بيت المال.
القول الثاني: وهو ما احتمله المحقّق وقال: ويحتمل وجه آخر وهو تخيّر الولي في تصديق أيهما شاء كما لو أقرّ اثنان بقتله منفرداً، ومع ذلك فقد قال المحقّق: إنّ القول الأوّل أولى.
وقد استدلّ على هذا القول بوجوه ضعيفة احتجّ بها ابن إدريس، وهي:
۱. قوله تعالى: «فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا» ونفي القتل عنهما (المشهود عليهما) ينافي إثبات السلطان.
۲. أنّ البيّنة ناهضة على كلّ منهما بوجوب القود، فلا وجه لسقوطه.
۳. إنّا أجمعنا على أنّه لو شهد اثنان على واحد بأنّه القاتل فأقرّ آخر بأنّه القاتل يتخيّر الولي في التصديق والإقرار.[1] فالشهادة الثانية بمنزلة إقرار فرد على أنّه القاتل.
وما ذكره من الوجوه ضعيف.
أمّا الأوّل فلأنّ الولي له السلطان إذا عرف القاتل، لا مطلقاً بأن يتردّد بين شخصين.
وأمّا الثاني فلأنّ البيّنة لا تنهض مع المعارض، والمفروض أنّ—)
[1]. السرائر: ۳/ ۳۴۱- ۳۴۲.
(— البيّنتين متعارضتان.
وأمّا الثالث فإنّ قياس تعارض البيّنتين بتعارض البيّنة والإقرار، أمر لا نقول به، فلا يمكن استكشاف حكم المقام من تلك المسألة.
القول الثالث: وهو ما يظهر من المحقّق في «نكت النهاية»، وحاصله: أنّ الأولياء إمّا أن يدّعوا القتل على أحدهما، أو يقولوا: لا نعلم؛ فإن ادّعوه على أحدهما قتلوه، لقيام البيّنة على الدعوى. وتهدر البيّنة الأُخرى فلا يكون لهم على الآخر سبيل.
وإن قالوا: لا نعلم، فالبيّنتان متعارضتان على الانفراد[1]، لا على مجرد القتل فيثبت القتل من أحدهما ولا يتعيّن، والقصاص يتوقّف على تعيين القاتل، فيسقط وتجب الدية؛ لأنّه ليس نسبة القتل إلى أحدهما أولى من نسبته إلى الآخر.[2]
يلاحظ عليه: بأنّه ليس قولًا ثالثاً بل تفصيلًا للقول الأوّل، فخصّوا القول الأوّل بما إذا لم يكن للأولياء ادّعاء خاص بالنسبة إلى أحد المتهمين، وفي غير هذا المورد، قالوا بأنّه يجوز للولي قتل من ادّعوا عليه القتل وقامت عليه البيّنة.
ومع ذلك كلّه ففيه إشكال، لأنّ تجويز القتل يكون بيد القاضي فكيف يحكم بقتل ما ادّعاه الأولياء مع كون البيّنة معارضةً بالبيّنة الأُخرى؟ حتّى لو افترضنا أنّ القائم بالقصاص نفس الأولياء مع قطع النظر عن القاضي فليس—)
[1]. متعارضتان في تعيين القاتل لا في أصل القتل.
[2]. نكت النهاية: ۳/ ۳۷۴- ۳۷۵.
(— لهم بأن يأخذوا بالبيّنة المعارضة.
القول الرابع: ما اختاره المصنّف من سقوط القود والدية جميعاً، ووجهه أنّ التعارض كما يوجب سقوط البيّنتين عن الحجّية في المعنى المطابقي فهكذا يوجب سقوطهما عن الحجّية في المعنى الالتزامي.
فإن القتل عن عمد هو المعنى المطابقي للبيّنتين فيسقطان وأمّا القصاص فهو معنى التزامي لهما، فإذا تعارضتا تسقطان عن الحجّية في كلا المعنيين:
القتل والقصاص، ونظيره: إذا شهدتا على القتل عن خطأ، فهذا هو المعنى المطابقي الّذي تعارضت فيه البيّنتان. وأمّا الدية فهو لازم المعنى، وقد ثبت في محلّه أنّ لازم التعارض سقوط الأمارة عن الحجّية في كلا الحقلين: المطابقي والالتزامي.
والأولى أن يقال: إنّ للقاضي أن يؤخّر القضاء حتى يتمكّن- على ضوء جمع القرائن والشواهد- من تعيين القاتل، ولو لم يتمكّن فالدية على بيت المال لئلّا يبطل دم مسلم. واللَّه العالم.
المسألة ۶. لو شهدا بأنّه قتل عمداً فأقرّ آخر أنّه هو القاتل وأنّ المشهود عليه بريء من قتله، ففي رواية صحيحة معمول بها: إن أراد أولياء المقتول أن يقتلوا الذي أقرّ على نفسه فليقتلوه، ولا سبيل لهم على الآخر، ثم لا سبيل لورثة الذي أقرّ على نفسه على ورثة الذي شهد عليه.
وإن أرادوا أن يقتلوا الذي شهد عليه فليقتلوه، ولا سبيل لهم على الذي أقرّ، ثم ليؤدّ الذي أقرّ على نفسه إلى أولياء الذي شهد عليه نصف الدية، وإن أرادوا أن يقتلوهما جميعاً ذاك لهم، وعليهم أن يدفعوا إلى أولياء الذي شهد عليه نصف الدية خاصاً- دون صاحبه- ثم يقتلوهما، وإن أرادوا أن يأخذوا الدية فهي بينهما نصفان. والمسألة مشكلة جداً يجب الاحتياط فيها وعدم التهجّم على قتلهما.^
^
لو شهدا أنّه قتل زيداً عمداً فأقرّ آخر أنّه هو القاتل، وبرّأ المشهود عليه، فقد ذهب جماعة إلى الأحكام التالية:
۱. للولي قتل المقرّ، ولا ردّ لإقراره بالانفراد.
۲. للولي قتل المشهود عليه ويردّ المقرّ نصف ديته إلى أولياء المشهود عليه.
۳. للولي قتلهما بعد أن يردّ الوليّ على المشهود عليه نصف ديته دون المقرّ.—)
(— ۴. ولو أراد الولي الدية كانت عليهما نصفين.
هذا وقد أفتى بما ذكرنا الشيخان والحلبي والقاضي والكيدري ويحيى بن سعيد وابن حمزة وابن زهرة، بل ادّعى في الرياض أنّ عبائرهم غير صريحة في المخالفة عدا الحلّي وفخر الدين.[1]
وقد استندوا في ذلك إلى صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن رجل قتل فحمل إلى الوالي وجاءه قوم فشهد عليه الشهود أنّه قتل عمداً، فدفع الوالي القاتل إلى أولياء المقتول ليقاد به، فلم يريموا[2] حتى أتاهم رجل فأقرّ عند الوالي أنّه قتل صاحبهم عمداً، وأنّ هذا الرجل الذي شهد عليه الشهود بريء من قتل صاحبه، فلا تقتلوه به وخذوني بدمه.
قال: فقال أبو جعفر عليه السلام:
أ. «إن أراد أولياء المقتول أن يقتلوا الذي أقرّ على نفسه فليقتلوه، ولا سبيل لهم على الآخر، ولا سبيل لورثة الذي أقرّ على نفسه على ورثة[3] الذي شُهد عليه».
ب. وإن أرادوا أن يقتلوا الذي شهد عليه فليقتلوه، ولا سبيل لهم على الذي أقرّ. ثم ليؤدّ الدية الذي أقرّ على نفسه إلى أولياء الذي شُهد عليه،—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۲۳.
[2]. فلم يبرحوا وما زالوا.
[3]. الصحيح أن يقال:« على الذي شهد عليه» لأنّ المفروض قتل المقرّ لا المشهود عليه، كما سيوافيكفي الشرح.
(— نصف الدية».
ج. قلت: أرأيت إن أرادوا أن يقتلوهما جميعاً؟
قال: «ذاك لهم، وعليهم أن يدفعوا إلى أولياء الذي شُهد عليه نصف الدية خاصّة دون صاحبه، ثم يقتلونهما به».
د. قلت: إن أرادوا أن يأخذوا الدية؟
قال: فقال: «الدية بينهما نصفان، لأنّ أحدهما أقرّ والآخر شُهد عليه».
ه. قلت: كيف جعلت لأولياء الذي شُهد عليه، على الذي أقرّ، نصف الدية حيث قتل (غير المقرّ)، ولم تجعل لأولياء الذي أقرّ، على أولياء الذي شُهد عليه، ولم يُقرّ؟
قال: «لأنّ الذي شُهد عليه ليس مثل الذي أقرّ، الذي شُهد عليه لم يقرّ ولم يبرّئ صاحبه، والآخر أقرّ وبرّأ صاحبه، فلزم الذي أقرّ وبرّأ صاحبه ما لم يلزم الذي شُهد عليه ولم يقر ولم يبرّئ صاحبه».[1]
والرواية مع صحّة سندها لم يعمل بها ابن إدريس تبعاً لقاعدة عدم حجيّة خبر الآحاد.
فلنذكر أُموراً لحلّ المسألة:
۱. الفرق بين هذه المسألة والمسألة الخامسة هو أنّ التعارض كان هناك بين البيّنتين بخلاف المقام، فإنّ التعارض هنا بين البيّنة والإقرار.—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۵ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۱.
(— ۲. أنّ المفروض في قوله (الفقرة الأُولى): «إن أراد أولياء المقتول أنْ يقتلوا الذي أقرّ على نفسه» هو قتل المقرّ مع حفظ المشهود عليه، وعندئذٍ لا ينسجم مع قوله: «ثم لا سبيل لورثة الذي أقرّ على نفسه على ورثة الذي شُهد عليه» والصحيح أن يقال: على الذي شهد عليه.
ويدلّ على ذلك قول السائل في الفقرة الخامسة التي وردت عند قتل المشهود عليه دون المقرّ. وإليك النصّ:
قلت: كيف جعل لأولياء الّذي شُهد عليه «على الّذي أقرّ»، ولم يقل: على ورثة الّذي أقرّ.
وبه يظهر أنّ الصحيح في ذيل تلك الفقرة «على الّذي شُهد عليه»، لا «على أولياء الذي شُهد عليه»، فلاحظ.
۳. أنّ قوله عندما سأل السائل عن قتل كليهما-: «ذاك لهم، وعليهم أن يدفعوا إلى أولياء الّذي شُهد عليه نصف الدية خاصّة دون صاحبه ثم يقتلونهما به».
والمفروض: أداء الدية قبل قتلهما بشهادة قوله: «ثم يقتلونهما به» وعندئذٍ يُدفع فاضل الدية إلى نفس المشهود عليه لا إلى ورثته. مع أنّه قال: أن يدفعوا الدية إلى أولياء الّذي شُهد عليه، نصف الدية.
۴. أنّ مورد الرواية في قتل كليهما لا يخلو في بدء النظر عن صور أربع:
أ. علم الأولياء بكذب المقرّ، أو بكذب البيّنة، أو كذب كليهما.—)
(— ب. ما إذا عُلم اشتراكهما في القتل.
ج. ما إذا عُلم إجمالًا عدم الاشتراك.
د. ما إذا لم يتبيّن الاشتراك ولا عدمه.
أمّا الصورة الأُولى فهي خارجة عن منصرف الرواية الصحيحة، إذ كيف يجوز قتل من علمت براءته عن القتل إجمالًا كما في العلم بكذب أحدهما، فكيف إذا علم كذب كليهما، وإقرار العقلاء إنّما يؤخذ إذا لم يُعلم كذبه.
وأمّا الصورة الثانية– أي إذا عُلم العلم بالاشتراك- فالظاهر خروجها عن مورد السؤال أيضاً، لأنّ حكمها معلوم داخل فيما إذا اشترك جماعة في قتل شخص.
وقد مرّ حكمه في فصل القول بالموجب المسألة ۴۴، وقال المصنّف هناك: لو اشترك اثنان فما زاد في قتل واحد اقتُص منهم إذا أراد الولي، فيردّ عليهم ما فضل من دية المقتول … الخ.
وبعبارة أُخرى: لمّا كان حكم المشاركة في القتل واضحاً، صار ذلك سبباً لانصراف الرواية عنه، على أنّ بعض الفقرات لا يناسب العلم بالمشاركة.
وأمّا الصورة الثالثة– أعني: العلم بعدم المشاركة- فهي أيضاً خارجة عن مصبّ الرواية لقضاء الفطرة على أنّ قتل شخص مع العلم بعدم المشاركة أمر يعد تهجّماً على الدماء ولا يرضى به صاحب الفطرة السليمة، وعندئذٍ—)
(— كيف أجاز الإمام قتلهما، لكن مع رد نصف الدية كما في الشق الثاني.
ويظهر من المحقّق أنّه حمل الرواية على صورة العلم بعدم الاشتراك، ولذلك أشكل على الرواية بقوله: وفي قتلهما إشكال لانتفاء الشركة.[1]
وقد سبقه ابن إدريس وقال: لي في قتلهما جميعاً نظر؛ لعدم شهادة الشهود وإقرار المقرّ بالشركة. ثم قال: لو شهدت البيّنة بالاشتراك وأقرّ الآخر به، جاز قتلهما ويرد عليهما معاً دية.[2]
ولا يخفى أنّه لو قامت البيّنة على الاشتراك يدخل المورد في الصورة الثانية ويرتفع الإشكال. لكن الكلام في عدم دلالة البيّنة عليه.
وأمّا الصورة الرابعة– أعني: حمل الرواية على صورة عدم تبيّن الاشتراك ولا عدمه- ففيها: أنّه مع عدم العلم بالمشاركة كيف يجوز قتلهما، كما في الرواية مع أنّ قتلهما رهن ثبوت المشاركة؟
^^^
ثم إنّ السيد الخوئي قدس سره حاول حمل الرواية على صورة عدم تبيّن الحال، ولكنّه أثبت أنّ مقتضى الجمع بين أخذ البيّنة وإقرار المقرّ هو ثبوت المشاركة، وبذلك سهل الحكم بقتلهما.
وأمّا كيفية استفادة المشاركة فقد ذكره بالبيان التالي- مع إيضاح منّا-:
إنّ البيّنة تدلّ بالدلالة المطابقية على صدور القتل من المشهود—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۱.
[2]. السرائر: ۳/ ۳۴۲.
(— عليه، وبالدلالة الالتزامية على نفي اشتراك غيره فيه، لكن الدلالة الالتزامية تسقط من جهة إقرار الآخر بالقتل.
فإن قلت: إنّ إقرار المقرّ- أيضاً- يدلّ بالدلالة المطابقية على صدور القتل من المقرّ، وبالدلالة الالتزامية على نفي الاشتراك من غيره.
قلت: إقرار المقرّ حجّة بالإضافة إلى ما عليه من الآثار، وأمّا بالإضافة إلى نفي القتل عن غيره فلا يكون حجّة، إذ ليس إقراراً على النفس، بل إقراراً لصالح الغير فالنتيجة من ضمّ البيّنة إلى الإقرار هي أنّهما معاً قاتلان على نحو الاشتراك فيجري عليهما حكم الاشتراك في القتل، غير أنّ ولي المقتول إذا اقتصّ من المقرّ فليس لورثته أخذ نصف الدية من المشهود عليه، وذلك لأجل أخذ المقرّ بإقراره. ثم طبّق الصحيحة على هذا الفرع[1].
وعلى ما ذكره تدخل الرواية في صورة العلم بالمشاركة تعبّداً.
يلاحظ عليه: أنّه قدّم الدلالة المطابقية للبيّنة على الدلالة الالتزامية في المقرّ حيث إنّ مقتضى الأولى كون المشهود عليه مصدراً للقتل، ومقتضى الثانية عدم كونه مصدراً، فقدّم المطابقية في البيّنة على الالتزامية في الإقرار، ولكنّ الظاهر من ذيل الرواية هو العكس، وذلك لأنّه عندما سأل الراوي عما هو الفرق من أنّه إذا قتل المشهود عليه يردّ المقرّ نصف الدية إلى ورثة المقتول دون العكس، فلو قُتل المقرّ لا يؤدّي المشهود عليه شيئاً إلى ورثة المقرّ، فأجاب الإمام عليه السلام بقوله: ۲
[1]. مباني تكملة المنهاج: ۲/ ۱۰.
(— «إنّ الّذي شُهد عليه ليس مثل الّذي أقرّ، الّذي شُهد عليه لم يقرّ ولم يبرئ صاحبه، والآخر أقرّ وبرّأ صاحبه فلزم الّذي أقرّ وبرأ ما لم يلزم الّذي شُهد عليه ولم يبرّئ صاحبه».
فإنّ معنى ذلك أنّ الدلالة الالتزامية للمقرّ بعدم مشاركة غيره باق على قوّته لا يسقط عن الاعتبار، وكفى في ترتّب الأثر عليه حصر القتل في المقرّ وبالتالي تبرئة الغير.
وبذلك عُلم أنّ تجويز قتلهما فرع ثبوت الاشتراك، وإلّا فيكون مخالفاً للضوابط، والمفروض أنّه لم يثبت الاشتراك.
وحصيلة الكلام: أنّ تجويز قتل كلّ واحد وحده ممّا لا إشكال فيه لأحدٍ لحجّية البيّنة في مفادها والإقرار في مفاده، إنّما الاشكال في تجويز قتلهما مع عدم ثبوت الاشتراك.
كلّ ذلك صار سبباً لما ذكره في المتن من الاحتياط وقال: والمسألة مشكلة جدّاً يجب الاحتياط فيها، وعدم التهجّم على قتلهما.
ويمكن حمل الرواية على صورة تبيّن الحال، لكن بصور مختلفة حسب ادّعاء الأولياء وأنّ لكلّ شقّ من الرواية صورة خاصّة:
۱. فإن ادّعوا أنّ القاتل هو المشهود عليه فيقتل هو ليس لهم التعرّض للمقرّ.
۲. ولو ادّعوا أنّ القاتل هو المقرّ فيقتل وليس للأولياء التعرّض—)
(— للمشهود عليه.
۳. فإن ادّعوا الاشتراك فيقتلان مع ردّ فاضل الدية.
۴. وإن حصل التوافق بينهم وبين المتّهمين على الدية فتؤخذ منهما بالمناصفة.
وعلى هذه الفروض تكون الرواية موافقة للقاعدة ويتّحد موردها مع ما يأتي في المسألة السابعة.
هذا كله على القول بالأخذ بالرواية، وأمّا حكم العقلاء عند عدم تبيّن الحال، فالظاهر أنّهم يأخذون بإقرار المقرّ ويتركون ما شهدت عليه البيّنة، لأنّ المقرّ يشهد على فعله، والبيّنة تشهد على فعل الغير، والأوّل أقرب إلى القبول.
فإن قلنا بذلك فهو، وإلّا فغاية ما يمكن أن يقال: هو أخذ الدية منهما، لئلا يبطل دم امرئ مسلم.
المسألة ۷. لو فرض في المسألة المتقدّمة، أنّ أولياء الميّت ادّعوا على أحدهما دون الآخر، سقط الآخر، فإن ادّعوا على المشهود عليه سقط إقرار المقرّ، وإن ادّعوا على المقرّ سقطت البيّنة.^
^
قد سبق الكلام فيما ذكر في المسألة الخامسة، أعني: إذا ما شهد اثنان على كون زيد قاتلًا، وآخران على كون عمرو قاتلًا، فقد مرّ هناك أنّ المحقّق ذكر في «نكت النهاية» أنّ الأولياء لو كانوا ادّعوا القتل على أحدهما يتعيّن هو للقتل.
وفي المقام أيضاً إذا ادّعى الأولياء أنّ القاتل هو المشهود عليه، فليس لهم التعرّض للمقرّ، ولو ادّعوا أنّ القاتل هو المقرّ سقطت البيّنة، لوضوح أنّه إذا لم يكن للأولياء أي ادّعاء على الآخر، لم يكن لهم التعرّض له، وإن قامت البيّنة أو ادّعى المقرّ.
وبذلك يظهر أنّ مورد الرواية غير هذه الصورة، بل لم يكن لأولياء الدم إدّعاء لخصوص واحد منهما.
والبحث فيها في مقاصد:
والمراد به أمارة ظنّية قامت عند الحاكم على صدق المدّعي، كالشاهد الواحد أو الشاهدين مع عدم استجماع شرائط القبول، وكذا لو وجد متشحّطاً بدمه وعنده ذو سلاح عليه الدم، أو وجد كذلك في دار قوم أو في محلّة منفردة عن البلد، لا يدخل فيها غير أهلها، أو في صفّ قتال مقابل الخصم بعد المراماة. وبالجملة: كلّ أمارة ظنّية عند الحاكم توجب اللوث، من غير فرق بين الأسباب المفيدة للظنّ، فيحصل اللوث بإخبار الصبيّ المميّز المعتمد عليه، والفاسق الموثوق به في إخباره والكافر كذلك، والمرأة ونحوهم.^
^
القسامة في اصطلاح الفقهاء اسم للأولياء الذين يحلفون على دعوى الدم، ولغة اسم للأيمان، قال الجوهري في «الصحاح»: القسامة هي الأيمان تقسم على الأولياء في الدم، فهي اسم مصدر أُقيم مقام المصدر، يقال: أقسم إقساماً وقَسامة، كما يقال: أكرم إكراماً وكرامة، ولا اختصاص لها بأيمان الدماء لغة، لكن الفقهاء خصّوها بها.—)
(— وأمّا اللوث في اللغة من التلوث وهو التلطّخ، يقال: لوّث ثيابه بالطين: لطّخها به أو من اللوث بمعنى الالتباس. فإطلاق اللوث في المقام لأجل وجود التلطّخ في البين، أو لالتباس الحق بالباطل واشتباه القاتل بغيره.[1]
وفي الاصطلاح: اللوث: أمارة يغلب معها الظن بصدق المدّعي كالشاهد ولو واحداً، وكما لو وجد متشحّطاً بدمه، وعنده ذو سلاح عليه الدم، أو في دار قوم، أو في محلّة منفردة عن البلد لا يدخلها غير أهلها، أو في صف مقابل للخصم بعد المراماة، هذا والميزان وجود أمارة يغلب معها الظن بصدق مدّعي القتل، سواء أكانت الأمارات ما ذُكر أو ما فسّره المصنّف، وأضاف وقال: كلّ أمارة ظنية عند الحاكم توجب اللوث.
وصورته: أن يوجد قتيل في موضع لا يعرف من قتله ولا تقوم عليه بيّنة، ويدّعي الولي على واحد أو جماعة، ويقترن بالواقعة ما يشعر بصدق الولي في دعواه ويقال له: اللوث، فيحلف على ما يدّعيه ويحكم بما سيذكر.[2]
وهل يحصل اللوث بإخبار الفاسق والكافر والمرأة ونحوهم؟ قال المحقّق: ولا يثبت اللوث في شهادة الصبي ولا الفاسق ولا الكافر ولو كان مأموناً في نحلته.[3] خلافاً للشهيد الثاني في «المسالك»[4]،—)
[1]. مجمع البحرين: مادة« لوث».
[2]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۱۹۸.
[3]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۲.
[4]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۰۰.
(— ولصاحب الجواهر[1] والمصنّف في المتن، والظاهر أنّ الأخير هو الأقوى؛ لأنّ الميزان وجود الظن بصدق المدّعي، فلو أفاد قولهم الظن تقبل، ولذلك قيّد المصنّف في المتن كون الفاسق موثوقاً به في أخباره وكذلك الكافر.
ثمّ إنّه يعتبر في القسامة اللوث وهو كما مرّ أمارة يغلب معها الظن بصدق المدّعي.
ويدلّ على اعتباره ما هو الأصل في القسامة وهو قصة حويصة وعبد الرحمن بن سهل أخو المقتول مع أهل خيبر، وقد كان بين الأنصار والخيبريين عداء سافر، كما سيوافيك بيانه. وقد قال الطريحي في مجمع البحرين: إنّ القسامة تثبت مع اللوث.[2]
ولم ينقل «الخلاف» إلّامن الكوفي، ولم يُعرف.
نعم يظهر من الأردبيلي أنّه لا دليل عليه إلّاالإجماع، قال: ثمّ اعلم أنّ هذه الأخبار خالية من اعتبار اللوث لفظاً، يعني لم يوجد للقسامة شرط اللوث. نعم في بعضها وجد القتيل في قبيلة وقرية كذا، ونحو ذلك، وليس ذلك بواضح ولا صريح في اشتراطه، إلى أن قال: وكأنّ لهم على ذلك إجماعاً أو نصّاً ما اطّلعت عليه، فتأمل.[3]
ولكن مَن أمعن النظر في الروايات الواردة عن الفريقين وغيرها—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۳۸.
[2]. مجمع البحرين، مادة« لوث».
[3]. مجمع الفائدة: ۱۴/ ۱۸۲- ۱۸۳.
(— في الأُمور الّتي ستمرّ عليك، يذعن بأنّ القسامة فرع وجود اللوث والاتّهام.
روى مسلم في صحيحه قال: إنّ عبد اللَّه بن سهل ومحيّصة بن مسعود (رضي اللَّه عنهما) خرجا إلى خيبر من جهدٍ أصابهم، فأتى محيصة فأخبر أنّ عبداللَّه بن سهل قد قتل وطرح في عين أو فقير، فأتى يهود فقال: أنتم واللَّه قتلتموه، قالوا:
واللَّه ما قتلناه.
ثم أقبل حيت قدم على قومه فذكر لهم ذلك. ثم أقبل هو وأخوه حويصة- وهو أكبر منه- وعبد الرحمن بن سهل، فذهب محيصة ليتكلم وهو الذي كان بخيبر، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم لمحيصة: كبر كبر (يريد السن) فتكلّم حويصة ثم تكلّم محيصة، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «إمّا أن يدوا صاحبكم، وإمّا أن يؤذنوا بحرب».
فكتب رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم إليهم في ذلك، فكتبوا: إنّا واللَّه ما قتلناه.
فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم لحويصة ومحيصة وعبدالرحمن: أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم.
قالوا: لا.
قال: فتحلف لكم يهود. قالوا: ليسوا بمسلمين.
فوداه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم من عنده، فبعث إليهم رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم مائة ناقة حتّى أُدخلت عليهم الدار، فقال سهل: فلقد ركضتني منها ناقة حمراء.[1]—)
[1]. صحيح مسلم: ۵/ ۱۰۰- ۱۰۱، باب القسامة.
(— وما في الحديث من أنّ النبي صلى الله عليه و آله وداه بمائة ناقة لأجل أنّ ولي الدم لم يحلف ولم يقبل حلف المدّعى عليه، فختمت الدعوى. ولكن بما أنّ دم المسلم لا يبطل وداه النبي صلى الله عليه و آله و سلم بما ذُكر، وإلّا فلا تصل النوبة إلى دفع الدية من بيت المال.
وفي رواية أُخرى: «يقسم خمسون منكم على رجل منهم، فيدفع برمّته».[1]
هذا ما روته العامّة، وأمّا من طرقنا فنأتي بقسم منه:
۱. روى بريد بن معاوية عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: سألته عن القسامة؟
فقال: «الحقوق كلّها: البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه، إلّافي الدم خاصّة، فإنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله بينما هو بخيبر إذ فقدت الأنصار رجلًا منهم فوجدوه قتيلًا، فقالت الأنصار: إنّ فلاناً اليهودي قتل صاحبنا، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله للطالبين: أقيموا رجلين عدلين من غيركم أقيده برمّته، فإن لم تجدوا شاهدين، فأقيموا قسامة خمسين رجلًا أقيده برمّته، فقالوا: يا رسول اللَّه ما عندنا شاهدان من غيرنا وإنّا لنكره أن نقسم على ما لم نره، فوداه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله[2]، وقال: إنّما حقن دماء المسلمين بالقسامة لكي إذا رأى الفاجر الفاسق فرصة من عدوِّه حجزه مخافة القسامة أن يقتل به فكفّ عن قتله، وإلّا حلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلًا ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا، وإلّا أُغرموا—)
[1]. صحيح مسلم: ۵/ ۹۹، باب القسامة.
[2]. وجه دفع الدية من بيت المال، لأجل أنّ المدّعي لم يحلف ولم يقبل حلف المدّعى عليه، فوداهرسول اللَّه بما ذكر ختاماً للدعوى.
(— الدية إذا وجدوا قتيلًا بين أظهرهم إذا لم يقسم المدّعون».[1]
۲. روى عبداللَّه بن سنان قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن القسامة، هل جرت فيها سُنّة؟ فقال: «نعم، خرج رجلان من الأنصار يصيبان من الثمار فتفرّقا، فوجد أحدهما ميّتاً، فقال أصحابه لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: إنّما قتل صاحبنا اليهود، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: يحلف اليهود، قالوا: يا رسول اللَّه كيف يحلف اليهود على أخينا [وهم] قوم كفّار؟ قال: فاحلفوا أنتم، قالوا: كيف نحلف على ما لم نعلم ولم نشهد؟ فوداه النبي صلى الله عليه و آله و سلم من عنده».
قال: قلت: كيف كانت القسامة؟ قال: فقال: أما إنّها حق، ولولا ذلك لقتل الناس بعضهم بعضاً، وإنّما القسامة حوط يحاط به الناس»[2].
۳. ما رواه زرارة قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن القسامة فقال: «هي حق، إنّ رجلًا من الأنصار وُجد قتيلًا في قليب من قلب اليهود، فأتوا رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم فقالوا: يا رسول اللَّه إنّا وجدنا رجلًا منّا قتيلًا في قليب من قلب اليهود، فقال:
ائتوني بشاهدين من غيركم، قالوا: يا رسول اللَّه ما لنا شاهدان من غيرنا، فقال لهم رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: فليقسم خمسون رجلًا منكم على رجل ندفعه إليكم، قالوا: يا رسول اللَّه كيف نقسم على ما لم نر؟ قال: فيقسم اليهود، قالوا: يا رسول اللَّه كيف نرضى باليهود وما فيهم من الشرك أعظم، فوداه رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم»، قال زرارة: قال أبو عبداللَّه عليه السلام: «إنّما جعلت القسامة احتياطاً لدماء الناس كيما إذا—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۳.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۰ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۱.
(— أراد الفاسق أن يقتل رجلًا أو يغتال رجلًا حيث لا يراه أحد خاف ذلك، فامتنع من القتل».[1]
وقد ذكرت هذه الحادثة في غير واحدة من الروايات، فمن أراد التفصيل فليرجع إلى الوسائل.
بقيت هنا أُمور:
يظهر من مجموع ما روي في شأن الحادثة أنّ التشريع إسلامي، ولم يكن له أثر في الشرائع السابقة ولا الأُمم الماضية، وإنّما شرّعه سبحانه وبيّنه لنبيّه في الشريعة الخاتمة.
وأمّا الحكمة فقد أُشير إليها في رواية الحلبي عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
سألته عن القسامة كيف كانت؟
فقال: «هي حق وهي مكتوبة عندنا، ولولا ذلك لقتل الناس بعضهم بعضاً ثم لم يكن شيء، وإنّما القسامة نجاة للناس»[2].
وروى زرارة عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إنّما جعلت القسامة احتياطاً للناس لكيما إذا أراد الفاسق أن يقتل رجلًا أو يغتال رجلًا حيث لا يراه أحد خاف ذلك فامتنع من القتل»[3].—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۰ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۳.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۲.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹، من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۱.
(—
إنّما يعتدّ بالأيمان إذا كانت هناك أمارة ظنية بالقتل عند الحاكم، ولولا ذلك فلا يعتدّ بالأيمان وإن بلغت ما بلغت، ويمكن استظهار ذلك من الأُمور التالية:
۱. اتّفاق الروايات الناقلة لشأن تشريع القسامة على وجود العداء السافر بين يهود خيبر والمسلمين، وصار ذلك أمارة ظنّية على اتّهامهم بالقتل خصوصاً مع وجود المقتول في قليب من قُلبهم.
فإن قلت: لا شكّ أنّ مورد الرواية هو اللوث، لكن المورد لا يكون مخصّصاً.
قلت: ما ذكرته صحيح على الوجه الكلّي إلّاأنّ تضافر الروايات الناقلة لشأن التشريع على وجود اللوث بين المدّعي والمدّعى عليه، يكشف عن كونه السبب لتشريع القسامة، وإعطاء الاعتبار ليمين المدّعي.
۲. أنّ الاحتجاج بالقسامة على خلاف القاعدة وقد أُشير إليه في رواية بريد بن معاوية عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: سألته عن القسامة؟ فقال: «الحقوق كلّها: البيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه، إلّافي الدم خاصّة»[1].
فالرواية تدلّ على أنّ اليمين في المقام على المدّعي، على خلاف الأصل، فوجه اعتبارها- مع كونها على خلاف الأصل- هو أنّ فيها نجاة—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۳.
(— الناس كما مرّ، ففي ذلك يقتصر على القدر المتيقّن وهو وجود اللوث في البين.
۳. أنّ القول باعتبار القسامة من دون اللوث ربما يكون سبباً لقتل البريء إذا جاء الفاسق بالأيمان على ما يدّعيه، وعندئذٍ يكون الاعتبار بها على طرف النقيض من حكمة تشريعها.
۴. أنّ الفرق بين القسامة والبيّنة والإقرار هو اعتبار الأخيرين مطلقاً، سواء كانت قرينة ظنّية أو لا، بخلاف القسامة فيعتبر فيها القرينة الظنّية على القتل.
وأخيراً أنّ الادّعاء على شخص مجرداً عن أي قرينة ظنيّة لا يُسمع عند العقلاء، فكيف يعتدّ به الشرع ويعتدّ بأيمانه.
يظهر من رواية بريد بن معاوية- الّتي مرّت عند نقل شأن التشريع- أنّه إذا «حلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلًا ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا، وإلّا أُغرموا الدية إذا وجدوا قتيلًا بين أظهرهم، إذا لم يقسم المدّعون»[1]، أن المدّعى عليه إذا حلف يحكم عليه بالبراءة من الدية؛ ولكن الظاهر من بعض الروايات خلافه، وأن المدّعى عليهم إذا حلفوا خمسين قسامة حُكم عليهم بدفع الدية؛ ففي رواية أبي بصير، قال: «فإن على الذين ادّعي عليهم أن—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۱.
(— يحلف منهم خمسون ما قتلنا ولا علمنا له قاتلًا، فإن فعلوا أدّى أهل القرية الذين وجد فيهم، وإن كان بأرض فلاة أدّيت ديته من بيت المال، فإنَّ أمير المؤمنين عليه السلام كان يقول: لا يبطل دم امرئ مسلم»[1].
ونظيره رواية مسعدة بن زياد، فقد جاء فيها قوله: «حلّف المتهمين بالقتل خمسين يميناً باللَّه ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا، ثم يؤدّى الدية إلى أولياء القتيل ذلك إذا قتل في حيٍّ واحد، فأمّا إذا قتل في عسكر أو سوق مدينة، فديته تدفع إلى أوليائه من بيت المال»[2].
فإنّ المتبادر من الروايتين وجوب دفع الدية حتّى مع القسامة من المدّعى عليهم، وهو على طرف النقيض من رواية بريد أوّلًا، وعدم ترتّب الأثر على القسامة مع لزوم دفع الدية، فكيف الجمع؟
ويمكن أن يقال: إنّ المراد من أهل القرية في رواية أبي بصير: «فإن فعلوا أدّى أهل القرية الذين وجد فيهم» غير المدّعى عليهم، فكأنَّ هناك اثنين ادّعي عليهما:
۱. الجماعة الذين ادّعي عليهم فقد ابرأوا بالحلف.
۲. القرية الّتي وجد فيها القتيل، فتصل النوبة إليهم بعد حلف الجماعة الأُولى.
ولكنّ هذا الجمع بعيد، والقول بطروء التصحيف في الرواية أفضل.—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۰ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۵.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۶.
(— وأمّا ما ورد في رواية مسعدة بن زياد من قوله: «ثم يؤدّى الدية إلى أولياء القتيل» فيمكن أن يقرأ الفعل بصيغة المعلوم ويرجع الضمير إلى الإمام (أبي)[1] في صدر الرواية، أي يؤدّي أبي الدية إلى أولياء القتيل، فتكون الدية في مال الإمام؛ بخلاف ما لو قتل في عسكر، فالدية من بيت المال، ومن المعلوم أنّ بين المالين عموماً وخصوصاً من وجه أو مطلق.
وعلى كلّ تقدير فالروايتان الأخيرتان مع غض النظر عن التوجيه لا يمكن الاحتجاج بهما، إذ لا معنى لفرض العقوبة بعد القسامة. اللّهم إلّاأن يقال بأنّ القسامة أثّرت في رفع القصاص دون الدية فبقيت بحالها.
[1]. أبو جعفر الباقر عليه السلام.
المسألة ۱. لو وجد في قرية مطروقة فيها الإياب والذهاب، أو محلّة منفردة كانت مطروقة، فلا لوث إلّاإذا كانت هناك عداوة فيثبت اللوث.^
المسألة ۲. لو وجد قتيل بين القريتين فاللوث لأقربهما إليه، ومع التساوي فهما سواء في اللوث، نعم لو كان في إحداهما عداوة فاللوث فيها وإن كانت أبعد.^^
^
ما ذكره في المتن مبني على اعتبار اللوث في القسامة، أعني: الظن واتّهام شخص أو قبيلة، ولذلك فرّق بين قرية أو محلة مطروقة، فيها الإياب والذهاب، فلا يمكن اتّهام شخص أو قبيلة ساكنة فيها، بالقتل؛ لأنّ المفروض أنّها محل تردّد أقوام مختلفة، فلا يصح اتّهام الساكنين فيها، بخلاف ما لو كانت منعزلة، فالاتّهام أمر قابل للتصديق.
نعم لو ثبت وجود العداوة بين المقتول والساكنين في قرية مطروقة أو محلّة منفردة مطروقة كذلك، يثبت اللوث.
^^ ما ذكره قدس سره من أنّه لو وجد قتيل بين القريتين يُقدّم الأقرب، نصّ عليه غير واحد من الأصحاب عند البحث عن اللوث.
قال الشيخ: فلو وجد القتيل بين قريتين، كانت ديته على أقرب القريتين عليه، فإن كانت القريتان متساويتين إليه في المسافة، كانت ديته على القريتين.[1]—)
[1]. النهاية: ۷۵۴.
(— وقال المحقّق: ولو وجد بين قريتين فاللوث لأقربهما إليه، ومع التساوي في القرب فهما في اللوث سواء.[1]
وقال يحيى بن سعيد: ودية الموجود بين القريتين على أهل أقربهما إليه، فإن تساويا فعليهما.[2]
إلى غير ذلك من الكلمات، فالجميع يُشعر بأنّ الحكم قيد وجود اللوث، أي الأمارة الظنّية على وجود القتل الصادر من المنتمين إلى قبيلة واحدة أو قبيلتين، وعندئذٍ يتوجّه أمر القسامة إلى من فيه اللوث.
أمّا الروايات:
۱. روى سماعة بن مهران عن أبي عبداللَّه عليه السلام، قال: سألته عن الرجل يوجد قتيلًا في القرية أو بين قريتين؟ قال: «يقاس بينهما فأيّهما كانت أقرب ضمنت»[3].
۲. ما رواه محمد بن قيس قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: «قضى أمير المؤمنين في رجل قتل في قرية أو قريباً من قرية أن يغرم أهل تلك القرية إن لم توجد بيّنة على أهل تلك القرية أنّهم ما قتلوه».[4]
وقال في «الوسائل» بعد نقل الرواية: لعلّه محمول على وجود—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۳.
[2]. الجامع للشرائع: ۵۸۳.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۸ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۴. ورواه الكليني والشيخ أيضاً عن الحلبي.
[4]. الوسائل: ۱۹، الباب ۸ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۵.
(— اللوث وتحقّق القسامة، لكنّ تحقّق القسامة بعيد، وإلّا لأُشير إليها.
وقال الشيخ حول الروايتين: إنّ ما يلزم أهل القرية أو القبيلة إذا وجد القتيل بينهم إن كانوا متّهمين بالقتل وامتنعوا من القسامة فأمّا إذا لم يكونوا متّهمين أو أجابوا إلى القسامة فلا دية عليهم.[1]
واستشهد على ذلك بالخبرين التاليين:
۱. روى علي بن الفضيل عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إذا وجد رجل مقتول في قبيلة قوم حلفوا جميعاً ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلًا، فإن أبوا أن يحلفوا أُغرموا الدية فيما بينهم في أموالهم …».[2]
۲. ما رواه مسعدة بن زياد عن أبي جعفر عليه السلام قال: «كان أبي رضي اللَّه عنه إذا لم يُقم القوم المدّعون البيّنة على قتل قتيلهم ولم يقسموا بأنّ المتّهمين قتلوه حلّف المتّهمين بالقتل خمسين يميناً باللَّه ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا»[3].
ثم إنّ صاحب الجواهر أصرّ على كون الحكم أمراً تعبدياً لا صلة له بوجود اللوث وقال: ولم يظهر لنا وجه معتدّ به لذلك ضرورة أنّه بعد أن ذكروا كون المدار في اللوث على حصول أمارة تفيد الحكم ظناً بصدق المدّعي من غير اعتبار أمارة خاصّة لم يكن فائدة في التعرّض للأمارات، فإنّ قرائن الأُصول مختلفة أشدّ اختلاف لا يمكن حصرها، والنصوص المذكورة لا تعرض—)
[1]. التهذيب: ۱۰/ ۲۰۵.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۵.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۶.
(— فيها للقسامة.[1]
يلاحظ عليه: أنّ حمل هذه الروايات على مجرد التعبّد أمر بعيد، إذ لا وجه لوجوب الدية على قبيلة أو قبيلتين لمجرد وجود القتيل في أقرب الطرق إلى أحدى القبيلتين أو وجوده في نقطة متساوية إليهما دون أن يكون هناك أي أمارة ظنيّة على صدق المدّعين ودون أن يمتنع المتّهمون من القسامة، بأن يترتّب الدية على مجرد وجود القتيل قريباً من محلّتهم.
وعدم تعرّض الروايات لوجود اللوث لأجل أنّ هذه المرافعات لا تخلو عنه، والشاهد على ذلك أنّه لا يمكن الإفتاء طبقاً للروايات في هذه الأيام الّتي كثرت فيها الحيل وستر الأُمور، فإنّ كثيراً من المجرمين يقتلون الأبرياء في مكان ويضعونهم في مكان آخر.
وإن شئت قلت: إنّ فرض العقوبة على فرد أو قبيلة بمجرد وجود قتيل أمام بيته، أو في عقر قبيلتهم، يُعدّ أمراً مخالفاً لقضاء الفطرة، فكيف يستسيغه الشارع ويقرّه. ولابدّ من حمل هاتين الروايتين: رواية سماعة ومحمد بن قيس على وجود اللوث وامتناع الطرفين من إقامة القسامة.
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۳۴.
المسألة ۳. لو لم يحصل اللوث فالحكم فيه كغيره من الدعاوي، فلا قسامة ولا تغليظ، والبيّنة على المدّعي واليمين على المدّعى عليه، فللولي- مع عدم البيّنة- إحلاف المنكر يميناً واحداً.^
^
الأصل الأوّلي في الدعاوى هو ما بيّنه الرسول صلى الله عليه و آله في قوله: «البيّنة للمدعي، واليمين على من أنكر» ولكن المقام على العكس، كما في رواية أُخرى عنه صلى الله عليه و آله: «البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر إلّافي القسامة» ولذلك خالفت القسامة غيرها من الدعاوى في أُمور:
۱. كون اليمين ابتداءً على المدّعي.
۲. تعدّد الأيمان فيها.
۳. جواز الحلف على إثبات حق الغير.
۴. جواز الحلف على نفي حق الغير.
۵. عدم سقوط الدعوى بنكول من توجهت عليه اليمين، بل ترد اليمين على غيره.
نعم لو لم تجتمع شروطها فالحكم فيها كغيرها من الدعاوى في اليمين، كيفية وكميّة، فليس للولي- مع عدم البيّنة- إلّاإحلاف المنكر يميناً واحداً.
المسألة ۴. لو قتل شخص في زحام الناس ليوم جمعة أو عيد، أو وجد في فلاة أو سوق أو على جسر، ولم يعلم من قتله فديته من بيت مال المسلمين. نعم لو كان في الموارد المذكورة أمارة ظنيّة على كون القتل بفعل شخص معيّن مثلًا، حصل اللوث.^
^
ما ذكره في المتن لأجل عدم اللوث على معيّن وعدم ادّعاء الولي، فلذلك تؤدّى ديته من بيت المال لئلّا يبطل دم المؤمن، وإلّا فلو كان هناك لوث وادّعاه الولي، لاشترك مع سائر المواضع. فإطلاق عبارة المصنّف- كالشرائع- مبني على الغالب، قال المحقّق: وأمّا من وجد في زحام، على قنطرة أو بئر أو جسر أو مصنع، فديته على بيت المال. وكذا لو وجد في جامع عظيم أو شارع، وكذا لو وجد في فلاة.[1]
وعلى كلّ تقدير تدلّ عليه عدة أخبار ذكرها صاحب الوسائل نذكر منها ما يلي:
۱. روى عبد اللَّه بن سنان وعبد اللَّه بن بكير جميعاً عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل وجد مقتولًا لا يدرى من قتله؟ قال: إن كان عرف له أولياء يطلبون ديته، أُعطوا ديته من بيت مال المسلمين ولا يبطل دم امرئ مسلم؛ لأنّ ميراثه للإمام فكذلك تكون ديته على الإمام،—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۳.
(— ويصلّون عليه ويدفنونه، قال: وقضى في رجل زحمه الناس يوم الجمعة في زحام الناس فمات، أنّ ديته من بيت مال المسلمين».[1]
۲. روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: «ازدحم الناس يوم الجمعة في إمرة عليٍّ عليه السلام بالكوفة فقتلوا رجلًا فودى ديته إلى أهله من بيت مال المسلمين».[2]
۳. ما رواه مسمع بن عبدالملك عن أبي عبداللَّه عليه السلام أن أمير المؤمنين عليه السلام قال: «من مات في زحام الناس يوم الجمعة أو يوم عرفة أو على جسر لا يعلمون من قتله، فديته من بيت المال»[3].
وممّا يودى من بيت المال من قتل في الهايشات، قال أمير المؤمنين عليه السلام:
«ليس في الهايشات عقل ولا قصاص»[4]. والهايشات جمع الهايشة وهي عبارة عن الجماعة من الناس، يقال: هاش القوم إذا تحركوا وهاجوا.
وعلى كلّ تقدير فالمراد هو الجماعة الّتي يخرجون دفعة واحدة من مكان واحد لوقوع الفزع.
وفي رواية أُخرى مرفوعة إلى أمير المؤمنين عليه السلام: «فواداه من بيت المال»[5].
والمورد مَن أقسام من قتل في الزحام.
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۶ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۱.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۶ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۲.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۶ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۵.
[4]. الوسائل: ۱۹، الباب ۶ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۳.
[5]. الوسائل: ۱۹، الباب ۶ من أبواب دعود القتل وما يثبت به، الحديث ۴.
المسألة ۵. لو تعارضت الأمارات الظنّية بطل اللوث، كما لو وجد بالقرب من القتيل ذو سلاح ملطّخ بالدم، وسبع من شأنه قتل الإنسان، ولم تكن أمارة لحصول القتل بأيّهما وفي كلّ طرف شكّ محض، فلابدّ في مثله فصل الخصومة بالطرق المعهودة غير القسامة.^
المسألة ۶. لا يشترط في اللوث وجود أثر القتل على الأقوى بعد قيام الأمارة الظنّية على أصل القتل، ولا يشترط في القسامة حضور المدّعى عليه كما في سائر المقامات على الأصح.^^
^
وجهه ما عرفت من أنّ القسامة مبنيّة على وجود الأمارة الظنّية بالقتل، وهناك الأمارة الدالة على القتل معارضة بكون القتل مستنداً إلى سبع، ومع الشكّ في الموضوع لا يحكم عليه باللوث حتى يحكم بالقسامة.
^^ في المسألة فرعان: ۱. لا يشترط في اللوث وجود أثر القتل بعد قيام الأمارة الظنّية على أصل القتل. قال الشيخ في «الخلاف»: كلّ موضع قلنا: قد حصل اللوث على ما فسّرناه، فللولي أن يقسم سواء كان في القتيل أثر القتل أو لم يكن أثره، وبه قال الشافعي.[1] وذلك لأنّ الموضوع للقسامة الأمارة الظنّية على القتل لا أثره والمفروض وجودها.—)
[1]. الخلاف: ۵/ ۳۱۰، المسألة ۸.
(— أقول: الأولى أن يقال: لا يشترط في اللوث ظهور الجراحة والدم ولا يبطل اللوث بالخلو عنهما، ومع ذلك يجب أن يكون في المقتول شيء ما يدلّ على أنّه مات بعامل خارجي لا بعامل داخلي، كالسكتة القلبية.
ولقد أحسن في «المسالك» فقال: لا يشترط في القسامة ظهور الجراحة والدم ولا يبطل اللوث بالخلو عنهما، عندنا وعند الأكثر لأن القتل قد يحصل بالخنق وعصر الخصية والقبض على مجرى النفس، فإذا ظهر أثر الخنق أو العصر قام ذلك مقام الجراحة والدم.[1]
وبعبارة أُخرى: يجب أن توجد هناك علامة للقتل ولو بنحو إجراء التحليلات والفحوصات الّتي تشخص الموت الطبيعي عن الموت بأسباب خارجية.
فالتعبير: «لا يشترط في اللوث وجود أثر القتل» كما في الشرائع وفي المتن، ليس بتام.
۲. لا يشترط في القسامة حضور المدّعى عليه
كما هو الحال أيضاً في بقية الدعاوى لجواز الحكم على الغائب، ومع ذلك فالغائب على حجّته، ولم يدلّ دليل على اشتراطه في خصوص المقام.
[1]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۰۱.
المسألة ۷. لو ادّعى الوليّ أنّ فلاناً من أهل الدار قتله بعد أن وجد مقتولًا فيها حصل اللوث، وثبتت الدعوى بالقسامة بشرط ثبوت كون المدّعى عليه في الدار حين القتل، وإلّا فلا لوث بالنسبة إليه، فلو أنكر كونه فيها وقت القتل كان القول قوله مع يمينه.^
^
قال المحقّق: لو ادّعى الولي أنّ واحداً من أهل الدار قتله، جاز إثبات دعواه بالقسامة.[1]
ما ذكره قدس سره في المتن موافق للقاعدة، فإنّ وجود القتيل في الدار أمارة ظنّية على اتّهام أهله بالقتل، لكن مجرد ذلك لا يكون أمارة إلّاإذا ثبت كون المتهم متواجداً فيها، وعندئذٍ فلو أقام بينة على عدم كونه فيها، أو حلف عليه عند ما لا يكون للمدّعي بيّنة فلا يثبت اللوث.
نعم لو كان في البيت فادّعى خروجه منه قبل القتل، لا يسمع منه، بل يكون محكوماً بوجوده فيه بحكم الاستصحاب.
ثم لو ثبت عدم وجود المدّعى عليه في البيت إما بالبيّنة أو باليمين، يتوجّه الاتّهام إلى سائر المتواجدين في البيت، بشرط أن يثبت وجودهم في البيت بالبيّنة أو بالإقرار.—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۳.
هذا وكان الأنسب أن يذكر المصنّف ما يسقط به اللوث كما ذكر ما يثبت به، وقد ذكر العلّامة أُموراً ستة بأنّها مسقطة للّوث، وإليك ما ذكره.
قال: ويسقط اللوث بأُمور:
۱. عدم الخلوص عن الشكّ، فلو وجد بقرب المقتول ذو سلاح ملطخ بدم وسبع من شأنه القتل، بطل، وقد مّر ذلك من المصنّف في المسألة الخامسة.
۲. تعذّر إظهاره عند الحاكم. فلو ظهر عنده على جماعة فللمدّعي أن يعين، فلو قال: القاتل منهم واحد، فلا لوث.
۳. إبهام الشاهد المقتولَ كقوله: قتل أحد هذين، ليس بلوث، فإبهام المقتول مسقط للقسامة.
۴. لو ظهر اللوث في أصل القتل دون وصفه من عمد أو خطأ، ففي القسامة إشكال.
۵. ادّعاء الجاني الغيبوبة فإذا حلف، سقط أثر اللوث عنه، وقد مرّ ذلك عن المصنّف في المسألة السابعة.
۶. تكاذب الورثة، بمعنى أنّ بعضهم يدّعي القتل والبعض الآخر يكذب، فإنّ التكاذب يضعف الظن بالقتل.[1]
[1]. قواعد الأحكام: ۳/ ۶۱۶- ۶۱۷.
وهي في العمد خمسون يميناً، وفي الخطأ وشبهه خمس وعشرون على الأصحّ.^
^ إذا ثبت اللوث حلف المدّعي وقومه خمسين يميناً في العمد، يحلف كلّ واحد يميناً واحداً، وفي الخطأ وشبهه قولان، أشهرهما خمس وعشرون يميناً.
أمّا كونه خمسون يميناً في العمد فلم يخالف فيه أحدٌ، إلّاابن حمزة الذي ذهب إلى كفاية الخمس والعشرين في العمد إذا كان هناك شاهد واحد.[1] ولكن لم يدلّ عليه دليل سوى تصوّر أنّ الخمسين بمنزلة شاهدين فخمسة وعشرون بمنزلة شاهد، فإذا انضم إلى شاهد آخر يتم النصاب، ولكنّه غير معتمد، إذ لا دليل على أنّ الخمسين بمنزلة البيّنة حتّى يكون نصفه بمنزلة الشاهد الواحد، فقوله شاذّ لم يوافقه أحد.
إنّما الكلام في عدد الأيمان في الخطأ، ففيه قولان:
الأوّل: أنّها فيه خمسة وعشرون، وهو خيرة الشيخ والمحقّق والعلّامة.
[1]. الوسيلة: ۴۶۰.
قال الشيخ في «الخلاف»: القسامة في قتل الخطأ خمسة وعشرون—)
(— رجلًا. وقال الشافعي: لا فرق بين أنواع القتل، ففي جميعها القسامة خمسون رجلًا.
دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم.[1]
وقال في «النهاية»: خمسون رجلًا منهم يقسمون باللَّه تعالى أنّ المدّعى عليه قتل صاحبهم إن كان القتل عمداً، وإن كان خطأ فخمسة وعشرون رجلًا يقسمون مثل ذلك.[2]
وقال العلّامة: الوجه ما قاله الشيخ، لأنّ القتل خطأ أدون من قتل العمد فناسب تخفيف القسامة؛ ولأنّ التهجّم على الدم بالقود أضعف من التهجّم على أخذ الدية، فكان التشديد في إثبات الأوّل أولى.[3]
نعم نقل المحقّق أنّ من الأصحاب من سوّى بين العمد والخطأ، فلا يكفي في الخطأ أيضاً إلّاخمسون يميناً، وعليه المفيد،[4] والديلمي[5]، وابن إدريس[6]، وقال المحقّق: والتسوية أوثق بالحكم، والتفصيل أظهر في المذهب.[7]—)
[1]. الخلاف: ۵/ ۳۰۸، المسألة ۴.
[2]. النهاية: ۷۴۰.
[3]. مختلف الشيعة: ۹/ ۳۰۰.
[4]. المقنعة: ۷۳۶.
[5]. المراسم: ۲۳۲.
[6]. السرائر: ۳/ ۳۳۸.
[7]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۴.
(— أمّا الأوثقية فللاحتياط، وأمّا الأظهرية فقد عرفت الروايات الحاكمة بالتفصيل.
وقال العلّامة: وفي عدد القسامة في الخطأ وعمد الخطأ قولان، أقربهما مساواتهما للعمد. وقيل خمس وعشرون يميناً، وهو مشهور.[1]
أمّا الروايات فهي- حسب الظاهر- على قسمين:
۱. ما رواه بُريد بن معاوية فقد جاء فيها: «فأقيموا قُسامة خمسين رجلًا أقيده برُمّته»[2].
۲. ما رواه زرارة ففي قوله: «فليقسم خمسون رجلًا منكم على رجل ندفعه إليكم»[3].
۳. ما رواه أبو بصير وفيه: «ليقسم منكم خمسون رجلًا على أنّهم قتلوه»[4]، فمع قطع النظر عن المورد فالروايات مطلقة تعمّ العمد والخطأ، وأمّا بالنظر إلى المورد فوجود الإطلاق فيها موضع تأمّل بل منع، فإنّ موردها هو العمد.—)
[1]. قواعد الأحكام: ۳/ ۶۱۸.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۳.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۰ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۳.
[4]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۰ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۵.
(—
۱. ما رواه عبداللَّه بن سنان قال: قال أبو عبداللَّه عليه السلام: «في القسامة خمسون رجلًا في العمد، وفي الخطأ خمسة وعشرون رجلًا، وعليهم أن يحلفوا باللَّه».[1]
۲. ما رواه يونس عن الرضا عليه السلام وما رواه أبو عمر المتطبّب قال: «عرضت على أبي عبداللَّه عليه السلام ما أفتى به أمير المؤمنين في الديات: إلى أن قال: «والقسامة جَعل في النفس على العمد خمسين رجلًا وجعل في النفس على الخطأ خمسة وعشرين رجلًا».[2]
ومقتضى الجمع- لو كان هناك إطلاق- هو حمل المطلق على المقيّد.
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۱ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۱.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۱ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۲.
المسألة ۱. إن كان له قوم بلغ مقدار القسامة حلف كلّ واحد يميناً، وإن نقصوا عنه كرّرت عليهم الأيمان حتى يكملوا القسامة، ولو كان القوم أكثر فهم مختارون في تعيين خمسين منهم في العمد وخمسة وعشرين في غيره.^
^
في المسألة فروع ثلاثة:
۱. لو بلغ قوم المدّعي خمسين رجلًا حلف كُلٌّ يميناً، كما هو المنصوص.
۲. لو نقصوا عن خمسين رجلًا، اتّفقت كلمتهم على أنّ الأيمان تُكرَّر عليهم حتى يكملوا القسامة.
۳. لو كانوا أزيد من خمسين رجلًا فهم مختارون في تعيين خمسين منهم في العمد وخمسة وعشرين في غيره، لأنّ الحقّ منحصر فيهم، فهم مختارون في تعيين من يحلف.
لا كلام في الأوّل والثالث، وإنّما الكلام في الفرع الثاني وهو فيما لو نقصوا فاحتاجوا إلى تكرار الأيمان، فهل يكفي ذلك أو لا؟
قال المحقّق: وإن نقصوا عنه كُرّرت عليهم الأيمان حتّى يكملوا القسامة.[1]
وفي الجواهر- بعد قول المحقّق المذكور أعلاه-: كما صرّح به غير—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۴.
(— واحد، بل عن الغنية الإجماع عليه، بل عنها وعن «الخلاف» أنّه لو كان الولي واحداً أقسم خمسين، إجماعاً، بل زاد في الثاني نسبته إلى أخبار الفرقة أيضاً.[1]
ومع ذلك فقد استشكل فيه السيد الخوئي، قائلًا بأنّه لم يرد فيها نصّ.
أقول: النصوص تركّز على خمسين رجلًا، ففي رواية زرارة: «فليقسم خمسون رجلًا منكم على رجل ندفعه إليكم».[2]
وفي رواية أبي بصير: «فعلى المدّعي أن يجيء بخمسين يحلفون أنّ فلاناً قتل فلاناً»[3].
وفي رواية يونس: «والقسامة جعل في النفس على العمد خمسين رجلًا»[4].
وفي رواية بريد بن معاوية: «وأقيموا قسامة خمسين رجلًا أقيده برمّته»[5].
فإنّ الظاهر أنّ «رجلًا» في قوله: «خمسين رجلًا» في محل التمييز ل «قسامة» حيث إنّ «قسامة» بمعنى من يقسم، مبهم من حيث العدد، فرفع إبهامه بقوله: «خمسين رجلًا».—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۴۴.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۰ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۳.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۰ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۵.
[4]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۱ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۲.
[5]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۳.
(— وأمّا قراءة «قسامة» بالإضافة إلى «خمسين» فغير ظاهر.
إلى هنا تبيّن أنّ الروايات تركّز على عدد الخمسين، ومع ذلك كلّه يمكن القول بأنّ العبرة بخمسين يميناً، سواء أصدرت من خمسين رجلًا أو أقل، والذي يقرّب ذلك أمران:
۱. ما في رواية مسعدة بن زياد عن جعفر عليه السلام قال: «كان أبي رضى الله عنه إذا لم يقم القوم المدعون البيّنة على قتل قتيلهم ولم يقسموا بأنّ المتهمين قتلوه، حلّف المتهمين بالقتل خمسين يميناً باللَّه ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا»[1].
ترى أنّه يركّز على خمسين يميناً لا على خمسين رجلًا، واحتمال أنّ عدد المتّهمين كانوا خمسين رجلًا، بعيد.
يلاحظ عليه: أنّ مورد الرواية حلف المدّعى عليه لإسقاط القود، ولا ملازمة بين كفاية خمسين يميناً في الإسقاط وكفايته في ثبوته.
۲. أنّ المستفاد من روايات القسامة أنّها شرعت احتياطاً للناس وصيانة للدماء، فإذا كان ذلك هو الملاك فكيف يمكن تعليق القود على حلف خمسين رجلًا، فإنّه ربّما لا يتحقّق إلّانادراً.
فلو كان الحكم معلّقاً على خمسين رجلًا دون التكرار، ربما يكون ذلك جرأة للقتل، إذ كيف يمكن في الأحوال الغابرة والحاضرة اجتماع خمسين نفراً قاطعين بالقتل، للحلف.
ويؤيد ذلك أنّه ورد تكرير اليمين في مورد القسامة في الأعضاء كما سيوافيك.
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۶.
المسألة ۲. لو لم يكن للمدّعي قسامة، أو كان ولكن امتنعوا- كلّاً أو بعضاً- حلف المدّعي ومن يوافقه إن كان، وكرّر عليهم حتى تتمّ القسامة، ولو لم يوافقه أحد كرّر عليه حتى يأتي بتمام العدد.^
^
إذا لم يكن للمدّعي قسامة أو كان ولكن يمتنعون عن الحلف كلّهم أو بعضهم، أمّا الثاني فقد تبيّن حكمه ممّا سبق، وهو أن يحلف المدّعي ومن يوافقه على وجه التكرير.
إنّما الكلام إذا لم يكن له قسامة، فعندئذٍ يكرر عليه اليمين إلى خمسين حتى يتم العدد. قال الشيخ الطوسي: إذا كان المدّعي واحداً فعليه خمسون يميناً بلا خلاف.[1] وقد مرّ بيان ذلك في المسألة المتقدّمة.
[1]. الخلاف: ۵/ ۳۱۴، المسألة ۱۳.
المسألة ۳. لو كان العدد ناقصاً فهل يجب التوزيع عليهم بالسويّة، فإن كان عددهم عشرة يحلف كلّ واحد خمسة، أو يحلف كلٌّ مرّةً ويتمّ وليّ الدم النقيصة، أو لهم الخيرة بعد يمين كلّ واحد، فلهم التوزيع بينهم بأي نحو شاءُوا، لا يبعد الأخير وإن كان الأولى التوزيع بالسويّة. نعم لو كان في التوزيع كسر كما إذا كان عددهم سبعة، فبعد التوزيع بقي الكسر واحداً فلهم الخيرة، والأولى حلف ولي الدم في المفروض، بل لو قيل إنّ النقيصة مطلقاً على ولي الدم أو أوليائه فليس ببعيد، فإذا كان العدد تسعة فالباقي خمسة يحلفها الولي أو الأولياء، فإن كان في التوزيع بين الأولياء كسر فهم بالخيار، ولو وقع فيهم تشاحّ فلا يبعد الرجوع إلى القرعة، وليس هذا نكولًا.^
^
في المسألة فروع:
الأوّل: لو كان العدد ناقصاً عن الخمسين، كما إذا كان عددهم عشرة، فكيف يُتمّم العدد؟ فهنا احتمالات:
۱. التقسيم بالسوية، فيحلف كلّ واحد خمس مرات، فيبلغ عدد الحلف إلى خمسين، كما هو الحال في الأُمور الجماعية حيث يقسّم العمل على الجميع من غير تمييز.
۲. يحلف كلٌّ مرّة واحدة، ويتم ولي الدم النقيصة، فلو كان ولي—)
(— الدم واحداً يحلف أربعين مرّة، وبضم العشرة إليها يتم العدد. ولعلّ وجهه أنّ الحلف متوجّه إليه أوّلًا وبالذات، وكفاية حلف الغير على خلاف القاعدة فاللازم الاقتصار على المتيقّن.
۳. لهم الخيرة بعد حلف كلّ واحد، فيوزعون بينهم بأي نحو شاءُوا، فربما يحلف واحد منهم مرّتين والبعض الآخر ثلاث مرّات، وهكذا حتى يتم العدد، ولم يستبعد المصنّف الأخير؛ لأنّ العمل عملهم فلهم الخيرة في أي نحو شاءُوا، ولكنّه استقرب التقسيم بالسوية، تبعاً للمحقّق حيث قال: لو كان المدّعون جماعة، قسّمت عليهم الخمسون بالسوية.[1]
وفي رواية بُريد بن معاوية: «أقيموا رجلين عدلين من غيركم، أقيده برمّته، فإن لم تجدوا شاهدين فأقيموا قسامة خمسين رجلًا، أقيده برّمّته»[2] وهل ظاهره أو منصرفه التسوية بالتقسيم، أو التوزيع بأي شكل شاءُوا، الظاهر أنّ النصوص غير ناظرة إلى هذه الصورة لكن طبع الأمر في الأُمور الجماعية هو المساواة، إلّاإذا اتّفقوا على كيفيّة خاصّة.
الفرع الثاني: إذا اخترنا في الفرع السابق، التقسيم بالسوية وحصل بالتوزيع كسر- كما إذا كان العدد سبعة وبعد التقسيم بالسوية بلغ عدد الحلف إلى ۴۹ مرة- فيبقى الكسر واحداً، فهنا وجهان:
أ. لهم الخيرة في إكمال العدد بحلف أي فرد شاءُوا.—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۴.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۳.
(— ب. يتعيّن حلف وليّ الدم لكونه أولى من غيره وإن كانوا مشاركين في الشهادة، وعلى هذا لو كان عددهم تسعة وحلف كلّ خمس مرات يبقى كسر وهو خمس، فيتمّها الولي أو الأولياء.
الفرع الثالث: لو قلنا في الفرع السابق أنّ الباقي من الأيمان- بعد التوزيع بين المشاركين في الشهادة- للأولياء، وكان في التوزيع بين الأولياء كسر كما في المثال السابق، أعني: إذا كان عددهم تسعة فكلّ حلف خمسة أيمان، فصار خمسة وأربعين يميناً، فبقي الخمسة، وكانت الأولياء ثلاثة فيبقى يمينان فهم بالخيار.
الفرع الرابع: لو وقع بينهم تشاحّ في إكمال العدد بمعنى أن يحلف البعض دون البعض الآخر، فلا يعدّ ذلك نكولًا بعد ما شهد أوّلًا وحلف قبل إكمال العدد، ففي حسم النزاع يرجع إلى القرعة، بناءً على أنّه لا يشترط في جريان القرعة ثبوت حق في الواقع غير معلوم لنا، بل تجري ولو لم يكن حق ثابت كما هو في كفالة مريم[1]، بل يكفي مجرد التشاحّ والشجار. لكن الرجوع إلى القرعة وإلزام من خرجت القرعة باسمه، يحتاج إلى الدليل، فولي الدم بالخيار بين اليمين المكملة، حتى يصل العدد إلى النصاب، وتركها مع ترك الادّعاء.
[1]. لاحظ: آل عمران: ۴۴.
المسألة ۴. هل يعتبر في القسامة أن تكون من الورّاث فعلًا، أو في طبقات الإرث ولو لم تكن وارثاً فعلًا، أو يكفي كونها من قبيلة المدّعي وعشيرته عرفاً وإن لم تكن من أقربائه؟ الظاهر عدم اعتبار الوراثة فعلًا.
نعم الظاهر اعتبار ذلك في المدّعي، وأمّا سائر الأفراد فالاكتفاء بكونهم من القبيلة والعشيرة غير بعيد، لكن الأظهر أن يكونوا من أهل الرجل وأقربائه، والظاهر اعتبار الرجولية في القسامة، وأمّا في المدّعي فلا تعتبر فيه وإن كانت أحد المدّعين، ومع عدم العدد من الرجال ففي كفاية حلف النساء تأمّل وإشكال، فلابدّ من التكرير بين الرجال، ومع الفقد يحلف المدّعي تمام العدد ولو كان من النساء.^
^
في المسألة فروع:
۱. ما هو المعتبر في القسامة (أي الحالف)؟
۲. ما هو المعتبر في المدّعي؟
۳. هل تعتبر الرجولية في القسامة؟
۴. هل تعتبر الرجولية في المدّعي؟
۵. إذا لم يبلغ حلف الرجال عدد الخمسين هل يكفي حلف النساء، أو يجب التكرير بين الرجال؟
۶. مع الفقد يحلف المدّعي تمام العدد ولو كان من النساء.—)
(— وإليك دراسة الفروع:
أمّا الفرع الأوّل: قال الشيخ: القسامة يراعى فيها خمسون من أهل المدّعي يحلفون، فإن لم يكونوا حلف الولي خمسين يميناً، وقال من وافقنا في القسامة: إنّه لا يحلف إلّاولي الدم خمسين يميناً.[1]
وقال العلّامة: الحالف وهو: كلّ مستحق قصاص أو دية، أو دافع أحدهما عنه، أو قوم أحدهما معه.[2]
وأمّا المصنّف فقد احتمل فيه احتمالات:
۱. أن يكون وارثاً فعلًا.
۲. أن يكون في طبقات الإرث ولو لم يكن وارثاً فعلًا.
۳. اعتبار كونه من أقربائه، وإن لم يكن في طبقات الإرث كالأقربين سبباً، لا نسباً كأبي الزوجة وأخيها وأُمّها وجدّها وجدتها وهكذا.
۴. الاكتفاء بكونه من قبيلة الرجل وعشيرته.
استظهر المصنّف الوجه الثالث، ولا شكّ أنّه أحوط وكون الحالف من قبيلة الرجل لا يلازم كونه من أقربائه، إذا كانت الصلة التي تَربطهما، في درجة بعيدة كاشتراكهما في الجد العاشر، وعلى كلّ تقدير فهنا احتمالات أربعة لابدّ في تعيين إحداها من دراسة الروايات.—)
[1]. الخلاف: ۵/ ۳۰۸، المسألة ۶. ومراده من قوله:« من وافقنا» هو المالكية، كما يظهر من ذيل كلامه.
[2]. إرشاد الأذهان: ۲/ ۲۱۹. قوله:« قوّمه» بالتشديد وحاصله: انّ الحالف إمّا مستحق قصاصاً أو دية- كما إذا كان وارثاً، أو هو ليس مستحقاً لهما لكنّه يدعم استحقاق الوارث لأحدهما.
(— أمّا الروايات فهي بحسب ظاهرها على أقسام:
الأوّل: كفاية كون الحالف رجلًا، ففي رواية بُريد بن معاوية: «فأقيموا قسامة خمسين رجلًا، أقيده برمّته».[1] ولا شكّ أنّ الرواية ليست في مقام بيان شرائط الحالف فلا يصحّ التمسك بإطلاقها وإلّا يلزم كفاية حلف الجار إذا كان رجلًا.
الثاني: ما يدلّ على كون الحالف من قبيلة المدّعي، ففي رواية علي بن فضيل عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «إذا وجد رجل مقتول في قبيلة قوم حلفوا جميعاً ما قتلوه، ولا يعلمون له قاتلًا».[2]
ومورد الرواية هو حلف المدّعى عليه بخلاف الرواية التالية فإنّ موردها حلف قوم المدّعي.
وما رواه مسعدة بن زياد عن جعفر عليه السلام قال: «كان أبي رضى الله عنه إذا لم يقم القوم المدعون البيّنة على قتل قتيلهم ولم يقسموا بأنّ المتهمين قتلوه … الخ».[3]
وفي رواية عبد اللَّه بن سنان: خرج رجلان من الأنصار يصيبان من الثمار فتفرّقا فوجد أحدهما ميتاً، فقال أصحابه لرسول اللَّه صلى الله عليه و آله: إنّما قتل صاحبنا اليهود، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «يحلف اليهود».[4] ولعلّ «صاحبنا» كناية عن—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۳، ولاحظ أيضاً الباب ۱۰، الحديث ۳ و ۵.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۵.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۶.
[4]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۰ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۱.
(— كون المقتول من قومهم.
الثالث: ما يدلّ على أنّ الحالف من أهل المقتول، ففي رواية ليث المرادي، قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن القسامة على مَن هي؟ أعلى أهل القاتل أو على أهل المقتول؟ قال: «على أهل المقتول».[1]
فصار الأمر دائراً بين كون الحالف من قبيلة المقتول أو من أهله، فمقتضى القاعدة الأخذ بالقدر المتيقّن وهو كونه من أهل الرجل وأقربائه، ولا يكفي كونه من قبيلته إذا لم يعد من أقربائه، فما استظهره المصنّف في المتن هو الأظهر.
الفرع الثاني: كان الكلام في الفرع السابق حول الحالف وخرجنا بالنتيجة التالية: أنّه يشترط كونه من أقرباء الرجل والكلام في هذا الفرع حول المدّعي، والظاهر من المصنّف أنّه يعتبر فيه كونه وارثاً فعلًا.
ويستظهر ذلك تارة من كلام الفقهاء أيضاً حيث يكون الحلف عندهم متوجّهاً إلى المدّعي، ثم إلى القوم، يقول العلّامة: ويحلف المدّعي مع اللوث خمسين يميناً في العمد، إلى أن قال: ولو كان للمدّعي قوم حلف كلّ واحد يميناً إن كانوا خمسين.[2] وتارة أُخرى من الروايات فقد ورد أنّه إذا لم يحلف المدّعي—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۰ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۶.
[2]. إرشاد الاذهان: ۲/ ۲۱۹.
(— حلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلًا ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا، وإلّا أُغرموا الدية إذا وجدوا قتيلًا بين أظهرهم.[1] فإنّ الظاهر أنّه أُغرموا الدية على المدّعى وهو آية كونه وارثاً.
الفرع الثالث: ظاهر الروايات اعتبار الرجولية في القسامة، لما عرفت من تكرّر كلمة «رجل» في قوله: خمسين رجلًا. وليس المقام ممّا لا يحتمل الخصوصية فيه.
وسيوافيك أنّه إذا لم يبلغ عدد الرجال الخمسين، كرّر على الموجودين من الرجال.
الفرع الرابع: لا شكّ أنّه لا يعتبر في المدّعي الرجولية، فربما ينحصر أولاد المقتول في الإناث، فلو اعتبرت الرجولية في المدّعي، يذهب دم المقتول هدراً، مع أنّ القسامة قد شرعت صيانة للدماء، ففي رواية زرارة عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «إنّما جعلت القسامة احتياطاً للناس، لكيما إذا أراد الفاسق أن يقتل رجلًا أو يغتال رجلًا حيث لا يراه أحد، خاف ذلك فامتنع من القتل».[2]
الفرع الخامس: إذا لم يبلغ عدد القسامة من الرجال الخمسين فهل يكفي حلف النساء أو لابدّ من التكرير بين الرجال؟
الظاهر هو الثاني؛ لما عرفت من ورود الرجال في الرواية في—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۳.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۱. ولاحظ الحديث ۸ و ۹.
(— الحالف، فمع إمكان إتمام اليمين بالرجال لا تصل النوبة إلى غيرهم.
الفرع السادس: مع فقد الرجال يحلف المدّعي- ولو كان امرأة- خمسين مرّة، لما عرفت من عدم اعتبار الرجولية في المدّعي، ولا عبرة بحلف غير المدّعية من النساء، هذا من جانب.
ومن جانب آخر أنّ نكتة تشريع القسامة صيانة الدماء، فلو لم يقبل حلف المرأة المدّعية على وجه التكرير، بطل دم المسلم.
المسألة ۵. لو كان المدّعي أكثر من واحد فالظاهر كفاية خمسين قسامة، وأمّا لو كان المدّعى عليه أكثر ففي كفاية خمسين قسامة وعدمها إشكال، والأوجه تعدّد القسامة حسب تعدّد المدّعى عليه، فلو كان اثنين يحلف كلّ منهما مع قومه خمسين قسامة على ردّ دعوى المدّعي، وإن كان الاكتفاء بالخمسين لا يخلو من وجه، لكن الأوّل أوجه.^
^
في المسألة فرعان:
۱. لو كان المدّعي أكثر من واحد، فهل يكفي خمسون قسامة؟
۲. إذا كان المدّعى عليه أكثر من واحد، فأرادوا دفع التهمة عن أنفسهم فهل تتعدّد القسامة حسب تعدّد المدّعى عليه؟
ولندرس الفرعين تالياً:
أمّا الفرع الأوّل– أعني: كفاية خمسين قسامة حتى ولو كان المدّعي أكثر من واحد، ويمكن الاستدلال عليه بوجهين:
۱. إطلاق ما دلّ على كفاية خمسين يميناً، حيث يعمّ وحدة المدّعي أو تعدّده.
۲. أنّ تعدّد المدّعي لا يؤثر في تعدّد الدعوى، فالاثنان وما فوقهما يدّعون شيئاً واحداً؛ بخلاف تعدّد المدّعى عليه فإنّ تعدّده يؤثر في تعدد الادّعاء، حيث إنّ زيداً المدّعى عليه غير بكر المدّعى عليه.—)
(— وأمّا الفرع الثاني: أعني لو كان المدّعى عليهم في القتل أكثر من واحد فأرادوا دفع التهمة عن أنفسهم، فهل يكتفى منهم بالخمسين- عندما لم يحلف المدّعي- أو على كلّ واحد خمسين يميناً؟ وجهان.
يظهر الوجه الأوّل من الشيخ في «الخلاف»، قال: إذا كان المدّعي واحداً فعليه خمسون يميناً بلا خلاف، وكذلك المدّعى عليه إن كان واحداً فعليه خمسون يميناً، وإن كان المدّعون جماعة فعليهم خمسون يميناً عندنا، ولا يلزم كلّ واحد خمسون يميناً، وكذلك في المدّعى عليه إن كان واحداً لزمته خمسون يميناً، وإن كانوا جماعة لم يلزمهم أكثر من خمسين يميناً.[1]
وربما يستظهر ما ذكره الشيخ من بعض النصوص:
۱. رواية أبي بصير عن الإمام أبي عبد اللَّه عليه السلام حيث جاء فيها: «فإذا ادّعى الرجل على القوم أنّهم قتلوا، كانت اليمين لمدّعي الدم قبل المدّعى عليهم، فعلى المدّعي أن يجيء بخمسين يحلفون إنّ فلاناً قتل فلاناً، فيدفع إليهم الذي حلف عليه، فإن شاءُوا عفوا، وإن شاءُوا قتلوا، وإن شاءُوا قبلوا الدية؛ وإن لم يقسموا، فإنّ على الذين ادّعى عليهم أن يحلف منهم خمسون ما قتلنا ولا علمنا له قاتلًا».[2]
وجه الاستدلال أنّ ظاهر قوله: «الذين ادّعى عليهم» كونهم أكثر من واحد، فاكتفي عندئذٍ بحلف خمسين رجلًا.—)
[1]. الخلاف: ۵/ ۳۱۴، المسألة ۱۳.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۰ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۵.
(— يلاحظ على الاستدلال- مضافاً إلى وقوع البطائني في سند الرواية- أنّ الظاهر من صدر الحديث أنّ المتهم بالقتل كان شخصاً واحد حيث جاء فيها:
«فعلى المدّعي أن يجيء بخمسين يحلفون أنّ فلاناً قتل فلاناً» فعلى هذا لا عبرة بالجمع في قوله: «فإنّ على الذين ادّعى عليهم …» فلعلّ الإتيان بصيغة الجمع باعتبار تعدّد الموارد.
۲. ما في رواية عبداللَّه بن سنان. قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن القسامة، هل جرت فيها السنة … إلى أن قال: إنّما قتل صاحبنا اليهود، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم: «يحلف اليهود».[1]
وجه الاستدلال: أنّ الأمر بحلف اليهود، دليل على أنّ المدّعى عليه أكثر من واحد، ومع ذلك اكتفى بحلف خمسين رجلًا لا أكثر، وقد ورد هذا التعبير في غير واحدة من الروايات، وقد أشرنا إليه في الهامش.
يلاحظ عليه: أنّ الظاهر أنّ في النسبة توسّعاً حيث نسب فعل الفرد إلى كلّ من ينتمي إليه في العقيدة. ولذلك جاء في بعض النصوص في نفس الواقعة: إن فلانا اليهودي قتل صاحبنا.[2]
وعلى هذا فلا دلالة في الروايتين على ما عليه الشيخ في «الخلاف»، ولابدّ أن يرجع إلى القاعدة كما سيوافيك.—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۰ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۱، ولاحظ الحديث ۳ و ۵ فقد نسب القتل إلى اليهود.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۳.
(— ولهذا ذهب الشيخ في «المبسوط» إلى خلافه، قال: والأقوى في المدّعى عليه أن يحلف كلّ واحد خمسين يميناً.[1]
والظاهر أنّ لكلّ وجهاً، أمّا وجه القول الأوّل أنّ المدّعى به جناية واحدة لاتّحاد موضوعها، وقد قدّر الشارع عليها خمسين يميناً، فيقسط عليهم كما يقسط على قوم المدّعى عليه لو كان واحداً.[2]
وأمّا وجه القول الثاني الذي اختاره في «المبسوط» فلأجل أنّ الدعوى واقعة على كلّ واحد منهم بالدم، ومقتضى القاعدة حلف كلّ منكر خمسين يميناً.
وبعبارة أُخرى: أنّ هنا دعويين لا دعوى واحدة. مقتضى تعدّدها تعدّد مقتضيها، وإن كان الموضوع واحداً.
ومن المعلوم أنّ الحلف لدعوى لا يغني عن الحلف لدعوى أُخرى، فلاحظ.
[1]. المبسوط: ۷/ ۲۲۲.
[2]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۰۷.
المسألة ۶. لو لم يحلف المدّعي أو هو وعشيرته، فله أن يرد الحلف على المدّعى عليه، فعليه أيضاً خمسون قسامة، فليحضر من قومه خمسين يشهدون ببراءته، وحلف كلّ واحد ببراءته، ولو كانوا أقل من الخمسين كرّرت عليهم الأيمان حتى يكملوا العدد، وحكم ببراءته قصاصاً ودية. وإن لم يكن له قسامة من قومه يحلف هو خمسين يميناً، فإذا حلف حكم ببراءته قصاصاً ودية؛ وإن لم تكن له قسامة ونكل عن اليمين أُلزم بالغرامة، ولا يردّ في المقام اليمين على الطرف.^
^
في المسألة فروع:
۱. لو لم يحلف المدّعي أو هو وعشيرته، يرد اليمين على المدّعى عليه.
۲. إذا ردّ اليمين على المدّعى عليه فليحضر من قومه خمسين رجلًا يشهدون ويحلفون ببراءته.
۳. ولو كان من يحلف أقل من الخمسين كرّرت عليهم الأيمان.
۴. إذا حلف خمسون رجلًا من عشيرته أو كررت عليهم الأيمان، حكم عليه بالبراءة قصاصاً ودية.
۵. إذا لم يكن له قسامة من قومه يحلف هو خمسين يميناً.
۶. إذا لم يكن له قسامة ولم يحلف المدّعى عليه أُلزم بالغرامة.
۷. إذا نكل المدّعى عليه لا يردّ اليمين على المدّعي.—)
(— وإليك دراسة الفروع:
إذا لم يحلف المدّعي ولا عشيرته، فله أن يرد الحلف على المدّعى عليه، قال المحقّق: ولو لم يكن للولي قسامة ولا حلف هو، كان له إحلاف المنكر خمسين يميناً إن لم يكن له قسامة من قومه.[1]
ووصفه في «الجواهر» بقوله: بلا خلاف ولا إشكال في شيء من ذلك.[2] ويدلّ عليه: ۱. ما رواه علي بن الفضيل عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «إذا وجد رجل مقتول في قبيلة قوم، حلفوا جميعاً ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلًا، فإن أبوا أن يحلفوا، أُغرموا الدية فيما بينهم في أموالهم سواء سواء بين جميع القبيلة من الرجال المدركين».[3] ومن المعلوم أنّه لا تصل النوبة إلى حلف المدّعى عليه إلّابعد نكول المدّعي عن الحلف. والنكول وإن لم يكن مذكوراً في الرواية لكنه مفروض، والرواية تدلّ على عدم ثبوت الغرامة إذا حلفوا، كما سيوافيك.
۲. ما رواه مسعدة بن زياد، عن جعفر عليه السلام قال: «كان أبي رضى الله عنه إذا لم يقم القوم المدّعون البيّنة على قتل قتيلهم ولم يُقسموا بأنّ المتّهمين قتلوه، حلّف المتّهمين بالقتل خمسين يميناً باللَّه ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا، ثمّ يؤدّي—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۵.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۵۱.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۵.
(— الدية إلى أولياء القتيل، ذلك إذا قتل في حيّ واحد، فأمّا إذا قتل في عسكر، أو سوق مدينة فديته تدفع إلى أوليائه من بيت المال».[1] وسيوافيك الكلام في توضيح قوله: «ثم يؤدّي الدية إلى أولياء المقتول» فانتظر.
إذا ردّ اليمين على المدّعى عليه، يجب عليه إحضار خمسين رجلًا يشهدون ويحلفون ببراءته، أو إحضار من يتمكّن منه وإن كانوا أقل من خمسين حتى تتكرّر عليهم الأيمان، ومع التمكّن لا تصل النوبة إلى يمين المدّعى عليه مُفرداً. وظاهر المتن- وفاقاً للسيد الحكيم في منهاج الصالحين- وجوب الإحضار إذا كان المدّعى عليه متمكّناً من الخمسين أو أقلّ منه مع تكرار الأيمان عليهم.
واستدلّ على وجوب الإحضار بالروايتين التاليتين:
الأُولى: ما ورد في رواية أبي بصير قوله عليه السلام: «فإنّ على الذين ادّعي عليهم أن يحلف منهم خمسون؛ ما قتلنا ولا علمنا له قاتلًا»[2].
وجه الدلالة: أنّ المدّعى عليه في الحقيقة كان واحداً ومعيّناً بشهادة ما في رواية بُريد بن معاوية وهو قول الصحابة: «إنّ فلاناً اليهودي قتل صاحبنا» فيكون يمين الآخرين لأجل إحضار المدّعى عليه، إيّاهم للحلف.—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۶.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۰ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۵.
(— يلاحظ عليه: أنّه لا يدلّ على وجوب الإحضار، بل يدلّ على أنّ المدّعى عليه لو أحضرهم لحلفوا، من دون دلالة على وجوب الإحضار وعدم كفاية يمينه مع التكرار.
الثانية: ما في رواية بريد بن معاوية، قال عليه السلام: «وإلّا حلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلًا؛ ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا».[1]
وجه الدلالة: أنّه يؤكّد على حلف خمسين رجلًا، ومعه كيف يمكن الاكتفاء بيمين شخص واحد مع التكرار؟
ويرد عليه أيضاً ما أوردناه على دلالة الأُولى، من أنّها تخبر عن طريقة حلف هؤلاء إذا تواجدوا، وأمّا لزوم إحضارهم لهذه الغاية، فلا تدلّ عليه.
اللهمّ إلّاأن يقال: الشكّ في كفاية يمين شخص واحد عن يمين خمسين رجلًا مع التمكّن منه، يكفي في الحكم بعدم الكفاية. وعلى هذا فاللازم لزوم إحضار خمسين رجلًا من قبيلته للحلف، وإن لم يتمكّن من خمسين رجلًا، فبالأقل منهم ويكرر اليمين إلى أن يكمل العدد، ولا تصل النوبة إلى يمين شخص واحد على وجه التكرار إلّامع عدم التمكّن من غيره.
إذا كان المدّعى عليه ومن معه أقلّ من الخمسين كرّرت عليهم الأيمان حتى يكملوا العدد- كما هو الحال في جانب المدّعي- على ما مرّ.—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۳.
(—
إذا حلف المدّعى عليهم يحكم ببراءتهم عن القصاص والدية أخذاً بمقتضى الحلف إجماعاً.
ويدلّ على عدم ثبوت الدية على المدّعى عليه بعد الحلف ما يلي:
۱. صحيحة بريد بن معاوية وفيها: «وإلّا حلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلًا؛ ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا وإلّا أُغرموا الدية إذا وجدوا قتيلًا بين أظهرهم إذا لم يقسم المدّعون».[1]
وجه الدلالة: أنّ غرامة المدّعى عليه الدية علقت على عدم الحلف، فيكون مفهومه عدم ثبوتها مع الحلف.
۲. رواية علي بن الفضيل وفيها: «فإن أبوا أن يحلفوا، أُغرموا الدية فيما بينهم في أموالهم».[2]
وجه الدلالة بنفس ما مرّ في صحيحة بريد بن معاوية.
لكن يظهر من بعض الروايات ثبوت الدية حتّى بعد الحلف، نظير:
۱. ما رواه مسعدة بن زياد عن جعفر عليه السلام قال: «كان أبي رضي اللَّه عنه إذا لم يُقم القوم المدّعون البيّنة على قتل قتيلهم ولم يقسموا بأنّ المتّهمين قتلوه حلّف المتّهمين بالقتل خمسين يميناً باللَّه ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا، ثمّ يؤدّي الدية إلى أولياء القتيل، ذلك إذا قتل في حيّ واحد، فأمّا إذا قتل في عسكر،—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۳.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹، من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۵.
(— أو سوق مدينة فديته تدفع إلى أوليائه من بيت المال»[1].
والشاهد في قوله: «ثم يؤدّي الدية».
أقول: الظاهر عدم الدلالة على وجوبها على المدّعى عليه؛ لأنّ الضمير في «يؤدّي» يرجع إلى الإمام الذي عبّر عنه بأبي، فلو كان المراد المتهمين كان عليه أن يقول: ثم يؤدون الدية إلى أولياء المقتول، وقد جاء الفعل (يؤدي) في الوسائل بصيغة المبني للمعلوم المذكّر، ولكن في التهذيب ورد الفعل بالمبني للمجهول المؤنث (تؤدّى)، ومن الواضح أنّ الفاعل غير معلوم فلا يدلّ على أنّ المؤدّي هو المدّعى عليه الذي حلف.[2] فمن المحتمل كون المؤدّي هو الإمام، وعلى هذا لا دلالة للحديث على ثبوت الدية على المدّعى عليه.
۲. ما جاء في ذيل رواية أبي بصير: «فإنّ على الذين ادّعي عليهم أن يحلف منهم خمسون؛ ما قتلنا ولا علمنا له قاتلًا، فإن فعلوا أدّى أهل القرية الذين وجد فيهم»[3].
وجه الدلالة: أنّ قوله: «فإن فعلوا أدّى أهل القرية الذين وجد فيهم» جملة مركّبة من الشرط والجزاء، فلابد أن يكون بينهما وجه ارتباط، فعلى هذا يجب أن يكون أهل القرية هم الذين ادّعي عليهم، وإلّا يلزم عدم الصلة بين الجملة الشرطية والجملة الجزائية، إذ عندئذٍ يكون معنى الجملة: فإن حلف المتّهمون بالقتل تجب الدية على قوم آخرين ليس لهم جرم سوى—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۶.
[2]. التهذيب: ۱۰/ ۲۰۶، برقم ۱۷.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۰ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۵.
(— وجود القتيل في محلّتهم، وهذا لا يناسب كلام الإمام.
أقول: الرواية ضعيفة بوقوع علي بن أبي حمزة في سندها فلا يحتجّ بها.
۳. ما رواه أبو البختري عن جعفر بن محمد عليهما السلام عن أبيه: «أنه أُتي عليٌّ عليه السلام بقتيل وجد بالكوفة مقطعاً، فقال: «صلّوا عليه ما قدرتم عليه منه، ثمّ استحلفهم قسامة باللَّه ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا، وضمّنهم الدية»[1].
فإن قوله: «ضمنّهم الدية»- بالتشديد- يدلّ على أنّ الضامن هو المدّعى عليهم. ولو قرئ بغير التشديد يكون الضامن هو الإمام.
ولكن الرواية لا يحتجّ بها، لأنّ أبا البختري مرميّ بالكذب.
فتلخّص أنّ المؤدّي في الرواية الأُولى هو الإمام، وأمّا الرواية الثانية والثالثة فليستا بحجّة.
فخرجنا بالنتيجة التالية: أنّه إذا حلف المدّعى عليه برأ من القصاص والدية.
إذا لم يكن للمدّعى عليه قسامة من قومه يحلف المدّعى عليه خمسين يميناً، ويحكم عليه بالبراءة من القصاص والدية كما مرّ في المدّعي.
إذا امتنع المنكر عن القسامة ولم يكن له من يُقسم عنه من قومه—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۸ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۸.
(— أُلزم الدعوى،[1] لقوله عليه السلام في رواية بريد بن معاوية: «وإلّا حلف المدّعى عليه قسامة خمسين رجلًا ما قتلنا ولا علمنا قاتلًا، وإلّا أُغرموا الدية إذا وجدوا قتيلًا بين أظهرهم إذا لم يقسم المدّعون».[2]
وقوله عليه السلام: «إذا وجد قتيلًا بين أظهرهم» قيد محقّق للموضوع مثل قولك: إن رزقت ولداً فاختنه، وليس شرطاً زائداً.
وقوله عليه السلام في رواية علي بن الفضيل عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إذا وجد رجل مقتول في قبيلة قوم، حلفوا جميعاً ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلًا، فإن أبوا أن يحلفوا، أُغرموا الدية فيما بينهم في أموالهم سواء سواء بين جميع القبيلة من الرجال المدركين».[3]
فإنّ قوله: «حلفوا جميعاً ما قتلوه» يعرب عن وجود المدّعي في المورد وأنّه اتّهم القوم بالقتل، فينطبق على اللوث، وإلّا فلا معنى في مورد ميّت ليس له مدّع أن يحلف قوم بأنّهم ما قتلوه.
وعلى كلّ تقدير فالواجب على المتّهمين إذا نكلوا، هو الدية لا القصاص وقول المحقّق: أُلزم الدعوى، يفسّر بالدية لا القصاص عند العمد، والدية عند الخطأ، فإنّه ينافي الروايتين، ولذلك قال المصنّف: أُلزم بالغرامة.—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۵.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۳.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۵.
(—
الضابطة في باب القضاء عدم القضاء بالنكول لكن القضاء هنا مع النكول، لافتراق المقام عن موضع القاعدة كما سيوافيك.
الظاهر من الشيخ في «المبسوط» هو ردّ اليمين أيضاً إلى المدّعي حيث قال: فإن حلفوا برئوا وإن نكلوا عنها رُدّت على المدّعي.[1] ولعلّ وجهه عموم القاعدة بعدم القضاء بالنكول.
ولكن الظاهر أنّ القاعدة راجعة إلى غير هذا المورد؛ وذلك لأنّ عدم القضاء بنكول المنكر فيما إذا كانت اليمين متوجّهة إليه ابتداءً، لا في مثل المقام حيث إنّ اليمين وجبت على المنكر لامتناع المدّعي فلا معنى لإرجاع اليمين إليه.
وبعبارة أُخرى: أنّ القضاء في المقام بنكول المدّعي لأجل أنّ اليمين هنا على المدّعي أصالة، وإنّما يحلف المدّعى عليه بنكول المدّعي أو ردّه، فإذا نكل لم يعد إلى المدّعي لكونه خلاف الفرض.
فخرجنا بالنتيجة التالية:
۱. إذا حلف المدّعى عليه على نفيه يحكم ببراءته عن القصاص والدية.
۲. إذا لم يحلف المدّعي، ونكل المدّعى عليه ثبتت الدية لا القصاص.
وأمّا القصاص عند حلف المدّعي فسيأتي الكلام فيه في المقصد الثالث.
[1]. المبسوط: ۷/ ۲۲۳.
المسألة ۷. تثبت القسامة في الأعضاء مع اللوث، وهل القسامة فيها خمسون في العمد وخمس وعشرون في غيره فيما بلغت الجناية الدية- كالأنف والذكر- وإلّا فبنسبتها من خمسين يميناً في العمد، وخمس وعشرين في الخطأ وشبهه، أو ستّة أيمان فيما فيه دية النفس، وبحسابه من الست فيما فيه دون الدية؟ الأحوط هو الأوّل، والأشبه هو الثاني.
وعليه ففي اليد الواحدة أو الرجل الواحدة- وكلّ ما فيه نصف الدية- ثلاث أيمان، وفيما فيه ثلثها اثنتان وهكذا، وإن كان كسر في اليمين أكمل بيمين؛ إذ لا تكسر اليمين، فحينئذٍ في الإصبع الواحدة يمين واحدة، وكذا في الأنملة الواحدة، وكذا الكلام في الجرح، فيجزي الست بحسب النسبة، وفي الكسر يكمل بيمين.^
^ في المسألة فروع:
قال الشيخ: يثبت عندنا في الأطراف قسامة مثل العينين، واللسان، واليدين، والرجلين والشمّ وغير ذلك. وقال جميع الفقهاء: لا قسامة في الأطراف وإنّما هي في النفس وحدها، إلّاأنّ الشافعي قال: إذا ادّعى قطع طرف تجب فيه الدية كاملة (كالعضو الواحد مثل الأنف)، كان على المدّعى عليه اليمين.[1]—)
[1]. الخلاف: ۵/ ۳۱۲، كتاب القسامة، المسألة ۱۲.
(— وقال المحقّق: وتثبت القسامة في الأعضاء مع التهمة.[1]
وظاهر الكلمات عدم الفرق بين ما فيه القصاص كالعين، وما ليس فيه كالمأمومة.
وعلى كلّ تقدير يدلّ على ثبوتها في الأعضاء ما سيوافيك من رواية عبداللَّه بن أيوب عن أبي عمر المتطبّب في عدد القسامة في الأعضاء.[2]
اختلفت كلمة الأصحاب في عدد القسامة وقدرها في مورد الطرف، إلى قولين:
۱. ذهب الأكثر إلى أنّها- كالنفس فيما فيه الدية الكاملة كاللسان والأنف واليدين- خمسون يميناً في العمد وخمس وعشرون في الخطأ، وبنسبتها من الخمسين يميناً فيما ديته دون ذلك.
۲. والبيّنة في الأعضاء مثلُ البيّنة في النفس من شهادة مسلمين عدلين.
والقسامة فيها واجبة مثلها في النفس، فكلُّ شيء من أعضاء الإنسان، يجب فيه الدية كاملة، مثل العينين والسمع وما أشبههما، كان فيه القسامة: ستةُ رجال يحلفون باللَّه تعالى: أنّ المدّعى عليه قد فعل بصاحبهم ما ادّعوه عليه.[3]
وقال الشيخ في «الخلاف»: وعند أصحابنا أنّ ما يجب فيه الدية—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۵.
[2]. لاحظ: الوسائل: ۱۹، الباب ۱۱ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۲ وسيوافيك لفظه.
[3]. النهاية: ۷۴۱.
(— في الأطراف، فالقسامة فيه ستة أنفس، بستة أيمان، فإن لم يكونوا كررت على المدّعي ستة أيمان، وفيما نقص بحسابه.[1]
حاصل القول الأوّل: أنّه لو كانت دية الطرف تمامها كقطع كلتا اليدين الذي فيه دية كاملة ففيه خمسون يميناً، كدية النفس.
وإن كانت دية العضو أقل من دية كاملة كقطع اليد الواحدة، إذ فيه نصف الدية ولمّا كانت نسبة دية اليد إلى دية النفس هو النصف، فيجب عليه نصف أيمان النفس، أعني: خمساً وعشرين يميناً.
وإن كانت دية العضو عُشر الدية كالإصبع الواحد ففيها عُشر الخمسين، أعني: خمس أيمان، وهكذا.
وهذا هو المراد من قول المصنّف: وإلّا فبنسبتها من خمسين يميناً في العمد وخمس وعشرين في الخطأ وشبهه.
وقد ذكرنا مثال العمد فعليك التمثيل للخطأ أيضاً.
وحاصل القول الثاني: أنّ القسامة في الطرف ست أيمان، ففي قطع اليد الواحدة نصف الست وهو ثلاث أيمان.
وفي الإصبع الواحد، فبما أنّ ديته عشر الدية الكاملة، فيجب فيه عُشر الست، وبما أنّه لا عُشر للستة يتعيّن يمين واحدة، إذ لا يمكن التبعّض في اليمين.
نعم هنا احتمال آخر وراء القولين وهو احتمال عدم اعتبار النسبة—)
[1]. الخلاف: ۵/ ۳۱۳- ۳۱۴، كتاب القسامة، المسألة ۱۲.
(— في الأقل وتكون فيه القسامة خمسون أو ستة.
وهناك احتمال رابع وهو نفي القسامة رأساً ويكون كسائر الدعاوي، بالقضاء بالبيّنة أو يمين المنكر، لكن لم نعثر على القائل بهذين الوجهين، وإنّما الموجود هما القولان الأوّلان.[1] والاحتمال الرابع مخالف لما سيوافيك من رواية ظريف.
إنّما الكلام في دليلي القولين فربما يقال المشهور هو القول الثاني يعني القول بأنّ القسامة في الأعضاء ستة، وقد عرفت القول به عن الشيخ في الخلاف والمبسوط وتبعه ابن البرّاج[2] وابن حمزة.[3] والمنقول عن الشيخ المفيد هو القول الأوّل، وهو خيرة سلّار[4]، وابن إدريس.[5]
وعلى ذلك فلم يظهر وجود الشهرة في أحد القولين، ويمكن الاستدلال على القول الأوّل- مضافاً إلى كونه أحوط، وأنّ القسامة على خلاف القاعدة، يُقتصر فيه بالمتيقّن، وهو اعتبار خمسين قسامة- بإطلاق ما دلّ على أنّ في العمد خمسون وفي الخطأ خمس وعشرون، كصحيح عبداللَّه بن سنان قال: قال أبوعبداللَّه عليه السلام: «في القسامة خمسون رجلًا في العمد، وفي الخطأ خمسة وعشرون رجلًا وعليهم أن يحلفوا باللَّه».[6] من غير فرق بين النفس والطرف، ولكن الإطلاق حجّة مالم يكن في البين ما يقيّده، وسيوافيك—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۵۶.
[2]. المهذب: ۲/ ۵۰۱.
[3]. الوسيلة: ۴۶۰.
[4]. المراسم: ۲۳۲ و ۲۴۸.
[5]. السرائر: ۳/ ۳۳۸.
[6]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۱ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۱.
(— ما يقيّده في دليل القول الثاني.
واحتجّ للقول الثاني بوجهين:
۱. ما رواه الكليني بسندين ينتهي أحدهما إلى الرضا عليه السلام والآخر إلى أبي عمر المتطبّب. ورواية الكليني بالسند المنتهي إلى الرضا عليه السلام صحيحة. ورواه الصدوق والشيخ وفي سندهما ضعف.
قال عليه السلام: «والقسامة جعل في النفس على العمد خمسين رجلًا، وجعل في النفس على الخطأ خمسة وعشرين رجلًا وعلى ما بلغت ديته من الجروح ألف دينار، ستة نفر وما كان دون ذلك فحسابه من ستة نفر، والقسامة في النفس والسمع والبصر والعقل والصوت من الغنن والبحح ونقص اليدين والرجلين فهو ستة أجزاء الرجل».[1]
نعم يكتفي بالستة في إثبات الدية كما عليه الرواية من أوّلها إلى آخرها، بل في ذيلها تصريح بما ذكرناه بالاختصاص بالدية حيث قال: «وإن كان كلّه حلف ست مرات ثم يعطى» وأمّا القصاص فلا دليل على ثبوته بها بل مقتضى القاعدة هو الاقتصار بالخمسين.
۲. ما ذكره العلّامة من أنّ الجناية هنا أخفّ، فكان الحلف فيها أخفّ والتشدّد فيه أقل عملًا بالتناسب.[2]
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۱ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۲، ولاحظ الكافي: ۷/ ۳۶۲- ۳۶۳.
[2]. مختلف الشيعة: ۹/ ۳۰۱.
المسألة ۸. يشترط في القسامة علم الحالف، ويكون حلفه عن جزم وعلم، ولا يكفي الظن.^
المسألة ۹. هل تقبل قسامة الكافر على دعواه على المسلم في العمد والخطأ في النفس وغيرها؟ فيه خلاف، والوجه عدم القبول.^^
^
بمعنى أنّه لا يكفي الظن لأنّ الحلف هنا نوع قضاء وهو فرع الجزم بالموضوع، لقولهم عليهم السلام: لا تشهدن بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفّك.[1]
وروى المحقّق في «الشرائع» عن النبي صلى الله عليه و آله وقد سُئل عن الشهادة، قال:
«هلترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع».[2]
^^
اختلفت كلمتهم في قبول قسامة الكافر على المسلم، وذهب الشيخ في «المبسوط» إلى القبول، قال: فإن كان المقتول مشركاً والمدّعى عليه القتل مسلماً، قال قوم: يقسم وليّه ويثبت القتل على المسلم، وقال قوم: لا قسامة لمشرك على مسلم. والأوّل: أقوى عندنا لعموم الأخبار غير أنّه لا يثبت به القود وإنّما يثبت به المال.[3]—)
[1]. الوسائل: ۱۸، الباب ۲۰ من أبواب الشهادات، الحديث ۱.
[2]. الوسائل: ۱۸، الباب ۲۰ من أبواب الشهادات، الحديث ۳.
[3]. المبسوط: ۷/ ۲۱۶.
(— وفي الوقت نفسه ذهب الشيخ في «الخلاف» إلى العدم، وقال: إذا كان ولي المقتول مشركاً والمدّعى عليه مسلماً لم يثبت القسامة. وبه قال مالك، وقال الشافعي وأبو حنيفة: إنّه يثبت القسامة، فإذا حلفوا ثبت القتل.
ثم استدلّ الشيخ على عدم قبول قسامة الكافر بوجوه خمسة:
۱. الأصل براءة الذمة.
۲. إثبات القتل على المسلم بيمين المشرك، يحتاج إلى دليل.
۳. لو أوجبنا القتل عليه بيمينهم لوجب أن يقاد به، وقد بيّنا أنّه لا يقاد مسلم بكافر.
۴. لو أوجبنا عليه الدية لأوجبنا بيمين كافر ابتداءً على مسلم مالًا.
۵. مع علمنا بأنّهم يستحلّون أموال المسلمين ودماءهم.[1]
واستدلّ في «المسالك» على خيرة الشيخ في «الخلاف» بوجه سادس وهو أنّ استحقاق القسامة سبيل ولا شيء من السبيل بثابت للكافر على المسلم بالآية.[2]
والظاهر قبول قسامته في العمد والخطأ لكن النتيجة مطلقاً هي الدية، ويعلم ذلك من دراسة أهمّ أدلّة المانعين على وجه الاختصار:
۱. لو أوجبنا القتل بيمينهم فهو مخالف لقوله: «لا يقاد مسلم بذمّي»،—)
[1]. الخلاف: ۵/ ۳۱۲، المسألة ۱۰.
[2]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۱۰.
(— ولو أوجبنا الدية لزم قبول يمين الكافر ابتداءً على المسلم في مال.
يلاحظ عليه: أنّ القتل العمدي يثبت بيمين الكافر، ولمّا امتنع القصاص لأجل أنّه لا يقاد مسلم بذمّي ينتقل إلى الدية، وقد مرّ أنّ كلّ مورد امتنع فيه القصاص ينقلب إلى الدية.
وبعبارة أُخرى: المقتضي موجود لثبوت القتل، غاية الأمر المانع يمنع عن تأثيره وهو «لا يقاد مسلم بذمّي» فينتقل إلى الدية.
۲. أنّ استحقاق القسامة سبيل، ولا شيء من السبيل بثابت للكافر على المسلم.
يلاحظ عليه: أنّ غاية ما يترتّب على القسامة هو الدية وهو حق ماليّ ولا يعدّ مثله سبيلًا، كما لو اقترض المسلم من ذمّيّ يجب عليه رد عوضه ولا يعدّ سبيلًا.
۳. أنّ الغاية من تشريع القسامة حقن دماء المسلمين.[1]
يلاحظ عليه: بأنّه محجوج بخلافه حيث جاء في رواية عبداللَّه بن سنان عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: سألته عن القسامة؟ فقال: «هي حق ولولا ذلك لقتل الناس بعضهم بعضاً ولم يكن شيء».[2] والغاية حقن دماء الناس لا—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۳. وفيه: إنّما حقن دماء المسلمين بالقسامة، فتختص بهم.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۸. ولاحظ الحديث ۹ أيضاًوفيه: إنّما وضعت القسامة لعلّة الحوط يحتاط على الناس.
(— خصوص المسلمين.
ولو افترضنا دليلًا كلّياً في عدم الاعتداد بحلف الكافر، فيكون إطلاق دليل القسامة مخصصاً له.
نعم يبقى الكلام في تقرير النبي صلى الله عليه و آله الأنصار على الإباء حيث قال رسول اللَّه لهم: لكم بيّنة؟، فقالوا: لا، فقال: «أفتقسمون؟» فقالت الأنصار: كيف نقسم على ما لم نره. فقال: فاليهود يقسمون، فقالت الأنصار: يقسمون على صاحبنا؟
قال: فوداه الرسول صلى الله عليه و آله من عنده.[1] فإن تأدية الدية صار سبباً لتقرير إنكار الأنصار قسامة الكافر، فيدل على أنّ حلفهم ليس بشيء.
وقد أجاب عن ذلك صاحب الجواهر بقوله: إنّما كان ذلك سياسة لا لعدم جواز قسامتهم، وإلّا لم يأمر به صلى الله عليه و آله فإنّ ذلك صريح في ثبوتها.[2]
ولعلّ المقصود من السياسة أنّه لا يترتّب على قسامة اليهود على البراءة سوى دفع الدية من بيت المال- كما هي الضابطة- فلذلك ترك دعوة القوم عليها (القسامة) وقدّم الدية من بيت المال أخذاً بقول القائل: «خذ الغايات واترك المبادئ».
وعلى كلّ تقدير فالأخذ بقسامتهم وإثبات الدية لا يخلو من وجه.
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۰ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۷.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۵۷- ۲۵۸.
المسألة ۱۰. لابدّ في اليمين من ذكر قيود يخرج الموضوع ومورد الحلف عن الإبهام والاحتمال من ذكر القاتل والمقتول ونسبهما ووصفهما بما يزيل الإبهام والاحتمال، وذكر نوع القتل من كونه عمداً أو خطأ أو شبه عمد، وذكر الانفراد أو الشركة ونحو ذلك من القيود.^
^
لاشكّ أنّه يعتبر في سماع الدعوى كونها مقرونة بذكرالخصوصيات الّتي تخرجها عن الإجمال والإبهام، فلابد من ذكر القاتل والمقتول ونسبهما وما يزيل الاحتمال، وذكر الانفراد والشركة ونوع القتل، فإذا كان هذا حال الدعوى فليكن اليمين مثلها، فلا تقبل إلّاإذا طابقت نفس الدعوى مع خصوصياتها، وقد ذكر المحقّق خصوصيات اليمين وهي دليل على اشتراط ذكرها في الدعوى أيضاً لينطبق اليمين على الدعوى، قال: ويشترط في اليمين أُمور:
۱. ذكر القاتل والمقتول.
۲. الرفع في نسبهما بما يزيل الاحتمال.
۳. وذكر الانفراد أو الشركة.
۴. ونوع القتل.
ثم الشيخ فرّق بين يمين المدّعي ويمين المدّعى عليه عند نكول المدّعي فقال: فأمّا صفة اليمين الّتي يقسم بها وما يحتاج إليه، يحتاج إلى—)
(— أربعة أشياء: ذكر القاتل والمقتول، ويقول: قتله منفرداً بقتله لم يشترك فيه غيره عمداً أو خطأ.[1]
وأمّا في صفة المدّعى عليه فيحتاج أن يذكر فيها ستة أشياء: ما قتل فلان فلاناً، ولا أعان على قتله ولا ناله من فعله ولا بسبب فعله شيءٌ، ولا وصل إلى شيء من بدنه، ولا أحدث شيئاً مات منه.[2]
وأمّا الروايات فلم يرد في ناحية يمين المدّعي سوى تصريحهم بالقتل، وأمّا في ناحية المدّعى عليه فقد جاء في رواية مسعدة بن زياد أنهم يقسمون «خمسين يميناً باللَّه ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا»[3]، وقريب من ذلك ما رواه أبو بصير.[4]
والذي يمكن أن يقال: إنّه لا خصوصية لباب القسامة وإنّما الحكم في باب المحاكم والمرافعات واحد، وهو طرح الدعوى مقرونة بالوضوح بذكر القيود الّتي تخرج الدعوى عن الإبهام والإجمال، ولذلك ربما يحتاج إلى ذكر الزمان والمكان. وعليه فاليمين في ذلك الباب مثل اليمين في سائر الأبواب يجب أن تكون منطبقة على نفس ما طُرح في الدعوى.
[1]. المبسوط: ۷/ ۲۳۷.
[2]. المبسوط: ۷/ ۲۳۹.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۶.
[4]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۰ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۵.
المسألة ۱. يثبت القصاص بالقسامة في قتل العمد، والدية على القاتل في الخطأ شبيه العمد، وعلى العاقلة في الخطأ المحض، وقيل: تثبت في الخطأ المحض على القاتل لا العاقلة، وهو غير مرضيّ.^
^
في المسألة فروع:
۱. إذا حلف خمسون رجلًا على قتل العمد، يقتصّ من القاتل.
۲. إذا حلفوا على شبه العمد، تثبت الدية على القاتل.
۳. إذا حلفوا على قتل الخطأ، تثبت الدية على العاقلة.
أمّا الفرع الأوّل: فيظهر من النصّ والفتوى أنّ القسامة تقوم مقام البيّنة والإقرار، فلو كان موردها القتل عن عمد يترتّب عليه أثره وهو القصاص حيث إنّ الأصل فيه هو، وأمّا الدية فإنّما تصل النوبة إليها عند التراضي، قال الشيخ المفيد: فأمّا قتل العمد ففيه القود على ما قدّمناه، وإن اختار ذلك أولياء المقتول، وإن اختاروا العفو فذلك لهم.[1]—)
[1]. المقنعة: ۷۳۵؛ ولاحظ: النهاية: ۷۳۴؛ وتحرير الأحكام: ۵/ ۴۸۹، المسألة ۷۱۲۱.
(— وقال سبحانه: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»[1] وعلى هذا فالصغرى ثابتة بالقسامة، وأنّ القتل كان عن عمد، والكبرى بالنصّ، وفي روايات القسامة الّتي تشير إلى حكمة التشريع إشارة إلى ذلك، روى زرارة عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إنّما جعلت القسامة احتياطاً للناس لكيما إذا أراد الفاسق أن يقتل رجلًا أو يغتال رجلًا حيث لا يراه أحد خاف ذلك فامتنع من القتل».[2]
وروى بُريد بن معاوية عن أبي عبد اللَّه عليه السلام في حديث عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم خطاباً للأنصار: «فأقيموا قسامة خمسين رجلًا أقيده برمّته».[3]
وأمّا الفرع الثاني– أعني: كون القتل شبه العمد-: فالدية على القاتل؛ وذلك لأنّ العاقلة تحمل دية القتل خطأ، والمفروض أنّه ليس خطأ، فيبقى تحت الضابطة الكلية، فالصغرى أي كون القتل شبه عمد تثبت بالقسامة، والكبرى تثبت بالدليل وهي: أنّ دية القتل على القاتل إلّاما خرج بالدليل، أي إذا كان القتل خطأً محضاً.
قال في «الجواهر»: وثبوت الدية على القاتل في عمد الخطأ بلا خلاف أجده فيه، ولا إشكال.[4]
وأمّا الفرع الثالث: المشهور أنّ دية قتل الخطأ على العاقلة—)
[1]. المائدة: ۴۵.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۱. وبهذا المضمون الحديث ۲ من هذا الباب.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۳.
[4]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۶۵.
(— لتضافر الروايات عليه، منها:
ما رواه الحكم بن عتيبة عن أبي جعفر عليه السلام- في حديث- قال: «يا حكم إذا كان الخطأ من القاتل (أو الخطأ) من الجارح وكان بدويّاً فدية ما جنى البدويُّ من الخطأ على أوليائه البدويين، قال: وإذا كان القاتل أو الجارح قرويّاً فإنّ دية ما جنى من الخطأ على أوليائه من القرويين».[1] والرواية محمولة على كون عاقلة البدويّ بدويّةً أيضاً، وعاقلة القروي قرويةً أيضاً، وإلّا فالضامن هو العاقلة وإن خالفت القاتل في البيئة.
وصحيحة محمد الحلبي، قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن رجل ضرب رأس رجل بمعول فسالت عيناه على خديه فوثب المضروب على ضاربه فقتله؟ قال: فقال أبو عبد اللَّه عليه السلام: هذان متعدّيان جميعاً، فلا أرى على الذي قتل الرجل قوداً؛ لأنّه قتله حين قتله وهو أعمى، والأعمى جنايته خطأ يلزم عاقلته يؤخذون بها في ثلاث سنين».[2]
ومعتبرة إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام: «أنّ علياً عليه السلام كان يقول:
عمد الصبيان خطأ يحمل على العاقلة».[3]
هذا هو المشهور غير أنّ العلامة أفتى بأنّها على القاتل، قال في التحرير:
وإن كان القتل خطأ تثبت الدية على القاتل لا على العاقلة، فإنّ العاقلة—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۸ من أبواب العاقلة، الحديث ۱.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۰ من أبواب العاقلة، الحديث ۱.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۱ من أبواب العاقلة، الحديث ۳.
(— إنّما تضمن الدية مع البيّنة لا مع القسامة.[1]
ويدل على ذلك خبر زيد بن علي عن آبائه عليهم السلام قال: «لا تعقل العاقلة إلّاما قامت عليه البيّنة، قال: وأتاه رجل فاعترف عنده فجعله في ماله خاصّة ولم يجعل على العاقلة شيئاً».[2]
ويمكن أن يقال: إنّ الرواية بصدد عدم ثبوت الدية بإقرار القاتل لا بالقسامة، فالحصر في مقابل الإقرار، لا في مقابل الثبوت بالقسامة. على أنّ القسامة بمنزلة البيّنة كما في رواية بُريد بن معاوية،[3] وزرارة.[4]
[1]. تحرير الأحكام: ۵/ ۴۸۷.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب العاقلة، الحديث ۱.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۳.
[4]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۰ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۳.
المسألة ۲. لو ادّعى على اثنين وله على أحدهما لوث، فبالنسبة إلى ذي اللوث كان الحكم كما تقدّم من إثباته بخمسين قسامة، وبالنسبة إلى غيره كانت الدعوى كسائر الدعاوي، اليمين على المدّعى عليه ولا قسامة، فلو حلف سقطت دعواه بالنسبة إليه، وإن رد اليمين على المدّعي حلف، وهذا الحلف لا يدخل في الخمسين، بل لابدّ في اللوث من خمسين غير هذا الحلف على الأقوى.^
^
حاصل المسألة: أنّ القسامة فرع وجود اللوث، فإن كان المدّعى عليه واحداً أو كان متعدّداً، وكان اللوث في الجميع، تكفي قسامة واحدة في الحكم على المدّعى عليه أو عليهم.
وأمّا إذا كان المدّعى عليه متعدّداً ولكن اختصّ اللوث بواحد دون الآخرين فتكون الدعوى على غير ذي اللوث كسائر الدعاوي العادية، فإن أقام المدّعي البيّنة يثبت المدّعى، وإلّا فإن حلف المدّعى عليه تثبت براءته، وإن نكل عن اليمين حلف المدّعي يميناً واحداً فتثبت مشاركته في القتل.
كلّ ذلك على ضوء القواعد.
ثمّ إنّ المصنّف ذكر أنّ هذا الحلف لا يدخل في الخمسين، ومراده أنّ المدّعي إذا حلف هنا حلفاً واحداً ومع ذلك لابدّ له من خمسين حلفاً بالنسبة إلى ذي اللوث، لا يمكن له أن يحسب هذا اليمين كواحد من—)
(— الخمسين لاختلاف الموضوع.
قال الشهيد في «المسالك»: وفي دخوله في جملة الخمسين أو كونه خارجاً عنها، القولان السابقان فيما إذا تعدّد المدّعى عليه.[1]
ثم إنّ قول الماتن: «وهذا الحلف لا يدخل في الخمسين» أمر غير لازم؛ لأنّ كلامه في حلف المدّعي بالنسبة إلى غير ذي اللوث الّذي يكفي فيه حلف واحد، ولا قسامة فيه، فعندئذٍ لا يناسب قوله: «وهذا الحلف … الخ» لوضوح أنّ حلفه بالنسبة إلى غير ذي اللوث لا يقوم مقام حلفه معه.
[1]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۱۵.
المسألة ۳. لو أراد قتل ذي اللوث بعد الثبوت عليه بالقسامة، يردّ عليه نصف ديته، وكذا لو ثبت على الآخر باليمين المردودة وأراد قتله، يردّ عليه نصف الدية.^
^
المفروض في هذه المسألة نفس المفروض في المسألة السابقة، أعني:
إذا اختصّ اللوث بواحد منهما دون الآخر، فأراد قتلهما فلابدّ أن يردّ وليّ الدم لأولياء كلّ من المقتولين نصفَ الدية؛ لأنّ كل واحد باعترافه مشارك في القتل لا منفرد فلا يملك الوليُّ إلّانصفه، وبما أنّ التنصيف غير ممكن ينتقل البدل إلى الدية. وأمّا إذا أراد قتل واحد منهما فيرد المتروك نصف الدية إلى أولياء المقتول.[1]
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۶۶.
المسألة ۴. لو كان لوث وبعض الأولياء غائب ورفع الحاضر الدعوى إلى الحاكم تسمع دعواه، ويطالبه خمسين قسامة، ومع الفقد يُحلفه خمسين يميناً في العمد، وفي غيره نصفها حسب ما عرفت، ويثبت حقّه، ولم يجب انتظار سائر الأولياء، وله الاستيفاء ولو قوداً، ثم لو حضر الغائب وأراد استيفاء حقّه قالوا:
۱. حلف بقدر نصيبه، فإذا كان واحداً ففي العمد خمس وعشرون، وإن كان اثنين فلكلّ ثلث وهكذا، وفي الكسور يجبر بواحدة.
۲. ويحتمل ثبوت حق الغائب بقسامة الحاضر أو يمينه.
۳. ويحتمل التفصيل بين قسامة الحاضر فيقال بثبوت حق الغائب بها، ويمينه خمسين يميناً مع فقد القسامة، فيقال بعدم ثبوته بها.
۴. ويحتمل ثبوت حق الغائب بضم يمين واحدة إلى عدد القسامة، ومع فقدها و [مع] يمين الحاضر ضمّ حصّته من الأيمان.
۵. ويحتمل عدم ثبوت دعوى الغائب إلّابخمسين قسامة، ومع فقدها يحلف خمسين يميناً كالحاضر، ولو كان الغائب أزيد من واحد وادّعى الجميع كفاهم خمسين قسامة أو خمسين يميناً من جميعهم.
أقوى الاحتمالات الأخير، سيّما إذا ثبت حقّه [الحاضر] بخمسين يميناً منه، وتأتي الاحتمالات مع قصور بعض الأولياء.^
^
إذا تعدّد الولي حلف الجميع خمسين يميناً موزعة عليهم ولا—)
(— يثبت الحق بدون مجموع الأيمان، إنّما الكلام إذا كان بعض الأولياء صغيراً أو غائباً فهل للآخر أو الآخرين إقامة القسامة واستيفاء الحق.
الظاهر أنّ لهم ذلك، مثلًا لو كان الولي اثنين تخيّر الحاضر بين أن يصبر إلى أن يحضر الغائب فيحلف كلّ بحسب حصته، وبين أن يحلف في الحال خمسين يميناً ويثبت حقّه.
إنّما الكلام فيما لو حضر الغائب وأراد استيفاء حقّه، فهل يحلف أو لا يحلف، وعلى الأوّل فكيف يحلف؟
قال المحقّق: لو كان أحد الوليين غائباً وهناك لوث، حلف الحاضر خمسين يميناً ويثبت حقّه، ولم يجب الارتقاب.[1]
لاشكّ أنّه لو كان بين الورثة حقٌّ يتعلّق بالجميع وعلى نحو العام الاستغراقي، يجوز للحاضر أن يقيم القسامة على القتل أو يحلف خمسين يميناً ويثبت حقّه، وذلك لما عرفت من أنّ الحق على وجه العام الاستغراقي، أي لكلّ حق القصاص.
إنّما الكلام في الاستيفاء فيظهر من المتن جواز الاستيفاء ولو قوداً، لكنّه يخالف ما سيأتي منه في فصل كيفية الاستيفاء (المسألة السابعة) من أنّه لو كان أولياء الدم أكثر من واحد فالأقوى عدم جواز الاستيفاء إلّاباجتماع الجميع. ثم قال: وعن جمع: يجوز لكلّ واحد منهم المبادرة، ولا يتوقّف على إذن—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۶.
(— الآخر، ولكن يضمن حصص من لم يأذن، والأوّل أقوى.
والحاصل: أنّ إثبات الحق شيء لا يتوقّف على إذن الآخرين والاستيفاء شيء آخر، فكأنّ تجويز الاستيفاء من المصنّف في المقام مبني على مختار الآخرين.
ثم لو حضر الغائب وأراد استيفاء حقّه يقع الكلام في كيفية إثبات حقّه ثم استيفائه، حيث ذكر المصنّف هنا وجوهاً أوّلها هو المشهور وآخرها مختاره، وإليك بيانها:
۱. فلو كان الغائب واحداً حلف بقدر نصيبه، ففي العمد خمس وعشرون، وفي الخطأ نصفَه وهو ثلاثة عشر يميناً.
قال المحقّق: ولو حضر الغائب حلف بقدر نصيبه وهو خمس وعشرون يميناً، وكذا لو كان أحدهما صغيراً.[1]
ولنذكر بعض الصور:
أ. إذا كان الورّاث ثلاثة أحدهم غائب، حلف الحاضران خمسين يميناً كلّ منهما خمسة وعشرون، وإذا حضر الغائب يحلف سبعة عشر يميناً.
وجه ذلك: أنّ ثبوت الحق يتوقّف على خمسين يميناً، فلا مناص للحاضِرَين من خمسين يميناً حتى يثبت الحق، وليس لهما تقسيط الخمسين على ثلاثة، لاحتمال أنّ الغائب لا يدّعي أو لا يحلف، وأمّا الغائب فإنّما—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۶.
(— يحضر بعد ثبوت الحق فليس له من اليمين إلّانصيبه.
ب. لو كان الحاضر من الثلاثة واحداً حلف خمسين يميناً، لما عرفت من أنّ ثبوت الحق يتوقّف على الخمسين، وليس له الاعتماد على حلف الآخرَين لاحتمال عدم ادّعائهما أو حلفهما، نعم لو حضرا ليس لهما في الحلف إلّانصيب كلّ، أعني: سبعة عشر يميناً، وهكذا سائر الصور.[1]
وحاصل الكلام: أنّ الحاضر سواء كان واحداً أو اثنين يجب عليه أو عليهما خمسون يميناً، وأمّا غيره فيحلف على قدر نصيبه.
۲. ثبوت حق الغائب بقسامة الحاضر أو يمينه.
۳. التفصيل بين قسامة الحاضر ويمينه، ففي الأوّل يثبت حق الغائب بها أيضاً دون الثاني فلا يثبت بيمين الحاضر حق الغائب.
۴. ثبوت حق الغائب بضم يمين واحدة إلى عدد القسامة، ومع فقد القسامة ويمين الحاضر، ضمّ حصّته من الأيمان.
۵. عدم ثبوت دعوى الغائب إلّابخمسين قسامة، ومع فقدها يحلف خمسين يميناً كالحاضر.
فلو كان الغائب أزيد من واحد وادّعى الجميع، كفاهم خمسون قسامة أو خمسون يميناً من الأولياء.
وقد قوّى المصنّف الوجه الأخير خصوصاً إذا ثبت حق—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۶۷، بتصرّف منا.
(— الحاضر بخمسين يميناً منه.
هذا كلّه في الغائب، وتأتي هذه الاحتمالات مع قصور بعض الأولياء كالطفل.
هذا ما يرجع إلى بيان المتن، ويقع الكلام في موضعين:
وقد ذكر المصنّف وجوهاً واحتمالات، ويمكن أن يقال: إنّ قسامة الحاضر إن كانت كالبيّنة على وجه الإطلاق فيثبت حق الحاضر الحالف والغائب غير الحالف معاً من دون حاجة إلى يمين آخر، وإن كانت كالبيّنة لكن في خصوص المدّعي دون غيره، فاللازم حلف الآخر خمسين يميناً تماماً لعدم مدخلية ما صدر عن الحاضر، وهذا الشق هو الاحتمال الأخير في المتن.
ويمكن أن يفرّق بالإتيان بخمسين قسامة، وبين تكرير اليمين على المدّعي، ففي الأوّل يثبت حق الغائب أيضاً، دون الثاني لأنّ القدر المتيقّن كفاية التكرير لصاحب اليمين لا لغيره وهذا هو الاحتمال الثالث.
وعلى ذلك فهل عليه الإتيان بخمسين قسامة، أو يكفي خمس وعشرون منها، الظاهر هو الأوّل، لأنّ المفروض عدم ثبوت حقّ الغائب بيمين الحاضر، وأمّا ما مرّ من الوجوه فليس له دليل واضح.—)
(—
۱. إذا قدم الغائب بعد اقتصاص الحاضر ورضي بالقصاص فلا شيء عليهما، ولا حاجة إلى إقامة القسامة ولا اليمين؛ لأن الغاية منهما هو الاقتصاص وقد حصل.
۲. وإذا قدم الغائب بعد اقتصاص الحاضر ولم يرض بالقصاص، يجب دفع ما يستحقه من الدية؛ لأنّه باعترافه ذو حق، ولا يحتاج إلى إقامة القسامة ولا اليمين؛ لأنّ اعتراف الحاضر كافٍ في وجوب دفع نصف الدية إليه.
۳. إذا قدم الغائب قبل استيفاء الحاضر وأراد القصاص أو الدية فيدخل في الموضع السابق من أنّه هل يحلف بقدر نصيبه أو يكفي قسامة الحاضر؟
فقد مرّ الكلام فيه. وبذلك يظهر أنّ موضع هذه الاحتمالات فيما إذا ثبت حق الحاضر ولكن لم يستوف وإليه يشير في المتن بقوله: «ثم لو حضر الغائب وأراد استيفاء حقّه».
المسألة ۵. لو كذّب أحد الوليّين صاحبه لم يقدح في اللوث فيما إذا كانت أمارات على القتل. نعم لا يبعد القدح إذا كان اللوث بشاهد واحد مثلًا، والمقامات مختلفة.^
^
قال الشيخ: إذا قتل رجل وهناك لوث وله وليان أخوان أو ابنان، فادّعى أحد الوليين أنّ هذا قتل أبي، وكذّبه الآخر وقال: ما قتله هذا، فلا يقدح هذا التكذيب في اللوث. وللشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلناه، وهو اختيار المزني؛ والآخر يقدح وهو الصحيح عندهم. واستدلّ الشيخ على عدم القدح بوجوه:
۱. أنّه قد ثبت اللوث قبل التكذيب فمن قال: إنّ التكذيب أثّر فيه، فعليه الدليل.
۲. فبثبوت اللوث ثبت حق للوليين، فإذا كذّب أحدهما لا يسقط حق الآخر.
۳. أنّ اليمين مع اللوث في الدماء كاليمين مع الشاهد في الأموال. ولو أنّ أحد الابنين ادّعى مالًا لأبيه فأقام شاهداً واحداً وكذبه أخوه وقال: لا حقّ لأبينا على هذا، لم يقدح هذا التكذيب في شاهد أخيه، وكان له أن يحلفه (ظ.
يحلف)، فكذلك لا يقدح التكذيب في اللوث وله أن يحلف.[1]
وقال المحقّق: ولو أكذب أحد الوليّين صاحبه، لم يقدح ذلك في—)
[1]. الخلاف: ۵/ ۳۱۵، المسألة ۱۵. ولاحظ: المبسوط: ۷/ ۲۳۵.
(— اللوث وحلف لإثبات حقّه خمسين يميناً.[1]
أقول: البحث في المقام صغروي، وما أكثر البحث في الصغرى في الكتب الفقهية، كالبحث عن مصاديق المؤونة في الخمس والاستطاعة في الحج، إلى غير ذلك، وبما أنّ اللوث قائم بالظن بالقتل فيدور الكلام حول بقائه مع تكذيب أحد الأولياء، ولذلك قال المصنّف في المتن: نعم لا يبعد القدح إذا كان اللوث بشاهد واحد مثلًا.
وجه القدح: أنّ شهادة الواحد على القتل تعارض تكذيب الولي الآخر، وعند ذلك يذهب الظن بالقتل فتبطل القُسامة.
وعلى ما ذكرنا فالميزان بقاء الظن بالقتل وعدمه، ولعلّه يختلف حسب اختلاف المقامات كما في المتن.
وأمّا ما ذكره الشيخ من الوجوه الثلاثة على إثبات بقاء اللوث فغير ناجحة.
أمّا الأوّل- الذي هو أشبه بالتمسّك بالاستصحاب، حيث قال: قد ثبت اللوث قبل التكذيب، ومن قال بأنّ التكذيب أثّر فيه فعليه الدليل- فضعيف؛ وذلك لأنّ الأُمور الوجدانية لا تقبل التعبّد بالبقاء وعدمه، لأنّ الإنسان أعرف بوجدانه ووجدانياته، فهو إمّا أن يشعر ببقاء الظن أو يشعر بعدمه، ومعه لا معنى للتعبّد بالبقاء.
ومنه يظهر ضعف الثاني، أعني قوله: فبثبوت اللوث ثبت حق—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۶.
(— للوليين، فإذا كذب أحدهما لا يسقط عن الآخر؛ وذلك لأنّ اللوث مُثبِتُ حق للوليين ما دام الموضوع موجوداً وهو الظن بالقتل، فإذا ذهب يبطل الحق بذهاب موضوعه.
وأمّا الوجه الثالث- أعني: قياس اليمين مع اللوث في الدماء باليمين مع الشاهد في الأموال- فهو قياس مع الفارق؛ وذلك لأنّه لا يشترط في إثبات المال، الظنُ والاتّهام بخلاف المقام، فإنّ اللوث قائم بالظن بالقتل فلو زال الظن بتكذيب الآخر لانتفى الموضوع.
ثم إنّ الشهيد الثاني ذكر هنا فروعاً يناهز عددها إلى ستة أو سبعة[1]، وتبعه صاحب الجواهر فنقلها مشروحة[2]، ولكنّ البحث فيها غير مفيد؛ وذلك لأنّه إذا زال الظن بالقتل فلا موضوع حتّى يبحث، إلّاأن يفرّق بين الصور بذهابه فيه دون البعض الآخر.
ولكن الحق بطلان القسامة بالتكاذّب والتعارض من غير فرق بين صورة وصورة. ثم إنّ القسامة على خلاف مقتضى القاعدة، وقد شرّعها النبي صلى الله عليه و آله و سلم بإذن من اللَّه تعالى في مورد قتيل خيبر، فيقتصر في الأخذ بها بالقدر المتيقّن، وهو اتّفاق الأولياء على القتل دون تصديق بعض وتكذيب آخرين، فإسراء حكم اللوث ممّا شُرّع فيه إلى غيره، يحتاج إلى دليل.
[1]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۱۸- ۲۱۹.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۷۰- ۲۷۲.
المسألة ۶. لو مات الولي قبل إقامة القسامة أو قبل حلفه، قام وارثه مقامه في الدعوى، فعليه إذا أراد إثبات حقّه، القسامة، ومع فقدها خمسون أو خمس وعشرون يميناً؛ وإن مات الولي في أثناء الأيمان، فالظاهر لزوم استئناف الأيمان؛ ولو مات بعد كمال العدد، ثبت للوارث حقّه من غير يمين.^
^ للمسألة فروع:
۱. لو مات الولي قبل إقامة القسامة أو قبل حلفه.
۲. لو مات الولي أثناء الأيمان.
۳. لومات الولي بعد كمال العدد. وإليك دراسة الفروع.
فلأنّها حقّ ينتقل من المورّث إلى وارثه، ولذا قال المحقّق: وإذا مات الولي قام وارثه مقامه.[1]
وقال الشيخ: فإن مات قبل أن يبتدئ باليمين قام وارثه مقامه؛ لأنّ الوارث يقوم مقام مورّثه في الحجج والبراهين بدليل أنّه لو مات وخلّف ديناً له [للوارث] به شاهد واحد، كان لوارثه أن يحلف مع الشاهد ويستحق كما عليه الموّرث.[2]—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۶.
[2]. المبسوط: ۷/ ۲۳۴.
(—
إذا مات الولي أثناء الأيمان فهل تبطل أيمان الولي، أو لا، فعلى الوارث إكمال أيمانه؟
قال الشيخ: فإن مات أثناء القسامة بطلت قسامته ولم يعتدّ بها، لأنّ القسامة كاليمين الواحد، فلو كانت يميناً واحدة فشرع بها، ثم مات لم يعتدّ بها.[1]
وقال المحقّق: فإن مات في أثناء الأيمان، قال الشيخ: يستأنف الأيمان؛ لأنّه لو أتمّ لا يثبت حقّه بيمين غيره.[2]
ولعلّ مراده أنّه لو قلنا: يبني ولا يستأنف، حكمنا له [للوارث] بالدية بيمين غيره.[3]
ولا يخفى ضعف الدليلين؛ أمّا الأوّل فكيف يمكن أن يقال: إنّ خمسين يميناً، بمنزلة يمين واحد مع كثرتها وتعدّدها.
وأمّا الدليل الثاني، أعني: إثبات الحق بيمين الغير، وإن كان غير معتبر في الفقه لكنّه معتبر في القسامة حيث إنّ العشيرة يحلفون على القتل مع أنّ الغرض إثبات حق الغير، أعني: حق الوارث لأجل قتل مورّثه.—)
[1]. المبسوط: ۷/ ۲۳۴.
[2]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۶.
[3]. المبسوط: ۷/ ۲۳۴.
(— ومع ذلك فالظاهر- وفاقاً للمتن- لزوم الاستئناف، لوجه آخر وهو ما عرفت من أنّ القسامة على خلاف القاعدة يقتصر فيها على موضع القطع واليقين، وهو صدور الأيمان جميعاً من شخص واحد أو من أشخاص متزامناً.
فحكمه واضح؛ لأنّ الوارث يرث ما للمورّث من الأموال والحقوق، وقد صار الوارث ذا حق بعد الأيمان ومات عنه.
المسأله ۷. لو حلف المدّعي مع اللوث واستوفى الدية ثم شهد اثنان أنّه كان غائباً غيبة لا يقدر معها على القتل أو محبوساً كذلك، فهل تبطل القسامة بذلك واستعيدت الدية، أم لا مجال للبيّنة بعد فصل الخصومة باليمين؟ فيه تردّد، والأرجح الثاني. نعم لو علم ذلك وجداناً بطلت القسامة واستُعيدت الدية؛ ولو اقتصّ بالقسامة أو الحلف أُخذت منه الدية لو لم يعترف بتعمد الكذب، وإلّا اقتص منه.^
^
لو حلف مع اللوث واستوفى الدية ثم شهد اثنان أنّه كان غائباً في حال القتل غيبة لا يقدر معها على القتل، فهل تبطل القسامة أو لا؟[1]
وقد ذكر المصنّف هنا وجوهاً أربعة هي:
الأوّل: تبطل القسامة واستعيدت الدية.
الثاني: لا مجال للبيّنة بعد فصل الخصومة باليمين.
الثالث: لو علم وجداناً بصحّة ما شهدت به البيّنة، بطلت القسامة واستعيدت الدية.
والمفروض في هذه الصور الثلاث أنّ المدّعي أخذ الدية.
الرابع: لو اقتصّ بالقسامة أو الحلف تؤخذ منه الدية لو لم—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۷.
(— يعترف بالكذب وإلّا اقتصّ منه.
أمّا الأوّل: فوجه البطلان هو أنّ اللوث أمر ظنيّ، فإذا ثبت بالبيّنة ما ينافيه تُقدَّم البيّنة على الدليل الظنيّ، وعندئذٍ تستعاد الدية، أخذاً بلازم البيّنة. وعليه المحقّق في الشرائع[1]، والعلّامة في القواعد.[2]
وأمّا الثاني: أي عدم المجال للبيّنة بعد فصل الخصومة باليمين فوجهه ما ورد في الروايات من أنّ اليمين ذهبت بحقّ المدّعي، فعن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال:
«إذا رضي صاحب الحقّ بيمين المنكر لحقّه فاستحلفه فحلف أن لا حقّ له قبله، ذهبت اليمين بحقّ المدّعي فلا دعوى له» قلت له: وإن كانت عليه بيّنة عادلة؟ قال: «نعم، وإن أقام بعد ما استحلفه باللَّه خمسين قسامة، ما كان له، وكانت اليمين قد أبطلت كلّ ما ادّعاه قبله ممّا قد استحلفه عليه».[3]
وقد استوجهه المصنّف.
فإن قلت: إنّ مورد الرواية في المدّعي والمنكر، فلو حلف المنكر ذهبت يمينه بحقّ المدّعي، وأمّا المقام فاليمين هنا هي للمدّعي، وإذهابه بحقّ المنكر خارج عن مدلول الرواية.
قلت: الظاهر من قوله: ذهبت اليمين بحقّ المدّعي، هو أنّ الأثر لليمين بما هو هو، سواء أكانت في جانب المنكر أو المدّعي.—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۷.
[2]. قواعد الأحكام: ۳/ ۶۱۷.
[3]. الوسائل: ۱۸، الباب ۹ من أبواب كيفية الحكم، الحديث ۱.
(— وأمّا الثالث– أعني: لو علم وجداناً صحّة ما شهدت به البيّنة بطلت القسامة واستعيدت الدية- فلأجل أنّه لا مجال بعد العلم بالبيّنة ولا بالقسامة.
وأمّا الرابع– أعني: لو اقتص بالقسامة أو الحلف مع العلم وجداناً بصحّة ما شهدت به البيّنة-: تؤخذ منه الدية، فلأجل أنّه أخذها عدواناً، هذا إذا لم يعترف بالكذب، وإلّا فيقتصّ منه لاعترافه بتعمّد الكذب.
المسألة ۸. لو استوفى حقه بالقسامة فقال آخر: «أنا قتلته منفرداً» فإن كان المدّعي حلف وحده أو مع القسامة فليس له الرجوع إلى المقرّ إلّاإذا كذّب نفسه وصدّق المقرّ، وحينئذٍ ليس له العمل بمقتضى القسامة، ولابدّ من ردّ ما استوفاه، وإن لم يحلف وقلنا بعدم لزوم حلفه وكفى حلف قومه فإذا ادعى جزماً فكذلك ليس له الرجوع إلى المقرّ إلّامع تكذيب نفسه، وإن ادعى ظنّاً وقلنا بسماع دعواه كذلك، جاز له الرجوع إلى المقرّ وجاز العمل بمقتضى القسامة، والظاهر ثبوت الخيار لو لم يكذّب نفسه ورجع عن جزمه إلى الترديد أو الظن.^
^
المفروض في هذه المسألة أنّ مدّعي اللوث استوفى حقّه بالدية لا بالقصاص.
وقد عنون الشيخ المسألة في «الخلاف» وقال: إذا ادّعى رجل على رجل أنّه قتل وليّاً له، وهنا لوث، وحلف المدّعي القسامة، واستوفى الدية، فجاء آخر فقال: أنا قتلته وما قتله ذلك، كان الولي بالخيار بين أن يصدّقه ويكذّب نفسه ويردّ الدية ويستوفي منه حقّه، وبين أن يكذّب المقرَّ ويَثبت على ما هو عليه.
ثم نقل عن الشافعي قولين واستدلّ على مختاره بقول النبي صلى الله عليه و آله: «إنّ إقرار العاقل جائز على نفسه» وهو إذا قبل من الثاني فقد كذّب نفسه في الأوّل فقبل منه ذلك، وإقرار الثاني مقبول على نفسه لعموم الخبر.[1]—)
[1]. الخلاف: ۵/ ۳۱۵- ۳۱۶، المسألة ۱۶.
(— وحاصل كلامه: أنّه مخيّر بين تصديق المقرّ وعدمه. وخالفه في «المبسوط» بأنّه ليس له أن يدّعي على المقرّ حيث قال: لو ادّعى رجل على رجل أنّه قتل ولياً له وهناك لوث، فحلف المدّعي واستوفى منه الدية، ثم جاء رجل آخر فقال: ما قتله المحلوف عليه وأنا الذي قتلته والضمان عليّ، فهل للحالف أن يدّعي على المقرّ؟ قال قوم: ليس له أن يدّعي عليه، وقال قوم أُخر:
له أن يدّعي عليه. ثم قال: والأقوى عندي الأوّل، لأنّا بيّنا أنّه لا يجوز أن يحلف إلّا على علم وإذا ثبت ذلك فكأنّه قال: أنا أعلم أنّ الثاني ما قتله، فيكون مكذّباً له.[1]
وأمّا المصنّف فقد ذكر للمسألة فروعاً:
۱. إذا حلف المدّعي وحده أو مع القسامة ولم يكذّب نفسه فليس له الرجوع إلى المقرّ؛ وذلك لأنّ معنى الحلف أنّ القاتل هو المحلوف عليه لا المقرّ، فكيف يرجع إليه؟
۲. إذا لم يحلف المدّعي وإنّما حلف قومه وقلنا بكفاية حلفهم عن المدّعي ولم يكذّب نفسه فالحكم كالفرع السابق، أي ليس له الرجوع إلى المقرّ لأنّ تقديمهم على الحلف والسكوت يدل على أنّ القاتل عنده هو المحلوف عليه.
۳. نفس هاتين الصورتين ولكن كذّب نفسه وصدّق المقر، وحينئذٍ ليس له العمل بمقتضى القسامة ولابدّ من ردّ ما استوفاه من الدية إلى—)
[1]. المبسوط: ۷/ ۲۴۲.
(— المتهم، بل يرجع إلى المقرّ أخذاً باعترافه. وأشار المصنّف إلى هاتين الصورتين بالاستثناء في كلتا الصورتين الأُوليين.
۴. وإن ادّعى ظناً وقلنا بسماع دعواه، قال المصنّف: جاز له الرجوع إلى المقرّ، كما جاز العمل بمقتضى القسامة لكن هذا التخيير في كلامه مشروط بأن لا يكون هو الحالف، بل الحالف غيره وإلّا مع حلفه الملازم للتصديق الجدّي بأنّ المحلوف عليه هو القاتل كيف يظن بأنّ القاتل هو المقرّ، وكان على المصنّف أن يقول هكذا: «جاز له الرجوع إلى المقرّ، وجاز له العمل بمقتضى القسامة بشرط أن يكون الحالف غيره ومعه لا يجوز له الرجوع إلى المقرّ».
نعم يجوز له الرجوع إلى المقرّ في صورتين تاليتين وإن حلف:
۱. تكذيب نفسه، ۲. عدم تكذيب نفسه لكن رجع عن الجزم إلى الترديد أو الظن كما أشار إليه في المتن.
المسألة ۹. لو اتُّهم رجل بالقتل والتمس الولي من الحاكم حبسه حتى يحضر البيّنة، فالظاهر جواز إجابته إلّاإذا كان الرجل ممّن يوثق بعدم فراره، ولو أخّر المدّعي إقامة البيّنة إلى ستة أيام يخلّى سبيله.^
^ هنا فرعان:
۱. لو اتّهم رجل بالقتل والتمس الولي من الحاكم حبسه، هل تجوز إجابته؟
۲. على القول بجواز الحبس فما هي مدّته؟
وإليك دراسة الفرعين:
ففيه أقوال:
۱. ذهب ابن إدريس والشهيد الثاني إلى عدم جواز الحبس قبل ثبوت الحقّ مطلقاً.[1]
۲. يحبس مقيداً بالتماس الولي، وهو الظاهر من المحقّق وإن تردّد فيه.[2]
۳. يحبس مع حصول التهمة في نظر الحاكم. وهو خيرة العلّامة في «المختلف».[3]—)
[1]. السرائر: ۳/ ۳۴۳؛ مسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۲۳.
[2]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۷.
[3]. مختلف الشيعة: ۹/ ۳۰۵.
(— ۴. يحبس لمن لا يوثق بعدم قراره، وهو الظاهر من الماتن.
لا شكّ أنّ حبس المتهم عقوبة في حق من لم يثبت أنّه مجرم، فتجويزه رهن دليل. والدليل عليه- مضافاً إلى رواية السكوني التي ستوافيك في النوع الثاني- أنّ المصالح العالية الاجتماعية ربما تبرّر إيجاد الضيق المؤثّر في حقّ فرد أو فردين، ومنها أنّه لا يبطل دم المسلم، وأن لا تسود الفوضى على المجتمع بفرار القاتل. نعم ذلك إذا حصل ظنّ التهمة للحاكم. كما هو أيضاً مورد رواية السكوني.
ولا يجوز للحاكم حبس الشخص بصرف اتّهامه بالقتل مجرّداً عن الأمارات والعلائم المفيدة للظن بالقتل، وإلّا ربما يتّخذه بعض الأشرار ذريعة للتنكيل والأضرار بالصالحين برميهم بالقتل حتّى يتم اعتقالهم وسجنهم من قبل الحاكم، وإن أُفرج عنه بعد ستة أيام إذا لم يأت المدّعي ببيّنة.
إذا جاز الحبس فالمشهور أنّه لا يتجاوز ستة أيام، وقال ابن حمزة: لا يتجاوز ثلاثة أيام.[1]
روى السكوني عن أبي عبداللَّه عليه السلام، قال: «إنّ النبي صلى الله عليه و آله و سلم كان يحبس في تهمة الدم ستة أيام، فإن جاء أولياء المقتول بثَبتٍ وإلّا خلّى سبيله».[2]—)
[1]. مختلف الشيعة: ۹/ ۳۰۵.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۲ من أبواب دعوى القتل وما يثبت به، الحديث ۱.
(— وفي الوسائل: الثبت- بفتحتين- وهو بمعنى الحجّة كما عن الصحاح. ولكن في «الكافي»: ببيّنة،[1] وفي «التهذيب»: ببيّنة تثبت[2].
ومرجع الجميع واحد وهو أن يأتي المدّعي ما يثبت دعواه من الإقرار والبيّنة والقسامة.
ولو كان الموضوع خطيراً لا تكفي الأيام القليلة لإثبات الدعوى، يجب على الحاكم أن يتّخذ أُسلوباً يتضمّن الإفراج عنه بعدها، والتمكّن من إلقاء القبض عليه عند الحاجة بأخذ الكفالة لإحضاره.
نعم لو كان المتهم مورد وثوق، لا يبعد عدم جواز إجابة المدّعي، وذلك لأنّ الغاية من الحبس هو التمكّن منه عند الحاجة، والمفروض أنّه حاصل.
[1]. الكافي: ۷/ ۳۷۰، الحديث ۵.
[2]. التهذيب: ۱۰/ ۱۷۴، الحديث ۶۸۳.
المسألة ۱. قتل العمد يوجب القصاص عيناً، ولا يوجب الدية لا عيناً ولا تخييراً، فلو عفا الولي القود يسقط وليس له مطالبة الدية، ولو بذل الجاني نفسه ليس للولي غيرها، ولو عفا الولي بشرط الدية فللجاني القبول وعدمه، ولا تثبت الدية إلّابرضاه، فلو رضي بها يسقط القود وتثبت الدية، ولو عفا بشرط الدية صحّ على الأصح، ولو كان بنحو التعليق فإذا قبل سقط القود، ولو كان الشرط إعطاء الدية لم يسقط القود إلّا بإعطائه، ولا يجب على الجاني إعطاء الدية لخلاص نفسه، وقيل:
يجب لوجوب حفظها.^
^
هنا قولان:
۱. الواجب بالأصالة هو القصاص، ولا تتعيّن الدية إلّابرضا الطرفين.
۲. أنّ ولي الدم مخيّر بين القصاص وأخذ الدية.
أمّا الأوّل– أعني: أنّ الواجب في قتل العمد بالأصالة هو القود لا غير- فهو المشهور، وعليه الشيخان (المفيد والطوسي) والمتأخّرون، فلا تثبت الدية عندهم إلّاصلحاً، ومتى اختار ولي المقتول الدية لم يستحقها إلّا—)
(— برضا الجاني، وإليك بعض الكلمات:
قال الشيخ المفيد: فأمّا قتل العمد ففيه القود على ما قدّمناه إن اختار ذلك أولياء المقتول، وإن اختاروا العفو فذلك لهم، وإن اختاروا الدية ليس لهم ذلك ما بذل لهم القاتل من نفسه القود، وإنّما لهم ذلك إن اختاره القاتل وافتدى به نفسه.[1]
وقال الشيخ في «النهاية»: وليس في قتل العمد الدية، إلّاأن يبذل القاتل من نفسه الدية، ويختار ذلك أولياء المقتول، فإن لم يبذل القاتل الدية من نفسه لم يكن لأولياء المقتول المطالبة بها وليس لهم إلّانفسه، ومتى بذل الدية ولم يأخذها أولياء المقتول وطلبوا القود كان لهم أيضاً ذلك.[2]
وقد استدلّ المشهور بالكتاب تارة؛ كقوله تعالى: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»[3]، وقوله تعالى: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ»[4]، فإنّ ظاهر الآيتين اختصاص حق ولي الدم بالنفس فقط لا التخيير بينها وبين الدية. وبالسنّة أُخرى كصحيحة عبد اللَّه بن سنان، قال: سمعت أبا عبد اللَّه عليه السلام يقول: «من قتل مؤمناً متعمّداً قيد منه، إلّاأن يرضى أولياء المقتول أن يقبلوا الدية، فإن رضوا بالدية وأحب ذلك القاتل فالدية اثنا عشر ألفاً، أو ألف—)
[1]. المقنعة: ۷۳۵. بتلخيص.
[2]. النهاية: ۷۳۴.
[3]. المائدة: ۴۵.
[4]. البقرة: ۱۷۸.
(— دينار أو مائة من الإبل».[1]
ورواية جميل بن درّاج، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما عليهما السلام قال: «قتل العمد كلّ ما عمد به الضرب فعليه القود، وإنّما الخطأ أن تريد الشيء فتصيب غيره»، وقال: «إذا أقرّ على نفسه بالقتل، قتل وإن لم تكن عليه بيّنة».[2]
وأمّا القول الثاني فقد حُكي عن العماني وابن الجنيد، قال الثاني: إنّ لولي المقتول عمداً الخيار بين أن يقتصّ، أو يأخذ الدية، أو يعفو عن الجناية. ولو شاء الوليّ أخذ الدية، وامتنع القاتل عمداً من ذلك وبذل نفسه للقود كان الخيار إلى الولي، ولو هرب القاتل فشاء الولي أخذ الدية من ماله حكم بها له، وكذلك القول في جراح العمد، وليس عفو الولي والمجنيّ عليه من القود مسقطاً حقّه من الدية.[3]
وأمّا ما نقل عن العماني فليس صريحاً في مخالفة المشهور.
فظهر ممّا ذكرنا أنّ المتعيّن في قتل العمد هو القصاص عيناً، لا الدية عيناً، ولا تخييراً، ولو بذل الجاني نفسه ليس للولي غيرها.
استدلّ للقول بالتخيير بالروايات التالية:
۱. ما رواه عبد اللَّه بن سنان وابن بكير جميعاً عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال:
سُئل عن المؤمن يقتل المؤمن متعمداً- إلى أن قال:- فقال: «إن لم يكن علم—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱ من أبواب ديات النفس، الحديث ۹.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۱ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۶.
[3]. مختلف الشيعة: ۹/ ۲۷۴.
(— به، انطلق إلى أولياء المقتول فأقرّ عندهم بقتل صاحبه، فإن عفوا عنه فلم يقتلوه، أعطاهم الدية».[1]
۲. ما رواه عبد اللَّه بن سنان عن أبي عبد اللَّه عليه السلام أنّه سئل عن رجل قتل مؤمناً وهو يعلم أنّه مؤمن غير أنّه حمله الغضب على أنّه قتله، هل له من توبة إن أراد ذلك أو لا توبة له؟ قال: «توبته إن لم يُعْلَم انطلق إلى أوليائه فأعلمهم أنّه قتله، فإن عُفي عنه أعطاهم الدية».[2]
وجه الدلالة في كلتا الروايتين أنّه إذا وجب على القاتل إعطاء الدية عند عفو الولي عن الاقتصاص جاز للولي ترك القصاص ومطالبته بالدية لا محالة، وهذا هو معنى التخيير.[3]
۳. ما رواه أبو بكر الحضرمي قال: قلت لأبي عبد اللَّه عليه السلام: رجل قتل رجلًا متعمّداً؟ قال: «جزاؤه جهنم». قال: قلت له: هل له توبة؟ قال: «نعم، يصوم شهرين متتابعين ويطعم ستين مسكيناً ويعتق رقبة ويؤدّي ديته».
قلت: لا يقبلون منه الدية؟ قال: «يتزوج إليهم ثم يجعلها صلة يصلهم بها» قال: قلت: لا يقبلون منه، ولا يزوّجونه؟ قال: «يصرّه صراراً ثم يرمي بها في دارهم».[4]—)
[1]. الوسائل: ۱۵، الباب ۲۸ من أبواب الكفارات، الحديث ۱.
[2]. الوسائل: ۱۵، الباب ۲۸ من أبواب الكفارات، الحديث ۳.
[3]. مباني تكملة المنهاج: ۲/ ۱۲۵.
[4]. الوسائل: ۱۵، الباب ۲۸ من أبواب الكفّارات، الحديث ۴.
(— ۴. النبوي: «من قتل له قتيل فهو يخيّر النظرين: إمّا أن يفدي، وإمّا أن يقتل».[1]
۵. النبوي الآخر: «من أُصيب بدم أو خبل- أي الجراح- فهو بالخيار بين أحد ثلاث: إمّا أن يقتصّ أو يأخذ العقل، أو يعفو».[2]
أقول: أمّا الروايات الثلاث فلا غبار في سندها، حتى الثالثة وإن حكم عليها السيد الخوئي بالضعف، فإنّ السندي بن محمد ومنذر بن جعفر ثقتان، نعم أبو بكر الحضرمي ممدوح وقد روى عنه ابن مسكان الذي هو من أصحاب الإجماع، ومع ذلك فعند التعارض يقدّم ما دلّ على عدم التخيير للوجهين التاليين:
۱. موافقته للكتاب، ومخالفة الآخرين معه.
۲. موافقة ما دلّ على التخيير للعامّة، قال الشيخ الطوسي: القتل العمد يوجب القود فقط، فإن اختار الولي القصاص فعل، وإن اختار العفو فعل وسقط حقّه من القصاص ولا تثبت له الدية على القاتل إلّابرضاه، وإنّما يثبت المال على القاتل إذا اصطلحوا على مال، قليلًا كان أو كثيراً، فأمّا ثبوت الدية عليه بغير رضاه فلا. وبه قال أبو حنيفة ومالك، وللشافعي فيه قولان أحدهما: إنّ موجب القتل أصلان: القود أو الدية، وهو اختيار أبي حامد؛ والقول الثاني: موجبه القود فقط.[3]—)
[1]. سنن البيهقي: ۸/ ۵۲.
[2]. سنن البيهقي: ۸/ ۵۲.
[3]. الخلاف: ۵/ ۱۷۶- ۱۷۷، المسألة ۴۰.
(— وأمّا النبويان فلم يثبت سندهما، ويمكن حملهما على ما إذا أراد القاتل ذلك، نظير خبر العلاء بن فضيل عن الصادق عليه السلام أنّه قال: «والعمد هو القود أو رضا وليّ المقتول».[1] فإنّه محمول على ما إذا أراد القاتل ذلك.
^^^
ثمّ إنّ هنا فروعاً ذكرها المصنّف نشير إليها:
۱. لو عفا الولي القود، يسقط ما هو الواجب عيناً، وليس للولي مطالبة الدية، لعدم وجوبها عليه عيناً ولا تخييراً؛ ولو بذل الجاني نفسه ليس للولي غيرها، لما علمت من أنّ القصاص هو المتعيّن.
۲. لو عفا الولي بشرط الدية- والمراد من الشرط هنا الشرط الفقهي لا الأُصولي، نظير قولك: آجرتك الدار على أن تخيط لي قميصاً، فهو بمعنى طلب فعله، ولا يُعدّ مثل ذلك تعليقاً للإجارة بالخياطة بل الإنشاء مطلق غير أنّ المنشأ مقيّد بإنشاء الفعل- وقبل الجاني يحصل الانقلاب ويسقط القود وتتعيّن الدية.
وبذلك يُعلم أنّ المراد من «شرط الدية» كونها في ذمّة الجاني، وقد حصلت المبادلة بين القصاص واشتغال ذمّته بالدية، ويصبح عقداً واجب الوفاء به.
وبذلك يُعلم ضعف ما في «الجواهر» حيث قال: إنّه مبني على—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱ من أبواب ديات النفس، الحديث ۱۳.
(— لزوم الشرط في الإيقاع مع رضا المشترط عليه فهو لا يخلو من بحث، بل منع إلّافي مثل الخلع ونحوه ممّا ثبت بالأدلّة، ولذا ذكر غير واحد أنّه على المختار لا تثبت الدية إلّاصلحاً، بل يمكن في الفرض المزبور حصول العفو وعدم لزوم الشرط على الجاني وإن كان الأقوى خلافه، باعتبار اقتران قصد العافي بالمال ولو على جهة الشرطية الإلزامية.[1]
يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ الموضوع داخل في العقود لا في الإيقاعات، فهنا مبادلة بين القصاص واشتغال ذمّته بالدية فلا صلة له بالإيقاع.
وثانياً: أنّ مقتضى صحيحة عبداللَّه بن سنان هو اللزوم فقد جاء فيها:
«وإن رضوا بالدية وأحبّ ذلك القاتل فالدية»[2].
۳. ولو عفا بشرط الدية صحّ على نحو التعليق أي علّق عفوه على الدية.
والفرق بين هذا الفرع وما تقدّم هو أنّ الشرط فيما سبق شرط فقهي بمعنى طلب الفعل، وفي المقام شرط أُصولي بمعنى تعليق إنشاء العفو على الدية في الذمة فالمشهور أنّ التعليق مبطل، قال في «الجواهر»: لا ريب في بطلانه للتعليق وإن رضي الجاني بذلك.[3] ولكن المصنّف قال بالصحة لعدم شمول الإجماع على مثل هذا التعليق، ثم الظاهر أنّ قوله: «ولو كان» في المتن زائد والأولى أن يقول: صحّ بنحو التعليق؛ لأنّ حكم غير التعليق قد تقدّم—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۸۱.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۹ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۳.
[3]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۸۱.
(— في الفرع الثاني فتدبّر. وقد أوضحنا حال التعليق في العقود في كتابنا «البيع في الشريعة الإسلامية الغرّاء».
۴. ولو عفا بشرط إعطاء الدية، لا يسقط القود ولا يحصل الانقلاب إلّا بإعطائها، والفرق بين هذا الفرع وما تقدّمه واضح؛ لأنّ العوض في الأوّلين هو اشتغال ذمّته بالدية، وقد حصل سواء وفى أم لم يف، فللولي مطالبة الجاني للخروج عن الذمة، بخلاف هذا الفرع فإنّ العوض هو الاعطاء الخارجي فما لم يتحقّق الإعطاء لا تتحقّق المبادلة، فكأنّ العوض في الفرع السابق أشبه بالكلّي في الذمّة، وفي الثاني العين الخارجية.
۵. هل يجب على الجاني إعطاء الدية لخلاص نفسه (إذا رضي الولي بها) أو لا يجب؟
قيل: يجب لوجوب حفظ النفس، وإذا دار الأمر بين دفع مال أو تلف النفس، فالأوّل هو المتعيّن.
وقيل: لا يجب وهو الأقوى؛ لأنّ الشارع أمر بالبذل فقال: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ». مضافاً إلى صحيحة عبد اللَّه بن سنان حيث إنّها تخيّر الجاني بين الأمرين حيث قال: «وإن رضوا بالدية وأحبّ ذلك القاتل، فالدية»[1].
وصريحه أنّ دفع الدية أمر غير ملزم وإنّما هو باختيار الجاني.
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۹ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۳.
المسألة ۲. يجوز التصالح على الدية أو الزائد عليها أو الناقص، فلو لم يرض الولي إلّابأضعاف الدية جاز، وللجاني القبول، فإذا قبل صحّ، ويجب عليه الوفاء.^
المسألة ۳. لا يجوز للحاكم أن يقضي بالقصاص ما لم يثبت أنّ التلف كان بالجناية، فإن اشتبه عنده ولم يقم بيّنة على ذلك، ولم يثبت بإقرار الجاني اقتصر على القصاص أو الأرش في الجناية لا النفس، فإذا قطع يد شخص ولم يعلم- ولو بالبيّنة أو الإقرار- أنّ القتل حصل بالجناية لا يجوز القتل.^^
^
إذا لم يرض الولي بالدية جازت المفاداة بالزيادة.[1] وذلك لأنّ حق القصاص للولي وهو لا يرضى بإسقاط القود إلّابشيء زائد على الدية، فلا مانع إذا كان برضاً من الطرفين، فيدخل تحت عمومات الصلح فتشمل الموارد بإطلاقها.
^^
لا شكّ أنّه إذا جنى بقطع يد شخص مثلًا، فسرت الجناية إلى أن مات المجنيّ عليه بسبب السراية، فيحكم على الجاني بالقصاص؛ إنّما الكلام إذا مات ولم يتيقّن أنّ التلف حصل بالجناية بتصديق أهل الخبرة أو إقرار—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۸.
(— الجاني، فعندئذٍ يقتصر على أحد الأمرين:
أ. القصاص بمقدار الجناية؛ لأنّ الزائد عليهما- أعني: القصاص في النفس- بعدُ لم يثبت- أعني: كون التلف لأجل السراية-.
ب. أخذ الدية أو الأرش إذا رضيا بهما.
المسألة ۴. يرث القصاص من يرث المال عدا الزوج والزوجة، فإنّهما لا يستحقان قصاصاً، ومنهم من قال: لا يرث القصاص الإخوة والأخوات من الأُم ومن يتقرّب بها. وقيل: ليس للنساء قود ولا عفو وإن تقرّبن بالأب، والأوّل أشبه.^
^
نقل المحقّق في المقام أقوالًا ثلاثة:
۱. يرث القصاص من يرث المال عدا الزوج والزوجة ولكن لهما نصيبهما من الدية في عمد أو خطأ.
۲. قيل: لا يرث القصاص إلّاالعصبة دون الإخوة والأخوات من الأُم ومن يتقرّب بها، وهو الأظهر.
۳. وقيل: ليس للنساء (وإن تقرّبن بالأب) عفو ولا قود على الأشبه[1].
والفرق بين القول الثاني والثالث واضح؛ لأنّ المراد من العصبة كلّ مَن يتقرّب للمقتول من جانب الأب، فعندئذٍ يعمّ الأخوات من الأب؛ وأمّا على القول الثالث فالنساء محرومات من العفو والقود مطلقاً حتى الأخوات من الأب. ولأجل هذا الفرق ذكر صاحب الجواهر عند القول الثالث ما جعلناه بين القوسين، أعني: (وإن تقربن بالأب).
إذا علمت ذلك فلندرس الأقوال:—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۸.
(— أمّا القول الأوّل– أعني: يرث القصاص كلّ من يرث المال-: فهو خيرة الشيخ في «المبسوط»، قال: أمّا الكلام في القصاص فهو إذا قتل عمداً محضاً فإنّه كالدية في الميراث يرثه من يرثها، فالدية يرثها من يرث المال، والقود يرثه من يرث الدية والمال معاً، وهذا مذهب الأكثر. وأمّا الزوج والزوجة فلا خلاف بين أصحابنا أنّه لا حظ لهما في القصاص- بمعنى لا ترث الزوجة حقّ القصاص إذا قتل زوجها وبالعكس- ولهما نصيبهما من الميراث من الدية. واختاره ابن إدريس.[1]
ونسب صاحب الجواهر هذا القول إلى: السرائر والتحرير والمختلف والإرشاد والإيضاح واللمعة والمسالك والروض والروضة، بل يظهر من رواية ابن فضّال الآتية أنّه مورد إجماع،[2] حيث وصف اختصاص القصاص بالعصبة بأنّه خلاف ما عليه أصحابنا فيكون عدم الاختصاص مورد الاتّفاق.
فلا فرق بين الذكور والإناث، والمتقرّب بالأب أو بالأُم أو بكليهما فكلّ من يرث المال يرث القصاص، إلّاالزوجين فهما يرثان المال ولا يرثان القصاص، وفي الوقت نفسه يرثان نصيبهما من الدية، فكأنّ حرمانهما من القصاص، مورد إجماع.
ويدلّ على هذا القول عموم قوله: «وَ أُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ»[3]. فإنّه جمع مضاف يعمّ كلّ الأرحام الأقرب فالأقرب إلّا—)
[1]. المبسوط: ۷/ ۵۴؛ السرائر: ۳/ ۳۲۸.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۸۳.
[3]. الأنفال: ۷۵.
(— ما خرج بالدليل- أعني: الزوج والزوجة- مضافاً إلى عموم: إنّ كلّ ما تركه الميّت من مال أو حق فهو لوارثه.[1]
لكن يرد على هذا القول: إنّه ما الفرق بين القصاص والدية فإنّ الإخوة والأخوات من الأُم (الكلالة)- على هذا القول- يرثون القصاص إذا كانوا وارثين للمال، مع انّهم لا يرثون الدية كما يأتي في المسألة التالية، فيلزم التفكيك بين الأصل والفرع. وسيوافيك السؤال مع جوابه في المسألة الثانية فانتظر.
وأمّا القول الثاني– أعني: اختصاص القصاص بالعصبة، والمراد بهم كلّ من يتقرب بالأب وإن كان أُنثى-: فتعمّ الأولاد والأخوة والأخوات من الأب.
نعم لا تصل النوبة إلى كلّ من ينتمي إلى المقتول من جهة الأب إلّاإذا انتفى المتقدّم عليه.
وعلى كلّ تقدير فإنّ هذا القول قد وصفه المحقّق بالأظهرية، وأشار إليه الشيخ في «المبسوط».[2]
واستدلّ عليه بما رواه الشيخ عن علي بن الحسن بن فضّال[3]، عن العباس بن عامر[4]، عن داود بن الحصين[5] عن أبي العباس فضل البقباق—)
[1]. الوسائل: ۱۷، الباب ۳ من أبواب ولاء ضمان الجريرة، الحديث ۱۴. ونقله أحمد في مسنده: ۴/ ۱۳۳ بالنحو التالي: ما ترك مالًا فلوارثه؛ والقاضي النعمان في الدعائم: ۲/ ۳۹۵: إنّ ما ترك الميت من شيء فلورثته؛ والقمّي في جامع الشتات: ۲۳۱: ما ترك الميت من مال أو حقٍّ فهو لوارثه.
[2]. المبسوط: ۷/ ۵۴.
[3]. ذكره الشيخ في أصحاب الهادي والعسكري عليهما السلام.
[4]. الثقفي الثقة.
[5]. الأسدي الثقة.
(— عن أبي عبداللَّه عليه السلام، قال: قلت هل للنساء قود أو عفو؟ قال: «لا، وذلك للعصبة».[1]
ثم إنّ الشيخ بعدما روى هذه الرواية قال: قال علي بن الحسن (بن فضّال): هذا خلاف ما عليه أصحابنا، ولأجل ذلك حمله صاحب الوسائل على التقية.
والاستدلال بالحديث رهن دراسة سنده ودلالته.
أمّا السند فقد استشكل الشهيد الثاني على الرواية وقال: وفي الطريق (طريق الشيخ إلى ابن فضّال) ضعف، ولم يذكر وجه الضعف، إلّاأن يكون الضعف في طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضّال الّذي أخذ الشيخ الحديث من كتابه، ففي طريقه إليه أحمد بن عبدون وعلي بن محمد بن الزبير، هكذا في الفهرست.
أمّا الأوّل فهو ثقة لأنّه من مشايخ النجاشي وهو لا يروي إلّاعن ثقة وعرّفه في كتابه بقوله: أبو عبداللَّه شيخنا المعروف بابن عبدون، له كتب وكان قويّاً في الأدب. وأمّا علي بن محمد بن الزبير فهو وإن لم يرد في حقّه مدح ولا ذم، ولكنّه من مشايخ الإجازة يروي عنه الشيخ أكثر الأُصول بواسطة أحمد بن عبدون، ولعلّ هذا المقدار يكفي في الاعتماد على الرواية.—)
[1]. الوسائل: ۱۷، الباب ۸ من أبواب موجبات الإرث، الحديث ۶.
(— وإن أبيت إلّاعن وجود الضعف في الطريق نقول: إنّ للشيخ طريقاً آخر إلى عليِّ بن الحسن بن فضّال وهو طريق صحيح ذكره الأردبيلي[1].
ثم إنّ السيد الخوئي صحّح الرواية بوجه آخر، وقال: إنّ الكتب الّتي كانت عند الشيخ هي بعينها الكتب الّتي كانت عند النجاشي، وبما أنّ للنجاشي إلى تلك الكتب طريقاً آخر معتبر، فلا محالة تكون رواية الشيخ أيضاً معتبرة[2].
وأمّا طريق النجاشي إلى علي بن الحسن بن فضّال فكالتالي: قال: أخبرنا محمد بن جعفر[3] في آخرين عن أحمد بن محمد بن سعيد[4] عن علي بن الحسن بكتبه[5]، فلاحظ.
هذا كلّه حول السند، وأمّا الدلالة فلا تخلو من إشكال لوجود التنافي بين الصدر والذيل، أمّا الصدر، فظاهر قول السائل: هل للنساء قود أو عفو؟
وجواب الإمام بقوله: «لا»، هو حرمان النساء مطلقاً من القصاص، حتّى وإن تقربن بالأب، وظاهر قوله: «وذلك للعصبة» هو إرث كلّ مَن يتقرّب بالأب إلى المقتول، فيشمل الأخوات من الأب.
على أنّ راوي الرواية- أعني: علي بن الحسن- يقول: «وهذا خلاف—)
[1]. جامع الرواة: ۲/ ۵۰۵، ولاحظ التهذيب: ۱/ ۲۶، برقم ۶.
[2]. مباني تكملة المنهاج: ۲/ ۱۲۸.
[3]. النحوي التميمي شيخ النجاشي.
[4]. ابن عقدة المتوفى ۳۳۳ ه.
[5]. رجال النجاشي برقم ۶۷۴.
(— ما عليه أصحابنا» وهو يحكي أنّ الشهرة الفتوائية في عصر علي بن الحسن بن فضّال هي على خلاف هذه الرواية، فكيف يمكن الأخذ بها؟
والعجب أنّ المحقّق يصفه بالأظهرية.
أمّا القول الثالث– أعني: ما نقله المحقّق وهو حرمان النساء مطلقاً من القصاص ووصفه بالأشبهية- فلا دليل له إلّاالحديث السابق.
وبذلك ظهر أنّ القول الأوّل الذي هو خيرة الماتن هو الأقوى، وأنّ كلّ من يرث المال بمعنى أن يكون في مرتبة قريبة من الميّت ولا يكون أقرب منه، يرث القصاص أيضاً إلّاما خرج بالدليل، أعني: الزوج والزوجة.
وهنا قول رابع اختاره الشيخ في موضع من «الخلاف» وهو: يمنع المتقرّب بالأُم وحدها والمتقرّبة بالأب وحده، فيختصّ للمتقرّب بهما أو المتقرّب بالأب وحده، قال: الدية يرثها الأولاد، ذكوراً كانوا أو إناثاً، للذكر مثل حظ الأُنثيين، وكذلك الوالدان، ولا يرث الإخوة والأخوات من قِبَل الأُم منها شيئاً، ولا الأخوات من قبل الأب. وإنّما يرثها بعد الوالدين والأولاد الإخوة من الأب والأم، أو الأب أو العمومة، فإن لم يكن واحد منهم وكان هناك مولى كانت الدية له، فإن لم يكن هناك مولى كان ميراثه للإمام. والزوج والزوجة يرثان من الدية، وكلّ من يرث الدية يرث القصاص إلّاالزوج والزوجة، فإنّه ليس لهما من القصاص شيء على حال.[1]
وقد استدلّ عليه الشيخ بالإجماع، وهو معلوم الحال.
[1]. الخلاف: ۵/ ۱۷۸، المسألة ۴۱.
المسألة ۵: يرث الدية من يرث المال حتّى الزوج والزوجة، نعم لا يرث منها الإخوة والأخوات من قبل الأُم، بل مطلق مَن يتقرّب بها على الأقوى، لكن الاحتياط في غير الإخوة والأخوات حسن.^
^ كان الكلام في المسألة السابقة في إرث القصاص، وأمّا في هذه المسألة فالكلام في إرث الدية، وفي المسألة فرعان:
قد مرّ في المسألة السابقة أنّ الزوج والزوجة لا يرثان القصاص ومع ذلك يرثان الدية.
قال الشيخ: والزوج والزوجة يرثان من الدية، وكلّ من يرث الدية يرث القصاص، إلّاالزوج والزوجة فإنّه ليس لهما من القصاص شيءٌ على أي حال.[1]
ويدلّ عليه من الروايات:
۱. ما رواه الصدوق باسناده عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال:
«للمرأة من دية زوجها، وللرجل من دية امرأته ما لم يقتل أحدهما صاحبه».[2]
۲. ما رواه الشيخ بسنده عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر عليه السلام- في حديث- قال: «وإن قُتلتْ ورث من ديتها، وإن قُتل ورثت هي من ديته، ما—)
[1]. الخلاف: ۵/ ۱۷۸، المسألة ۴۱.
[2]. الوسائل: ۱۷، الباب ۱۱ من أبواب موانع الإرث، الحديث ۱.
(— لم يقتل أحدهما صاحبه».[1]
۳. ما رواه الشيخ أيضاً بسنده عن محمد بن مسلم في حديث: «فإن قُتل أو قُتلت وهي في عدّتها ورث كلّ واحد منهما من دية صاحبه».[2]
وأمّا ما رواه السكوني عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: «إنّ علياً عليه السلام كان لا يورّث المرأة من دية زوجها شيئاً، ولا يورّث الرجل من دية امرأته شيئاً، ولا الإخوة من الأُمّ من الدية شيئاً»[3]؛ فهو محمول على التقية، أو ما إذا قتل أحدهما صاحبه، ولعلّ الأوّل أظهر.
قال الشيخ: قال الشافعي: الدية يرثها جميع ورثته، وكلّ من ورث تركته من المال يرث الدية الذكور والإناث، وسواء كان الميراث بنسب أو سبب هو الزوجية.[4]
قد عرفت أنّ المصنّف قد ذكر في إرث القصاص أقوالًا واختار من بينها القول بأنّ كلّ من يرث المال يرث القصاص، وبما أنّ الإخوة والأخوات من الأُم يرثون المال عند عدم وجود الأقرب، فلازم ذلك أنّهم يرثون الدية أيضاً، ولكنّه في المقام قال بأنّه لا يرث منها الإخوة والأخوات من قبل الأُم، بل—)
[1]. الوسائل: ۱۷، الباب ۱۱ من أبواب موانع الإرث، الحديث ۲.
[2]. الوسائل: ۱۷، الباب ۱۱ من أبواب منوانع الإرث، الحديث ۳.
[3]. الوسائل: ۱۷، الباب ۱۱ من أبواب موانع الإرث، الحديث ۴.
[4]. الخلاف: ۵/ ۱۷۸، المسألة ۴۱.
(— مطلق مَن يتقرّب بها على الأقوى، كالأخوال والخالات، وقد صرّح الشيخ في النهاية بذلك، وقال: بأن الدية يستحقها كل من يتقرب من جهة الأب خاصّة، ذكراً كان أو انثى ولا يستحقها الإخوة والأخوات من قبل الأُم ولا أحد من أرحامها.[1]
فما وجه هذا الاستثناء في إرث الدية دون إرث القصاص؟
والدليل عليه وجود روايات تدل على حرمانهم:
۱. صحيحة عبداللَّه بن سنان قال: قال أبو عبداللَّه عليه السلام: «قضى أمير المؤمنين عليه السلام: أنّ الدية يرثها الورثة [على كتاب اللَّه وسهامهم إذا لم يكن على المقتول دين] إلّاالإخوة من الأُم والأخوات من الأُم، فإنّهم لا يرثون من الدية شيئاً».[2]
۲. ما رواه محمد بن قيس عن الباقر عليه السلام، قال: قال: «الدية يرثها الورثة على فرائض الميراث إلّاالإخوة من الأُم، فإنّهم لا يرثون من الدية شيئاً»[3].
۳. ما رواه عبيد بن زرارة عن أبي عبداللَّه عليه السلام، قال: «لا يرث الإخوة من الأُم من الدية شيئاً».[4]
فقد دلّت الروايات على حرمان الإخوة والأخوات من الأُم من—)
[1]. النهاية: ۶۷۳.
[2]. الوسائل: ۱۷، الباب ۱۰ من أبواب موانع الإرث الحديث ۲.
[3]. الوسائل: ۱۷، الباب ۱۰ من أبواب موانع الإرث، الحديث ۴.
[4]. الوسائل: ۱۷، الباب ۱۰ من أبواب موانع الإرث، الحديث ۵.
(— الدية، ولكن المشهور قد عطف عليهم كلّ متقرّب بها، وعلى ذلك فالأخوال وأولاد هم محرومون لأنّهم يتقرّبون عن طريق الأُم.
واستجود الشهيد في «المسالك» حرمان الإخوة والأخوات من الدية وقال: وهذا القول أجود لصحّة بعض رواياته وكونها خاصّة والآية عامّة،[1] غير أنّه استظهر بقصر الحكم على موضع النصّ أي الإخوة والأخوات من الأُم لا كلّ متقرّب بها، فعلى ما ذكره يرث الأخوال وأولادهم، ولذا قال في المتن:
الاحتياط في غير الإخوة والأخوات حسن.
إنّ هنا سؤالًا أشرنا إليه سابقاً وهو: وجود التنافي في قول من يقول:
يرث القصاص كلّ من يرث المال بلا استثناء، كالمصنّف، ومع ذلك يستثني في الدية الإخوة والأخوات من الأُم، مع أنّ مقتضى عدم الإرث من الدية هو عدمه من القصاص، فإذا حُرم الإنسان من الأضعف يكون محروماً من الأقوى بطريق أولى.
وقد أجاب صاحب الجواهر عن هذا السؤال بما هذا توضيحه: أنّ الدية على قسمين:
۱. ما يكون واجباً بالأصالة كالدية في شبه العمد والخطأ، وفي عمد الأب، فإنّ الدية هنا واجبة بالأصالة ببيان الشرع.—)
[1]. مسالك الأفهام: ۱۳/ ۴۴.
(— ۲. ما يجب بالصلح، كما في قتل العمد في غير الأب فإن الواجب أوّلًا وبالذات هو القصاص، ويتبدّل إلى الدية بالصلح والرضا.
ثم إنّه قدس سره قال: بأنّ ما دلّ على حرمان المتقرّب بالأُم من إرث الدية إنّما هو القسم الأوّل أي الواجب بالأصالة، وليس الحرمان منها بأضعف من الحرمان من القصاص، حتّى يستدلّ بالحرمان منها على الحرمان من القصاص؛ لأنّ الدية فيها في عرض القصاص لا في طوله.
نعم الدية الثابتة بالصلح والتصالح فهي في طول القصاص وأضعف منه، فالحرمان منها يمكن أن يكون دليلًا على الحرمان في القصاص، ولكن الحرمان منتف، ولذلك قال في آخر كلامه: ومنه يعلم حينئذٍ عدم استفادة حكم إرث القصاص من حكمه في الدية بدعوى المساواة أو الأولوية.[1]
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۸۶.
المسألة ۶: الأحوط عدم جواز المبادرة للوليّ إذا كان منفرداً إلى القصاص، سيّما في الطرف إلّامع إذن والي المسلمين، بل لا يخلو من قوة، ولو بادر فللوالي تعزيره، ولكن لا قصاص عليه ولا دية.^
^
الكلام في المقام في أنّه هل يتوقف استيفاء القصاص مطلقاً في النفس والطرف على إذن الإمام، كما عليه الشيخ في «الخلاف»، أو يفصّل بين قصاص النفس فلا يتوقّف، والطرف فيتوقّف كما عليه الشيخ في «المبسوط» والعلّامة في «التحرير»، من غير فرق بين أن يكون الولي واحداً أو متعدّداً، وسيوافيك وجه تقييد الموضوع بوحدة الولي، فإنّ جهة البحث استيفاء القصاص بلا إذن الوالي، وإليك بعض الكلمات:
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا وجب لإنسان قصاص في نفس أو طرف فلا ينبغي[1] أن يقتصّ بنفسه فإن ذلك للإمام أو من يأمره الإمام به، بلا خلاف، وإن بادر واستوفاه بنفسه وقع موقعه ولا شيء عليه. وللشافعي فيه قولان:
أحدهما المنصوص عليه أن عليه التعزير، والثاني لا شيء عليه.
دليلنا: أنّ الأصل براءة الذمّة، ومن أوجب عليه التعزير فعليه الدلالة.[2]
وقال في «المبسوط»: إذا وجب له على غيره قصاص لم يخل من—)
[1]. بناءً على حمله على الحرمة. فتأمّل.
[2]. الخلاف: ۵/ ۲۰۵، المسألة ۸۰.
(— أحد أمرين: إمّا أن يكون نفساً، أو طرفاً، فإن كان نفساً فلولي الدم أن يقتصّ بنفسه، لقوله تعالى: «وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا»[1]؛ وأمّا إن كان القصاص في الطرف لم يمكّن ولي القطع من قطعه بنفسه؛ لأنّه لا يؤمن أن يكون من حرصه على التشفّي أن يقطع منه في غير موضع القطع فيبغي عليه فيفارق النفس.[2]
وكلامه هذا يدلّ على التفصيل بين النفس والطرف. ووجهه: أنّ في قصاص النفس، لا يكون الطرف في معرض السراية، لأنّه محكوم بالقتل، بخلاف قصاص الطرف؛ لأنّه بمثابة الحدّ وهو من فروض الإمام، ولجواز التخطّي مع كون المقصود معه بقاء النفس.
وقال المحقّق: وإذا كان الولي واحداً جاز له المبادرة، والأولى توقّفه على إذن الإمام، وقيل: يحرم المبادرة ويعزّر لو بادر، وتتأكّد الكراهية في قصاص الطرف.[3]
وقال العلّامة: مستحق القصاص إن كان واحداً كان له المبادرة إلى الاستيفاء، وهل يحرم من دون إذن الإمام؟ الأولى الكراهية فله الاستيفاء بدون إذنه، وقيل: يحرم ويعزّر لو بادر وتتأكّد الكراهية في الطرف.[4]
أقول: الظاهر أنّه لا فرق بين وحدة الولي وتعدّده فالقائل—)
[1]. الإسراء: ۳۳.
[2]. المبسوط: ۷/ ۵۶- ۵۷، ولاحظ الصفحة ۱۰۰.
[3]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۸.
[4]. تحرير الأحكام: ۵/ ۴۹۱، المسألة ۷۱۲۶.
(— بتوقّف القصاص على إذن الوالي يقول به في كلتا الصورتين، لكن تقييد الفرع بالوحدة لغاية بيان وجود سائر الشرائط للاقتصاص إلّااحتمال إذن الوالي، حتّى يصحّ حينئذٍ الحكم البات بالجواز، بخلاف ما إذا كان الولي متعدّداً فلو فرضنا عدم شرطية إذن الوالي لا يمكن الحكم القطعي بالجواز، لاحتمال شرطية إذن سائر الأولياء.
إذا علمت هذا فاعلم: أنّ الظاهر عدم جواز المبادرة للولي وإن كان له سلطان على القصاص، لكن وجود السلطة لا يدلّ على توليه القصاص بنفسه.
أمّا إذا لم يثبت موجب القصاص عند الحاكم وإنّما ثبت عند الولي، كما إذا رأى الواقعة بأُمّ عينه أو شهد عدلان عليها فظاهر؛ لأنّه يحتاج إثبات القصاص واستيفائه إلى النظر والاجتهاد، والناس مختلفون في شرائطه وكيفية استيفائه، فربما يقتصّ منه مع أنّه لم يكن مستحقّاً له لعدم كون الولي مجتهداً مراعياً كلّ الشروط.
وما في «الجواهر» نقداً لهذا الكلام من كون المفروض اعتبار الإذن بعد العلم لحصول مقتضي القصاص، وعلم المستوفي للشرائط عند مجتهده على وجه لم يفقد إلّاالإذن. والاحتياط غير لازم المراعاة عندنا؛[1] غير تام، فلأنّ الولي العامي مهما علم بوجود الشرائط المعتبرة عند مجتهده، لا يدفع احتمال الخطأ في وجود الشرائط وعدم الموانع، ولذا لو جاز ذلك للعامّي لعمّت الفوضى في المجتمع. ولذلك وجب الاحتياط في الدماء.—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۸۷.
(— وأمّا ما إذا ثبت موجب القصاص عند الحاكم، فهو وإن كان أسهل من الصورة الأُولى لكن استيفاء هذه الحقوق من وظائف الإمام وليس كاستيفاء سائر الحقوق كالشفعة وغيرها.
وعلى هذا جرت سيرة العقلاء في عامّة البلاد،[1] وأمّا التمسّك بقوله تعالى: «فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا» فهو بصدد أصل التشريع أنّه يحق له القتل وأمّا من هو المستوفي فليست الآية بصدد بيانه، نظير قوله سبحانه: «وَالسَّارِقُ وَ السَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا»[2]، وقوله: «الزَّانِيَةُ وَ الزَّاني فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ»[3]، ومن المعلوم أنّ الخطاب وإن كان للعموم بمعنى أنّ هذا الحق ثابت للمجتمع، وأمّا كيفية استيفائه فليست الآيتان بصدد بيانها، بل يرجع في ذلك إلى الأعراف العامة في المجتمعات الّتي يسود فيها القانون.
نعم الحرمة في جانب الطرف آكد لأنّ التشفّي ربّما يجرّه إلى التخطّي عن الحق، ولا ينقضي تعجبي من هؤلاء الأساطين كيف حكموا بجواز قيام الولي بهذه الأُمور الخطرة الّتي لو لم يمارسها الحاكم المنتخب من الناس لعمّت الفوضى وتفككت العُرى.
[1]. قال السيد الخوئي في مباني تكملة المنهاج: ۲/ ۱۲۸: لإطلاقات أدلّة الاقتصاص وعدم تقييدها بالاستجازة من الإمام.
[2]. المائدة: ۳۸.
[3]. النور: ۲.
المسألة ۷: لو كان أولياء الدم أكثر من واحد، فالأقوى عدم جواز الاستيفاء إلّاباجتماع الجميع وإذن الوليّ، لا بمعنى ضرب كلّ واحد إيّاه، بل بمعنى إذنهم لأحد منهم أو توكيلهم أحداً؛ وعن جمع أنّه يجوز لكلّ منهم المبادرة، ولا يتوقّف على إذن الآخر، لكن يضمن حصص من لم يأذن؛ والأوّل أقوى. نعم لو بادر واستبدّ فلا قود، بل عليه حصص البقية مع عدم الإذن، وللإمام تعزيره.^
^
الظاهر أنّ حيثية البحث في هذه المسألة تختلف عمّا تقدّمها وليس الاختلاف بينهما في خصوص كون الولي واحداً فيما تقدّم ومتعدّداً في المقام، لما عرفت من سعة ملاك البحث في المسألة السابقة وعدم اختصاصه بالولي الواحد. بل جهة البحث في المسألة السابقة تختلف عن جهته في المقام، وذلك أنّ البحث فيما تقدّم كان مركّزاً على استيفاء الولي بالمباشرة مع عدم الاستئذان من الحاكم، سواء كان الولي واحداً أو لا، وقد عرفت وجه تقييد المسألة بوحدة الولي وأمّا البحث في المقام فيركّز على أنّ أحد الأولياء هل له الاستيفاء مع عدم حضور الآخرين، أو ليس له ذلك؟
إذا علمت ذلك فاعلم أنّ في المسألة قولين:
الأوّل: عدم جواز الاستيفاء إلّاباجتماع الجميع. وهذا هو خيرة جماعة نسبه إليهم في «الجواهر»، كالفاضل والشهيدين والمقداد—)
(— والأردبيلي والكاشاني[1]، وهذا أيضاً هو خيرة المصنّف.
الثاني: الجواز مع ضمان حصص الباقين لتحقّق الولاية لكلّ واحد بانفراده، فيتناوله العموم.
وهذا هو خيرة الشيخ في «المبسوط»، قال: فإذا ورثه (القصاص) ورثته فإن كانوا أهل رشد لا يولى عليهم فليس لبعضهم أن يستوفيه بغير إذن شريكه .. إلى أن قال: وعندنا أن يستوفيه بشرط أن يضمن الباقين ما يخصّهم من الدية.[2]
وقال في «الخلاف»: إذا كان أولياء المقتول جماعة لا يُولّى على مثلهم، جاز لواحد منهم أن يستوفي القصاص، وإن لم يحضر شركاؤه سواء كانوا في البلد أو كانوا غائبين بشرط أن يضمن لمن لم يحضر نصيبه من الدية، وقال جميع الفقهاء: ليس له ذلك حتّى يستأذن إن كان حاضراً، أو يقدّم إن كان غائباً.[3]
وقال العلّامة في «التحرير»: لو كان بعض الأولياء غائباً أو صبيّاً، قال الشيخ رحمه الله: للحاضر البالغ استيفاء القصاص بعد ضمان حصص الغائبين والصغار من الدية، ثمّ قال: لو كان للصغير أبٌ أو جدٌ له، لم يكن لوليه استيفاءُ القصاص حتّى يبلغ، سواء كان القصاص في النفس أو الطرف- ولو قيل:—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۸۹.
[2]. المبسوط: ۷/ ۵۴.
[3]. الخلاف: ۵/ ۱۷۹، المسألة ۴۲.
(— له الاستيفاء كان حسناً- ثم قال: ويُحبس القاتل حتّى يبلغ الصبي أو يفيق المجنون.[1]
استدلّ للقول الأوّل بأنّه كما لا ينفرد باستيفاء تمام الدية كذلك القصاص؛ لأنّه حق مشترك فيتوقّف تحصيله على اجتماعهم كغيره من الحقوق الّتي لا يمكن فصل حق بعض المستحقّين عن بعض.[2]
واستدلّ للقول الثاني بأنّ الباقين إمّا أن يريدوا قتل الجاني أو الدية منه أو العفو، والفرض أنّ الأوّل قد حصل والدية مبذولة من الوليّ المستوفي، والعفو باقٍ في محلّه، فإنّ المقصود به المثوبة وهي موجودة.[3]
الظاهر أنّ الجواز وعدمه مبنيان على كيفية ثبوت حق الاقتصاص للأولياء، إذ هنا احتمالان:
۱. أن يكون حقّ الاقتصاص قائماً بالمجموع فلا يصلح لأحد من الأولياء، الاستبدادُ بإعمال الحق، فإنّه قائم بالمجموع من حيث المجموع.
۲. أنّه قائم بالأولياء على نحو الانحلال، بأن يكون الحكم مجعولًا لطبيعيّ الوليّ ينحل بانحلاله، فيثبت لكلّ فرد من أفراده حقّ مستقل كما هو الحال في سائر موارد انحلال الحكم بانحلال موضوعه.—)
[1]. تحرير الأحكام: ۵/ ۴۹۳، المسألة ۷۱۲۹.
[2]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۸۰.
[3]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۸۹.
(— فلو قلنا بالأوّل فلا يجوز لأحد من الأولياء استيفاء الحق بلا إذن الآخرين، لأنّ المفروض أنّ الحقّ قائم بالمجموع وهو جزء منه.
ويمكن تقريب القول الأوّل بأنّ حقّ الاقتصاص كحقّ الخيار الموروث، فكما أنّه ليس لأحد الورثة الاستبداد بإعمال الخيار، فهكذا حقّ الاقتصاص، حقّ قائم بالمجموع.
يلاحظ عليه: بوجود الفرق بين المقيس والمقيس عليه، أمّا الثاني- أعني: تعلّق الخيار- فالمفروض أنّه حقّ واحد كان قائماً بالمورّث فلو مات فإنّما ينتقل إلى الورثة بالنحو السابق، فلا يتعدّد بتعدّد الورثة، فلذلك يكون قائماً بالمجموع فلو اتّفقوا على إعمال الخيار فهو، وإلّا فالعقد لازم؛ وهذا بخلاف المقام فإنّ حقّ الاقتصاص صار مجعولًا ابتداءً للأولياء لا حقّاً واحداً موروثاً منتقلًا من واحد، فعدم التعدّد في مورد الخيار لا يكون دليلًا على الوحدة في المقام.
نعم لو كان حقّ الاقتصاص مجعولًا لهم من جهة الإرث ومنتقلًا من الميّت، كما إذا قطع الجاني يد أحد متعمّداً فمات المجنيّ عليه قبل الاقتصاص اتّفاقاً، فإنّ حقّ القصاص ينتقل إلى ورثته لا محالة، وبما أنّه حقّ واحد فيثبت لمجموع الورثة كحقّ الخيار ويترتّب على ذلك سقوط حقّ الاقتصاص بإسقاط واحد منهم، كما أنّه يترتّب عليه عدم جواز اقتصاصه بدون إذن الآخرين.—)
(— فإن قلت: قد مرّ في المسألة الرابعة أنّ من يرث المال يرث القصاص، فكيف يكون مجعولًا للولي ابتداءً؟
قلت: التعبير بالإرث من باب المشاكلة، والمراد هو كون الوارث مأموراً من جانب اللَّه بالقصاص؛ لأنّ المجني عليه ما دام حيّاً ليس له حق القصاص وبعد الموت، لا معنى لكونه يملك القصاص، بخلاف المال فإنّه ملكه في حياته.
ويمكن تقريب القول الثاني بوجهين:
الأوّل: ما دلّ على أنّ عفو بعض الورثة لا يوجب سقوط حق الاقتصاص عن الآخرين، وهذا يدلّ على أنّ الحقّ قائم بكلّ فرد فرد، على وجه لو عفا أحد الأولياء، فلا يخلّ عفوه بحق الآخرين.
وإلى ما ذكرنا يُشير صاحب «الجواهر» بقوله: بأنّ اشتراك الحقّ المزبور ليس على حسب غيره من الأموال التي لا يجوز التصرّف فيها بدون إذن الشريك، بل المراد من اشتراكه أنّ لكلّ واحد منهم استيفاؤه لا كونه بينهم على الحصص، ولا أنّه حق للمجموع من حيث كونه كذلك، ضرورة عدم تعقّل الأوّل ومنافاة الثاني لبقائه مع عفو البعض، وغرم الدية إنّما هو لدليله لا لاشتراكه.[1]
الثاني: ما يستفاد من صحيحة أبي ولّاد الحنّاط، قال: سألت أبا—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۹۰.
(— عبداللَّه عليه السلام عن رجل قتل وله أُمّ وأب وابن، فقال الابن: أنا أُريد أن أقتل قاتل أبي، وقال الأب: أنا (أُريد أن) أعفو، وقالت الأُمّ: أنا أُريد أن آخذ الدية، قال:
فقال: «فليعط الابن أُمّ المقتول السدس من الدية، ويعطي ورثة القاتل السدس من الدية حق الأب الذي عفا، وليقتله».[1]
إلى هنا تبيّن أنّ القول الثاني هو الموافق للقاعدة، ومع ذلك كلّه نقول: لا يمكن لكلّ منهم الاستيفاء إلّابإذن الآخرين، وذلك لأمرين:
الأوّل: أنّ الاستبداد بإعمال الحق يكون سبباً لضياع حق الآخرين، وما مرّ من صاحب الجواهر من أنّ الآخرين إمّا يريدون القصاص فالمفروض أنّه حصل مرادهم، وإن أرادوا الدية فهي مبذولة من الولي، وإن كانوا يريدون العفو فهو باقٍ في محلّه فإنّ المقصود به المثوبة وهي موجودة، فهو غير تام، وذلك لعدم حصول غرض الآخرين في الصورتين التاليتين:
۱. يريدون الاقتصاص بصورة التشفّي وهو لا يحصل إلّابقتله مباشرة، أو بمرأى ومنظر منهم وهو غير حاصل.
۲. يريدون العفو بمعنى أن يرجع القاتل إلى حياته الطبيعية، بين أهله وأولاده، وهو غير حاصل.
الثاني: احتمال اشتراط إعمال الحق بإذن الآخرين، وهذا الاحتمال قوي جدّاً خصوصاً فيمن يرجع في هذه الأُمور إلى المجتمعات، حيث يذمّون—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۵۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
(— عمل المستوفي مع غياب الأولياء الآخرين.
وحصيلة الكلام: نحن نوافق القول الثاني أي كون القصاص حقّاً ثابتاً لكلّ واحد من الورثة، ومع ذلك لا يصحّ لكلٍّ الإعمال إلّابإذن الآخرين.
نعم لو بادر واستوفى حقّه خالف الحكم الشرعي على القول الأوّل، فيعزّر دون الثاني، بل مطلقاً حسب ما قررنا، من أنّ تعلّق القصاص بالأولياء على وجه العام الاستغراقي لا يلازم جواز الاستبداد في استيفاء القصاص لاستلزامه ضياع حق الآخرين، فلاحظ.
واحتمل في «المسالك» ثمرة أُخرى، وهي وجوب القصاص؛ لأنّه استوفى أكثر من حقّه، فيلزمه القصاص فيه؛ ولأنّ القصاص لهما فإذا قتله أحدهما فكأنّه أتلف نصف النفس متعدّياً، وهو سبب يوجب القصاص.[1]
ولكن الثمرة باطلة لما عرفت من أنّ كلّاً يملك قصاصه كاملًا، لا أنّه يملك بعض النفس بل يملكها كلّها، غاية الأمر خالف الشرط فيستحق التعزير، ولذلك قال في المتن: ولو بادر واستبدّ فلا قود بل عليه حصص البقية (من الدية) مع عدم الإذن وللإمام تعزيره.
[1]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۳۰.
المسألة ۸: لو تشاحّ الأولياء في مباشرة القتل وتحصيل الإذن يقرع بينهم، ولو كان بينهم من لا يقدر على المباشرة لكن أراد الدخول في القرعة ليوكّل قادراً في الاستيفاء، يجب إدخاله فيها.^
^
أقول: مسألة التشاحّ معنونة في كلامهم فيما إذا قتل حرّ حرّين، فوقع التشاحّ بين وليّي المقتولين.[1] وكلّ أراد القصاص بنفسه.
ومنه يُعلم حكم المقام إذا قتل الحرّ واحداً وكان له أولياء، فتشاحّوا في مباشرة القصاص وتحصيل الإذن، فعندئذٍ يُقرع بينهم.
الكلام في هذه المسألة مبنيّ على ما اختاره في المسألة السابقة من أنّه ليس لأحد من الأولياء استيفاء القصاص من دون إذن الآخرين، فإذا وقع التشاحّ بين الأولياء، وكلّ حاول أن يقتصّ بنفسه، أو في تحصيل إذن الوالي كما سبق في المسألة السابقة يجب عندئذٍ رفع الدعوى إلى الحاكم حتّى يفصل النزاع.
وأمّا لو قلنا بأنّ لكلٍّ حق الاستيفاء مطلقاً، وإن لم يكن إذن من الآخرين فلا يبقى موضوع لهذه المسألة.
ثم إنّ الماتن اختار في القضاء على التشاحّ، الرجوع إلى القرعة، وهو صحيح تامّ، لما قد حقّق هو قدس سره في محلّه من اختصاص القرعة بموارد—)
[1]. لاحظ: تحرير الأحكام: ۵/ ۴۹۷؛ وكشف اللثام: ۱۱/ ۴۹.
(— النزاع والاختلاف، سواء أكان هناك واقع محفوظ أو لا كما في المقام.
ولو كان بين الأولياء عاجز لا يقدر على المباشرة ويحاول أن يكون له نصيب في إجراء القصاص فله أن يوكّل شخصاً، قادراً على الاستيفاء فيدخل فيمن يقرع عليهم، فلو خرجت القرعة باسمه، ناب عنه وكيله في الاستيفاء.
وفي المقام احتمال آخر وهو أنّ تعيين مباشر القصاص بيد الحاكم، ولا ينافي ذلك ثبوت حقّ القصاص للأولياء؛ لأنّ ثبوت الحق شيء وكيفية الاستيفاء شيء آخر، ولا يدلّ الثبوت على الثانية، وبما أنّها من الأُمور السياسية فالمرجع هو الحاكم والوالي، وعلى ذلك جرت سيرة العقلاء والحكام في الأدوار السابقة؛ لأنّ معنى ذلك أنّ لكلّ واحد حقّ الاستيفاء فهو أعمّ من المباشرة والتسبيب، فلو رأى الحاكم المصلحة في قيام الغير بذلك فهو، وإلّا فيولي أحد الأولياء إذا خرجت القرعة باسمه.
المسألة ۹: ينبغي لوالي المسلمين أو نائبه أن يُحضِر عند الاستيفاء شاهدين عدلين فطنين عارفين بمواقعه وشرائطه احتياطاً، ولإقامة الشهادة إن حصلت منازعة بين المقتصّ وأولياء المقتصّ منه، وأن يعتبر الآلة لئلّا تكون مسمومة، موجبة لفساد البدن وتقطّعه وهتكه عند الغسل أو الدفن، فلو علم مسموميّتها بما يوجب الهتك لا يجوز استعمالها في قصاص المؤمن، ويعزّر فاعله.^
^
ذكر في المتن أنّه ينبغي لوالي المسلمين أو نائبه أن يُحضِر عند الاستيفاء شاهدين عدلين فطنين عارفين بالأُمور الثلاثة التالية:
۱. عرفان مواقع القصاص وشرائطه.
۲. إقامة الشهادة إذا حصلت منازعة بين المقتصّ وأولياء المقتصّ منه.
۳. اعتبار الآلة لئلّا تكون مسمومة موجبة لفساد البدن عند الغُسل أو الدفَن.
وقد تبع في ذلك صاحب «الشرائع» حيث قال: وينبغي للإمام أن يُحضِر- عند الاستيفاء- شاهدين فطنين احتياطاً، ولإقامة الشهادة إن حصلت مجاحدة. ويعتبر الآلة لئلّا تكون مسمومة، خصوصاً في قصاص الطرف.[1]
والتعبير ب «ينبغي» في المتن و «الشرائع» يدلّ على أنّه من باب—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۹.
(— الاحتياط كما هو صريح كلامهما، ولاشكّ في حُسن الاحتياط. لا أنّه مستحب شرعاً لأنّه فرع الدليل، والأمر بالاحتياط في الدماء أمر إرشاديّ لا يدلّ على الاستحباب حتى ولو قلنا بالتسامح في السنن؛ لأنّ محلّه إذا ورد أمر بعنوان الشيء المحتمل استحبابه، بما هوهو، لا من باب الاحتياط.
أقول: أمّا الأمران الأوّلان فإنّما يناسبان القضاء بين العشائر والذي يتصدّى لأمر القضاء هناك رئيس العشيرة، بدون أن يشكّل ملفّاً خاصّاً حاوياً على اسم الجاني واسم المجنيّ عليه والشهود إلى غير ذلك من الأُمور الّتي لها تأثير في صدور الحكم، ومن المعلوم أنّه عند فقد هذه الأُمور يحتاج إلى حضور شاهدين لممارسة الأمرين، دون ما إذا كان هناك محكمة تحوي على سجلات يدوّن فيها كلّ صغيرة وكبيرة ممّا يتعلّق بالجناية، فعند ذلك لا يحصل نزاع بين المقتصّ وأولياء المقتصّ منه، وبالتالي لا تكون حاجة لحضور الشاهدين.
وأمّا الأمر الثالث- أعني: اعتبار الآلة حتّى لا تكون مسمومة- فالظاهر من عبارة المتن أنّه ممّا يقوم به الوالي أو مَن ينصبه لا الشاهدان، بدليل قولهما:
«ويعتبر الآلة» حيث أفرد الضمير الراجع إلى الوالي أو نائبه، ولو أُريد الشاهدان كان عليه تثنية الضمير، لكن وجه التفريق بينه وبين الأمرين المتقدّمين غير معلوم.
ثم إنّ المصنّف قيّد الهتك- أعني: تقطيع البدن- بزمان الغسل والدفن، ومعنى ذلك أنّه لو كانت الآلة مسمومة تؤثر في تقطّع البدن بعد الدفن—)
(— فغير ممنوع، لكن الظاهر ممنوعية القسمين لما عرفت من أنّه ليس لولي الدم إلّاالاستيفاء بالآلة المعتادة، والآلة المسمومة ليست كذلك. نعم احتمال التقطّع في زمان الغسل غير محقّق؛ لأنّ القاتل يغتسل قبل القصاص.
ثم لو عُلمت مسمومية الآلة بما يوجب الهتك يُعزّر فاعله.
المسألة ۱۰: لا يجوز في قصاص الطرف استعمال الآلة المسمومة الّتي توجب السراية، فإن استعملها الولي المباشر ضمن، فلو علم بذلك ويكون السم ممّا يقتل به غالباً، أو أراد القتل ولو لم يكن قاتلًا غالباً، يقتصّ منه بعد ردّ نصف ديته إن مات بهما، فلو كان القتل لا عن عمد يردّ نصف دية المقتول؛ ولو سرى السم إلى عضو آخر ولم يؤدّ إلى الموت، فإنّه يضمن ما جنى ديةً وقصاصاً مع الشرائط.^
^
في المسألة فروع:
۱. لا يجوز في قصاص الطرف استعمال الآلة المسمومة الّتي توجب السراية؛ وذلك لأنّ المقصود من قصاص الطرف بقاء النفس، والمسموم يجهز عليه غالباً.
۲. لو استعملها الولي المباشر فحصلت منها جناية بسبب السم، ضمنه؛ لأنّ الجاني ضامن. والفرق بين قصاص النفس، وقصاص الطرف، مع اشتراكهما في عدم جواز استعمال الآلة المسمومة، هو أنّ النهي في الأوّل تكليفي محض، بخلاف الثاني فهو تكليفي ووضعي يستلزم الضمان. والفرق بينهما واضح لعدم تعلّق الغرض ببقاء الجاني في الأوّل، بخلاف الثاني فإنّ الغرض الاقتصاص مع حفظ نفسه، فإذا أتلف يكون ضامناً.
۳. لو علم بذلك وكان السم ممّا يُقتل به غالباً، أو أراد القتل وإن لم—)
(— يكن قاتلًا غالباً، يقتصّ منه بالقتل؛ وذلك لما عرفت من أنّه يكفي في ثبوت القود أحد الأمرين؛ كون الآلة قتّالة، أو كون الفاعل مريداً له، كما هو المفروض في المقام.
نعم يقتصّ منه بعد ردّ نصف دية المقتول إلى ورثة القاتل لو مات المقتول بهما، لو فرض أداء الدية قبل القصاص، وإلّا يدفع نصف الدية؛ وذلك لأنّ موت المقتول كان من أمرين: أحدهما مضمون وهو الاقتصاص بالآلة المسمومة، والآخر غير مضمون لأنّ المقتول جنى والقاتل اقتصّ منه، ولأجل كون أحد السببين مضموناً يقتل بعد رد نصف الدية إليه.
والعجب ممّا في «المسالك» حيث قال: ولو فرض استيفاؤه بالمسموم فمات المقتصّ منه، فلا قصاص، لأنّه مات من مستحق وغير مستحق.[1]
يلاحظ عليه: أنّ ملاك القتل عن عمد أحد شيئين:
۱. كون الآلة ممّا تقتل.
۲. كون الفاعل مريداً للقتل، وإن لم تكن الآلة قتّالة.
والمفروض في المقام وجود أحد الأمرين، وأمّا ما ذكره من أنّه مات من مستحق وغير مستحق فهو صحيح.
أمّا المستحق فهو استيفاء القصاص في الطرف.
وأمّا غير المستحق فهو استعمال الآلة المسمومة الّذي أدّى إلى قتله—)
[1]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۳۴.
(— ولم يكن مستحقاً له.
لكن هذا يكفي في استناد القتل إلى الفاعل، غاية الأمر لا يقتل الفاعل إلّا بردّ نصف دية المقتول إلى الفاعل؛ لأنّ نصف ديةالمقتول لم يكن مضموناً، بل المضمون كان نصفه وهو قد أتلف نصف الدية، وأمّا النصف الآخر فهو كان هدراً.
۴. ولو كان القتل لا عن عمد، يردّ نصف دية المقتول إن كان دفع الجميع.
والأولى أن يقول: بما أنّ القتل موصوف بالخطأ فعليه أداء نصف الدية؛ لأنّه إذا اجتمع السببان، يحكم بالتناصف، سواء كان أحد السببين أقوى أو لا.
۵. ولو سرى السم إلى آخر ولم يؤدّ إلى الموت فإنّه يضمن ما جنى ديةً، إن لم يكن فيه قصاصٌ شرعاً، وقصاصاً إن كان ممّا يقتصّ منه شرعاً. وسيوافيك ما فيه القصاص عمّا لا قصاص فيه.
المسألة ۱۱: لا يجوز الاستيفاء في النفس والطرف بالآلة الكالّة وما يوجب تعذيباً زائداً على ما ضرب بالسيف، مثل أن يقطع بالمنشار ونحوه. ولو فعل أثم وعزّر، لكن لا شيء عليه، ولا يقتص إلّابالسيف ونحوه. ولا يبعد الجواز بما هو أسهل من السيف كالبندقة على المخ، بل وبالاتّصال بالقوة الكهربائية. ولو كان بالسيف يقتصر على ضرب عنقه، ولو كانت جنايته بغير ذلك كالغرق أو الحرق أو الرضخ بالحجارة، ولا يجوز التمثيل به.^
^ في المسألة فروع:
۱. الاستيفاء في النفس والطرف بالآلة الكالّة، أو ما يوجب تعذيباً زائداً على أصل القتل.
۲. اختصاص القتل بالسيف أو ما هو أسهل منه.
۳. لو اقتصّ بالسيف يقتصر على ضرب عنقه.
۴. لو كانت الجناية بغير السيف كالغرق والحرق، هل يجوز إعماله عند القصاص.
۵. التمثيل بالمقتول.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.—)
(—
كان الموضوع في المسألة السابقة استعمال الآلة المسمومة ولكنّه هنا استعمال الآلة الكالّة الّتي تعرقل القتل السريع، أو ما يوجب تعذيباً زائداً وإن لم يعرقل سرعة القتل، كالقتل بالمنشار.
وجه الحرمة: أنّ الأصل في الدماء هو الحرمة، خرج منه «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» وأمّا التعذيب الزائد على أصل المقابلة فهو باق تحت الأصل، هذا حسب القاعدة الأُولى.
وأمّا حسب الدليل الاجتهادي فإنّ التعذيب الزائد مخالف لقوله سبحانه: «فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ»[1].
فكما أنّ التمثيل اعتداء على المقتول لأنّه شيء وراء القتل، فهكذا القتل بالآلة الكالّة أو القتل بالمنشار، فإنّ التعذيب الزائد يُعدّ اعتداءً، والآية وإن كانت غير ناظرة إلى المماثلة في أدوات القتل كما مرّ، لكنّها صريحة في حرمة الاعتداء المتمثّل في التعذيب الزائد.
ويؤيّد ذلك ما رواه أحمد في مسنده عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم: «إذا قتلتم فأحسنوا القتل، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح»[2].—)
[1]. البقرة: ۱۹۴.
[2]. مسند أحمد: ۴/ ۱۲۳.
وهذا ظاهر كلام أكثر الأصحاب أنّه يتعيّن استيفاء القصاص بضرب العنق بالسيف، سواء كانت جناية الجاني به أو بغيره من التغريق والتحريق والضرب بالعصا وغير ذلك.
قال المحقّق: ولا يقتصّ إلّابالسيف، ولا يجوز التمثيل به، بل يقتصر على ضرب عنقه، ولو كانت جنايته بالتغريق أو بالتحريق أو بالمثقل أو بالرضخ.[1]
وفي «المسالك»- بعد عبارة المحقّق-: عند أكثر الأصحاب؛ لأنّ المقصود القود بإزهاق الروح، وهو متحقّق بذلك، والزيادة عليه مسألة منهي عنها.[2]
ويدلّ على قول المشهور روايات[3] تُصرّ على الاقتصاص بالسيف فقط، منها:
۱. ما رواه الكليني باسناده عن الحلبي، وعن أبي الصباح الكناني جميعاً عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: سألناه عن رجل ضرب رجلًا بعصا، فلم يقلع—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۹.
[2]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۳۵.
[3]. ويدلّ عليه مضافاً إلى ما رواه الشيخ في الخلاف: ۵/ ۱۹۰ لا قود إلّابالحديدة، ما رواه صاحبالمستدرك في الباب ۵۱ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱ و ۲: عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم:« لا قود إلّابالسيف»، وقول علي عليه السلام:« لا يقاد لأحد من أحد إلّابالسيف في القتل خاصّة»، إلى غير ذلك من الروايات.
(— عنه الضرب حتّى مات، أيدفع إلى ولي المقتول فيقتله؟ قال: «نعم، ولكن لا يترك يعبث به، ولكن يجيز عليه بالسيف»[1].
قوله: يجيز: أي ينفذ عليه السيف بسرعة. قال ابن الأثير: ومنه حديث أبي ذر رضى الله عنه: «قبل أن تجيزوا عليَّ» أي تقتلوني وتنفذوا فيّ أمركم.[2]
۲. ما رواه الصدوق باسناده عن موسى بن بكر، عن العبد الصالح عليه السلام عن رجل ضرب رجلًا بعصا فلم يرفع العصا عنه حتّى مات؟ قال: «يدفع إلى أولياء المقتول، ولكن لا يترك يتلذّذ به، بل يجاز عليه بالسيف»[3].
۳. ما رواه سليمان بن خالد قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن رجل ضرب رجلًا بعصا فلم يرفع عنه حتّى قتل أيدفع إلى أولياء المقتول؟ قال: «قال نعم، ولكن لا يترك يعبث به، ولكن يجاز عليه»[4].
ويمكن أن تكون الأُولى والثالثة رواية واحدة، لوحدة الإمام المروي عنه ووحدة اللفظ، وإن كان الراوي متعدّداً.
فالقول المشهور هو المنصور لتضافر الروايات عليه. نعم يمكن أن يقال: إنّ التركيز على السيف لأجل ردّ السبب الأثقل كقتله بالحجارة لا السبب الأخف، وأمّا لو كانت هناك أداة أسهل، كما مثّل—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۶۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
[2]. النهاية في غريب الحديث: ۱/ ۳۱۵.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۶۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۳.
[4]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۱ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱۲.
(— المصنّف بالقتل بالمسدس أو البندقية أو بالقوة الكهربائية، فلا بأس به، لأنّ التركيز على السيف كان لأجل الردّ على السبب الشديد، لا السبب الخفيف.
لو كانت الجناية بالسيف يقتصر على ضرب عنقه، لأنّ الأدلّة منصرفة إلى ما هو المتعارف من الضرب على العنق، مضافاً إلى أنّه أسرع في زهوق الروح.
لو كانت جناية الجاني بغير السيف كالغرق والحرق، فهل يجوز الاقتصاص منه بهذا النحو أو لا؟
المشهور عدم الجواز، إلّامن ابن الجنيد الّذي ذهب إلى الجواز، قائلًا:
بأنّ للولي أن يقتل قاتل قريبه بمثل القتلة الّتي قتله بها، إن وثق بأنّه لا يتعدّى.[1]
وقد احتجّ ابن الجنيد بعموم قوله تعالى: «فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ»[2].
وقد استوجه العلّامة استدلال ابن الجنيد وقال: وهو وجه قريب من الصواب.[3]—)
[1]. مختلف الشيعة: ۹/ ۴۴۴.
[2]. البقرة: ۱۹۴.
[3]. مختلف الشيعة: ۹/ ۴۴۵.
(— يلاحظ عليه: بما ذكرنا كراراً بأنّ الآية ليست ناظرة إلى المماثلة في أسباب القتل، بل هي ناظرة إلى قتل النفس بالنفس لا النفسين بالنفس الواحدة، ولا بالتعذيب الشديد، ولذلك قلنا بعدم جواز استعمال الآلة الكالّة ويدلّ على عدم الجواز ما مرّ من الروايات حيث إنّ القاتل قتل بالعصا ولكن يقتصّ منه بالسيف، مضافاً إلى ما تقدّم من أنّه لا قود إلّابالسيف.
لا يجوز التمثيل بعد القتل، للنهي عنه الوارد عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم والوصي عليه السلام، قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: «إنّي سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم يقول:
إيّاكم والمثلة ولو بالكلب العقور».[1]
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۶۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۶.
المسألة ۱۲: أُجرة مَن يقيم الحدود الشرعية على بيت المال، وأُجرة المقتصّ على ولي الدم لو كان الاقتصاص في النفس، وعلى المجنيّ عليه لو كان في الطرف، ومع إعسارهما استدين عليهما، ومع عدم الإمكان فمن بيت المال، ويحتمل أن تكون ابتداء على بيت المال، ومع فقده أو كان هناك ما هو أهم فعلى الوليّ أو المجنيّ عليه، وقيل: هي على الجاني.^
^ الكلام في أُجرة مَن يقيم الحدود
فيه أقوال:
۱. ذهب الشيخ والمحقّق إلى أن أُجرة مَن يقيم الحدّ ومَن يقوم بالاقتصاص أوّلًا وبالذات على بيت المال، فإن لم يكن بيت مال أو كان هناك ما هو أهم كانت الأُجرة على الولي والمجنيّ عليه، أي على الولي في قصاص النفس، وعلى المجني عليه في قصاص الطرف ويجمعهما «المستوفي» فهو ولي الدم في قصاص النفس والمجنيّ عليه في قصاص الطرف. وإليك كلام العلمين:
قال الشيخ في «المبسوط»: يعطى الّذي يقيم الحدود ويقتصّ للناس من بيت المال أرزاقهم عندنا وعند جماعة، فإن لم يكن بيت مال أو كان موجوداً لكن كان هناك ما هو أهم منه كسدّ الثغور وتقوية المقاتلة، كانت الأُجرة على المقتصّ المستوفي دون المستوفى منه.[1]—)
[1]. المبسوط: ۷/ ۱۰۸، بتلخيص.
(— وقال المحقّق: وأُجرة مَن يقيم الحدود من بيت المال، فإن لم يكن بيت مال أو كان هناك ما هو أهم، كانت الأُجرة على المجنيّ عليه.[1]
ويريد من المجنيّ عليه أعمّ من ولي الدم عند القصاص في النفس، ونفس المجنيّ عليه الحيّ في قصاص الطرف.
فعلى هذا فأُجرة عامّة مراحل الاقتصاص ابتداءً من الأخذ والحبس والتحقيق والقصاص والتنفيذ كلّها على بيت المال، غير أنّه إذا لم يكن لبيت المال إمكانية أو كان هناك أمر أهم، يؤخذ من المستوفي.
۲. ما عليه المصنّف من الموافقة مع العلمين إلّاأنّه استثنى أُجرة المقتصّ فلم يجعلها على عاتق بيت المال، سواء أكانت له إمكانية أو لا، أو كان هناك أمر مهم أو لا، بل جعلها على المستوفي أعمّ من ولي الدم والمجنيّ عليه.
وسيوافيك القول الثالث.
أمّا القول الأوّل فيستدل عليه بأنّ إقامة الحدود من المصالح السامية للمجتمع، وكلّ أمر لم يسمّ فاعله فهو على الإمام أو نائبه، فإذا كان راجعاً إليه فكلّ ما يقوم به من الأُمور تدفع أُجرته من بيت المال، فإن لم تكن إمكانية أو كان أمر أهم، فهي على المستوفي.
وأمّا القول الثاني: فيستدلّ عليه بأنّ إقامة الحدود والاقتصاص وإن كان من وظائف الحاكم أو القاضي ألّا أنّه لا دليل على صرف مال في طريق—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۹.
(— استيفاء الغير حقّه، فإذا كان المنتفع هو الغير فالأُجرة عليه.
والظاهر قوة القول الأوّل؛ لأنّ القضاء والحكومة من وظائف الإمام ومن نصبه، فهذا الإمام علي عليه السلام يقول في حق القاضي: «وَافْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا يُزِيلُ عِلَّتَهُ، وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ. وَأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لَايَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ»[1].
فإذا كانت هذه منزلة القاضي فيجب على الحاكم الأعلى إغناء محكمة القضاء على وجه لا تحتاج في إجراء الحدّ إلى مدّ يدها إلى المتحاكمين.
نعم المنتفع من الحق هو المستوفي ولكن لمّا كان في هذا الانتفاع حياة للمجتمع، فلا بأس من أن تكون الأُجرة على الحاكم الحافظ للأمن العام. نعم لو لم يكن لبيت المال إمكانية أو كان أمر أهم فعلى المستوفي.
فتلخّص أنّ هنا قولين:
الأوّل: قول العلمين بأنّ الأُجرة في عامّة المراحل على بيت المال إلّاإذا لم يكن في بيت المال مال، أو كان هناك أمر أهم، فتكون الأُجرة على المقتصّ المستوفي.
الثاني: أنّ أُجرة إقامة الحدود على بيت المال ويستثنى منها أُجرة المقتصّ (من يقوم بعملية القصاص).
ثمّ إنّه قلنا بمقالة المصنّف من استثناء أُجرة المقتصّ من بيت المال،—)
[1]. نهج البلاغة: قسم الكتب برقم ۵۳.
(— فقد ذكر المصنّف فيه احتمالين:
۱. أُجرة المقتصّ على ولي الدم لو كان الاقتصاص في النفس، وعلى المجنيّ عليه لو كان في الطرف، ومع إعسارهما استدين لهما، ومع عدم الإمكان فمن بيت المال.
۲. أن تكون ابتداءً على بيت المال ومع فقده أو كان هناك ما هو أهم فعلى الولي أو المجنيّ عليه، وهذا نفس قول الشيخ والمحقّق.
ولا يخفى أقوائية الاحتمال الثاني على الاحتمال الأوّل، ولهذا فما اختاره الشيخ والمحقّق هو الأشبه بأُصول الإسلام كما لا يخفى؛ لأنّ الغاية من تأسيس بيت المال هو تأمين المبالغ اللازمة للمصالح العامة، ومن ذلك أنّ الأمر العام من أوضح مصاديق هذه المصالح، كما أنّ إجراء الحدود تجسيد لهذه المصالح.
وأمّا القول الثالث: إنّ الأُجرة على الجاني الذي أشار إليه في المتن في آخره، ووجهه أنّها من مؤونة التسليم الواجب على الجاني، فإنّها كأُجرة الكيّال الواجبة على البائع. والظاهر وجود الفرق بين المثال والممثل فإنّ الواجب في البيع تسليم المبيع إلى المشتري ولا يتحقّق التسليم في المال المشاع أو الكلّي في المعيّن إلّا بالكيل وفصله عن غيره، وأمّا المقام فالواجب على الجاني التمكين ومد يده للقطع مثلًا، وأمّا تأجير شخص لأن يقطع يده فليس على ذمّة الجاني.
المسألة ۱۳: لا يضمن المقتصُّ في الطرف سراية القصاص إلّامع التعديّ في اقتصاصه، فلو كان متعمداً اقتصّ منه في الزائد إن أمكن، ومع عدمه يضمن الدية أو الأرش، ولو ادّعى المقتصّ منه تعمّد المقتص وأنكره، فالقول قول المقتصّ بيمينه، بل لو ادعى الخطأ وأنكر المقتصّ منه فالظاهر أن القول قول المقتصّ بيمينه على وجه، ولو ادعى حصول الزيادة باضطراب المقتصّ منه أو بشيء من جهته فالقول قول المقتصّ منه.^
^ في المسألة فروع:
۱. حكم سراية القصاص في الطرف إلى غيره إذا لم يكن متعدّياً.
۲. إذا تعدّى في الاقتصاص عامداً.
۳. ادّعاء المقتصّ منه التعمّد وإنكار المقتصّ.
۴. ادّعاء المقتصّ الخطأ وإنكار المقتصّ منه.
۵. ادّعاء المقتصّ حصول الزيادة باضطراب المقتصّ منه.
وإليك دراسة الفروع.
إذا اقتص الولي أو غيره بإذن الإمام في الطرف، وحصلت السراية إلى غيره لم يضمن المقتص، سواء كان الولي هو المباشر أو غيره، إذا لم يتعدّ الحق الثابت له، ويمكن الاستدلال عليه بوجهين:—)
(— الأوّل: ما ورد من الروايات:
۱. صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال: «مَن قتله القصاص بأمر الإمام، فلا دية له في قتل ولا جراحة»[1]. ودلالتها على حكم المقام واضحة لقوله: «ولا جراحة».
۲. حسنة الحلبي عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «أيّما رجل قتله الحدّ أو القصاص، فلا دية له»[2].
۳. ما رواه زيد الشحام قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن رجل قتله القصاص، هل له دية؟ قال: «لو كان ذلك لم يقتص من أحد»[3].
والظاهر أنّ مصب الروايات الثلاث هو قصاص النفس بدليل التعليل الوارد في الرواية الثالثة، لكن في الرواية الأُولى كفاية الثاني؛ لأنّ ضمان السراية يحتاج إلى دليل إذا كان القصاص بأمر الشارع.
إذا تعدّى في الاقتصاص عمداً فإن أمكن الاقتصاص كما إذا قطع مكان أصبع، أصبعين، اقتصّ منه؛ وإن لم يمكن، كما إذا جنى بقطع الأصابع فقطع من الزند مكان قطعه من أُصول الأصابع، ففيه الدية أو الأرش؛ وذلك لأنّه لا يمكن قطع كفّه مع حفظ الأصابع، لأنّ جنايته محدّدة بالكف، وأمّا الأصابع—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۴ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۸.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۴ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۹.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۴ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
(— فقطعها كان عن استحقاق فقد جنى بمقدار الكف فقط، ولا يمكن في مثله القصاص أي قطع الكف مع حفظ الأصابع، ولذلك تتعيّن الدية.[1]
لو ادّعى المقتصّ منه تعمّد المقتصّ وأنكره هو، فالقول قول المقتصّ ويمينه لأنّه منكر. قال المحقّق: ولو خالفه المقتصّ منه في دعوى الخطأ، كان القول قول المقتصّ مع يمينه.[2] أخذاً بقاعدة البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر، فتقديم قول المقتصّ في هذه الصورة على وفق القاعدة.
لو ادّعى المقتصّ الخطأ وأنكر المقتصّ منه، فمقتضى القاعدة السابقة تقديم قول المنكر- أي المقتصّ منه- ومع ذلك أفتى في المتن بتقديم قول المقتصّ؛ لأنّ المقتصّ أعرف بنيّته. وبذلك يعلم عدم صحّة ما ربّما يتوهّم من أن كلّاً من الطرفين مدّعٍ، فهذا يدّعي العمد وذاك يدّعي الخطأ فكيف يقدّم قول المقتص؟ وذلك لما عرفت من أنّ التعمّد والخطأ من الأُمور القلبية، والفاعل أعرف بنيّته من غيره.
لا يخفى أنّ الفرعين مختلفان ظاهراً ومتّحدان معنى، فلاحظ عبارتهما:
۱. ادّعى المقتصّ منه التعمّد، وأنكره المقتصّ.—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۹.
[2]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۲۹.
(— ۲. ادّعى المقتصّ الخطأ وأنكره المقتصّ منه.
وجه الوحدة أنّ إنكار المقتصّ التعمّد يرجع لبّاً إلى اعترافه به خطأ؛ لأنّ المفروض تسليم وجود تعدّ في البين وإنّما الاختلاف في وصفه ومنشئه، فعندئذٍ يرجع الفرع الأوّل إلى الثاني.
نعم لو كان الميزان في تشخيص المدّعي عن المنكر، هو ظاهر التعبير، صحّ عدّهما اثنين؛ وأمّا لو كان الميزان مآل كلامهم، فهما فرع واحد بمعنى وجود تعمّد يصفه المقتصّ منه بالعمد والآخر بالخطأ.
لو ادّعى حصول الزيادة بسبب اضطراب المقتصّ منه أو بشيء من جهته، فقال الفاضل الهندي: قُبل ولم يضمن.[1]
وفي «الجواهر»: وفيه ما لا يخفى[2]، ولذلك قال المصنّف: فالقول قول المقتصّ منه؛ لأنّ الطرفين يتّفقان على صدور الزيادة من المقتصّ ولكن يُريد المقتصّ إلقاء المسؤولية على المقتصّ منه، فهذه دعوى تحتاج إلى دليل.
[1]. كشف اللثام: ۱۱/ ۱۶۸.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۳۰۲.
المسألة ۱۴: كلّ مَن يجري بينهم القصاص في النفس يجري في الطرف، ومن لا يقتصّ له في النفس لا يقتصّ له في الطرف، فلا يقطع يد والد لقطع يد ولده، ولا يد مسلم لقطع يد كافر.^
^
في المسألة قاعدتان:
الأُولى: كلّ مَنْ يجري بينهم القصاص في النفس، يجري في الطرف.
الثانية: مَن لا يقتصّ له في النفس، لا يقتصّ له في الطرف.
وحاصلهما: أنّ كلّ مَن يجري بينهم القصاص في النفس يجري في الطرف، فإذا قتل المسلم مسلماً فكما يجوز القصاص في النفس يجوز القصاص في الطرف كما لو جرح مسلماً، سواء اتّفقوا في الدية أم لا، لكن لو اقتصّ من الكامل دُفع إليه الفاضل، كما في قتل الرجل المرأة فيقتل الرجل مع دفع دية الفاضل؛ لإطلاق قوله: «وَ الْجُرُوحَ قِصَاصٌ»[1]. وعلى هذا يترتب عليه أمران.
۱. مَنْ لا يقتصّ له في النفس كالولد إذا قتله الوالد، فلا يقتصّ للولد إذا جنى الوالد عليه في طرف منه.
۲. الذمّيّ، إذا قتله المسلم أو جنى عليه، فلا يقتصّ له لا في النفس ولا في الطرف.—)
[1]. المائدة: ۴۵.
(— أمّا الأوّل– أعني: أنّه لا يقتص للولد إذا جنى الوالد عليه في طرف منه مع إطلاق قوله تعالى: «وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ»– هو وحدة الملاك في الموردين، أعني: قصاص النفس وقصاص الطرف، وهو تكريم الوالد.
وما ذكرناه من وحدة الملاك بل الأولوية كافٍ في المقام؛ وربما يستدلّ بما رواه حمران عن أحدهما عليهما السلام قال: «لا يقاد والد بولده، ويقتل الولد إذا قتل والده عمداً».[1] لكن الاستدلال غير تام؛ لأنّه ظاهر في قصاص النفس بشهادة الذيل، وعلى فرض إطلاق الصدر فالذيل مانع عن الاحتجاج به، كما هو الحال في كلّ إطلاق حُفّ بشيء يصلح للقرينية.
وأمّا الثاني– أعني: لا يقتص للذمّي إذا جرحه مسلم- فالدليل عليه إطلاق ما دل على أنّه لا يقاد مسلم بذمّي في القتل ولا في الجراحات، ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمّي على قدر دية الذمّيّ ثمانمائة درهم.[2]
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۴۷ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۵.
المسألة ۱۵: إذا كان له أولياء شركاء في القصاص، فإن حضر بعض وغاب بعض، فعن الشيخ قدس سره: للحاضر الاستيفاء بشرط أن يضمن حصص الباقين من الدية. والأشبه أن يقال: لو كانت الغيبة قصيرة يصبر إلى مجيء الغائب، والظاهر جواز حبس الجاني إلى مجيئه لو كان في معرض الفرار.
ولو كان غير منقطعة أو طويلة فأمر الغائب بيد الوالي، فيعمل بما هو مصلحة عنده أو مصلحة الغائب. ولو كان بعضهم مجنوناً فأمره إلى وليّه، ولو كان صغيراً ففي رواية: انتظروا الذين قتل أبوهم أن يكبروا، فإذا بلغوا خيّروا، فإن أحبّوا قتلوا أو عفوا أو صالحوا.^
^
في المسألة فروع:
۱. إذا كان للمقتول أولياء غير محجورين شركاء في القصاص لكن كان بعضهم غائباً.
۲. لو كان بعض الأولياء مجنوناً أو صغيراً.
۳. لو كان ولي الدم صغيراً أو كان الجميع صغاراً.
وإليك دراسة الفروع:
أمّا الفرع الأوّل: فلو كان للقتيل أولياء كاملون لا يُولّى عليهم، كانوا شركاء في القصاص، فإن كان الجميع حاضرين فهو، وإن حضر بعض وغاب الباقون فقد مرّ في المسألة السابعة عن الشيخ أنّ: للحاضر الاستيفاء بشرط—)
(— أن يضمن حصص الباقين من الدية. واختار المصنّف عدم جواز الاستيفاء إلّا باجتماع الجميع؛ ولأجل ذلك اختار في المقام التفصيل، وهو أنّ الغيبة لو كانت قصيرة يصبر إلى مجيء الغائب دونما إذا كانت طويلة.
وما هذا إلّالأنّ هنا حقوقاً متعدّدة قائمة بالأشخاص، فلكلٍّ حقّ القصاص مستقلّاً بصورة العام الاستغراقي، لا أنّ هنا حقّاً واحداً قائماً بالجميع بصورة العام المجموعي؛ وعلى ذلك فإذا كان حضور الغائب أمراً ميسّراً في وقت قصير، فالصبر أولى لما قلنا من عدم جواز المبادرة، حتّى يعلم نظره هل يريد القصاص أو الدية؟ وأمّا إذا كانت غيبته منقطعة أو طويلة فأمر الغائب بيد الوالي لكونه وليّه في غيبته فيعمل بما هو مصلحة عنده أو مصلحة الغائب.
الفرع الثاني: إذا كان بعض الأولياء مجنوناً مكان كونه غائباً، فحكمه حكم الغائب فيفصّل بين كون غيبته قصيرة فيصبر، أو طويلة فيعمل الوالي بما هو مصلحة عنده أو عند الغائب، وكان على المصنّف أن يعطف عليه كون بعض الأولياء صغيراً فإنّ حكم الجميع واحد، بخلاف ما إذا كان ولي الدم صغيراً أو كان الجميع صغاراً، إذ يختلف حكمه مع هذا الفرع.
الفرع الثالث– أعني: لو كان ولي الدم صغيراً أو كان الجميع صغاراً-: قال الشيخ: لم يكن لأحد أن يستوفي حتّى يبلغ، سواء كان القصاص في النفس أو في الطرف.[1]
وجهه: بإنّ الحقّ له وهو قاصر عن أهلية الاستيفاء فيتعيّن تأخيره—)
[1]. الخلاف: ۵/ ۱۷۹، المسألة ۴۳.
(— إلى أن يكمل.
وقد استشكل فيه صاحب الشرائع. ووجه الإشكال بأنّ الولي مسلّط على استيفاء حقوقه مع المصلحة، وهذا منها، وهو أقوى[1].
وكان على المصنّف أن يقول فيه بمثل ما مرّ في الفرعين لكنّه عمل في المقام برواية تأمر بالانتظار؛ وهي رواية إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام أنّ علياً عليه السلام قال: «انتظروا بالصغار الذين قتل أبوهم أن يكبروا، فإذا بلغوا خُيّروا، فإن أحبوا قتلوا أو عفوا، أو صالحوا»[2].
إنّما الكلام في جواز حبس الجاني إلى بلوغ الصبي، وإن ذهب إليه الشيخ حيث قال: يحبس القاتل حتّى يبلغ الصبي ويفيق المجنون.[3]
وقد وصفه المحقّق بقوله: وهو أشد إشكالًا،[4] ضرورة كونه ضرراً وتعجيل عقوبة لا دليل عليهما. ولابدّ للقاضي أن يتّخذ أُسلوباً يجمع فيه بين حقّ المجنيّ عليه حتّى يبلغ والجاني بالإفراج عنه بوثائق، فتدبّر.
[1]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۳۹.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۵۳ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۲.
[3]. المبسوط: ۷/ ۵۴؛ الخلاف: ۵/ ۱۸۰، المسألة ۴۳.
[4]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۰.
المسألة ۱۶: لو اختار بعض الأولياء الدية عن القود فدفعها القاتل لم يسقط القود لو أراد غيره ذلك، فللآخرين القصاص بعد أن يردّوا على الجاني نصيب من فاداه من الدية، من غير فرق بين كون ما دفعه أو صالح عليه بمقدار الدية أو أقل أو أكثر، ففي جميع الصور يردّ إليه مقدار نصيبه، فلو كان نصيبه الثلث يرد إليه الثلث ولو دفع الجاني أقل أو أكثر.
ولو عفا أو صالح بمقدار وامتنع الجاني من البذل، جاز لمن أراد القود أن يقتصّ بعد رد نصيب شريكه.
نعم لو اقتصر على مطالبة الدية وامتنع الجاني، لا يجوز الاقتصاص إلّا بإذن الجميع.
ولو عفا بعض مجاناً لم يسقط القصاص، فللباقين القصاص بعد ردّ نصيب من عفا على الجاني.^
^ المسألة بفروعها مبنيّة على أمرين:
۱. أنّ حق القصاص ثابت لكلّ واحد من الأولياء على وجه العام الاستغراقي، وأنّ إسقاط أحد الأولياء القود أو إبداله بالدية لا يوجب سقوط حقّ الآخرين.
۲. لا يجوز الاقتصاص إلّامع حضور جميع الأولياء، إذا لم يسقط بعضهم حقّه من القصاص، وأمّا إذا أسقط فالقصاص عندئذٍ لا يتوقّف على إذنه.
إذا عرفت ذلك فلندرس الفروع الواردة في المسألة، وهي:—)
(—
لو اختار بعض الأولياء، الدية عن القود فدفعها القاتل، لم يسقط القود لو أراد الآخرون ذلك، لما عرفت من كيفية تعلّق القصاص بنحو العام الاستغراقي، وإنّ إسقاط البعض حقّه لا يضر بحقوق الآخرين.
نعم إذا أراد الآخرون القصاص فعليهم أن يردّوا على الجاني نصيب من فاداه من الدية، أي نصيب من أطلقه واستنقذه بأخذ الدية.
مثلًا لو كان عدد الأولياء ثلاثة فاختار واحد منهم الدية والآخران القصاص، فالجمع بين الحقّين هو تجويز القصاص للآخرين مع دفع مقدار الدية إلى الجاني؛ وذلك، لأنّ الجاني ملك ثلث الدية في مقابل ما دفع إليه، فيدفع إليه ثلث دية الإنسان من غير فرق بين كون المدفوع إلى أحد الأولياء أقل من الثلث أو أكثر.
لو صالح أحد الأولياء بمقدار وامتنع الجاني من البذل، جاز لمن أراد القود أن يقتصّ بعد ردّ نصيب شريكه.
والفرق بين الفرعين واضح، وهو أنّ أحد الأولياء استبدل حقّه في القصاص بالمال وأخذه، بخلاف المقام فقد صالح بمقدار ولكن امتنع الجاني من البذل، ويشتركان في أنّ الشريك أسقط حقّه من القصاص—)
(— بالمصالحة، وامتناع الجاني من البذل لا يوجب بطلان المصالحة، وعندئذٍ جاز لمن أراد القود أن يقتصّ لكن بعد ردّ نصيب شريكه من الدية. وكلا الفرعين يشتركان في أنّه يجوز لمن لم يسقط حقّه أن يقتصّ لأنّه أسقط حقّه من القصاص، سواء أخذ البدل أم لا.
ومثله ما لو عفا بعض الورثة بمقدار دون الآخرين، إذ يجب على من يريد القود أن يرد نصيب العافي من الدية إلى الجاني، فالمراد من قوله: «بعد رد نصيبه» أعم من الرد إلى الولي الشريك إذا امتنع الجاني عن البدل أو إلى الجاني إذا عفا، لكي تشمل العبارة كلتا الصورتين.
لو اقتصر أحد الأولياء على مجرد البحث والمحاورة مع الجاني لتبديل حقّه في القصاص بالدية دون أن يتّفقا على شيء، وامتنع الجاني عن القبول، فبما أنّ حقّه محفوظ لم يسقط، لا يجوز الاقتصاص إلّاباذن الجميع، وبهذا يظهر الفرق بين هذا الفرع وما سبقه من الفرعين حيث إنّه أسقط فيهما حقّه من القصاص بالاتّفاق على الدية وقبول الجاني لذلك، سواء أخذ نصيبه من الدية أم لا، لكن تمّت المبادلة في كلتا الصورتين؛ بخلاف هذا الفرق الّذي لم يتجاوز عن حدّ طرح الموضوع والمناقشة فيه ولم يتّفقا على شيء.—)
(—
لو عفا بعض مجّاناً لم يسقط القصاص، فللباقين القصاص بعد ردّ نصيب من عفا على الجاني. والفرق بين العفو هنا و ما سبق في الفرع الثاني واضح؛ لأنّه في السابق كان في مقابل مقدار، بخلافه هنا فهو بالمجان.
أمّا عدم سقوط حق الآخرين فلما عرفت من كيفية تعلّق القصاص وأنّ الشريك أسقط حقّه من القصاص بالعفو، وأمّا ردّ نصيب من عفا على الجاني فلأنّه ملّك نصيبه من الدية بالعفو.
ويدلّ على عدم سقوط القصاص في صورة أخذ بعض الأولياء الدية أو عفوه عن القصاص، روايتان عليهما العمل: إحداهما مسندة، والأُخرى مرسلة.
أما الأُولى فهي صحيحة أبي ولّاد الحنّاط قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن رجل قُتل وله أُمّ وأب وابن، فقال الابن: أنا أُريد أن أقتل قاتل أبي، وقال الأب:
أنا (أريد أن) أعفو، وقالت الأم: أنا أُريد أن آخذ الدية؟
قال: فقال: «فليعط الابنُ أُمّ المقتول السدس من الدية، ويُعطى ورثةَ القاتل السدسُ من الدية، حق الأب الّذي عفا، وليقتله»[1].
وأمّا الثانية فهي ما رواه جميل بن درّاج عن بعض أصحابه رفعه إلى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل قتل وله وليان، فعفا أحدهما وأبى الآخر أن يعفو؟—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۵۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱. وأبو ولّاد هو حفص بن سالم الثقة.
(— قال: «إن أراد الّذي لم يعف أن يقتل، قتل وردّ نصف الدية على أولياء المقتول المقاد منه»[1].
ومورد الرواية الأُولى هو إرادة بعض الأولياء أخذ الدية، ومورد الثانية هو عفو أحدهم، وقد عمل المشهور بالروايتين.
قال الشهيد الثاني: المشهور بين الأصحاب أنّ عفو بعض الأولياء على مال وغيره لا يسقط حقّ الباقين من القود، ولكن على مَنْ أراد القصاص أن يرد على المقتول بقدر نصيب من عفا من ديته لإصالة بقاء الحق، وعموم قوله تعالى: «فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا»[2]، والولاية صادقة على كلّ واحد. ثم استدلّ بصحيحة أبي ولّاد الحنّاط الماضية.[3]
وفي «الجواهر» نسب الحكم في محكيّ «الخلاف» إلى إجماع الفرقة وأخبارها، كما أنّ عن ظاهر «المبسوط» و «غاية المرام» وصريح «الغنيّة»:
الإجماع على المفروض أيضاً، مؤيّداً بعدم العثور فيه على مخالف منّا، كما اعترف به غير واحد.[4]
ومع ذلك ففي مقابلهما روايات بعضها صريحة في سقوط القود، وبعضها ظاهرة وليست بصريحة، وقد عقد لها صاحب الوسائل باباً آخر بالعنوان التالي: إذا عفا بعض الأولياء لم يجز للباقين القصاص، وكان عليه—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۵۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۲.
[2]. الإسراء: ۳۳.
[3]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۳۹- ۲۴۰.
[4]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۳۰۶.
(— أن يقتصر بهذا المقدار، ولكنّه أضاف إلى العنوان قوله: إذا لم يؤدّ الباقون فاضل الدية.
فقد حاول بهذه الضميمة أن يحمل هذه الروايات على صورة عدم أداء فاضل الدية.
وعلى كلّ تقدير فالذي هو صريح في سقوط القود ما يلي:
۱. ما رواه إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام أنّ علياً عليه السلام كان يقول: «مَن عفا عن الدم من ذي سهم له فيه، فعفوه جائز وسقط الدم وتصير دية»[1].
۲. ما رواه الصدوق قال: قد روي أنّه: إذا عفا واحد من الأولياء ارتفع القود.[2]
والحديثان صريحان في سقوط القود بعفو البعض.
وأمّا الظاهرة فكالتالي:
۱. ما رواه عبدالرحمن- في حديث- قال: قلت لأبي عبداللَّه عليه السلام: رجلان قتلا رجلًا عمداً وله وليّان فعفا أحد الوليين، قال: فقال: «إذا عفا بعض الأولياء درئ عنهما القتل وطرح عنهما من الدية بقدر حصّة من عفا، وأدّى الباقي من أموالهما إلى الّذين لم يعفوا»[3].—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۵۴ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۴.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۵۴ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۵.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۵۴ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
(— ۲. ما رواه أبو مريم عن أبي جعفر عليه السلام قال: «قضى أمير المؤمنين عليه السلام فيمن عفا من ذي سهم فإنّ عفوه جائز، وقضى في أربعة إخوة عفا أحدهم قال:
يُعطى بقيتهم الدية ويرفع عنهم بحصة الّذي عفا»[1].
۳. ما رواه زرارة عن أبي جعفر عليه السلام في رجلين قتلا رجلًا عمداً وله وليّان فعفا أحد الوليين، فقال: «إذا عفا عنهما بعض الأولياء درئ عنهما القتل، وطرح عنهما من الدية بقدر حصّة من عفا، وأدّى الباقي من أموالهما إلى الّذي لم يعف، وقال: عفو كلِّ ذي سهم جائز»[2].
وقد حملها صاحب الوسائل على ما إذا لم يؤدّ الباقي فاضل الدية واستشهد على ذلك بما مرّ من رواية أبي ولّاد الحنّاط وجميل بن درّاج[3].
هذا ويكفي في عدم الاحتجاج بها، إعراض الأصحاب عن الإفتاء بها.
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۵۴ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۲. وأبو مريم هو عبد الغفّار بن القاسم الثقة.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۵۴ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۳.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۵۴ من أبواب القصاص في النفس، ذيل الحديث ۳.
المسألة ۱۷: إذا اشترك الأب والأجنبي في قتل ولده، أو المسلم والذمّيّ في قتل ذمّيّ، فعلى الشريك القود، لكن يردّ الشريك الآخر عليه نصف ديته، أو يردّ الولي نصفها ويطالب الآخر به. ولو كان أحدهما عامداً والآخر خاطئاً، فالقود على العامد بعد ردّ نصف الدية على المقتصّ منه، فإن كان القتل خطأً محضاً فالنصف على العاقلة، وإن كان شبه عمد كان الردّ من الجاني. ولو شارك العامد سبع ونحوه يقتصّ منه بعد ردّ نصف ديته.^
^ في المسألة فروع ثلاثة أساسها اشتراك شخصين في قتل آخر مع وجود ملاك القصاص في أحدهما دون الآخر، كما لو اشترك أبٌ وأجنبي في قتل الولد، أو مسلم وذمّيٌّ في قتل ذمّيّ، أو كان أحدهما عامداً والآخر خاطئاً.
فيقع الكلام في أنّ وجود ملاك القصاص في أحدهما دون الآخر هل يوجب سقوط القصاص عمّن فيه ملاكه، كما في الأب والأجنبي فالأوّل يفقد ملاك القصاص دون الثاني، وهكذا في قتل المسلم والذمّيّ الذمّيَّ فالأوّل يفقد ملاكه دون الثاني.
ومن المعلوم أنّ فقدانه في أحد الشريكين دون الآخر لا يوجب سقوط حكم القصاص فيمن فيه ملاكه.
أضف إلى ذلك: أنّه لو شُرّع عدم القصاص في هذه الموارد ربّما يلزم اتّخاذه ذريعة لقتل الأبرياء وإراقة الدماء المعصومة. وإليك التفصيل:—)
(—
إذا اشترك الأب والأجنبي في قتل الولد، أو المسلم والذمّيّ في قتل ذمّي، فعلى الشريك القود، ومجرّد عدم تعلّق حق القصاص بالشريك الآخر لا يكون مانعاً من تعلّقه به، إلّاأنّ الأجنبي مثلًا لمّا لا يتحمّل إلّانصف نفس المقتول، والتقسيط في القصاص غير ممكن، فيقتصّ منه ولكن برد الشريك الآخر عليه نصف ديته، ويمكن أن يرد الولي نصف الدية إليه ويرجع على الآخر بما دفع.
وعلى كلّ تقدير فيملك الجاني عند القصاص نصف الدية إمّا من الشريك (الأب والمسلم) أو من وليّ الدم.
لو كان أحدهما عامداً والآخر خاطئاً، فحقّ القصاص يتعلّق بالعامد دون الخاطئ، فعليه يقاد من العامد لكن بعد ردّ نصف الدية إلى الجاني، وذلك لما مرّ من أنّه لا يتحمّل إلّانصف نفس المقتول، فلا يصحّ قتله في مقابل النصف، وبما أنّ التنصيف غير ممكن فيجبر بدفع الدية إليه.
ثم إنّه يقع الكلام فيما إذا كان أحد الشريكين خاطئاً محضاً فديته على العاقلة.
وإن كان شبه عمد كانت الدية عليه، فقول المصنّف: «كان الرد من الجاني»، يريد به الخاطئ ومن ارتكب شبه العمد.—)
لو شارك العامد سبع خارج عن تحت أمر العامد وإلّا فيكون هو القاتل وحده ونحوه، فيقتصّ من العامد ولكن بعد رد نصف الدية إليه، لما عرفت من أنّه لم يتحمّل إلّانصف القتل.
وحصيلة الكلام: أنّ المقتول- في جميع الفروع- قد قتل بسببين:
أحدهما يوجب القصاص فيقتصّ منه كما لو انفرد، ولا يسقط هذا الواجب بسبب الشركة كما لو شاركه من يقتصّ منه؛ ويلزم الآخر موجب جنايته، بردّه على من يقتصّ منه ما زاد على فعله.
ولمّا كان حكم الفروع واضحاً فقد اعتذر عنه في «المسالك»[1] قائلًا:
بأنّ السبب لذكرها مخالفة بعض العامّة في بعض هذه الفروع، فمنهم مَن قال في اشتراك العامد والخاطئ إنّه لا قود على أحدهما، وألحقوا به ما لو كان أحدهما عامداً والآخر شبيه العمد، ومنهم من قال في شريك الأب إنّه لا قصاص على أحدهما، ووافقنا في مسألة الخاطئ والعامد، ومنهم من ألحق شريك السبع بشريك الخاطئ في نفي القصاص عنه.[2]
[1]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۴۴.
[2]. لاحظ: الأُمّ: ۶/ ۲۳؛ الحاوي الكبير: ۱۲/ ۱۲۸- ۱۲۹؛ السراج الوهّاج: ۴۸۳؛ الوجيز: ۲/ ۱۲۷.
المسألة ۱۸: لا يمنع الحجر- لفلس أو سفه- من استيفاء القصاص، فللمحجور عليه الاقتصاص، ولو عفا المحجور عليه لفلس على مال ورضي به القاتل، قسّمه على الغرماء كغيره من الأموال المكتسبة بعد حجر الحاكم جديداً عنه، والحجر السابق لا يكفي في ذلك، وللمحجور عليه العفو مجاناً وبأقلّ من الدية.^
^
في المسألة فروع:
الأوّل: للمحجور لفلس أو سفه استيفاء القصاص، وذلك لأنّ الحجر على قسمين: تارة يكون المحجور مسلوب العبارة، كالصبي والمجنون، فلو عفيا لم يترتّب على عفوهما أثر؛ وأُخرى لا يكون كذلك وإنّما حجره الحاكم للفلس أو الشرع لعدم استقلاله في التصرّف في أمواله كالسفيه.
وعلى كلّ تقدير فهل لهذين الصنفين استيفاء القصاص؟
الظاهر نعم؛ لما مرّ من أنّ موجَب العمد ليس سوى القود فقط، فلهما الاقتصاص، إذ ليس الاستيفاء تصرّفاً مالياً كي يمنعوا عنه بالحجر.
وأمّا لو قلنا بأنّ مُوجَب العمد أحد أمرين: القصاص أو الدية، على وجه التخيير، فربّما يتصوّر عدم جواز اختيار القصاص؛ لأنّ فيه تصرّفاً في الأموال بانتخاب ما يوجب سقوط الدية.
يلاحظ عليه: بأنّ لازم إلزامه باختيار الدية دون القصاص،—)
(— لزوم التكسّب عليه في أداء ديون الغرماء، ولم يقل به أحد؛ أضف إلى ذلك:
أنّ اختيار القصاص لا يعدّ تصرفاً مالياً حتّى يمنع عنه.
الفرع الثاني: لو عفا المحجور عليه لفلس، على مال ورضي به القاتل يقسّم المال بين الغرماء كغيره من الأموال المكتسبة، فإنّ الحجر السابق لا يشمل ما يتملّكه جديداً كما لو تملّك شيئاً عن طريق الإرث، فلا يلزم بصرفه بين الغرماء إلّاإذا ضرب عليه الحجر مستقلًا.
الفرع الثالث: لو عفا عن الجاني مجاناً، أو بأقلّ من الدية، فلا إشكال، لما مرّ من أنّه ليس مصرفاً مالياً.
المسألة ۱۹: لو قتل شخص وعليه دين، فإن أخذ الورثة ديته صرفت في ديون المقتول ووصاياه كباقي أمواله، ولا فرق في ذلك بين دية القتل خطأ، أو شبه عمد، أو ما صولح عليه في العمد، كان بمقدار ديته أو أقل، أو أكثر، بجنس ديته أو غيره.^
^
كان البحث في المسألة السابقة فيما إذا كان ولي الدم محجور التصرّف، ولكن الكلام في هذا المقام فيما لو كان على المقتول دين، فلو أخذ أحد الورثة الدية فهل يجب صرف ما أخذه في ديون المقتول ووصاياه، كبقية أمواله، أو لا؟
الظاهر وجوب الصرف؛ لأنّ الدية في حكم مال الميّت، سواء أوجبت أصالة أم صلحاً.
ويدلّ عليه روايات:
۱. ما رواه الكليني عن يحيى الأزرق، عن أبي الحسن عليه السلام في رجل قُتل وعليه دَين ولم يترك مالًا، فأخذ أهله الدية من قاتله، عليهم أن يقضوا دينه؟
قال: «نعم»، قلت: وهو لم يترك شيئاً، قال: «إنّما أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا دينه».[1]—)
[1]. الوسائل: ۱۳، الباب ۲۴ من أبواب الدين والقرض، الحديث ۱؛ ورواه الشيخ في التهذيب: ۶/ ۱۹۲ برقم ۴۱۶، عن عبد الحميد بن سعيد، عن الإمام الصادق عليه السلام. والظاهر وحدة الروايتين، مع تعدّد الراوي.
المسألة ۲۰: هل يجوز للورثة استيفاء القصاص للمديون من دون ضمان الدية للغرماء؟ فيه قولان، والأحوط عدم الاستيفاء إلّابعد الضمان، بل الأحوط مع هبة الأولياء دمه للقاتل، ضمان الدية للغرماء.^
(— ۲. موثقة إسحاق بن عمّار عن جعفر عليه السلام أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم قال: «إذا قبلت دية العمد فصارت مالًا، فهي ميراث كسائر الأموال».[1]
۳. ما سيوافيك في رواية أبي بصير في المسألة الآتية.
^
إذا كان على المقتول ديون فهل للورثة استيفاء القصاص مع بذل الجاني الدية، من دون ضمان مقدار الدية منها؟
الفرق بين هذه المسألة وما سبق هو أنّ موضوع البحث في المسألة السابقة في وجوب صرف الدية الّتي أخذتها الورثة في دين الميّت، وأمّا المقام فالكلام في وظيفة الورثة في جواز القصاص مع أنّ للمقتول دين أو لا.
وبعبارة أُخرى: كان الكلام في السابق في حكم الدية الّتي أخذتها الورثة، وأمّا المقام فالكلام في وظيقة الورثة هل لهم ترك أخذ الدية والقصاص مع أنّ للمقتول ديناً أو لا؟
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ في المسألة قولين:—)
[1]. الوسائل: ۱۷، الباب ۱۴ من أبواب موانع الإرث، الحديث ۱.
اختاره الشيخ في «النهاية»، قال: فإن كان ما عليه يحيط بديته، وكان قد قتل عمداً لم يكن لأوليائه القود إلّابعد أن يضمنوا الدين عن صاحبهم، فإن لم يفعلوا ذلك لم يكن لهم القود على حال[1].
ومنهم ابن إدريس بنفس العبارة[2].
اختاره المحقّق، قال: وهل للورثة استيفاء القصاص من دون ضمان ما عليه من الديون؟ قيل: نعم تمسّكاً بالآية، وهو أولى. وقيل: لا، وهو مروي.[3]
ومنهم العلّامة في تحريره، قال: وهل للوارث استيفاء القصاص من دون ضمان ما عليه من الديون؟ الوجه ذلك، للآية، وقيل: لا للرواية.[4]
ثم إنّه يقع الكلام في مقتضى القواعد العامّة، ثم مقتضى الروايات الخاصّة في المقام.
أمّا الأوّل فمقتضى إطلاق الآية- أعني: قوله سبحانه: «فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا»[5]– هو جواز الاقتصاص من دون ضمان، وتقييدها بما إذا لم—)
[1]. النهاية: ۳۰۹، باب قضاء الدين عن الميّت.
[2]. السرائر: ۲/ ۴۸.
[3]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۱.
[4]. تحرير الأحكام: ۵/ ۴۹۶، المسألة ۷۱۳۳.
[5]. الإسراء: ۳۳.
(— يكن على المقتول دين، رهن دليل، كما أنّ مقتضى الأصل هو البراءة من وجوب الضمان.
وأمّا الثاني فمقتضى الروايات ومنها:
۱. روى بالسند المتصل إلى يونس بن عبد الرحمن، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن الرجل يُقتل وعليه دين وليس له مال فهل لأوليائه أن يهبوا دمه لقاتله وعليه دين؟ فقال عليه السلام: «إنّ أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل، فإن وهبوا أولياءه دية القاتل فجائز، وإن أرادوا القود فليس لهم ذلك حتّى يضمنوا الدين للغرماء، وإلّا فلا».[1]
ولا يخفى وجود الغرابة في مضمون الحديث حيث فرّق بين الهبة والقود مع أنّهما يشتركان في تفويت الدين على الغرماء.
ثمّ إنّ الشيخ رواه أيضاً عن يونس عن ابن مسكان عن أبي بصير بالنحو التالي:
۲. قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن رجل قُتل وعليه دين وليس له مال فهل لأوليائه أن يهبوا دمه لقاتله وعليه دين؟ قال: فقال: «إنّ أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل، فإن وهب أولياؤه دمه للقاتل ضمنوا الدية للغرماء، وإلّا فلا».[2]
والسند واحد ولكن المضمون مختلف؛ ورواه الصدوق باسناده—)
[1]. الوسائل: ۱۳، الباب ۲۴ من أبواب الدين والقرض، الحديث ۲.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۵۹ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
(— عن محمد بن أسلم عن يونس بن عبد الرحمن مثله.[1]
۳. عن يونس، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي الحسن موسى عليهما السلام قال:
قلت له: جعلت فداك رجل قتل رجلًا متعمّداً أو خطأً وعليه دين ومال وأراد أولياؤه أن يهبوا دمه للقاتل، قال: «إن وهبوا دمه ضمنوا ديته»، قلت: إن هم أرادوا قتله، قال: «إن قتل عمداً قتل قاتله، وأدىّ عنه الإمام الدين من سهم الغارمين».
قلت: فإنّه قتل عمداً وصالح أولياؤه على الدية فعلى مَنْ الدين؟ على أوليائه من الدية أو على إمام المسلمين؟ قال: «بل يؤدّوا دينه من ديته الّتي صالحوا عليها أولياؤه، فإنّه أحق بديته من غيره».[2]
حصيلة الروايات:
إنّ الأُولى جوّزت الهبة للقاتل ومنعت عن القصاص إلّامع الضمان مع أنّهما يشاركان في تفويت الدين على الغرماء، فالرواية لا تخلو عن غرابة.
وأمّا الثانية فقد منعت عن الهبة إلّابعد الضمان، وسكتت عن حكم الاقتصاص.
وأمّا الثالثة فقد منعت عن الهبة إلّابعد الضمان مع تجويز القود، والدين على عاتق الإمام يؤدّه من سهم الغارمين، فهي على طرف النقيض من الأُولى.
والذي يمكن أن يقال: إنّ الكلام تارة يقع في الهبة بلا ضمان، وأُخرى—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۵۹ من أبواب القصاص في النفس، ذيل الحديث ۱.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۵۹ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۲. ونسبه في الجواهر إلى أبي بصير وقال:« بل وخبره الآخر المروي عن الفقيه». والظاهر أنّ الضمير يرجع إلى أبي بصير.
(— في القصاص كذلك.
أمّا الأُولى فالظاهر عدم الجواز لرواية أبي بصير الثانية التي رواها الشيخ والصدوق، فترجّح على الرواية الأُولى له، لاحتمال تطرّق التصحيف إليها، مضافاً إلى رواية أبي حمزة الدالّة على عدم جواز الهبة بلا ضمان.
فإن قلت: منع الولي عن الهبة بلا ضمان ينافي إطلاق قوله سبحانه «فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا».[1]
قلت: الظاهر أنّ المراد من السلطان، هو السلطان على القصاص، لا الهبة، سواء أكان مع الضمان أو بدونه، بشهادة قوله: «فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ»، وعلى فرض الإطلاق يقيّد بما في الرواية.
أمّا الثانية– أعني: القصاص– فالظاهر عدم وجود التعارض، فإنّ الرواية الأُولى لأبي بصير، صريحة في عدم الجواز، والثانية منه ساكتة عن حكم القصاص. وأمّا قوله في ذيل الثانية: «وإلّا فلا»، فالمقصود أنّه إن لم يضمنوا فلا يهبوا، وليس ناظراً بصورة القصاص ضماناً أو لا معه.
فإن قلت: إنّ مقتضى قوله في الثانية: «إنّ أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل» الذي ذكر تعليلًا لعدم الهبة بلا ضمان يقتضي عدم جواز الاقتصاص أيضاً إلّامعه؛ لأنّ الخصومة لا ترتفع إلّابالضمان في كلا الموردين.
قلت: فرق بين الهبة بلا ضمان والقصاص كذلك، ففي الأوّل نوع تعرّض لعدم الاهتمام بدين الميّت وأصحابه حيث اختاروا العفو، مع أنّه—)
[1]. الإسراء: ۳۳.
(— في إمكانهم أخذ الدية، أو العفو معها؛ بخلاف القصاص إذ لا ينتزع ذلك منه، لاحتمال أنّ اختياره لأجل التشفّي، وإسكات غيظ الأولياء، وعلى هذا فالتفريق بين الأمرين هو الأقوى خلافاً للمتن. واللَّه العالم.
وعلى هذا فالأقوى وفاقاً للمحقّق جواز الاقتصاص بلا ضمان؛ لإطلاق الآية خلافاً للمتن من عدم الاستيفاء إلّابعد الضمان.
فإن قلت: دلّت الرواية الصحيحة وعليها الفتوى على أنّ دين الميّت يقضى من ديته؛ روى يحيى الأزرق[1] عن أبي الحسن عليه السلام في رجل قتل وعليه دين ولم يترك مالًا، فأخذ أهله الدية من قاتله، عليهم أن يقضوا دينه؟
قال: «نعم».
قلت: وهو لم يترك شيئاً؟ قال: «إنّما أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا دينه».[2]
فالرواية تدلّ على أنّ الشارع اهتمّ بحفظ دين المقتول، ولازمه أن لا يقاد ولا يوهب إلّابالضمان. قلت: وجود الفرق بين مورد النص ومورد الهبة والقود، لأنّ المفروض فيها أنّ الورثة أخذوا الدية- كما مرّ الكلام في المسألة السابقة دون المقام- ووجود ما يُقضى به دين الميّت في الأوّل، دون الموردين الآخرين.
[1]. من مشايخ صفوان بن يحيى، ويحتمل اتّحاده مع يحيى بن حسّان الأزرق الّذي ذكره الصدوق فيالمشيخة، وقد وقع في طريقه إليه ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان عنه، فهو ثقة بلا كلام.
[2]. الوسائل: ۱۳، الباب ۲۴ من أبواب الدين والقرض، الحديث ۱.
المسألة ۲۱: لو قتل واحد رجلين أو أكثر عمداً على التعاقب أو معاً قتل بهم، ولا سبيل لهم على ماله، فلو عفا أولياء بعض لا على مال، كان للباقين القصاص من دون ردّ شيء، وإن تراضى الأولياء مع الجاني بالدية فلكلّ منهم دية كاملة.
فهل لكلّ واحد منهم الاستبداد بقتله من غير رضا الباقين أو لا، أو يجوز مع كون قتل الجميع معاً، وأمّا مع التعاقب فيقدّم حقّ السابق فالسابق، فلو قتل عشرة متعاقباً يقدّم حقّ وليّ الأوّل، فجاز له الاستبداد بقتله بلا إذن منهم، فلو عفا فالحق للمتأخّر منه وهكذا؟ وجوه، لعلّ أوجهها عدم جواز الاستبداد ولزوم الإذن من الجميع، لكن لو قتله ليس عليه إلّاالإثم، وللحاكم تعزيره ولا شيء عليه ولا على الجاني في ماله.
ولو اختلفوا في الاستيفاء ولم يمكن الاجتماع فيه فالمرجع القرعة، فإن استوفى أحدهم بالقرعة أو بلا قرعة سقط حقّ الباقين.^
^
الكلام فيما لو قتل واحد أكثر من رجلين عمداً معاً أو متعاقباً، فقبل أن ندرس ما في المتن من الفروع، نذكر أقوال الفقهاء في المسألة.
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا قتل واحد- مثلًا- عشرة أنفس، ثبت لكلّ واحد من أولياء المقتولين القود عليه، لا يتعلّق حقّه بحق غيره.
فإن قُتل بالأوّل سقط حق الباقين، وإن بادر أحدهم فقتله سقط حق—)
(— كل واحد من الباقين، وبه قال الشافعي إلّاأنّه قال: يسقط حق الباقين إلى بدل وهو كمال الدية في ماله.[1]
وقال أبو حنيفة: يتداخل حقوقهم من القصاص، فليس لواحد منهم أن ينفرد بقتله بل يقتل بجماعتهم، فإن قتلوه فقد استوفوا حقوقهم، وإن بادر واحد فقتله فقد استوفى حقّه وسقط حق الباقين لا إلى بدل.
وقال عثمان البتّي: يقتل بجماعتهم فإذا قتل سقط من الديات واحدة وكان ما بقي من الديات في تركته يأخذها أولياء القتل بالحصص.[2] وظاهر كلامه وجوب الديات حتى فيما إذا قُتل بإذن الجميع.
الفرق بين قول الشافعي وأبي حنيفة هو أنّ الشافعي يعتقد بأنّ كلّ واحد يملك قصاصاً تامّاً مستقلّاً، ولذلك قال: يسقط حقّ الباقين إلى بدل.
أمّا أبو حنيفة فيقول بأنّ المجموع يملك قصاصاً واحداً، ولذلك قال:
سقط حقّ الباقين لا إلى بدل، وأمّا عثمان البتّي فقد ذكر بأنّه إذا قتل سقط من الديات واحدة وتدفع الدية للآخرين، فلو قتل عشرة يؤخذ تسع ديات من ماله وتسقط دية واحد منهم، والفرق بينه وبين الشافعي أنّ تعدّد الدية يختصّ بصورة القتل بلا إذن الآخرين عند الشافعي، ويعمّ كلتا الصورتين عند البتّي.
ثم إنّ الحقّ مع الشافعي؛ لأنّ القول بالتداخل الّذي قال به أبو—)
[1]. الضمير يرجع إلى الجاني، لا المستوفي، وهل المراد دية واحدة أو ديات؟ لكن موضع كلامه فيما إذا قتل بلا إذن الجميع وإلّا فلا دية، خلافاً لما نقل من عثمان البتّي كما سيوافيك.
[2]. الخلاف: ۵/ ۱۸۲، المسألة ۴۷.
(— حنيفة خلاف الآية، قال الشيخ في «الخلاف»: قوله تعالى: «فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا» يدلّ على عدم التداخل، نعم إثبات البدل الذي قال به الشافعي يحتاج إلى دليل؛ لأن الأصل براءة الذمّة، وإثبات الدية يحتاج إلى دليل، على أنّا قد بيّنا أنّ الدية لا تثبت إلّابالتراضي وذلك مفقود.
أضف إلى ذلك قوله تعالى: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» ولم يقل: «نفس بأنفس» وقال: «الْحُرُّ بِالْحُرِّ» ولم يقل: بالأحرار.[1]
وأشار الشيخ في ذيل كلامه إلى عدم تداخل حصص القصاص.
إذا علمت ذلك فلندرس الفروع الواردة في المتن:
سواء قتل متعاقباً أو معاً، وقتل بإذن الجميع يكون قتله قصاصاً، استيفاء لحقوقهم ولا سبيل لأولياء المقتولين على ماله؛ وذلك لأنّ الجاني لا يجني على أكثر من نفسه، فلو قتل فقد دفع ما في يده، وما في المتن: ولا سبيل لهم على بدل، ردّ لكلام عثمان البتّي حيث قال بأنّه إذا قتل بإذن الجميع سقطت دية واحدة وبقيت الديات على ذمّته.
روى ابن مسكان، عمّن ذكره، عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إذا قتل الرجل الرجلين أو أكثر قُتِلَ بهم».[2]—)
[1]. الخلاف: ۵/ ۱۸۳، بتصرّف يسير.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۵ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱، ولاحظ الباب ۴۵ من هذه الأبواب.
(—
لو عفا أولياء بعض القتلى مجانّاً كان للباقين القصاص من دون ردّ شيء لما عرفت من أن كلّ واحد يملك قصاص القاتل على وجه الاستقلال، فعفو بعض الأولياء يسقط حق العافي لا حق الآخرين. ويدلّ عليه صحيح عبدالرحمن عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: سألته عن رجل قتل رجلين عمداً ولهما أولياء فعفا أولياء أحدهما وأبى الآخرون، قال: فقال: «يقتل الّذي لم يعف، وإن أحبّوا أن يأخذوا الدية أخذوا».[1]
فلكلّ واحد منهم دية كاملة، لأنّ كلّ واحد يملك قصاصاً مستقلًا، وبالتالي يملك كلٌّ دية كاملة في ذمّته، لأنّه قتل نفوساً متعدّدة، فلو صولح بالدية فوليُّ كلّ مقتول يملك دية كاملة، في مقابل حق القصاص تماماً، وهذا بخلاف ما إذا تعدّد الأولياء وكانت الجناية واحدة فالجميع يملكون دية واحدة تقسّم بينهم.
وبعبارة واضحة: فرق بين تعدّد الجناية ووحدتها، فالأوّل يلازم تعدّد الدية، بخلاف الثاني ففيه دية واحدة.
ففيه وجوه:—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۵۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۳.
(— ۱. يجوز لكلٍّ من غير رضا الباقين.
۲. لا يجوز إلّامع رضاهم.
۳. التفصيل بين كون قتل الجميع معاً، فيجوز الاستبداد لكلّ واحد، وأمّا مع التعاقب فيقدّم حق السابق فالسابق.
وعلى هذا فلو عفا السابق فالحق للمتأخّر عنه، وجوه أوجهها عند المصنّف عدم جواز الاستبداد ولزوم الإذن من الجميع.
أمّا وجه الأوّل– أي جواز مبادرة كلّ إلى القصاص- فلأن كلّ واحد من الأولياء يستحق إزهاق نفسه قصاصاً، فلكلّ واحد المبادرة.
وأمّا وجه الثاني– أي عدم الجواز إلّامع رضاهم- فلأنّ رقبة القاتل موضع حقّ للجميع، فإنّ مبادرة واحد بلا إذن يبطل حقوقهم.
وأمّا وجه الثالث– أي التفصيل بين كون قتل الجميع معاً فلا ترجيح لأحدهما على الآخرين، وقتلهم على التعاقب، فهو لأجل أنّ السابق استحقّ القصاص قبل أن يستحقّ الآخرون، فيقدّم حقّه على الآخرين.
ولا يخفى ضعف الأخير، لأنّ المسؤول هو الجاني سبقت الجناية أو تأخّرت نظير الغارم إذا أفلس، فالسابق واللاحق سيّان في تعلّق حقّهما بأمواله ونفسه، والظاهر قوة الوجه الثاني لما مرّ.
وتظهر الثمرة في أنّه إذا بادر أحدهم من غير إذن من السابق أو القرعة عُزّر؛ لأنّه أضاع متعلّق حق الغير، وهذا بخلافه على القولين الآخرين.—)
(—
على القول بعدم جواز المبادرة، فلو قتله ليس عليه إلّاالإثم وللحاكم تعزيره ولا شيء عليه ولا على الجاني في ماله، وهذا ما أشار إليه الشيخ في «الخلاف» فقال- كما مرّ-: وإن بادر واحد فقتله فقد استوفى حقّه وسقط حق الباقين لا إلى بدل، خلافاً لعثمان البتيّ حيث قال: فإذا قُتل سقط من الديات واحدة وكان ما بقي من الديات في تركته.
وأمّا المحقّق فقد تردّد في سقوط حق الباقين فقال فإن استوفى الأوّلُ سقط حق الباقين لا إلى بدل، على تردّد.
ولكنّ المنقول عن أبي علي والفاضل في الإرشاد وموضع من القواعد وولده في موضعين من الإيضاح أنّ لغيره الدية، وجهه: أنّ الجاني قد أتلف على كلّ واحد منهم نفساً كاملة فكان لمن لم يقتصّ، الدية لتعذّر البدل.[1]
يلاحظ عليه: أنّه وإن أتلف على كلّ واحد نفساً كاملة، إلّاأنّه لا يترتّب على هذه الجناية المتعدّدة غير بذل نفسه و- قد بذل- والجاني لا يجني على أكثر منها. وقد مرّ أنّ الواجب بالذات في قتل العمد هو القصاص، ولا تتعيّن الدية إلّابرضا الجاني، والمفروض عدمه.
فإن قلت: لو قتل أشخاصاً خطأً فلا شكّ أنّه تتعدّد الدية حسب تعدّد الجناية، فليكن المقام مثله.—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۳۱۷.
(— قلت: فرق واضح بين المقيس والمقيس عليه، لما مرّ من أنّ الواجب أوّلًا وبالذات في العمد هو القصاص، لا الدية ولا يعدل عنه إليها إلّابرضا الجاني، والمفروض أنّه قتل بمبادرة بعض الأولياء، بخلاف القتل عن خطأ فإنّ الواجب أوّلًا وبالذات هو الدية فتتعدّد حسب تعدّد الجناية.
فإن قلت: ما الفرق بين المقام والجناية الواحدة مع تعدّد الأولياء، فقد مرّ أنّه لو استوفى أحدهما بالقصاص وجب عليه ردّ نصيب الباقين من الدية؟
قلت: الفرق مع اشتراك الموردين في أنّ كلّاً يملك القصاص على نحو العام الاستغراقي هو أنّ استحقاق كلّ منهم في المقام القصاصَ، مستقلٌ لا مدخلية له في الآخر، وقصاص واحد منهم لا يبطل حقّاً ماليّاً للباقي، ولا وجه لمطالبة الباقي الدية بعد استعداد الآخر للقتل، بخلاف المقام السابق فإنّ مبادرة واحد منهم، يبطل حقّاً ماليّاً للآخرين لإمكان استعدادهم لأخذ الدية، فلو بادر إلى القتل فقد أبطل حقّاً مالياً لهم، ولذلك يرجعون إلى المبادر لأخذ الدية.
وحصيلة الكلام: أنّه لا فرق بينهما إذا اقتصّ بإذن الجميع، وما إذا بادر أحدهم فقتل بدون إذن الآخرين، فلا يترتّب على الصورة الثانية إلّاالتخلّف عن الحكم الشرعي، دون الضمان بمعنى تعلّق الدية بتركة الجاني، نعم يبقى احتمال تعلّق الدية بذمّة المستوفي، فلاحظ.
لو اختلفوا في الاستيفاء ولم يتّفقوا فيه فالمرجع القرعة، لأنّها—)
(— شرّعت لرفع الاختلاف والخصومة.
ثم إنّ بعض هذه الفروض الواردة في هذه المسألة ترجع فيما لو أنّ القتل، وقع في مجتمع عشائري لا حكومة فيه، وقد أخذ أولياء المقتولين هذا القاتل ووقعت بينهم خصومة، وتشاحّ كلُّ واحدٍ من الأولياء يريد أن يقتصّ بنفسه.
وأمّا إذا كانت هناك حكومة تسيطر على الأوضاع الأمنية في البلاد، ويوجد هناك حاكم قادر على تعيين المصلحة ومن هو أجدر باستيفاء الحق (القصاص) ويوجد عند هذا الحاكم سجن يسجن فيه القاتل ولا تستطيع أيدي الأولياء الوصول إليه إلّابإذن الحاكم.
ففي هذه الظروف تكون هذه الفروض بعيدة عن الواقع ولا يصح افتراضها ثم إتعاب النفس في إيجاد الحلول لها، وعلى الحاكم، المنع عن المبادرة بالقصاص لو أراد بعض الأولياء استيفاء حقّه بالدية إذا رضي القاتل بذلك. واللَّه العالم.
المسألة ۲۲: يجوز التوكيل في استيفاء القصاص، فلو عزله قبل استيفائه فإنْ علم الوكيل بالعزل فعليه القصاص، وإن لم يعلم فلا قصاص ولا دية، ولو عفا الموكّل عن القصاص قبل الاستيفاء، فإن علم الوكيل واستوفاه فعليه القصاص، وإن لم يعلم فعليه الدية، ويرجع فيها بعد الأداء على الموكّل.^
^
في المسألة فروع:
۱. جواز التوكيل في استيفاء القصاص.
۲. إذا استوفى الوكيل المعزول، بعد علمه بالعزل.
۳. إذا استوفى الوكيل المعزول، قبل علمه بالعزل.
۴. إذا عفا الموكّل عن القصاص وعلم به الوكيل واستوفى.
۵. إذا عفا الموكّل عن القصاص ولم يعلم الوكيل قبل الاستيفاء واستوفى.
والجميع غير الأوّل يدور حول أمرين:
۱. عزل الوكيل واستيفائه قبل العلم به أو بعده.
۲. عفو الموكّل عن الجاني، وعلم الوكيل به قبل الاستيفاء أو بعده.
وإليك دراسة الفروع:—)
(— أمّا الفرع الأوّل: فلا شكّ أنّ استيفاء القصاص من الأُمور الّتي تقبل النيابة والوكالة، وليس هو من الأُمور المطلوب صدورها مباشرة، كما هو واضح، ومثله استيفاء الدين.
وأمّا الفرع الثاني: فلو استوفى الوكيل مع العلم بالعزل يكون عمله عدواناً حيث قتل من ليس له قتله، فعليه القصاص بشرط علمه بأنّ الوكالة عقد جائز ينعزل الوكيل بالعزل؛ وأمّا لو اعتقد بلزوم الوكالة وعدم إمكان عزله إلّا بالفسخ، فيكون معذوراً في القتل وإنّما عليه الدية، ولا يرجع إلى الموكّل لتقصيره في تعلّم الحكم الشرعي.
وأمّا الفرع الثالث: فلو جهل الوكيل بالعزل واستوفى فليس عليه قصاص، لكونه معذوراً في القتل، لكن عليه الدية؛ لأنّه قتل نفساً محترمة بالنسبة إليه عن جهل، غاية الأمر يسقط القصاص دون الدية، لأنّه قتل إنساناً من غير حقٍّ، نعم يقع الكلام في أنّ الدية هل تتعلّق بالوكيل لكونه مباشراً، أو بالموكِّل لأنّه السبب؟ والظاهر هو الأوّل، لأقوائية المباشر في المقام من السبب.
نعم لمّا كان سكوت الموكّل وعدم إبلاغه العزل سبباً لتورّط الوكيل في القتل، فيرجع الوكيل- بعد دفع الدية، إلى ورثة المقتول- إلى موكله أخذاً بالقاعدة المعروفة: المغرور يرجع إلى مَن غَرَّه، وبذلك يُعلم الإشكال في المتن حيث قال: وإن لم يعلم فلا قصاص ولا دية، لما عرفت عن تعلّق الدية.
ومع ذلك فيمكن القول بصحّة ما في المتن، لما تقرّر في محلّه من أنّ—)
(— أعمال الوكيل المعزول نافذة قبل وصول العزل إليه، فعلى ذلك فقد وقع القصاص في موضعه؛ لأنّه قتل شخصاً مهدور الدم في ظاهر الشرع لما ذكرنا من نفوذ عمل الوكيل ما لم يعلم عزله.
نعم لا يجري ما ذكرنا فيما إذا عفا وقتل الوكيل الجاهل بالعفو، الجاني؛ لأنّ العفو يخرجه عن كونه مهدور الدم، كما سيوافيك في الفرع الخامس.
وأمّا الفرع الرابع: فلو عفا الموكل قبل الاستيفاء وعلم الوكيل بالعفو ومع ذلك استوفى، فعليه القصاص؛ لأنّه قتل نفساً محترمة بالنسبة إليه، إذ المفروض أنّه قتله بعد العلم بالعفو.
وأمّا الفرع الخامس: فلو لم يعلم الوكيل بالعفو واستوفى فيكون معذوراً في القتل، غير معذور في الدية. أمّا كونه معذوراً في القتل فلا قصاص، فلجهله بالعفو؛ وأمّا وجوب الدية عليه فلأنّه قتل نفساً محترمة، لأنّ المفروض أنّ الموكّل عفا فصار نفساً محترمة لا يجوز قتلها، فإذا قتلها عن جهل تتعلّق به الدية، غاية الأمر يدفعها إلى الموكّل؛ لأنّه كالغادر بالنسبة إلى الوكيل، أو كالغار بالنسبة إليه، ولذلك قال المحقّق: أمّا لو عفا الموكل ثم استوفى ولمّا يعلم، فلا قصاص أيضاً، وعليه الدية للمباشرة، ويرجع بها على الموكلّ لأنّه غار.[1]
وبعبارة أُخرى: فرق بين قتل الجاني بعد عزل الموكّل، وعدم بلوغ العزل إلى الوكيل (الفرع الثالث)، وبين قتله بعد عفو الموكّل وعدم بلوغ العفو إلى الوكيل (الفرع الخامس)؛ ففي الصورة الأُولى ما زال الجاني مهدور—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۰.
(— الدم، وفي الثانية أصبح محقون الدم، فالقتل في الأُولى لا يترتّب عليه قصاص ولا دية بخلاف القتل في الصورة الثانية.
وهنا فرع لم يذكره المصنّف وإنّما تعرّض له العلّامة في «القواعد» وقال:
لو اقتصّ الوكيل بعد موت الموكّل جاهلًا بموته، فإن كان بإذن الحاكم فالدية في بيت المال.[1]
وفي الجواهر: لعلّه من خطأ الحكّام، ولكنّه لا يخلو من بحث، وفي «كشف اللثام»: وإلّا (إن لم يكن بإذن الحاكم) فعليه الدية ويرجع بها على تركة الموكّل؛ أو لا يرجع، ولورثة الموكّل الدية من تركة الجاني إن لم يسقط الاستحقاق بفوت المحل.[2]
أقول: كان البحث السابق في عزل الوكيل وقد قلنا بأنّ أفعاله نافذة ما لم يصل إليه عزله، والكلام في المقام في موت الموكّل وقد اتّفق العلماء على بطلان الوكالة بعروض الموت، من غير فرق بين موت الوكيل لأنّ الوكالة لا تنتقل إلى الوارث، وموت الموكّل لأنّه بموته ينتقل جميع ماله وحقوقه لوارثه، فينتفي موضوع الوكالة.[3]
إذا عرفت ذلك يقع الكلام في قصاص الوكيل مع موت الموكّل، فيحتمل وجوب الدية على الوكيل لأنّه قتل إنساناً مصون الدم عن جهل وخطأ—)
[1]. قواعد الأحكام: ۳/ ۶۲۵.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۳۲۱.
[3]. جواهر الكلام: ۲۷/ ۳۶۳.
(— فتجب عليه الدية، غير أنّ موردها هو ورثة الموكل لا الجاني؛ وذلك لأنّه بموت الموكّل ينتقل حق القصاص إلى الورثة وقد تصرّف فيها الوكيل من دونهم، فإذا لم يكن هناك موضع للقصاص فلهم الدية من الوكيل دون الجاني، إذ لا يلزم الجاني إلّابذل نفسه وقد بذل، ولا يملك الإنسان أكثر من نفسه.
وممّا ذكرنا يظهر الإشكال في كلام القواعد وشارحه، فلاحظ.
المسألة ۲۳: لا يقتصّ من الحامل حتّى تضع حملها، ولو تجدّد الحمل بعد الجناية، بل ولو كان الحمل من زنا، ولو ادّعت الحمل وشهدت لها أربع قوابل ثبت حملها، وإن تجرّدت دعواها فالأحوط التأخير إلى اتّضاح الحال، ولو وضعت حملها فلا يجوز قتلها إذا توقّف حياة الصبي عليها، بل لو خيف موت الولد لا يجوز ويجب التأخير، ولو وجد ما يعيش به الولد فالظاهر أنّ له القصاص. ولو قتلت المرأة قصاصاً فبانت حاملًا فالدية على الولي القاتل.^
^
في المسألة فروع:
الأوّل: لا يقتصّ من الحامل لا في النفس ولا في الطرف ولا في حدّ من حدود اللَّه قبل الوضع، لما في إقامتها هلاك الجنين، والجنين بريء لا يهلك بجريمة غيره، فيكون من مقولة الإسراف في القتل المنهيّ عنه في قوله سبحانه: «فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ»[1].
مضافاً إلى ما رواه عمران بن ميثم أو صالح بن ميثم عن أبيه قال: أتت امرأة مُجحّ (الحامل المقرب) أمير المؤمنين عليه السلام فقالت: يا أمير المؤمنين إني زنيت فطّهرني طّهرك اللَّه فإنّ عذاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة الّذي لا ينقطع. فقال لها: «ممّا أطهّرك؟» فقالت: إنّي زنيت. فقال لها: «وذات بعل أنت—)
[1]. الإسراء: ۳۳.
(— إذ فعلتِ ما فعلتِ أم غير ذلك؟» قالتْ: بل ذات بعل، فقال لها: «أفحاضراً كان بعلك إذ فعلتِ ما فعلتِ أم غائباً كان عنك؟» قالت: بل حاضراً. فقال لها: انطلقي فضعي ما في بطنك ثم ائتيني أُطّهرك …[1] واختصاص مورده بما إذا لم يتمّ الإقرار أربع مرّات، لا يضرّ بعموم الحكم فإنّ الظاهر أنّ وجه التأخير هو وجود الحمل، من غير فرق بين ثبوت الحكم وعدمه.
الفرع الثاني: لو تجدّد الحمل بعد الجناية، بل ولو كان الحمل من زنا فلا يجوز القصاص، بنفس الدليل الماضي مضافاً إلى حديث صالح بن ميثم عن أبيه حيث إنّ الظاهر أنّ الولد كان من نتاج الزنا.
الفرع الثالث: إذا حكم عليها بالقصاص ولكن ادّعت الحمل وشهدت لها أربع قوابل، تثبت حملها، لحجّيّة أقوالهنّ.
الفرع الرابع: لو حكم عليها بالقصاص وادّعت الحمل ولكن تجرّدت دعواها عن شهادة أربع قوابل فهل يُسمع قولها أو لا؟
قال المحقّق: فإن تجرّدت دعواها، قيل: لا يؤخذ بقولها لأنّ فيه دفعاً للولي عن السلطان، ولو قيل: يؤخذ، كان أحوط.[2]
وذلك لأنّ للحمل أمارات ربّما تظهر وربّما تخفى، لكن تجدها الحامل من نفسها فيقبل قولها، وليس هذا القول ببعيد لقبول قولها في الحيض أو الخروج عن العدّة أو كونها في العدّة؛ لأنّها ممّا لا يعلم إلّامن قبلها، أضف—)
[1]. الوسائل: ۱۸، الباب ۱۶ من أبواب حدّ الزنا، الحديث ۱.
[2]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۱.
(— إلى ذلك: أنّه سبحانه نهاهنّ عن كتمان حملهنّ وقال: «وَ لَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ»[1]، فاذا حرم عليهن الكتمان وجب عليهنّ البيان ولزم على الآخرين القبول، وإلّا لكان الأمر بالبيان لغواً، وفي «الوسائل» نقلًا عن «مجمع البيان» في تفسير الآية: قد فوض اللَّه إلى النساء ثلاثة أشياء:
الحيض، والطهر، والحمل.[2]
ويمكن أن يقال: إنّ الاختبارات الطبيّة اليوم تكشف عن واقع الحال حتّى في بداية الحمل، فلو أفادت اليقين بالحمل فهو، وإلّا فلا يسمع قولها، واحتمال الخطأ في الاختبار قليل خصوصاً إذا كرّر في غير واحد من المختبرات.
الفرع الخامس: لو وضعت حملها فلا يجوز قتلها إذا توقّفت حياة الصبي على لبن الأُم.
وفي «المسالك»: إذا وضعت فلا يستوفي العقوبة أيضاً حتّى ترضع اللباء (أوّل الألبان عند الولادة) لأنّ المولود لا يعيش إلّابه، لكنّه أمر معروف دلّت التجربة على خلافه فلابدّ من تركيز الكلام على عدم وجود من ترضعه، فيجب تأخير العقوبة احتياطاً لحفظ حياة المولود، لأنّه إذا وجب الانتظار احتياطاً للحمل فبعد الوضع أولى، بل الأفضل أو الأحوط الصبر إلى الفطام أخذاً بسيرة الإمام علي عليه السلام.[3]—)
[1]. البقرة: ۲۲۸.
[2]. الوسائل: ۱۵، الباب ۲۴ من أبواب العدد، الحديث ۱، مرسلًا.
[3]. الوسائل: ۱۸، الباب ۱۶ من أبواب حد الزنا، الحديث ۱. واختصاص الحديث بما إذا لم يتم الإقرار لا يضرّ بالمقصود؛ لأنّ المفهوم من الرواية اهتمام الشرع بحفظ الولد.
(— ولو بادر أحد إلى القصاص والحال هذه (حاجة الولد إلى الأُم) فمات الولد ففي «المسالك» احتمال الاقتصاص من المقتصّ، وذلك لصدق قتله التسبيبي بمعنى أنّ قتل الأُمّ صار سبباً لموت الولد، نظير ما لو حبس رجلًا في بيت ومنعه الطعام أو الشراب حتّى مات جوعاً أو عطشاً.[1]
يلاحظ عليه: وجود الفرق بين المثال والمورد؛ وذلك لأنّ الحابس في مورد المثال إمّا أن يقصد قتله فهو، وإلّا فالفعل ممّا يقتل وهو حبس الإنسان ومنعه من الطعام والشراب، فهذا يموت الإنسان بعده؛ بخلاف المقام فإنّ قتل الأُم ليس ممّا يقتل الرضيع، إذ يمكن أن تقوم مقامها مرضعة أُخرى، أو يرتضع من الحليب المجفّف، فلو أردنا التمثيل فالمقام من قبيل ما لو غصب طعام رجل وكسوته فمات جوعاً أو برداً، لكن يمكن حصول الغذاء أو الكسوة له إلّا أنّه اتّفق العدم.[2] نعم لو قصد بقتل الأُم، موت الولد جوعاً، فلا يبعد القصاص لكنّه خلاف الفرض.
الفرع السادس: لو وجد ما يعيش به الولد، فالظاهر أنّ له القصاص جمعاً بين الحقّين حيث إنّ للولي سلطاناً على الأُمّ وللولد حقّ عليها، لكن سلطان الولي ليس له بدل، وأمّا حق الولد على الأُمّ فله البدل حيث وجد ما يعيش به، ومع ذلك الأفضل الصبر أخذاً بسيرة الإمام كما مرّ.
الفرع السابع: ولو قتلت المرأة قصاصاً فبانت حاملًا، فدية الجنين—)
[1]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۵۲- ۲۵۳ بتصرّف.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۳۲۳. بتصرّف.
(— على الولي القاتل. قال المحقّق: ولو قتلت المرأة قصاصاً فبانت حاملًا فالدية على القاتل، ولو كان المباشر جاهلًا به وعلم الحاكم، ضمن الحاكم.[1]
وعلى ما ذكره فللمسألة صور:
۱. أن يكون الحاكم والمباشر والولي عالمين، فدية الجنين على المباشر، لاستناد القتل إليه، وهو أقوى من السبب الآمر والولي الطالب.
۲. لو كان الجميع جاهلين: الحاكم والمباشر والولي، فهل الدية على القاضي لأنّه من مصاديق ما أخطأت القضاة، أو على المباشر لاستناد الفعل إليه، فتكون الدية على العاقلة؟ الظاهر هو الأوّل.
۳. ما ذكره المحقّق: إذا كان المباشر جاهلًا به والقاضي عالماً، فالدية على القاضي؛ لأنّه قد غرّه بأنّه مهدور الدم وأمره به.
۴. إذا كان المباشر عالماً والقاضي جاهلًا، فالدية على المباشر لأقوائية المباشر من السبب وعدم الإغرار. وقس على ذلك سائر الصور.
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۱.
المسألة ۲۴: لو قطع يد رجل وقتل رجلًا آخر، تُقطع يده أوّلًا ثم يُقتل، من غير فرق بين كون القطع أوّلًا أو القتل، ولو قتله ولي المقتول قبل القطع أثم، وللوالي تعزيره، ولا ضمان عليه؛ ولو سرى القطع في المجنيّ عليه قبل القصاص يستحقّ وليّه ووليّ المقتول القصاص، ولو سرى بعد القصاص فالظاهر عدم وجوب شيء في تركة الجاني، ولو قطع فاقتصّ منه ثم سرت جراحة المجنيّ عليه، فلوليه القصاص في النفس.^
^
في المسألة فروع:
۱. لو قطع يد رجل وفي الوقت نفسه قتل رجلًا آخر.
۲. لو قتله وليُّ المقتول قبل أن يقتصّ المقطوع.
۳. لو سرى القطع في المجنيّ عليه ومات قبل القصاص.
۴. لو سرى القطع في المجنيّ عليه ومات بعد القصاص من الجاني لأجل قتل النفس.
۵. لو قطع فاقتصّ منه لكن سرت جراحة المجنيّ عليه فمات.
الموضوع في الفروع الأربعة الأُولى هو من قطع يد رجل، وفي الوقت نفسه قتل رجلًا آخر، فاجتمعت فيه جنايتان.
لكن الموضوع في الفرع الخامس هو من قطع يد رجل فقط دون أن يقتل نفساً فاقتصّ منه، لكن سرت جراحة المجنيّ عليه إلى النفس.—)
(— وإليك دراسة الفروع:
الفرع الأوّل: إذا قطع يد رجل ثم قتل آخر، فالجمع بين الحقّين يقتضي تقديم القطع على القتل، إذ لو قدم استيفاء النفس يفوت استيفاء الطرف. وعلى هذا يكون الصبر إلزامياً والمبادرة حراماً؛ لأنّ في الأخيرة ضياعاً لحقّ المقطوع وتفويتاً لموضوع قصاص العضو، وهذا دليل قاطع على لزوم التأخير.
وربما يقال: إنّ الجمع بين الحقّين لا يقتضي وجوب التحفّظ على حق مَن قطعت يده، غاية الأمر أنّه لا يجوز منعه (من قطعت يده) عند إرادة استيفاء حقّه منه، وهو حكم تكليفي محض ثابت له فلا يكون مانعاً من اقتصاص الولي، وعليه فلا مانع من قتله قبل قطع يده.[1]
يلاحظ عليه: أنّه إذا كان الجمع بين الحقّين أمراً واجباً، فيكون مانعاً من اقتصاص الولي فالقول بوجوب الجمع بين الحقّين، مع القول بكونه غير مانع من استيفاء الولي، كأنّه جمع بين المتناقضين.
الفرع الثاني: لو بادر ولي المقتول لاستيفاء حقّه قبل القطع، أثم وللوالي تعزيره؛ لأنّه صار سبباً لتفويت حق المقطوع. ولكن لا ضمان هنا لا من تركة الجاني لأنّ الإنسان لا يضمن أكثر من نفسه، ولا من ولي المقتول لأنّه استوفى تمام حقّه وإن صار سبباً لتفويت حق الغير.
ومع ذلك احتمل في «الجواهر» أخذ دية اليد من تركة الجاني بناءً—)
[1]. مباني تكملة المنهاج: ۲/ ۱۳۹.
(— على وجوب الدية في مثله ثم أمر بالتأمّل، ووجهه واضح؛ لأنّ الدية لا تثبت في العمد إلّابعد قبول الجاني، والمفروض أنّه قتل قبل التصالح على الدية. اللّهم إلّاأن يقال بأنّه إذا انتفى الموضوع تنتقل الدية إلى تركته لئلّا يبطل حقّ مسلم. ويحتمل أخذ دية اليد من المقتصّ حيث فوّت على المقطوع حقّه.
الفرع الثالث: لو سرى القطع في المجنيّ عليه ومات قبل القصاص من الجاني، فيصير ولي المقطوع وولي المقتول متساويين، لكلّ حق القصاص، فيصير كما إذا قتل رجلين.
الفرع الرابع: إذا كانت السراية بعد القصاص من الجاني، ففيه أقوال:
۱. للولي نصف الدية من تركة الجاني، وهذا هو قول الشيخ في «المبسوط»، قال: فإن قطع يد رجل وقتل آخر ففيه ثلاث مسائل «إحداها» ما تقدّم أنّه قطع بالأوّل وقتل بالثاني ثم سرى القطع إلى المجنيّ عليه فمات، وقد قلنا يرجع ولي المقطوع في تركة القاتل بنصف الدية.[1]
وخيرة المحقّق أيضاً، قال: ولو سرى القطع في المجنيّ عليه والحال هذه (سراية الجناية بعد القصاص) فإنّ للولي نصف الدية من تركة الجاني، لأنّ قطع اليد بدل عن نصف الدية.[2]
يلاحظ عليه: أنّه لا دليل على أنّ قطع يد الجاني عن حقّ يقع بدلًا عن نصف الدية ومقتضى إطلاقات الأدلّة هو تمام الدية.—)
[1]. المبسوط: ۷/ ۶۲- ۶۳.
[2]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۴.
(— ۲. لا يجب في تركة الجاني شيء؛ لأنّ دية العمد إنّما تثبت صلحاً بالتراضي، وسراية العمد توجب كون القتل عمداً، وقد فات محل القصاص.
وهذا هو خيرة المصنّف؛ وذلك لأنّ سراية الجناية إلى النفس تجعل الجناية في عداد القتل بالعمد، والأثر المترتّب عليه هو القصاص لكن إذا كان الموضوع موجوداً، والمفروض أنّه قتل قصاصاً بقتل رجل آخر، فالحكم مرتفع بارتفاع موضوعه.
يلاحظ عليه: أنّه إنّما يتمّ لو كانت السراية إلى النفس في الجناية العمدية في حكم العمد مع عدم قصد القتل، ويحتمل أن يُعدّ مثل ذلك شُبه العمد الذي فيه الدية في مال الجاني.
۳. الرجوع بالدية أجمع؛ لأنّ للنفس دية على انفرادها والّذي استوفاه في اليد وقع قصاصاً فلا يتداخل ولعلّه أقوى.
الفرع الخامس: لو قطع فاقتصّ من القاطع ثم سرت جراحة المجنيّ عليه إلى النفس، فقال في المتن: فلوليه القصاص في النفس أيضاً؛ لأنَّ الجاني صار محكوماً بحكمين: قطع اليد قصاصاً وقد اقتص منه وقتله قصاصاً للنفس، ولا يغني القصاص الأوّل عن القصاص الثاني لتعدّد السبب المقتضي لتعدّد المسبب.
المسألة ۲۵: لو هلك قاتل العمد سقط القصاص، بل والدية، نعم لو هرب فلم يقدر عليه حتّى مات ففي رواية معمول بها: إن كان له مال أُخذ منه، وإلّا أُخذ من الأقرب فالأقرب، ولا بأس به لكن يقتصر على موردها.^
^
لو هلك قاتل العمد هل تثبت الدية في ماله أو لا؟ ففي المسألة قولان:
۱. عدم ثبوت الدية، وهو خيرة الشيخ[1]، وابن إدريس[2] مدّعياً الإجماع على العدم قائلًا بأنّ الثابت بالآية والإجماع هو القصاص، فإذا فات محلّه فات القصاص، وثبوت الدية يحتاج إلى دليل.
۲. ثبوت الدية، وهو خيره الشيخ[3]، وأبو الصلاح[4] لقوله صلى الله عليه و آله و سلم: «ولا يطلُّ دم امرئ مسلم». ومع ذلك فقد تردّد الشيخ في «الخلاف» وقال:
إذا قتل رجل رجلًا ووجب القود عليه، فهلك القاتل قبل أن يستقاد منه، سقط القصاص ويرجع إلى الدية. وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يسقط القصاص لا إلى بدل.
دليلنا: قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «لا يطل دم امرئ مسلم» فلو أسقطناه لا إلى—)
[1]. المبسوط: ۷/ ۶۵.
[2]. السرائر: ۳/ ۳۲۹- ۳۳۰.
[3]. النهاية: ۷۳۸.
[4]. الكافي في الفقه: ۳۹۵.
(— بدل لأطللنا دمه، ولو قلنا بقول أبي حنيفة لكان قويّاً، لأنّ الدية لا تثبت عندنا إلّابالتراضي بينهما، وقد فات ذلك.[1]
إذا عرفت الأقوال: فاعلم أنّ مقتضى القاعدة عدم ثبوت الدية، لما عرفت من أنّ الواجب في القتل العمدي هو القصاص ولا تتعيّن الدية إلّابرضا الطرفين.
فيقع الكلام تارة في مقتضى القواعد وأُخرى حسب الروايات.
ربّما يقال: إنّ مقتضى القواعد هو وجوب الدية بوجوه:
۱. قوله سبحانه: «وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ»[2]، فحرمانه من القصاص والدية ينافي سلطانه.[3]
يلاحظ عليه: أنّ الآية لا تدلّ إلّاعلى ثبوت السلطان على القصاص فقط لا الدية بشهادة قوله: «فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ»، فعدم إمكان إعماله تكويناً لا يلازم ثبوت البدل.
۲. قوله صلى الله عليه و آله و سلم: «لا يطل دم امرئ مسلم».
يلاحظ عليه: أنّه لا يدلّ على ثبوته في مال الجاني، بل يحتمل أنّ ثبوته في بيت المال.
۳. قياس المقام على مَن قطع يد رجل ولا يد له، فإنّ عليه الدية،—)
[1]. الخلاف: ۵/ ۱۸۴، المسألة ۵۰.
[2]. الإسراء: ۳۳.
[3]. استدلّ به العلّامة في المختلف: ۹/ ۲۸۷.
(— فكذا النفس.
يلاحظ عليه: أنّه قياس مع الفارق لحياة الجاني في المقيس عليه دون المقيس.
هذا كلّه حسب القواعد، وأنّ مقتضاها عدم وجوب الدية في مال الجاني إذا هلك.
وأمّا الروايات فقد عقد صاحب الوسائل باباً تحت عنوان باب حكم القاتل عمداً إذا هرب، فذكر فيه ثلاث روايات، وفي الحقيقة هي روايتان:
۱. عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن رجل قتل رجلًا متعمّداً ثمّ هرب القاتل فلم يقدر عليه؟ قال: «إن كان له مال أُخذت الدية من ماله، وإلّا فمن الأقرب فالأقرب، وإن لم يكن له قرابة أدّاه الإمام، فإنّه لا يبطل دم امرئ مسلم».[1]
والموضوع في الرواية ولو في سؤال السائل هو هرب القاتل لا موته وهلاكه، ويدلّ على ذلك ما نقله صاحب الوسائل عن الكليني أنّه قال: وفي رواية أُخرى: ثم للوالي بعدُ أدبهُ وحبسُه.[2] وهذا يدلّ على أنّ الموضوع هو هرب القاتل لا موته.
۲. ما رواه ابن أبي نصر عن أبي جعفر عليه السلام في رجل قتل رجلًا عمداً ثم فرَّ فلم يقدر عليه حتّى مات، قال: «إن كان له مال أُخذ منه، وإلّا أُخذ من—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۴ من أبواب العاقلة، الحديث ۱.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۴ من أبواب العاقلة، الحديث ۲.
(— الأقرب فالأقرب».[1]
الظاهر من الرواية أنّ الموضوع هو الهرب والفرار وإنّما ذكر الموت لإفادة استمرار عدم التمكّن منه. فلا تشمل الرواية ما إذا مات الجاني بلا فرار، وبذلك تظهر قوة ما في المتن من سقوط القصاص والدية معاً في هذه الصورة (هلاك الجاني)، وتتمحّض الروايتان بصورة هرب الجاني وفراره دون ما لو مات بلا فرار، ولعلّ وجه التفريق بين الموردين هو أنّ الحكم بلزوم الصبر عند الهرب إلى أن يتمكّن منه، ربما يلازم الصبر إلى سنين، وهو أمر حرجيّ جدّاً ولذلك يحكم عليه بعدم الانتظار والانتقال إلى الدية، بخلاف الموت فإنّ اليأس إحدى الراحتين.
وعلى كلّ تقدير فالحكم بأخذ الدية من مال الجاني الهارب مختصّ بصورة الهرب، ولا يعمّ صورة عدم التمكّن من استيفاء القصاص لحماية عشيرة له، كما لا يخفى.
ثمّ إنّ المحقّق في «الشرائع» قال: وفي رواية أبي بصير: «إذا هرب فلم يقدر عليه حتى مات أخذت من ماله».[2]
وقد عرفت خلو روايته عن الموت وإنّما جاء في رواية ابن أبي نصر عن أبي جعفر، والظاهر أنّ المراد هو أبو جعفر الثاني جواد الأئمة عليه السلام.
ثمّ إنّ ابن إدريس نقل عبارة الشيخ عن «النهاية» الدالّة على ثبوت—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۴ من أبواب العاقلة، الحديث ۳.
[2]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۴.
(— الدية في صورة الهلاك وعلّق عليها بقوله: وهذا غير واضح، لأنّه خلاف الإجماع وظاهر الكتاب، والمتواتر من الأخبار، وأُصول مذهبنا، وهو أنّ موجب القتل العمد، القود، دون الدية، على ما كررّنا القول فيه بلا خلاف بيننا، فإذا فات محلّه وهو الرقبة، فقد سقط لا إلى بدل، وانتقاله إلى المال الذي للميّت أو إلى مال أوليائه، حكم شرعي يحتاج مثبته إلى دليل شرعي، ولن يجده أبداً، وهذه أخبار آحاد شواذ أوردها شيخنا في نهايته إيراداً لا اعتقاداً؛ لأنّه رجع عن هذا القول في مسائل خلافه وأفتى بخلافه وهو الحق اليقين.[1]
وكان على ابن إدريس أن يناقش دلالة الروايتين على ثبوت الدية في صورة الموت على ما عرفت وأنّ الموضوع في الروايات هو الفرار، لا الموت دون أن يردّهما بعدم حجية أخبار الآحاد.
ثمّ إنّ العلّامة الحلّي ذكر كلام ابن إدريس هذا وردّ عليه بشدّة وحماس، فمن أراد فليرجع إلى مختلفه.[2]
والذي يمكن أن يقال: إنّ كلام ابن إدريس صحيح على مسلكه فإنّه لا يعمل بخبر الواحد، وخبر أبي بصير أو البزنطي لا يخرجان عن كونهما من أخبار الآحاد، لكن من يعمل به كما هو المشهور المنصور، فثبوت الدية وإن كان مخالفاً للقواعد، لكنّه صحيح تعبّداً.
نعم ما نسبه إلى الشيخ من أنّه خالف «النهايةَ» في كتاب «الخلاف»،—)
[1]. السرائر: ۳/ ۳۳۰.
[2]. مختلف الشيعة: ۹/ ۲۸۷- ۲۸۸.
(— غير صحيح؛ وذلك لأنّه ذكر قول أبي حنيفة الدال على سقوط القصاص لا إلى بدل ووصفه بقوله: لكان قوياً، ولكنّه ما أفتى به، وإنّما أفتى بما ذكره في صدر كلامه.
وفي الختام أن المصنّف مال إلى ثبوت الدية في القدر المتيقّن من الرواية، وهو ما إذا هرب ومات، فلو مات بلا هرب فلا تثبت الدية.
يلاحظ عليه: أنّه لو قلنا بثبوت الدية في خصوص الفرار- كما يدلّ عليه ما رواه أبو بصير- لكان ضم الموت به ممّا لا يلزم لكفاية الفرار، فأمر الموت دائر بين الأخذ به مطلقاً، أو عدمه كذلك. واللَّه العالم.
المسألة ۲۶. لو ضرب الولي القاتل وتركه ظنّاً منه أنّه مات فبرأ، فالأشبه أن يعتبر الضرب، فإن كان ضربه ممّا يسوغ له القتل والقصاص به لم يقتصّ من الولي، بل جاز له قتله قصاصاً، وإن كان ضربه ممّا لا يسوغ القصاص به كأن ضربه بالحجر ونحوه كان للجاني الاقتصاص، ثم للولي أن يقتله قصاصاً أو يتتاركان.^
^
إذا ضرب الوليُّ القاتلَ ضربة أو ضربات وتركه بظن أنّه قد مات، ثم بان الخلاف وأنّه كان به رمق فحُمل وعولج.
يقع الكلام في موردين:
۱. هل يجوز للولي أن يقتصّ منه مجدّداً، أو لا؟
۲. هل للجاني أن يقتصّ من الولي بما صنع به أوّلًا، أو لا؟
لا كلام في الأوّل؛ لأنّ للولي حق القصاص وهو بعدُ لم يتحقّق، فإطلاق قوله سبحانه: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» حاكم في المقام، فلا يترك حتّى يقتصّ منه.
إنّما الكلام في المورد الثاني وهو أنّه هل للجاني أن يقتصّ من الولي بما صنع به أوّلًا ثم يستعدّ للقصاص، أو لا؟ وهذا هو الّذي صار سبباً لعنوان المسألة.
ثم إنّ الكلام فيما إذا ضربه بما يسوغ القصاص به كالسيف فضربه وظنّ أنّه يكفيه في القصاص، ولكن بان الخلاف وبقي حياً، فإنّ مقتضى القاعدة—)
(— هو تعلّق حقّ الجاني بالولي بما صنع به أوّلًا، فإنّه وإن كان مشروعاً ظاهراً ولكنّه كان حراماً واقعاً، لأنّه إنّما يوصف بالمشروعية إذا أدّى إلى الموت لا ما إذا أدّى إلى الجرح ثم تُرك، فالولي وإن كان جاهلًا به لكن جهله يكون عذراً في كونه مشروعاً ظاهراً ولكنّ الحرمة الواقعية محفوظة، وبما أنّ عمله كان عن جهل فيوصف ما صنع به جناية عن خطأ، فعلى الولي أن يدفع دية ما صنع به أوّلًا، وليس للجاني أن يقتصّ منه بما صُنع به؛ لأنّ الاقتصاص فرع العمد وهو رهن العلم، والمفروض أنّه كان جاهلًا. وكان على المصنِّف أن يذكر لزوم الدية على وليّ الدم.
نعم لو اقتصّ بما لا يسوغ الاقتصاص به كالضرب بالحجر، كان للجاني الاقتصاص به، ثم للولي أن يقتله قصاصاً.
هذا هو مقتضى القاعدة، وأمّا الروايات فالظاهر منها اقتصاص الجاني من الولي، ثم قتله به على خلاف ما ذكرنا من أخذ الدية، وإليك ما روي في المقام:
۱. روى أبان بن عثمان عمّن أخبره عن أحدهما عليهما السلام قال: «أُتي عمر بن الخطاب برجل قد قتل أخا رجل، فدفعه إليه وأمره بقتله، فضربه الرجل حتى رأى أنّه قد قتله، فحمل إلى منزله فوجدوا به رمقاً، فعالجوه فبرئ، فلمّا خرج أخذه أخو المقتول الأوّل فقال: أنت قاتل أخي ولي أن أقتلك!
فقال له: قد قتلتني مرّة.—)
(— فانطلق به إلى عمر، فأمر بقتله، فخرج وهو يقول: واللَّه قتلتني مرّة.
فمرّوا على أمير المؤمنين عليه السلام فأخبره خبره، فقال: «لا تعجل حتى أخرج إليك»، فدخل على عمر فقال: «ليس الحكم فيه هكذا».
فقال: ما هو يا أبا الحسن؟
فقال: «يقتصّ هذا من أخي المقتول الأوّل ما صنع به ثم يقتله بأخيه، فنظر الرجل أنّه إن اقتصّ منه أتى على نفسه، فعفا عنه وتتاركا».[1]
والاحتجاج بالرواية فرع صحّة سندها وتمامية دلالتها.
أمّا السند ففيه إشكالان:
أ. وجود أبان بن عثمان في السند، وهو ضعيف عند بعض؛ وذلك لأنّ الكشّي وصفه بأنّه كان من الناووسية الّتي هي فرقة ضالّة.
أقول: إن الاشكال ليس بصحيح؛ وذلك لأن الكشّي الّذي وصفه بأنّه كان من الناووسية، قد عدّه من أصحاب الإجماع الذين لهم شأن خاصّ بين فقهاء الإمامية، فكيف يمكن لمن يُعدّ من الناووسية أن يكون من الطبقة العليا من تلاميذ أئمة أهل البيت عليهم السلام، ولذلك احتمل غير واحد من المحقّقين أنّ في تعبير الكشّي تصحيفاً والصحيح (كان من القادسية) الّتي هي قريبة من الكوفة.
ويشهد على ذلك أنّ القهبائي نقل نصّ الكشّي بما ذكرنا أي كان من القادسية، حتّى أنّ المحقّق الاردبيلي[2] يقول: الموجود في نسخة الكشّي عندي هو—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۶۱ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
[2]. مجمع الفائدة: ۹/ ۳۲۳.
(— أنّه من القادسية، ويقول المحقّق التستري: وممّا يؤيد صحّة نسخة «القادسية» أنّ الفهرست والنجاشي والبرقي كلّهم صرّحوا بأنّه كان كوفيّاً سكن البصرة كما سكن الكوفة، والقادسية من الكوفة.[1]
وعلى هذا فهذا الإشكال ليس بجيّد جدّاً.
ب. وجود الإرسال في السند، ففيما نقله الكليني إرسالان حيث نقل عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن بعض أصحابه عن أبان بن عثمان عمّن أخبره.
وأمّا ما نقله الشيخ والصدوق ففيه إرسال واحد، لأنّ طريقهما إلى أبان بن عثمان مسند وليس فيه إرسال. فلاحظ سندهما إلى أبان في الوسائل.[2]
نعم الإرسال في آخر الحديث، أي من يروي عنه أبان بن عثمان.
والإشكال غير قابل للذب فلا يحتج بهذا السند، إلّاأن يكون هنا جابر له بمعنى عمل الأصحاب بالرواية قديماً وحديثاً حتّى يكون جابراً للضعف، ولكن عند دراسة الأقوال نقف على أنّه لم يعمل بها أحد بحرفيّتها وإنّما عمل بإضافة شيء، ولعلّه محاولة لتطبيق الرواية مع القاعدة. وعندئذٍ يصير العمل بالقاعدة لا بالحديث بما هو هو.
وأمّا من جهة الدلالة فلا غبار عليها إنّما الكلام في عمل الأصحاب بها، وقد عملوا بها لكن بتصرّف فيها، وإليك نقل الكلمات:—)
[1]. قاموس الرجال: ۱/ ۱۱۶.
[2]. لاحظ: الوسائل: ۱۹، الباب ۶۱ من أبواب القصاص، ذيل الحديث ۱.
(— ۱. قال الشيخ: ومن قتل غيره فسلّمه الوالي إلى أولياء المقتول ليقتلوه، فضربه الولي ضربة أو ضربات وتركه ظناً منه أنّه قد مات وكان به رمق، فحمل ودووي فصلح، ثم جاء الولي فطلب منه القود كان له ذلك، وعليه أن يردّ عليه دية الجرحات الّتي جرحه، أو يقتصّ له منه.[1]
وقد أفتى به أيضاً ابن حمزة.[2]
ترى أنّ الشيخ وابن حمزة أضافا شيئاً على الحديث وهو التخيير بين ردّ دية الجراحات والاقتصاص له منه، مع أنّ الحديث يشتمل على الثاني فقط.
۲. قال ابن إدريس: يقتصّ من ولي المقتول إذا لم يكن جرح المجنيّ عليه (المقتول الأوّل) جراحات عدّة بل قتله بضربة واحدة، وأمّا إن كان جرحه جراحات عدّة فللولي أن يقتصّ منه بعد ذلك ويقتله[3].
ترى أنّه فصّل بين ما صنع به أوّلًا بضربة واحدة فيقتصّ من الولي ثم يقتل، وبين ضربات فلا يقتصّ منه، بل للولي أن يقتصّ من بعد ذلك بقتله مع أنّ الرواية خالية عن هذا القيد.
وحاصل كلامه: أنّ الجاني إذا جنى على المجنيّ عليه بضربة واحدة ففيه قصاصان:
۱. اقتصاص الجاني من الولي بضربة واحدة.—)
[1]. النهاية: ۷۷۴- ۷۷۵.
[2]. الوسيلة: ۴۳۳.
[3]. السرائر: ۳/ ۴۰۵.
(— ۲. اقتصاص الولي من الجاني بعدها ثانياً.
وأمّا إذا جنى الجاني على المجنيّ عليه بجراحات فليس فيه إلّااقتصاص واحد وهو اقتصاص الولي من الجاني.
وجهه: أنّ الجاني في الصورة الأُولى جنى بضربة واحدة، فلو لم يقتصّ منه لزم الاعتداء؛ لأنّ المفروض أنّه سوف يقتل بضربة ثانية.
بخلاف ما لو جنى على المجنيّ عليه بضربات، فلا تعدّ الضربة الأُولى اعتداء وإن تلته ضربة ثانية أو ثالثة؛ لأنّ المفروض أنّه جنى بضربات متعدّدة.
۳. قال المحقّق: ولو ضرب ولي الدم الجاني قصاصاً وتركه ظناً أنّه قتل وكان به رمق، فعالج نفسه وبرئ، لم يكن للولي القصاص في النفس حتّى يقتصّ منه بالجراحة أوّلًا. ثم نقل الرواية وضعّف سندها فخرج بالنتيجة التالية: والأقرب أنّه إن ضربه بما ليس له الاقتصاص به (كما إذا ضربه بالعصا)، اقتصّ منه وإلّا كان له قتله، كما لو ظن أنّه أبان عنقه ثم تبيّن خلاف ظنِّه بعد انصلاحه، فهذا له قتله ولا يقتصّ من الولي لأنّه فعل سائغ.[1]
وقد وافقه المصنّف في المتن ففرّق بين ما صنع به أوّلًا وكان غير مشروع كالضرب بالعصا فيقتصّ منه لأنّه تعدّى به عليه، وبين ما كان مشروعاً كالضرب بالسيف فلا يقتصّ منه لأنّه عمل مشروع.
فيظهر من هذه الكلمات أنّ الأصحاب في تردّد من صحّة مضمون—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۳.
(— الخبر فلذلك زادوا في العمل بالحديث حتّى يتّفق مع القاعدة.
نعم يرد على المحقّق بأنّ الضرب بالسيف وإن كان مشروعاً لكنه مشروطٌ بأدائه إلى القتل لا تركه مجروحاً، فيكون عمله مشروعاً ظاهراً تعدّياً واقعاً، وبما أنّه ضربه جهلًا يكون جرحاً عن خطأ أو شبه عمد، فيحكم بالدية ثم القتل. واللَّه العالم.
المسألة ۲۷. لو قطع يده فعفا المقطوع ثم قتله القاطع فللولي القصاص في النفس، وهل هو بعد رد دية اليد أم يقتصّ بلا ردّ؟ الأشبه الثاني. وكذا لو قتل رجل صحيح رجلًا مقطوع اليد قتل به، وفي رواية: إن قطعت في جناية جناها أو قطع يده وأخذ ديتها تردّ عليه دية يده، ويقتلوه، ولو قطعت من غير جناية ولا أخذ لها دية، قتلوه بلا غرم.
والمسألة مورد إشكال وتردّد، والأحوط العمل بها. وكذا الحال في مسألة أُخرى بها رواية، وهي: لو قطع كفّاً بغير أصابع قطعت كفّه بعد ردّ دية الأصابع، فإنّها مشكلة أيضاً.^
^
في المسألة فروع:
۱. لو قطع يده فعفا المقطوع، ثم قتله القاطع، فهل يقتل بعد ردّ دية اليد، أو يقتل بلا ردّ؟
۲. لو قتل رجل صحيح رجلًا مقطوع اليد، فهل يقتل بعد ردّ دية اليد أو يقتل بلا ردّ.
۳. لو قطع كفّاً بغير أصابع، هل تقطع كفّه بعد ردّ دية الأصابع أو لا؟
أمّا الفرعان الأوّل والثاني فكلاهما يرتضعان من ثدي واحد، غير أنّ قطع اليد في الأوّل صدر من القاتل والمفروض فيه أنّ المقطوع عفا عن القاطع ولم يأخذ الدية؛ بخلاف الفرع الثاني فإنّما قطعت لا من قبل القاتل بل بسبب—)
(— آخر، لم يُعلم وجه قطعه، فمن المحتمل أنّها قطعت في جناية جناها، أو جُني عليها وأخذ ديتها، أو قطعت في غير جناية كما في حوادث الطرق في زماننا ولم يأخذ ديتها، أو جناها شخص وغاب بلا دية.
والرواية التي استند إليها إنّما وردت في الفرع الثاني ولكن يعلم حكم الفرع الأوّل- أعني: العفو- منها أيضاً كما سيظهر.
وإليك دراسة الفرعين الأوّل والثاني معّاً:
فنقول لو قطع يد إنسان فعفا المقطوع ثمّ قتله القاطع، فهنا قولان:
۱. ما عليه المحقّق وغيره، يقتل القاطع بعد أن يردّ عليه دية اليد، إن كان المجنيُّ عليه أخذ ديتها أو قطعت في قصاص، ولو كانت قطعت في غير جناية ولا أخذ لها دية، قتل القاتل من غير ردّ.[1]
۲. أنّه يقتل من غير ردّ؛ لعموم قوله تعالى: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»،[2] وقوله:
«الْحُرُّ بِالْحُرِّ»[3]؛ ولأنّ للنفس بدلًا بانفرادها، ولأنّه لو قتل فاقد اليد خلقة قتل من غير ردّ مع تحقّق النقصان، فهكذا هنا.[4] وما ذكره صحيحاً لولا النصّ.
أقول: مقتضى القاعدة هو القصاص بلا ردّ وفاقاً للقول الأوّل؛ وذلك لأنّ المعيار في القصاص هو «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»، أي من أعدم إنساناً حيّاً—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۳.
[2]. المائدة: ۴۵.
[3]. البقرة: ۱۷۸.
[4]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۶۵.
(— يقتل في مقابل عمله، وأمّا أنّ المقتول كان ذا يد أو لا، فليس له تأثير في مقام القصاص.
وإن شئت قلت: إنّ قاطع اليد بعد أن عفي عنه، قتل إنساناً كاملًا، فيقتصّ منه بلا نظر إلى أنّ المقتول الأوّل كان فاقداً لليد أو واجداً لها؛ لأن الميزان: قتل إنسان في مقابل إنسان.
وأمّا ما هو مقتضى الدليل النقلي فيظهر التفصيل من رواية سورة بن كليب عن أبي عبد اللَّه عليه السلام- كما سيظهر- (وقد وصفها في المسالك بالحسنة) قال: سئل عن رجل قتل رجلًا عمداً وكان المقتول أقطع اليد اليمنى؟ فقال: «إن كانت قطعت يده في جناية جناها على نفسه أو كان قُطِعَ فأخذ دية يده من الذي قطعها، فإن أراد أولياؤه أن يقتلوا قاتله أدُّوا إلى أولياء قاتله، دية يده التي قيد منها إن كان أخذ دية يده ويقتلوه، وإن شاءُوا طرحوا عنه دية يد، وأخذوا الباقي.
قال: وإن كانت يده قطعت في غير جناية جناها على نفسه ولا أخذ لها دية، قتلوا قاتله ولا يغرم شيئاً، وإن شاءُوا أخذوا دية كاملة، قال: وهكذا وجدناه في كتاب علي عليه السلام».[1] والاستدلال بها يتوقّف على صحّة السند، ووضوح الدلالة.
أمّا السند: فسورة بن كليب قد عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق عليه السلام، ونقل الأردبيلي في جامعه رواية هشام بن سالم وطلحة النهدي ومالك بن عطية ويونس وجميل عنه، وهذا المقدار يكفي في كون—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۵۰ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
(— الرجل ممدوحاً وروايته معتبرة.[1]
وأمّا كيفية الاستدلال بها على الفرع الأوّل فبأن يقال: إنّ العفو ليس من مقولة أخذ الدية، بل هو نوع كرامة من المجنيّ عليه وإغماض منه عن القصاص، وعندئذٍ يدخل الفرع الأوّل في قوله: وإن كانت يده قطعت في غير جناية جناها على نفسه (أي لم تقطع قصاصاً) ولا أخذ لها دية، قتلوا قاتله ولا يغرم شيئاً.
وأمّا الفرع الثاني فهو داخل في مورد الرواية لأنّه لابدّ من تقييد قتل مقطوع اليد بما إذا قطعت يده في غير جناية جناها أو قطعت ظلماً ولكن لم يأخذ ديتها تبعاً للرواية، و لا مانع من العمل بالحديث لما عرفت من قوّته.
^^^
الفرع الثالث: لو قطع كفاً بلا أصابع فهل تقطع اليد مطلقاً، أو بعد ردّ دية الأصابع؟
قال في المتن: «فإنّها مشكلة أيضاً»، و في المسألة قولان:
الأوّل: أنّه تقطع يده من أصله وتردّ عليه دية الأصابع، وهو ما عليه الشيخ في «النهاية».[2] وعليه النص الآتي.
الثاني: ترك القصاص وأخذ الأرش. وهو خيرة ابن إدريس.[3]—)
[1]. قاموس الرجال: ۵/ ۳۳۸.
[2]. النهاية: ۷۷۴.
[3]. السرائر: ۳/ ۴۰۴.
(— وأمّا العلّامة فقد ذكر المسألة في «مختلف الشيعة» فقال: فنحن في هذه المسألة من المتوقّفين، ومع ذلك قال بأنّ قول ابن إدريس لا بأس به.[1]
ولعلّ ما ذكره ابن إدريس هو الأوفق بالقاعدة، لأنّ المجنيّ عليه كان ذا يد ناقصة فلو اقتص من يد تامّة في مقابل يد ناقصة يُعدّ اعتداءً.
ولا تقاس هذه المسألة بالمسألة السابقة، وذلك لما عرفت من أنّ كون اليد ناقصة أو تامّة لا يؤثر في قصاص النفس، لأنّه لايستفاد من ذلك العضو الكامل بعد قتله؛ بخلاف المقام فإنّ المفروض أنّ الجاني حيّ ولا يُقتل، فقطع يده الكاملة في مقابل الناقصة يُعدّ اعتداءً على الجاني، فاللازم للجمع بين الحقّين ترك القصاص وأخذ الأرش.
نعم إنّما يؤخذ بقول ابن إدريس إذا لم تكن هناك رواية تخالفه؛ وهي ما روى الكليني عن عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسين بن العباس بن الجريش، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال: قال أبو جعفر الأوّل عليه السلام لعبد اللَّه بن عباس: «يا ابن عباس: أنشدك اللَّه هل في حكم اللَّه اختلاف؟ قال: فقال: لا، قال:
فما تقول في رجل قطع رجل أصابعه بالسيف حتى سقطت فذهب[2] وأتى رجل آخر فأطار كف يده فأُتي به إليك وأنت قاض، كيف أنت صانع؟ قال:
أقول لهذا القاطع: أعطه دية كفّه، وأقول لهذا المقطوع: صالحه على ما شئت وأبعث إليهما ذوي عدل، فقال له: قد جاء الاختلاف في حكم اللَّه ونقضت
[1]. مختلف الشيعة: ۹/ ۳۹۹.
[2]. ورد في بعض المصادر والنسخ« ذهبت»، والصحيح ما أثبتناه.
القول الأوّل، أبى اللَّه أن يحدث في خلقه شيئاً من الحدود وليس تفسيره—)
(— في الأرض، [أقول: للمقطوع] اقطع يد قاطع الكف أصلًا ثم أعطه دية الأصابع، هذا حكم اللَّه».[1]
والرواية تدلّ على القول الأوّل والاحتجاج بها رهن صحّة السند، وهو عليل، إذ فيه- مضافاً إلى وجود سهل بن زياد- الحسن بن العباس بن الجريش وقد وصفه النجاشي بقوله: أبو علي، روى عن أبي جعفر الثاني، ضعيف جدّاً، له كتاب: «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ»[2]، وهو كتاب رديء الحديث، مضطرب الألفاظ. وقال ابن الغضائري: أبو محمد ضعيف روى عن أبي جعفر الثاني عليه السلام فضل «إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ» كتاباً مصنّفاً فاسد الألفاظ تشهد مخائله على أنّه موضوع، وهذا الرجل لا يلتفت إليه ولا يكتب حديثه، ولشيخنا المحقّق التستري بحث حول الحسن بن العباس بن الجريش في قاموسه، فلاحظ.
فالرواية من حيث السند مخدوشة جدّاً.
وأمّا الدلالة ففي ذيل الرواية قال عليه السلام: «اقطع يد قاطع الكف أصلًا ثم اعطه دية الأصابع» وفي العمل به إشكالات:
أوّلًا: يخالف ما رواه سورة بن كليب حيث جاء فيها: «وان كانت يده قطعت في غير جناية جناها على نفسه ولا أخذ لها دية، قتلوا قاتله ولا يغرم شيئاً».[3]
والمتبادر من مورد الرواية أنّ المقطوع لم يأخذ دية الأصابع حيث—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۰ من أبواب قصاص الطرف، الحديث ۱.
[2]. القدر: ۱.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۰ من أبواب قصاص الطرف، الحديث ۱.
(— جاء فيها: «في رجل قطع رجل أصابعه بالسيف حتى سقطت فذهب وأتى رجل آخر فأطار كفّ يده» والمتبادر منه أنّ ضارب الأصابع قد ذهب ولم يدفع شيئاً، وعلى هذا فيجب أن يقتصّ بلا ردّ دية الاصابع.
ثانياً: ما أفاده ابن إدريس: إنّ هذه الرواية مخالفة لأُصول المذهب؛ لأنّه لا خلاف بيننا من أنّه لا يقتصّ من العضو الكامل للناقص.[1]
ثالثاً: أنّ فيها مخالفة أُخرى للعمومات؛ فإنّ ظاهر قوله: «وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ» عدم الردّ، كما أنّ ظاهر قوله: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ» كذلك، فيكون ردّ الشيء على خلاف العمومات، ولعلّ ما ذكره صاحب السرائر أقوى وأحوط.
هذا وسيأتي من المصنّف خلاف ما اختاره هنا في فصل خاص تحت عنوان: «وهنا فروع» الفرع الرابع فيما لو كان للجاني (من قطع يد إنسان من الزند) خاصة أصبع زائدة في سمت الأصابع فقال: «فهل يقطع الكف وتؤتى دية الزائد، أو يقتصّ الأصابع الخمس دون الزائدة ودون الكف وفي الكف الحكومة؟ وجهان، أقربهما الثاني.[2]
وجه المخالفة أنّه اختار في المقام قطع الكف بعد ردّ دية الأصابع، لكنّه اختار هناك أنّه يقتصّ الأصابع الخمس دون الزائدة ودون الكفّ، وفي الكفّ الحكومة. نعم وصف ما ذكره بأنّه مشكلة، فلاحظ.
[1]. السرائر: ۳/ ۴۰۴.
[2]. لاحظ: تحرير الوسيلة: ۲/ ۴۹۶.
وفيه مسائل
المسألة ۱. الموجب له هاهنا كالموجب في قتل النفس، وهو الجناية العمدية مباشرة أو تسبيباً حسب ما عرفت، فلو جنى بما يتلف العضو غالباً فهو عمد، قصد الإتلاف به أو لا، ولو جنى بما لا يتلف به غالباً، فهو عمد مع قصد الإتلاف ولو رجاءً.^
^
عبّر المحقّق في «الشرائع» عن عنوان البحث بقصاص الطرف، وفسّره في «الجواهر» بقوله: وهو مادون النفس، والتعبير الثاني كما في المتن أشمل، إذ ربما يتعلّق القصاص بغير الأطراف المشهورة كاليد والرجل والأنف وغيرها، نظير جرح الظهر والبطن وغيرهما.
ثمّ إنّه لا ريب في تعلّق القصاص بما دون النفس. أمّا عموماً كقوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى»[1]، إذا أعقب الجرح مرضاً أدّى إلى قتله، وقوله سبحانه: «وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ».[2] وأمّا خصوصاً كقوله تعالى: «وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ …» إلى قوله—)
[1]. البقرة: ۱۷۸.
[2]. البقرة: ۱۹۴.
(— سبحانه: «وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ»[1].
ويدلّ عليه السنّة المتواترة، روى الحكم بن عُتيبة عن أبي جعفر عليه السلام قال:
قلت: ما تقول في العمد والخطأ في القتل والجراحات؟ قال: فقال: «ليس الخطأ مثل العمد، العمد فيه القتل، والجراحات فيها القصاص، والخطأ في القتل والجراحات فيها الديات».[2]
إذا عرفت ذلك فاعلم أنّ موجب القصاص كالموجب في النفس وهو الجناية العمدية مباشرة أو تسبيباً، والعمد يتحقّق إمّا بما إذا كانت الآلة ممّا يتلف العضو غالباً وإن لم يقصد الإتلاف، أو إذا كان جنى بآلة لا يتلف بها العضو غالباً لكن قصد الإتلاف، ولو رجاءً، وأمّا إذا فقد الأمرين- ومع ذلك أتلف- فهو شبه العمد.
وقد أشار المصنّف إلى الصورتين الأُوليين تبعاً للمحقّق[3] دون الصورة الثالثة؛ لأنّ الكلام في القصاص، وهو مختصّ بالعمد المحض.
[1]. المائدة: ۴۵.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۳ من أبواب قصاص الطرف، الحديث ۱. وفي السند زياد بن سوقة وهو أخ حفص بن سوقة، ثقة، والحكم بن عتيبة، زيديّ بتريّ لم يوثق، وثّقه علماء السنّة.
[3]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۴.
المسألة ۲. يشترط في جواز الاقتصاص فيه ما يشترط في الاقتصاص في النفس من التساوي في الإسلام والحرية وانتفاء الأُبوّة وكون الجاني عاقلًا بالغاً، فلا يقتصّ في الطرف لمن لا يقتصّ له في النفس.^
^
يشترط في جواز الاقتصاص بما دون النفس ما يشترط في قصاص النفس، من الشروط الأربعة:
۱. انتفاء الأُبوّة.
۲. التساوي في الإسلام.
۳. التساوي في الحرية.
۴. كون الجاني بالغاً عاقلًا.
أمّا الأوّل: فقد تضافر قولهم عليهم السلام: «لا يُقاد والدٌ بولده، ويقتل الولد إذا قتل والده عمداً».[1]
وأمّا الثاني: فلقول أبي جعفر عليه السلام في رواية محمد بن قيس: «لا يقاد مسلم بذمّي في القتل ولا في الجراحات، ولكن يؤخذ من المسلم جنايته للذمّي على قدر دية الذمّيّ ثمانمائة درهم».[2]
وأمّا الثالث: فيكفي فيه قوله سبحانه: «الحرُّ بالحرِّ والعبدُ ۲
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۲ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۲.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۴۷ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۵.
المسألة ۳. لا يشترط التساوي في الذكورة والأُنوثة فيقتصّ فيه للرجل من الرجل ومن المرأة من غير أخذ الفضل، ويقتصّ للمرأة من المرأة ومن الرجل لكن بعد ردّ التفاوت فيما بلغ الثلث كما مرّ.^
(— بالعبدِ».[1] وما ورد حوله من الروايات.
وأمّا الرابع: فهو من الشرائط العامّة للتكليف من غير فرق بين باب وآخر.
^
لا يشترط التساوي في الذكورة والأُنوثة فيقتصّ للرجل من المرأة، ولا يؤخذ الفضل ويقتصّ لها من الرجل بعد رد التفاوت في الطرف، وقد مضى الكلام فيه في مبحث: «القول في الشرائط المعتبرة في القصاص» المسألة ۲.
روى الحلبي عن أبي عبد اللَّه عليه السلام في حديث: «جراحات الرجال والنساء سواء، سنّ المرأة بسنّ الرجل، وموضحة المرأة بموضحة الرجل، وأصبع المرأة بأصبع الرجل، حتى تبلغ الجراحة ثلث الدية، فإذا بلغت ثلث الدية، ضعفت دية الرجل على دية المرأة».[2]
وبما أنّا استوفينا البحث هناك فلا حاجة إلى دراسته مرّة ثانية.
[1]. البقرة: ۱۷۸.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱ من أبواب قصاص الطرف، الحديث ۱.
المسألة ۴. يشترط في المقام زائداً على ما تقدّم، التساوي في السلامة من الشلل ونحوه على ما يجيء أو كون المقتصّ منه أخفض، والتساوي في الأصالة والزيادة، وكذا في المحلّ على ما يأتي الكلام فيه، فلا تقطع اليد الصحيحة مثلًا بالشلّاء ولو بذلها الجاني، وتقطع الشلّاء بالصحيحة، نعم لو حكم أهل الخبرة بالسراية- بل خيف منها- يعدل إلى الدية.^
^ قد عرفت الشرائط اللازمة في القصاص، بقي الكلام في شرط آخر وهو التساوي في السلامة، وقد ذكره المحقّق فقال: والتساوي في السلامة، فلا تقطع اليد الصحيحة بالشلّاء ولو بذلها الجاني، وتقطع الشلّاء بالصحيحة، إلّا أن يحكم أهل الخبرة أنّها لا تنحسم فيعدل إلى الدّية تفصّياً من خطر السراية.[1]
وقد أشار المصنّف إلى الفروع التالية:
إذا قطعت يد صحيحة يداً شلّاء فمقتضى قوله سبحانه: «وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ»[2] هو جواز الاقتصاص، غير أنّ الأصحاب اتّفقوا على عدم الجواز ولزوم التساوي في الشلل.
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا قطع يداً شلّاء ويده صحيحة لا شلل بها—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۴.
[2]. المائدة: ۴۵.
(— لا قود عليه. وبه قال جميع الفقهاء، وقال داود: له أخذ الصحيحة بالشلّاء، دليلنا: إجماع الفرقة وأيضاً قوله تعالى: «فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ»[1]، وأيضاً قوله تعالى: «وَ إِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ».[2]
وقال في «المبسوط»: إذا قطع يد رجل فيها ثلاثة أصابع سليمة وأصبعان شلّاوان ويد القاطع لا شلل بها، فلا قود على القاطع لأنّا نعتبر التكافؤ في الأطراف، والشلّاء لا تكافئ الصحيحة، فإذا ثبت أنّه لا قود عليه، فإن رضي الجاني أن تقطع يده بتلك اليد لم يجز قطعه بها؛ لأنّ القود إذا لم يجب في الأصل لم يجز استيفاؤه بالبدل، كالحرّ إذا قتل عبداً.[3]
وكلام الشيخ هنا وإن كان في الشلل الناقص- ويأتي الكلام فيه في المسألة الخامسة- لكن إذا ثبت الحكم فيه يثبت في الشلل الكامل بطريق أولى.
وأورد في «الجواهر» على الاستدلال بالآية بأنّ الظاهر هو المماثلة بأصل الاعتداء والعقاب على وجه يصدق أنّه مقاصّة، فلا ينافي ما دلّ على القصاص من قوله تعالى: «وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ».[4]
وبعبارة أُخرى: المراد أنّه إذا قطع يده فلتقطع يده لا يده ورجله، وأمّا التطابق في الصحّة والفساد، فالآية غير ناظرة إليه.—)
[1]. البقرة: ۱۹۴.
[2]. النحل: ۱۲۶.
[3]. المبسوط: ۷/ ۸۴.
[4]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۳۴۸.
(— ومع ذلك فقد قال: إنّ الحكم مفروغ منه عندهم. وهنا روايتان يمكن الاستدلال بهما.
۱. ما رواه حمّاد بن زياد عن سليمان بن خالد عن أبي عبد اللَّه عليه السلام في رجل قطع يد رجل شلّاء، قال: «عليه ثلث الدية»[1].
والاستدلال بالحديث رهن دراسة السند، والسند لا غبار عليه إلّاأنّ حمّاد بن زياد لم يوثّق سوى أنّ الحسن بن محبوب روى عنه، وله في مجموع الكتب الأربعة ست روايات، وهذا يدلّ على أنّ نقل الحديث لم يكن مهنة الرجل ولا معنيّاً به، وهذا يصدّنا عن الأخذ بحديثه إذا خالف القواعد.
وأمّا الدلالة فقد ذكر الإمام عليه السلام الدية دون الإشارة إلى القصاص وجعل دية اليد الشلّاء ثلث دية اليد الصحيحة، وديتها نصف دية الإنسان فيكون ثلث الدية سدس دية الإنسان.
والاستدلال مبني على سكوت الإمام عليه السلام عن القصاص، إذ لو جاز القصاص لما عدل إلى الدية، وهي لا تثبت إلّابرضا الطرفين، وقد مرّ أنّ الواجب أوّلًا وبالذات في الجنايات هو القصاص، وسكوته عليه السلام وعدوله إلى الدية يكشف عن عدم ثبوت القصاص.
ولك أن تقول: إنّ جهة السؤال مجهولة تحتمل وجهين:
۱. أن يكون نظر السائل إلى التعرّف على الوظيفة في هذه الحالة—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۸ من أبواب ديات الأعضاء، الحديث ۱.
(— أهي القصاص أو الدية أو غير ذلك؟
۲. عن مقدار الدية بعد تسليم أنّ الوظيفة هي الدية.
فعلى الأوّل يتم الاستدلال؛ لأنّ السكوت عن القصاص، والاقتصار بالدية، أفضل شاهد على تعيّن الوظيفة فيها.
وأمّا على الثاني فالاستدلال غير ناجح، إذ ليس السؤال عن جواز القصاص أو الدية حتّى يستدل بسكوت الإمام على عدم جواز أحدهما، بل السؤال عن مقدار الدية، غير أنّ استدلال المشهور بالرواية حاكٍ عن حمل الرواية على المعنى الأوّل وهل هو حجّة أو لا؟ الظاهر لا، لأنّ عمل المشهور جابر لضعف السند، وأمّا الدلالة فلا. نعم يمكن أن يقال: إنّ مورد السؤال هو الأوّل، وذلك لظهور قوله: «قطع يد رجل شلّاء» في القطع عن عمد، فالجواب عندئذٍ بثلث الدية حاكٍ عن عدم ثبوت القصاص، وإلّا أشار إليه.
۲. ما رواه الحسن بن صالح، في العبد الصحيحة يده قطع يد رجل حرّ، ثلاث أصابعه شلّاء فقال الإمام بأنّه لا تقطع يد العبد الصحيحة، بل إنّما يؤخذ العبد مكان اليد، أو تؤخذ قيمة اليد الشلّاء، وإليك نصها: قال: سألت أبا عبد اللَّه عليه السلام عن عبد قطع يد رجل حرّ وله ثلاث أصابع من يده شلل؟ فقال: «وما قيمة العبد؟» قلت: اجعلها ما شئت، قال: «إن كانت قيمة العبد أكثر من دية الأصبعين الصحيحتين والثلاث الأصابع الشلل، ردّ الذي قطعت يده على مولى العبد ما فضل من القيمة وأخذ العبد، وإن شاء أخذ قيمة—)
(— الإصبعين الصحيحتين والثلاث أصابع الشلل»، قلت: وكم قيمة الإصبعين الصحيحتين مع الكفّ والثلاث الأصابع الشلل؟ قال: «قيمة الإصبعين الصحيحتين مع الكفّ ألفا درهم، وقيمة الثلاث أصابع الشلل مع الكف ألف درهم؛ لأنّها على الثلث من دية الصحاح، قال: وإن كانت قيمة العبد أقل من دية الإصبعين الصحيحتين والثلاث الأصابع الشلل، دفع العبد إلى الذي قطعت يده أو يفتديه مولاه ويأخذ العبد».[1]
وبما أنّ القاطع عبد والمقطوع حرّ فالضابطة تقتضي أن يقتصّ الحرّ من العبد ولكنّ الإمام عليه السلام لم يذكر من القصاص شيئاً وإنّما حوّل السائل إلى الدية على التفصيل الوارد في الرواية.
أقول: إنّ الاستدلال فرع التمامية سنداً ودلالة.
أمّا الأوّل ففيه الحسن بن صالح وهو الحسن بن صالح بن حسين. قال عنه الطوسي: له أصل، وقال في رجال الباقر عليه السلام: الهمداني الثوري الكوفي صاحب المقالة زيدي، إليه تنسب الصالحية منهم، وقال في التهذيب: هو زيدي بتريّ متروك العمل بما يختصّ بروايته. وقال ابن النديم: ولد سنة مائة ومات سنة ۱۶۸ وكان من كبار الشيعة الزيدية وعظمائهم وكان فقيهاً متكلماً. له أكثر من ۴۷ رواية، فقد روى عنه الحسن بن محبوب في جميع ذلك إلّافي مورد واحد فقد روى عنه علي بن محمد بن سليمان النوفلي.[2]—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۸ من أبواب ديات الأعضاء، الحديث ۲.
[2]. لاحظ: الموسوعة الرجالية الميّسرة: ۱۳۱.
(— وأمّا الدلالة فإنّ جهة السؤال مجهولة فهل هي عن الوظيفة، أو عن مقدار الدية حسب ما شرحناه في الرواية الأُولى؟
وبذلك تبيّن أنّ العمل بالروايتين لا يخلو من إشكال، وعلى فرض العمل فموردهما هو اليد، وتعميم الحكم إلى سائر الأجزاء، كالرجل العرجاء والعين الحولاء، يحتاج إلى دليل.
ومع ذلك كلّه بما أنّ الحكم في هذه الموارد موافق للاحتياط لقاعدة درء الحدود بالشبهة، فلا مانع من العمل بالرواية.
وعلى كلّ تقدير فمورد الرواية وجود الشلل في بعض الأصابع، ومورد البحث كون اليد بأجمعها شلّاء، فالاستدلال بها على المورد من باب الأولوّية.
يشترط أحد الأمرين أمّا التساوي في السلامة والشلل كالصحيحة بالصحيحة أو الشلّاء بالشلّاء، أو كون المقتصّ منه أخفض فتقطع يد شلّاء بالصحيحة دون العكس، أي إذا كان المقتصّ منه أعلى كما إذا قطع من له يد صحيحة يداً شلّاء.
فلو قطع إصبعاً زائداً، ليس له أن يقتصّ بالأصبع الأصلي، للأدلّة السابقة.
—)
(—
ويأتي شرحه في المسألة السادسة.
إذا كان القاطع ذا يد شلّاء والمقطوع له يد صحيحة، تقطع الشلّاء بالصحيحة لعدم كون الاعتداء بالأكثر، بل هو بالأقلّ ممّا اعتدي عليه، لأنّه قطع يداً صحيحة وجزي بقطع يد شلّاء.
لو حكم أهل الخبرة بالسراية أو خيف منها، يعدل إلى الدية لوجوب حفظ النفس التي هي أعظم من الطرف. ومنه يظهر إذا كان كلّ منهما شلّاء فتقطع بشرط أن لا يكون هنا خوف السراية.
ثمّ إذا رضي صاحب اليد الصحيحة أن يقطع بالشلّاء، فلا يجوز؛ لأنّ رضاه لا يغيّر الحكم الشرعي، فإنّ الثابت حينئذٍ هو الدية لا الاقتصاص.
المسألة ۵. المراد بالشلل هو يبس اليد بحيث تخرج عن الطاعة ولم تعمل عملها ولو بقي فيها حس وحركة غير اختيارية، والتشخيص موكول إلى العرف كسائر الموضوعات، ولو قطع يداً بعض أصابعها شلّاء ففي قصاص اليد الصحيحة تردد، ولا أثر للتفاوت بالبطش ونحوه، فيقطع اليد القوية بالضعيفة، واليد السالمة باليد البرصاء والمجروحة.^
^ في المسألة فروع:
اليد الشلّاء من الموضوعات العرفية أو العلمية يرجع فيها إلى أصحاب الاختصاص، والذي يمكن أن يقال: إنّها يد متوسطة بين الصحيحة واليد الميّتة، فالصحيحة هي التي تطيع صاحبها، والميّتة هي التي لو بقيت أنتنت، والشلّاء هي اليد اليابسة لكن فيها نوع من الحياة، وإن كانت لا تطيع صاحبها.
كان محور البحث في المسألة السابقة كون اليد بتمام أجزائها شلّاء لا بعض أصابعها، بخلاف المقام. وعلى هذا فهل يقتصّ من اليد الصحيحة بيد بعض أصابعها شلّاء أو لا؟ ففي الفرع أقوال أو احتمالات:
۱. ما عليه الشيخ في «المبسوط» والعلّامة في «القواعد» من القصاص بنحو خاصّ.—)
(— قال في «القواعد»: لو قطع يداً وكان بعض أصابع المقطوع شلّاء، لم يقتصّ من الجاني في الكف، بل في الأربع الأصابع الصحيحة، ويؤخذ منه ثلث دية أصبع صحيحة، عوضاً عن الشلّاء.[1]
ولو فرضنا صحّة الأصابع الثلاثة وشلل أصبعين، يقتصّ من الصحيحة، ويؤخذ من كلّ أصبع ثلث دية أصبع صحيحة عوضاً عن الشلّاء.
۲. الانتقال إلى الدية- بتاتاً- وهو الذي تدلّ عليه رواية الحسن بن صالح قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن عبد قطع يد رجل حرّ وله ثلاث أصابع من يده شلل؟ فقال: وما قيمة العبد؟ قلت: اجعلها ما شئت. قال: «إن كانت قيمة العبد أكثر من دية الأصبعين الصحيحتين وثلاث الأصابع الشلل، ردّ الذي قطعت يده على مولى العبد ما فضل من القيمة وأخذ العبد …».[2]
والرواية على القول بالعمل بها تنفي القصاص بتاتاً بل يؤخذ العبد مكان القصاص بشرط ردّ ما فضل من قيمته، وقد عرفت أنّ الرواية من حيث السند والدلالة لا تخلو من إشكال، ولذلك تردّد في المتن.
وهنا احتمال ثالث وهو القصاص من الكف أخذاً بإطلاق قوله سبحانه: «وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ»، وأمّا المخصّص فإنّما هو فيما إذا كان مجموع اليد شلّاء لا شيئاً من أصابعه، وقد مرّ في رواية سليمان بن خالد عن أبي عبد اللَّه عليه السلام في رجل قطع يد رجل شلّاء قال: «عليه ثلث الدية»، فالإطلاق محكّم—)
[1]. قواعد الأحكام: ۳/ ۶۳۲.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۸ من أبواب ديات الأعضاء، الحديث ۲.
(— والمخصّص يختصّ باليد الشلّاء لا اليد الصحيحة وبعض أصابعها شلّاء.
وفي مقام المحاسبة فقد جعل الجاني المقطوع، فاقد اليد، فعليه أن يقتصّ فيجعله مثله، ولأجل ذلك تردّد المصنّف ولم يفت بشيء.
إذا اختلفت اليدان من حيث الضعف والقوّة، والبطش ونحوه، فهل يمنع ذلك من القصاص أو لا؟
اتّفقت كلمتهم على عدم الفرق. قال العلّامة في «القواعد»: ولا يشترط تساوي خلقة اليد ومنافعها، فتقطع يد الباطش القويّ بيد الطفل الصغير، والشيخ الفاني والمريض المشرف والكسوب لغيره، والصحيحة بالبرصاء.[1]
وقال في «المسالك»: وإن اتّحد الجنس لم يؤثر التفاوت في الصغر والكبر والطول والقصر، والقوّة والضعف، والضخامة والنحافة، كما لا تعتبر مماثلة النفسين في هذه الأُمور، والسرّ في ذلك أنّ مماثلة النفوس والأطراف في ذلك لا يكاد يتّفق، وفي اشتراطها إبطال مقصود القصاص.[2]
مضافاً إلى إطلاق قوله تعالى: «وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ»، خرجت اليد الشلّاء إذا قطعت يداً صحيحة.
[1]. قواعد الأحكام: ۳/ ۶۳۲.
[2]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۷۰.
المسألة ۶. يعتبر التساوي في المحل مع وجوده، فتقطع اليمين باليمين واليسار باليسار. ولو لم يكن له يمين وقطع اليمين قطعت يساره.
ولو لم يكن له يد أصلًا قطعت رجله على رواية معمول بها، ولا بأس به، وهل تقدّم الرجل اليمنى في قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى في اليد اليسرى أو هما سواء؟ وجهان. ولو قطع اليسرى ولم تكن له اليسرى، فالظاهر قطع اليمنى على إشكال، ومع عدمهما قطع الرجل. ولو قطع الرجل من لا رجل له فهل تقطع يده بدل الرجل؟ فيه وجه لا يخلو من إشكال. والتعدّي إلى مطلق الأعضاء كالعين والأُذن والحاجب وغيرها مشكل، وإن لا يخلو من وجه سيّما اليسرى من كلّ باليمنى.^
^ في المسألة فروع:
۱. اعتبار التساوي في المحل مع وجوده، فاليمين باليمين … إلخ.
۲. عدم اعتبار التساوي فلو لم يكن له يمين، قطعت يساره.
۳. ولو لم تكن له يدان قطعت رجله على رواية.
۴. إذا قطع من ليس له يدان، اليد اليمنى، فهل تتعيّن الرجل اليمنى أو لا؟
وهل تقدّم الرجل اليمنى في قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى في قطع اليد اليسرى؟
۵. لو قطع اليد اليسرى ولم تكن له يُسرى، تقطع اليمين ومع عدمهما تقطع الرِّجْل.—)
(— ۶. لو قطعَ الرجلَ من لا رجل له فهل تقطع يده بدل الرجل؟
۷. التعدّي إلى مطلق الأعضاء كالعين والأُذن والحاجب، كقلع العين اليسرى ممّن قلع اليمنى ولا يمنى له.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.
لا مع عدمه، فهو أمرٌ اتّفقوا عليه، فلو كان للرجل يدان فقطع يمين رجل، تقطع يمينه لا يساره، وهكذا بالعكس، ولو كان له رجلان وقطع الرجل اليمنى تقطع اليمنى منه لا اليسرى.
قال الشيخ في «الخلاف»: إذا قطع يمين غيره قطعت يمينه بلا خلاف، فإن لم يكن له يمين قطعت يساره عندنا.[1]
فالمشهور أنّه لو لم يكن له يمين وقطع اليمين قطعت يساره، ولو لم يكن له يمين ويسار أصلًا قطعت رجله.
قال الشيخ: فإن لم يكن له يمين قطعت يساره عندنا، فإن لم يكن له يسار قطعت رجله اليمنى، فإن لم تكن له قطعت رجله اليسرى. وقال جميع الفقهاء:
إن لم يكن يمين يسقط القصاص؛ وقال شريك: يقطع اليمين باليمين، فإن—)
[1]. الخلاف: ۵/ ۱۹۳- ۱۹۴، المسألة ۵۹.
(— لم يكن له يمنى قطعت اليسرى، وكذلك تقطع اليسرى باليسرى، فإن لم تكن له قطعت اليمنى.[1]
وقال في «النهاية»: من قطع يمين رجل قطعت يمينه بها، فإن لم يكن له يمين وكانت له يسار، قطعت به، وإن لم يكن له يدان قطعت رجله باليد، فإن لم يكن له يدان ورجلان كان عليه الدية لا غير ويسقط القصاص.[2]
وقال العلّامة في «القواعد»: التساوي في المحلّ: وتقطع اليمنى بمثلها، وكذا اليسرى، والإبهام بمثلها، لا بالسبّابة وغيرها، وكذا باقي الأصابع؛ ولو لم يكن له يمين قطعت يسراه، فإن لم يكن يسار أيضاً قطعت رجله اليمنى، فإن فقدت فاليسرى[3].
ولا يخفى أنّ العبارات لا تشمل ما إذا قطع اليسرى وليس له اليسرى فهل تقطع اليمنى كما عليه شريك؟ وسيأتي الكلام فيه في الفرع الرابع.
ومستند الحكم رواية حبيب السجستاني قال: سألت أباجعفر عليه السلام عن رجل قطع يدين لرجلين اليمينين.
فقال: «يا حبيب تقطع يمينه للذي قطع يمينه أوّلًا، وتقطع يساره للرجل الذي قطع يمينه أخيراً، لأنّه إنّما قطع يد الرجل الأخير ويمينه قصاص للرجل الأوّل». قال: فقلت: إنّ علياً عليه السلام إنّما كان يقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى.—)
[1]. الخلاف: ۵/ ۱۹۳- ۱۹۴، المسألة ۵۹.
[2]. النهاية: ۷۷۱- ۷۷۲.
[3]. قواعد الأحكام: ۳/ ۶۳۳.
(— فقال: «إنّما كان يفعل ذلك فيما يجب من حقوق اللَّه (كما في السرقة)، فأمّا ما يجب من حقوق المسلمين فإنّه تؤخذ لهم حقوقهم في القصاص، اليد باليد إذا كانت للقاطع يدان، والرجل باليد إذا لم يكن للقاطع يد».
فقلت له: أو ما تجب عليه الدية وتترك له رجله؟
فقال: «إنّما تجب عليه الدية إذا قطع يد رجل وليس للقاطع يدان ولا رجلان، فثمّ تجب عليه الدية، لانّه ليس له جارحة يقاصّ منها».[1]
قال الشهيد الثاني في «المسالك»: والرواية صحيحة السند إلى حبيب المذكور وحينئذٍ فإطلاق جماعة من الأصحاب صحّة الرواية مدخول أو محمول على الصحّة الإضافية، وهذا هو السرّ في نسبة المصنّف الحكم إلى الرواية، وقد عمل بمضمونها الشيخ والأكثر.[2]
وحبيب، هو حبيب بن المعلّى السجستاني ذكره الطوسي في رجال السجاد والباقر والصادق عليهم السلام، وقال الكشّي: كان أوّلًا شاريّاً (من الخوارج) ثم دخل في هذا المذهب، وكان من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد اللَّه عليهما السلام منقطعاً إليهما؛ روى عنه هشام بن سالم في الكتب الأربعة، وذكره العلّامة في القسم الأوّل، وحسّنه في الوجيزة، ونقل الوحيد توثيقه عن المجلسي، ونقل عن الأصحاب وصفهم حديثه بالصحّة.[3]—)
[1]. الوسائل: ۱۹، باب ۱۲ من أبواب القصاص في الطرف، الحديث ۲.
[2]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۷۱.
[3]. الموسوعة الرجالية الميسّرة، برقم ۱۳۷۰.
(— فلم يردّ الرواية جمهور الأصحاب، نعم خالف ابن إدريس والشهيد الثاني.
أمّا ابن إدريس فقد عمل ببعض الرواية حيث حكم بالدية بعد قطع اليدين لمن بقي[1].
وأمّا الشهيد الثاني فقد استدلّ بأنّ قطع الرجل باليد على خلاف الأصل فلابدّ له من دليل صالح، وهو منفيّ، وفي قوله تعالى: «أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ» ما يدلّ على اعتبار المماثلة والرجل ليست مماثلة لليد.
نعم يمكن تكلّف مماثلة اليد وإن كانت يسرى لليمنى، لتحقّق أصل المماثلة في الحقيقة وإن تغايرا من جهة.[2]
إذا لم يكن له يدان وقطع اليد اليمنى قطعت رجله، لما مرّ في رواية السجستاني من قوله: «والرجل باليد إذا لم يكن للقاطع يدان».
إذا قطع من لم يكن له يدان، اليد اليمنى، فهل يتعين قطع الرجْل اليمنى أو يجوز قطع الرِجْل اليسرى عندئذٍ. وبعبارة أُخرى: فهل تقدم الرجْل اليمنى على اليسرى في قطع اليد اليمنى؟—)
[1]. السرائر: ۳/ ۳۹۶- ۳۹۷.
[2]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۷۲.
(— أقول: إنّ الترتيب في الرجلين لم يرد في الرواية وإنّما ذكره في «الخلاف»، وفي المتن فيه وجهان ومقتضى إطلاق الرواية عدم اعتبار المماثلة من هذه الجهة حيث قال: «والرجل باليد إذا لم تكن للقاطع يد» ورعاية الترتيب أحوط.
إذا قطع اليد اليسرى ولم تكن له يد يُسرى فهل تقطع اليمنى لأجل اليسرى؟ فقد عرفت أنّه لم يأت في كلام الأصحاب لكن في «الجواهر» يمكن استفادته من النص والفتوى.
ولعلّ وجهه أنّه إذا لم يقتصّ من اليد اليمنى، فإمّا أن ينتقل إلى الدية أو إلى الرجل؛ والأوّل خلاف ما في الرواية حيث جاء في رواية حبيب قوله: «إنّما تجب عليه الدية إذا قطع يد رجل وليس للقاطع يدان ولا رجلان، فثمّ تجب عليه الدية؛ لأنّه ليس له جارحة يقاصّ منها». ومثله الثاني لقوله فيها: «اليد باليد إذا كانت للقاطع يد، والرجل باليد إذا لم يكن للقاطع يد»، والمفروض وجود اليد في المقام. نعم مع عدمهما يقطع الرجل كما مرّ.
لو قطع الرِّجْلَ، من لا رجل له فهل تقطع يده بدل الرجل؟ قال صاحب الجواهر: يمكن قطع اليد بالرجل إذا لم يكن له رجلان، عكس الأُولى—)
(— لفحوى الخبر المذكور، بل لعلّ التعليل فيه ظاهر في ذلك.[1] ولعل مراده من التعليل هو قوله: «فثم تجب عليه الدية لأنّه ليس له جارحة يقاصّ منها» والمفروض وجود اليد اليمين.
فهو التعدّي إلى مطلق الأعضاء كالعين والأُذن والحاجب، مثلًا إذا قلع عينه اليمنى ولا يمنى له فهل تقلع اليسرى، وهكذا في الأُذن والحاجب؟
أقول: إنّ ما جاء في الرواية على خلاف القاعدة فيقتصر بما ورد فلا يجري في العينين فلا تقطع اليمين باليسرى مع عدمها وبالعكس، اللّهم إلّاأن يتمسّك بإطلاق قوله تعالى: «العين بالعين» وأنّ الترتيب مختصّ بصورة الإمكان. ولذلك قال في المتن: «وإن لا يخلو من وجه سيّما اليسرى من كلٍّ باليمنى»، نعم لو لم يكن له عين فلا ينتقل إلى الاذن، بل اللازم الدية؛ وذلك لأنّ ما في الرواية من أنّ الانتقال إلى الدية فيما إذا لم يكن للقاطع جارحة يقاصّ منها فالمراد الجارحة المماثلة، لا مطلق الجارحة. وأمّا الانتقال من اليد إلى الرجل فقد خرج بالدليل مضافاً إلى اشتراك اليد والرجل في التعدّي والبطش، فأين هذا من العين والأُذن.
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۳۵۳.
المسألة ۷. لو قطع أيدي جماعة على التعاقب قطعت يداه ورجلاه بالأوّل فالأوّل، وعليه للباقين الدية، ولو قطع فاقد اليدين والرجلين يد شخص أو رجله فعليه الدية.^
^
في المسألة فرعان:
الأوّل: لو أنّ رجلًا قطع أيدي خمسة رجال، تقطع يده اليمنى بالأوّل، واليسرى بالثاني، والرجل اليمنى بالثالث، والرجل اليسرى بالرابع، وأمّا الخامس فتتعلّق به الدية لعدم الموضوع للقصاص.
الفرع الثاني: لو كان القاطع فاقد اليدين والرجلين فعليه الدية. تدلّ عليه رواية حبيب السجستاني، عن أبي جعفر عليه السلام حيث قال: «إنّما تجب عليه الدية إذا قطع يد رجل وليس للقاطع يدان ولا رجلان، فثمّ تجب عليه الدية، لأنّه ليس له جارحة يقاصّ منها».
المسألة ۸. يعتبر في الشجاج التساوي بالمساحة طولًا وعرضاً، قالوا ولا يعتبر عمقاً ونزولًا، بل يعتبر حصول اسم الشجّة، وفيه تأمّل وإشكال والوجه التساوي مع الإمكان، ولو زاد من غير عمد فعليه الأرش، ولو لم يمكن إلّابالنقص لا يبعد ثبوت الأرش في الزائد على تأمّل، هذا في الحارصة والدامية والمتلاحمة، وأمّا في السمحاق والموضحة فالظاهر عدم اعتبار التساوي في العمق، فيقتصّ المهزول من السمين إلى تحقّق السمحاق والموضحة.^
^ قبل الخوض في بيان الأحكام نبيّن بعض المصطلحات:
الشجاج، هو الجرح المختصّ بالرأس والوجه، وهو على أنواع:
أ. الحارصة: وهي الّتي تسلخ الجلد من غير إدماء، ولا تأخذ من اللحم شيئاً.
ب. الدامية: وهي الّتي تدخل اللحم يسيراً ويخرج منها الدم.
ج. المتلاحمة: وهي الّتي تدخل اللحم كثيراً ولكن لا تبلغ السمحاق.
د. السمحاق: وهي الّتي تقطع اللحم وتبلغ الجلد الرقيق الّذي يغشّي العظم، وهو بين اللحم والعظم.
ه. الموضحة: وهي الّتي تقطع الجلد الّذي يغشّي العظم وتوضحه.
هذه هي المصطلحات الواردة في المسألة، وربّما يكون لبعض—)
(— الموارد مصطلحان كما يظهر من مراجعة المعاجم، وسيوافيك بيان سائر المصطلحات في المسألة التالية.
واعلم أنّ هذه الجراحات الخمس يجوز فيها القصاص، بخلاف ما يأتي فإنّه يتعيّن فيه الأرش أو الدية.
ثمّ إنّ المشهور اعتبار التساوي في الجميع طولًا وعرضاً ولا يعتبر التساوي في العمق. قال المحقّق: ويعتبر التساوي في المساحة في الشجاج طولًا وعرضاً ولا يعتبر نزولًا، بل يعتبر حصول اسم الشجّة.[1]
وقد عُلّل ذلك باختلاف الرؤوس في السمن والضعف وغلظ الجلد ورقّته، فيقطع النظر عنه كما يقطع النظر عن الصغر والكبر في الأطراف فتقطع اليد الصغيرة باليد الكبيرة ومثلها الرجل، وعلى كلّ تقدير يكفي اسم الشجّة عند القصاص. ونقل عن بعض الشافعية اعتبار التساوي في العمق أيضاً.[2] وأمّا المصنّف فقد فصّل بين الثلاثة الأُولى وبين الأخيرين، أعني: السمحاق والموضحة.
وجهه: أنّ السمن والهزال أو غلظة الجلد ورقّته لا يمنع من اعتبار التساوي في العمق ولا يلزم منه التجاوز عن الحدّ؛ لأن الشجاج في الحارصة لا يتجاوز الجلد وفي الدامية والمتلاحمة لا يتجاوز اللحم، فلا مانع من—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۴.
[2]. الحاوي الكبير: ۱۲/ ۱۵۶.
(— اعتبار التساوي، بخلاف الجراحات الأُخرى، أعني: السمحاق وهي الّتي تقطع اللحم وتبلغ الجلد الرقيق الّذي بين اللحم والعظم ويغشّي العظم. فإنّ اختلاف الرؤوس يمنع عن اعتبار التساوي في العمق، فلو كان المجنيّ عليه لحميّاً دون الجاني فاعتبار المساواة في العمق ربّما يوجب تجاوز الجناية إلى خرق الجلد، وهكذا الموضحة فإنّ اعتبار التساوي ربما يوجب الدخول في العظم، فلذلك اعتبر المصنّف التساوي في الثلاثة الأُولى دون الأخيرتين.
وهناك نكتة نلفت نظر الدارس إليها وهي: أنّ الشجاج يطلق على الجرح في الرأس والوجه، واعتبار العمق في الرأس يحتاج إلى دقّة لعدم وجود اللحم الغليظ في الرأس، نعم اعتباره في الوجه واضح. واللَّه العالم.
المسألة ۹. لا يثبت القصاص فيما فيه تغرير بنفس أو طرف، وكذا فيما لا يمكن الاستيفاء بلا زيادة ونقيصة كالجائفة والمأمومة، ويثبت في كلّ جرح لا تغرير في أخذه بالنفس وبالطرف وكانت السلامة معه غالبة فيثبت في الحارصة والمتلاحمة والسمحاق والموضحة، ولا يثبت في الهاشمة ولا المنقّلة ولا لكسر شيء من العظام، وفي رواية صحيحة إثبات القود في السن والذراع، إذا كسرا عمداً، والعامل بها قليل.^
^
لنذكر المصطلحات الواردة في هذه المسألة ثم نتطرّق إلى دراسة المسألة:
۱. الهاشمة وهي الّتي تهشم العظم وتكسره.
۲. المنقّلة وهي التي تنقل العظم من الموضع الّذي خلقه اللَّه تعالى فيه إلى موضع آخر.
۳. المأمومة وهي التي تبلغ أُمّ الدماغ.
۴. الجائفة وهي الّتي تصل الجوف بطعنة أو رمية ولا تختصّ بما يدخل جوف الدماغ، بل تعم الداخل في الصدر والبطن.
في المسألة فرعان:
۱. لا يثبت القصاص فيما فيه تغرير بنفس أوطرف أو ما لا يمكن الاستيفاء بلا زيادة ولا نقيصة.
۲. يثبت القصاص في غير هاتين الصورتين إذا كانت السلامة فيه—)
(— غالبة.
وإليك بيان الفرعين:
إذا كان هناك تزاحم بين استيفاء الحق وبقاء نفس المجنيّ عليه، يقدّم ا لثاني على الأوّل؛ لأنّ الثاني لا بدل له بخلاف الأوّل، وقد قرّر في باب التزاحم أنّه إذا كان في المقام تزاحم بين شيئين: أحدهما له بدل والآخر لا بدل له، يقدّم الثاني على الأوّل. مثلًا: إذا كان له ماء واحد وهو بحاجة إلى الطهارة الخبثية في الثوب والبدن، والطهارة الحدثية في النفس، تقدّم الأُولى على الثانية؛ لأنّ للطهارة الحدثية بدلًا وهو التيمّم، دون الخبثية.
وعلى هذا فلو كان في القصاص مظنّة تغرير بنفس أو بطرف ينتقل إلى الدية أو الأرش.
ومنه يُعلم ما إذا لم يكن فيه تغرير بالنفس والطرف ولكن لا وثوق فيه باستيفاء المثل.
وعلى هذا فلا قصاص في الجائفة والمأمومة؛ لأنّ فيهما تغريراً بالنفس، كما لا قصاص في الهاشمة ولا في المنقّلة ولا في كسر شيء من العظام؛ لأنّ فيهما تغريراً بالطرف حيث لا وثوق باستيفاء المثل.
ويؤيّد ذلك ما في مقطوعة أبان: «الجائفة ما وقعت في الجوف ليس لصاحبها قصاص إلّاالحكومة، والمنقّلة تنقل منها العظام، وليس فيها قصاص إلّاالحكومة، وفي المأمومة ثلث الدية ليس فيها قصاص، إلّا—)
(— الحكومة»[1].
يثبت القصاص فيما ليس فيه تغرير بنفس أو بطرف، وكان الاستيفاء بلا زيادة ولا نقيصة أمراً ممكناً، وذلك كالحارصة والدامية والمتلاحمة والسمحاق والموضحة.
واستدلّ على ذلك بما رواه إسحاق بن عمّار عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
«قضى أمير المؤمنين عليه السلام في اللطمة- إلى أن قال:- وأمّا ما كان من جراحات في الجسد فإنّ فيها القصاص، أو يقبل المجروحُ ديةَ الجراحة فيعطاها»[2].
نعم نقل عن الشيخين وغيرهما إثبات القود في السنّ والذراع إذا كُسرا عمداً. وقد استدلّوا على ذلك بصحيحة أبي بصير عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال:
سألته عن السنّ والذراع يكسران عمداً، لهما أرش، أو قود؟ فقال: «قود»، قال:
قلت: فإن أضعفوا الدية؟ قال: «إن أرضوه بما شاء فهو له»[3].
وقد حملها السيد الخوئي على ما لا يرجى صلاحه، وإلّا فيردّ علمها إلى أهله.[4]
وعلى كلّ تقدير فهذه الرواية لم يعمل بها أكثر الفقهاء، وبعيدة عن مرونة أحكام الإسلام.
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۶ من أبواب قصاص الطرف، الحديث ۱؛ ولاحظ الحديث ۲.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۳ من أبواب قصاص الطرف، الحديث ۵.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۳ من أبواب قصاص الطرف، الحديث ۴.
[4]. مباني تكملة المنهاج: ۲/ ۱۵۸ كذا ما في المصدر، ولعلّ الصحيح: ما يُرجى صلاحه واندماله.
المسألة ۱۰. هل يجوز الاقتصاص قبل اندمال الجناية؟ قيل: لا، لعدم الأمن من السراية الموجبة لدخول الطرف في النفس، والأشبه الجواز، وفي رواية: لا يقضى في شيء من الجراحات حتّى تبرأ، وفي دلالتها نظر، والأحوط الصبر سيّما فيما لا يؤمن من السراية. فلو قطع عدة من أعضائه خطأ هل يجوز أخذ دياتها ولو كانت أضعاف دية النفس، أو يقتصر على مقدار دية النفس حتّى يتّضح الحال، فإن اندملت أخذ الباقي وإلّا فيكون له ما أخذ لدخول الطرف في النفس؟ الأقوى جواز الأخذ ووجوب الإعطاء، نعم لو سرت الجراحات يجب إرجاع الزائد على النفس.^
^ في المسألة فرعان أحدهما في القصاص، والآخر في الدية ولم يعلم وجه الجمع بينهما.
۱. هل يجوز الاقتصاص قبل اندمال الجناية؟
۲. لو قطع عدّة من أعضاء رجل خطأً، هل يجوز أخذ دياتها ولوكان أضعاف دية النفس؟
وإليك دراسة الفرعين:
وموضوع هذا الفرع هو الجناية العمدية، وقد ذهب الشيخ في «المبسوط» إلى عدم الجواز معلّلًا بأنّه لا يؤمن من السراية الموجبة—)
(— لدخول قصاص الطرف في قصاص النفس، وقال في «الخلاف» بالجواز مع استحباب الصبر، ووصفه في الشرائع بكونه أشبه.[1]
وإليك كلام الشيخ في كتابيه: قال في «المبسوط»: يجوز القصاص في الموضحة قبل الاندمال عند قوم، وقال قوم لا يجوز إلّابعد الاندمال، وهو الأحوط عندنا، لأنّها ربّما صارت نفساً.[2]
وقال في «الخلاف»: إذا قطع يد رجل، كان للمجنيّ عليه أن يقتصّ من الجاني في الحال والدم جار، ولكنّه يستحب له أن يصبر لينظر ما يكون منها من اندمال أو سراية.[3]
فقد استدلّ للقول الأوّل بوجهين:
۱. إمكان السراية الموجب لدخول الطرف في النفس، فيقع الاستيفاء السابق بغير حقّ.
۲. ما في موثّقة إسحاق عن جعفر عليه السلام: «أنّ عليّاً عليه السلام كان يقول: لا يقضى في شيء من الجراحات حتّى تبرأ»[4]. وفيها احتمالات:
۱. ما إذا علم حدّ الجناية وعدم سرايتها إلى النفس، فهو خارج عن مصب الرواية، لعدم ترتّب الأثر على الصبر، فيقتص من الجاني قبل الاندمال.—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۵.
[2]. المبسوط: ۷/ ۷۵.
[3]. الخلاف: ۵/ ۱۹۶، المسألة ۶۵.
[4]. الوسائل: ۱۹، الباب ۴۲ من أبواب موجبات الضمان، الحديث ۲.
(— ۲. ما إذا لم يعلم حدّ الجناية واحتملت سرايتها عرضاً وعمقاً، وإن لم يحتمل سرايتها إلى النفس.
۳. ما إذا احتملت سراية الجناية إلى النفس، سواء علم حدّها أو لا.
والظاهر شمول الرواية للصورتين الأخيرتين، بل الصورة الأخيرة هي القدر المتيقّن.
استدلّ للوجه الثاني بإطلاق قوله تعالى: «وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ»[1].
وقوله تعالى: «فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ»[2].
بناءً على إطلاق الآيتين الشامل للحالين، وفيه تأمّل واضح.
ثم إنّ المحقّق- كما مرّ- قال باستحباب الصبر، ومعنى ذلك جواز الاقتصاص مع عدم الصبر، ولعلّ وجهه وراء إطلاق الآيتين، أصالة البراءة من وجوب الصبر، أو أصالة عدم حصول السراية، لكن الظاهر وجوب الصبر لعدم الإطلاق في الآيتين، وكون المورد هو القدر المتيقّن من الموثّقة.
وبعبارة أُخرى: الرواية محمولة على ما إذا لم يعلم حدّ الجناية لاحتمال سعتها إلى أن تندمل، لا ما إذا علم الحدّ ولكن احتملت سرايتها إلى النفس كما هو محلّ البحث.—)
[1]. المائدة: ۴۵.
[2]. البقرة: ۱۹۴.
(—
إذا قطع عدّة من أعضائه خطأ، كما إذا قلع عينيه، ويداً واحدة على وجه تزيد دية المجموع على دية النفس، فهل يجوز أخذ دية الجميع وإن تجاوزت دية النفس، أو يقتصر على دية النفس حتّى يتضح الحال، فإن اندملت أخذ الباقي [من الجاني] وإلّا فإن سرت إلى النفس فيكون له ما أخذ لدخول الطرف في النفس؟ وجهان:
الأوّل: قال في «المسالك»:[1] أشهرهما عدم الجواز، بل يقتصر على دية واحدة لا غير، إذ لم يعلم بقاء استحقاق الباقي لاحتمال السراية، ودية الطرف تدخل في دية النفس، اتّفاقاً، فلا يتسلّط على مال الجاني بمجرّد الظن.
وهو خيرة الشيخ في «المبسوط» حيث ذكر كلا الوجهين، وقال: وقال قوم: له أن يأخذ دية الأطراف ولو بلغت ديات …
ثم قال: وقال بعضهم: له أن يستوفي دية النفس ولا يزيد عليها، وإن كانت الجنايات أوجبت ديات كثيرة، وهو الّذي يقتضيه مذهبنا.[2]
وقد نسبه المحقّق في «الشرائع» إلى ال «قيل»، قال: وقيل: يقتصر على دية النفس حتّى يندمل، ثم يستوفّى الباقي[3]، وهو مشعر بضعفه عنده.
الوجه الثاني: جواز أخذ ديتها ولو كانت أضعاف دية النفس[4].—)
[1]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۷۴.
[2]. المبسوط: ۷/ ۸۱- ۸۲.
[3]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۵.
[4]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۵.
(— وهو خيرة المصنّف، عملًا بالاستحقاق الحالي وأصالة عدم طروء المسقط.
والعجب أنّ صاحب «المسالك» قد نسب القول الأوّل إلى المحقّق مع أنّه قد اختار القول الثاني، كما عرفت.[1]
وهناك قول ثالث وهو عدم المطالبة بشيء أصلًا لعدم الاستقرار إلّابعد الاندمال، والظاهر أنّ هذا القول لغير أصحابنا، ولكنّ الأحوط هو القول الأوّل أي الاقتصار بما هو المتيقّن. وإن كان الأقوى هو القول الثاني. لأصالة عدم طروء المسقط.
[1]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۷۴.
المسألة ۱۱. إذا أُريد الاقتصاص حُلقَ الشعرُ عن المحل إن كان يمنع عن سهولة الاستيفاء أو الاستيفاء بحدّه، وربط الجاني على خشبة أو نحوها بحيث لا يتمكّن من الاضطراب، ثم يقاس بخيط ونحوه ويعلّم طرفاه في محل الاقتصاص، ثم يشق من إحدى العلامتين إلى الأُخرى، ولو كان جرح الجاني ذا عرض يقاس العرض أيضاً، وإذا شقّ على الجاني الاستيفاء دفعة يجوز الاستيفاء بدفعات، وهل يجوز ذلك حتّى مع عدم رضا المجنيّ عليه؟ فيه تأمّل.^
^
ذكر المصنّف في هذه المسألة أُموراً ثلاثة:
۱. إذا أُريد الاقتصاص حُلق الشعرُ من المحلّ إن كان يمنع من سهولة الاستيفاء أو الاستيفاء بحدّه، وذلك لأنّ التعذيب الزائد ممنوع شرعاً، وإبقاء الشعر على المحلّ موجب له.
۲. لأجل تشخيص مقدار الجراحة يربط الجاني على خشبة أو غيرها بحيث لا يضطرب حالة الاستيفاء، ثم يقاس بخيط وشبهه ويعلّم طرفاه في موضع الاقتصاص من الجاني، ثم يشق من إحدى العلامتين إلى الأُخرى.
وعبارة المصنّف هي ذاتها عبارة صاحب الشرائع ولكنّ المحقّق اقتصر على تعيين طول الجراحة، وكان عليه تحديد العرض، ولذلك أضاف المصنّف إليه قوله: ولو كان جرح الجاني ذا عرض يقاس العرض أيضاً.—)
(— هذا كلّه في الشجّة، وأمّا في غيرها فيلاحظ العمق، وبما أنّ سياق كلامهما في الشجّة فلم يذكرا العمق. وقد مرّ الكلام في اعتبار العمق فيه فلاحظ.
ثم إنّ تعيين الحدود على النحو المذكور شيء جميل بالنسبة إلى العصور السابقة، وأمّا اليوم فيمكن الوصول إلى مقدار الجرح عرضاً وطولًا وعمقاً عن طريق الأجهزة الحديثة.
۳. إذا شقّ على الجاني الاستيفاء دفعة يجوز الاستيفاء بدفعات بشرط رضا المجنيّ عليه؛ ولأنّ ذلك يورث التأخير في القصاص ولا يجوز تأخير الحدّ المطالَب فلا يجوز بلا رضاه، وكون القصاص دفعة شاقاً على الجاني لا يسوّغ التأخير.
المسألة ۱۲. لو اضطرب الجاني فزاد المقتصّ في جرحه لذلك، فلا شيء عليه؛ ولو زاد بلا اضطراب أو بلا استناد إلى ذلك، فإن كان عن عمد يقتصّ منه، وإلّا فعليه الدية أو الأرش. ولو ادّعى الجاني العمد وأنكره المباشر فالقول قوله، ولو ادّعى المباشر الخطأ وأنكر الجاني قالوا:
القول قول المباشر، وفيه تأمّل.^
^
في المسألة فرعان:
۱. إذا زاد المقتصّ في جرحه فلا يخلو من صورتين:
الأُولى: أن تكون الزيادة مستندة لاضطراب الجاني، ومن المعلوم أنّه لا شيء على المقتصّ، لاستنادها إلى إضطراب الجاني.
الثانية: أن تكون الزيادة مستندة إلى المقتصّ فهو بين عمد فيقتصّ منه، وخطأ فيطالب بالدية أو الأرش.
۲. لو اختلف الجاني والمباشر فقد ذكر المصنّف له صورتين:
الأُولى: أن يدّعي الجاني العمد وينكره المباشر، فقال: القول قول المباشر.
ووجهه: هو أنّ الجاني يدّعي شيئاً بعنوان الزيادة العمدية على المباشر وهو ينكره، فالقول قوله بيمينه.
الثانية: لو ادّعى المباشر الخطأ وأنكر الجاني، فالمشهور أنّ هذه—)
(— الصورة كالصورة السابقة حيث يقدّم قول المباشر، ولكن المصنّف تأمّل فيها.
أمّا وجه قول المشهور فهو انطباق ما هو الملاك في تشخيص المدّعي عن المنكر على الجاني والمباشر، حيث إنّ الميزان هو أنّ المدّعي هو من لو تَرك لتُرِك، وهو في المقام كذلك؛ لأنّ الجاني لو انصرف عن دعواه، لترك الأمر حيث إنّ المباشر يعترف بالخطأ، وبالتالي بالدية أو الأرش.
وأمّا وجه تأمّل المصنّف فهو أنّ المباشر يدّعي الزيادة عن خطأ، والجاني ينكره ولكن لا يدّعي شيئاً.
يلاحظ عليه: أنّ المباشر وإن كان يدّعي الزيادة عن خطأ، والجاني ينكره ولا يدّعي في الظاهر شيئاً ولكن الميزان في تمييز المدّعي عن المنكر، هو نتيجة الدعوى، فإن الجاني وإن كان يرد ادّعاء المباشر- أعني: الزيادة الخطأية- ولكنّه لغاية إثبات الزيادة العمدية، وإلّا فلو لم يكن لتلك الغاية لم يكن هناك أي دعوى، وعلى ذلك فالميزان هو ما قلنا من أنّ المدّعي عبارة عمّن لو تُرك لتَرك، فالجاني لو ترك لترك النزاع.
وقد مرّ الكلام في نظير المقام سابقاً، فلاحظ.
المسألة ۱۳. يؤخّر القصاص في الطرف عن شدّة الحر والبرد وجوباً إذا خيف من السراية، وإرفاقاً بالجاني في غير ذلك؛ ولو لم يرض في هذا الفرض المجنيُّ عليه، ففي جواز التأخير نظر.^
^
يؤخّر استيفاء القصاص في الأطراف من شدّة الحر والبرد إلى اعتدال النهار وجوباً، خوفاً من السراية إلى النفس، واستحباباً إرفاقاً بالجاني.
إنّما الكلام فيما لو لم يرض المجنيّ عليه بالتأخير، فهل يجوز التأخير أو لا؟
وقد تنظّر فيه المصنّف، وجهه: ما دلّ على عدم جواز تأخير الحدّ المطالَب. والظاهر جوازه؛ لأنّ المتبادر من التأخير هو التسامح والمماطلة، لا تأخيره بضع ساعات لصالح الجاني.
هذا كلّه في اقتصاص الطرف، وأمّا في إزهاق النفس فالظاهر عدم الفرق بين الحرّ والبرد وحالة الاعتدال.
المسألة ۱۴. لا يقتصّ إلّابحديدة حادّة غير مسمومة ولا كالّة، مناسبة لاقتصاص مثله، ولا يجوز تعذيبه أكثر ممّا عذبه، فلو قلع عينه بآلة كانت سهلة في القلع لا يجوز قلعها بآلة كانت أكثر تعذيباً، وجاز القلع باليد إذا قلع الجاني بيده أو كان القلع بها أسهل، والأولى للمجنيّ عليه مراعاة السهولة، وجاز له المماثلة، ولو تجاوز واقتصّ بما هو موجب للتعذيب وكان أصعب ممّا فعل به فللوالي تعزيره، ولا شيء عليه، ولو جاوز بما يوجب القصاص اقتصّ منه، أو بما يوجب الأرش أو الدية أُخذ منه.^
^
الأساس في هذه المسألة هو حرمة التعذيب الزائد، فقوله سبحانه: «الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ» إلى آخر الآية[1] وإن كان مطلقاً لكنّه من المعلوم أنّ التعذيب الزائد يخالف الاعتداء بالمثل، فيجب أن يكون الاستيفاء في الطرف مثل الاستيفاء بالنفس.
وعلى هذا فلا يجوز تعذيبه أكثر ممّا عذبه، وتترتّب عليه الفروع التالية:
۱. لو قلع عينه بآلة كانت سهلة في القلع لا يجوز قلعها بآلة كانت أكثر تعذيباً.
۲. لو قلع الجاني عينه بيده، يجوز للمجنيّ عليه قلعها باليد.
۳. لو كان القلع بآلة أسهل، يجب على المجنيّ عليه مثله.—)
[1]. المائدة: ۴۵.
(— هذا كلّه حسب القواعد، لكن مراعاة الإرفاق والسهولة أفضل من المماثلة في التعذيب وأقرب إلى روح التسامح في الإسلام، إذ في العفو لذة غير موجودة في القصاص.
۴. لو تجاوز واقتصّ بما يوجب التعذيب فهنا وجوه، فإن كان أصعب ممّا فعل به، فللوالي تعزيره، بشرط أن لا يوجب القصاص، وإلّا اقتصّ منه إذا كان قابلًا للقصاص، أو ينتقل إلى الأرش والدية إذا لم يكن كذلك.
ثمّ إنّ الأولى للمصنّف أن يبتدئ المسألة بقوله: «لا يجوز تعذيب المجنيّ عليه أكثر ممّا عذّبه»، وأمّا ما تقدّمه فليس أمراً لازم الذكر في المقام، وقد مرّ التنويه عليه في مبحث القول في كيفية الاستيفاء عند قصاص النفس (المسألتين: ۱۰ و ۱۱) فلاحظ. وكون المورد في السابق، قصاص النفس وفي المقام قصاص الطرف، لا يبرّر التكرار.
المسألة ۱۵. لوكان الجرح يستوعب عضو الجاني مع كونه أقل في المجنيّ عليه لكبر رأسه مثلًا كأن يكون رأس الجاني شبراً ورأس المجنيّ عليه شبرين وجنى عليه بشبر يقتصّ الشبر، وإن استوعبه.
وإن زاد [الجرح] على العضو كأن جنى عليه في الفرض بشبرين لا يتجاوز عن عضو بعضو آخر، فلا يقتصّ من الرقبة أو الوجه، بل يقتصّ بقدر شبر في الفرض، ويؤخذ للباقي بنسبة المساحة إن كان للعضو مقدّر وإلّا فالحكومة؛ وكذا لا يجوز تتميم الناقص بموضع آخر من [ذلك] العضو، ولو انعكس وكان عضو المجنيّ عليه صغيراً فجنى عليه بمقدار شبر وهو مستوعب لرأسه مثلًا لا يستوعب في القصاص رأس الجاني، بل يقتصّ بمقدار شبر، وإن كان الشبر نصف مساحة رأسه.^
^
أساس هذه المسألة هو أنّ موضوع القصاص تارة يكون هو العضو، كما في قوله: «وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَ الأَنْفَ بِالأَنْفِ وَ الأُذُنَ بِالأُذُنِ وَ السِّنَّ بِالْسِّنِّ»[1]، لا مقدار الجناية، ففي هذا النوع لا يلاحظ كبر العضو وصغره من المجنيّ عليه والجاني، بل يجري القصاص، سواء أكان العضوان متساويين أم مختلفين.
وأُخرى يكون موضوع القصاص مقدار الجراحة من حيث الطول—)
[1]. المائدة: ۴۵.
(— والعرض والعمق، كما في المقام، فإنّ القصاص في الشجّة إنّما هو بهذا الملاك، فتترتّب على ذلك، الفروع التالية:
۱. لو كان رأس المجنيّ عليه شبرين، ورأس الجاني شبراً- مثلًا- وكان طول الجراحة شبراً واحداً، فحينئذٍ يقتصّ بالشبر وان استوعب تمام رأس الجاني.
۲. نفس الفرض السابق ولكن جنى عليه بشبرين فعندئذٍ لا يتجاوز من الرأس إلى الرقبة والوجه، بل يقتصّ بقدر شبر في الفرض ويؤخذ للباقي بنسبة المساحة إن كان للعضو مقدّر، وإلّا فالحكومة.
وجهه: أنّ موضع الجناية هو الرأس فليس للمجنيّ عليه أن يتجاوز من الرأس إلى غيره، كالناصية والأُذن أو الوجه فإنّها ليست من الرأس، غاية الأمر يجمع بين الحقّين وهو أنّه يقتصّ من الرأس بما أمكن وأمّا الزائد فيرجع فيه على الجاني بالدية إن كان فيه دية مقدّرة، وإلّا فالحكومة (الأرش)، وكذلك لا يجوز تتميم الناقص بموضع آخر من ذلك العضو كما إذا كانت الجناية طولياً في عرض قليل تستغرق رأس الجاني ويزيد فلا يجوز تتميم الناقص بموضع آخر من ذلك العضو بإيجاد جرح في جانب آخر من الرأس.[1]
نعم روى الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: سألته عن الموضحة في الرأس كما هي في الوجه؟ فقال: «الموضحة والشجاج في—)
[1]. ثمّ إنّ الأولى في كلام المصنّف حذف قوله:« وكذا» وتقديم قوله:« لا يجوز الخ» على قوله:« ويؤخذ للباقي».
(— الوجه والرأس سواء؛ لأنّ الوجه من الرأس».[1]
ولكن التنزيل لغاية وحدة الحكم لا أنّ الوجه جزء من الرأس تكويناً حتى يتعدّى إليه إذا كان الرأس صغيراً بشهادة أنّ التنزيل جاء لبيان أنّ حكم الموضحة فيهما سواء.
۳. لو كان عضو المجنيّ عليه صغيراً فجنى عليه بمقدار شبر وهو مستوعب لرأسه مثلًا، يقتصّ من الجاني، بمقدار شبر ولا يستوعب في القصاص رأس الجاني، لما عرفت من أنّ الموضوع هو مقدار الجناية، لا العضو بمقدار الرأس حتّى يقال: إنّ الجاني استوعب رأس المجنيّ عليه، فليستوعب رأسه.
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۵ من أبواب ديات الشجاج، الحديث ۱.
المسألة ۱۶. لو أوضح جميع رأسه بأن سلخ الجلد واللحم من جملة الرأس فللمجنيّ عليه ذلك مع مساواة رأسهما في المساحة، وله الخيار في الابتداء بأي جهة؛ وكذا لو كان رأس المجنيّ عليه أصغر، لكن له الغرامة في المقدار الزائد بالتقسيط على مساحة الموضحة، ولو كان أكبر يقتصّ من الجاني بمقدار مساحة جنايته، ولا يسلخ جميع رأسه؛ ولو شجّه فأوضح في بعضها فله دية موضحة، ولو أراد القصاص استوفى في الموضحة والباقي.^
^
الأساس في هذه المسألة هو نفسه ما في سابقتها، وهو أنّ الميزان مقدار الجرح طولًا وعرضاً، لا العضو بما هو هو، وعلى هذا يترتّب عليه الفروع التالية: فتارة تكون المساحة في كلا الرأسين متساويين، و أُخرى يكون رأس المجنيّ عليه أكبر، وثالثة على العكس، وهنا فرع رابع راجع إلى إيضاح البعض يأتي حكمه آخر المسألة، وإليك البيان:
۱. لو أوضح جميع رأسه بأن سلخ الجلد واللحم من جملة الرأس واتّضح بياض العظم، وافترضنا مساواة رأسيهما في المساحة، فللمجنيّ عليه الاقتصاص بلا زيادة ولا نقيصة، وهو مخيّر بالابتداء من أي جهة شاء.
قال العلّامة: فلو أوضح جميع رأسه بأن سلخ الجلد واللحم عن جملة الرأس: فإن تساويا في القدر فُعل به ذلك[1].—)
[1]. قواعد الأحكام: ۳/ ۶۴۳.
(— ۲. لو كان رأس المجنيّ عليه أكبر[1] من رأس الجاني، بأن يكون رأسه- مثلًا- شبرين والجاني شبراً واحداً. فيسلخ جملة رأسه أي بمقدار شبر ويبقى شبرٌ آخر فيؤخذ الغرامة، وإليه يشير المصنّف بقوله: لكن له الغرامة في المقدار الزائد بالتقسيط على مساحة الموضحة.
وهذه الفقرة شاهد على أنّ الصحيح في عبارة المتن كون رأس المجنيّ عليه أكبر لا أصغر كما ورد فيه.
۳. ولو كان رأس المجنيّ عليه أصغر[2] من رأس الجاني، كأن يكون رأسه شبراً ورأس الجاني شبرين، فيقتصّ من الجاني بمقدار جنايته ولا يسلخ جميع رأسه، لما ذكرنا من أنّ الميزان هو مقدار الجناية لا العضو.
۴. ولو شجّه في رأسه مثلًا بضربة واحدة فكان أثرها في بعضها الإيضاح خاصّة والحارصة في البعض الآخر، فإن أراد أخذ الدية فله دية الموضحة فقط، إذ لا تتفاوت ديتها بتفاوت الشجّة طولًا وقصراً.
وإن أراد القصاص استوفى في الموضحة، وفي الباقي مثله[3].
ولا يخفى سقوط «مثله» في عبارة المصنّف، والعبارة الواضحة هي ما ذكره العلّامة في «القواعد»: ولو أراد القصاص استوفى القصاص في الموضحة، والباقي على الوجه الّذي وقعت الجناية عليه.[4]
[1]. و في المتن: أصغر، و هو تصحيف.
[2]. و في المتن: أكبر، و هو تصحيف كذلك.
[3]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۳۶۴.
[4]. لاحظ: قواعد الأحكام: ۳/ ۶۴۴( الهامش).
المسألة ۱۷. في الاقتصاص في الأعضاء غير ما مرّ: كلّ عضو ينقسم إلى يمين وشمال- كالعينين والأُذنين والأُنثيين والمنخرين ونحوها- لا يقتصّ إحداهما بالأُخرى، فلو فقئ عينه اليمنى لا يقتصّ عينه اليسرى، وكذا في غيرهما؛ وكلّ ما يكون فيه الأعلى والأسفل يراعى في القصاص المحل، فلا يقتصّ الأسفل بالأعلى كالجفنين والشفتين.^
^
تنقسم أعضاء الإنسان إلى عضو مفرد وعضو مزدوج، فلو وقعت الجناية على القسم الثاني كالعينين والأُذنين والمنخرين، والشفتين، فهو بين ما يوصف باليمين واليسار، وأُخرى بالأعلى والأسفل، فيقع الكلام في أنّه إذا جنى على اليسار هل له أن يقتصّ من اليمين أو بالعكس، أو جنى على الشفة السفلى فهل له أن يقتص بالعليا أو لا؟ الظاهر لا، فاليمين باليمين واليسار باليسار، والعليا بالعليا والسفلى بالسفلى.
وذلك لأنّ الأعضاء تختلف قوّة وضعفاً، ولها أدواراً متفاوتة في الحياة، فلا يجوز للمجنيّ عليه أن يقتصّ من الجاني بغير جناية.
وأمّا التمسّك بإطلاق قوله سبحانه: «الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ …» لإثبات التخيير، فليس بتامّ، إذ ليست الآية في مقام البيان من هذه الجهة، مضافاً إلى أنّ التجاوز عن المماثلة يعدّ اعتداءً.
وقد مرّ في المسألة السادسة عند بيان شروط الاقتصاص ما يفيدك في المقام، حيث مرّ أنّ منها التساوي في المحلّ مع وجوده فيقطع اليمين باليمين
إلخ، فلاحظ.
المسألة ۱۸. في الأُذن قصاص تقتصّ اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى، وتستوي أُذن [الإنسان] الصغير والكبير، والمثقوبة والصحيحة إذا كان الثقب على المتعارف، والصغيرة والكبيرة، والصمّاء والسامعة، والسمينة والهزيلة. وهل تؤخذ الصحيحة بالمخرومة، وكذا الصحيحة بالمثقوبة على غير المتعارف بحيث تعدّ عيباً أو يقتصّ إلى حد الخرم والثقب والحكومة فيما بقي، أو يقتصّ مع رد دية الخرم؟ وجوه لا يبعد الأخير، ولو قطع بعضها جاز القصاص.^
^
مرّ الايعاز إلى ثبوت القصاص في الأُذن مع التساوي في المحلّ بما أنّه من الأعضاء المزدوجة، ويدلّ عليه قوله سبحانه: «وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ»[1]، والغرض الأصيل في المسألة بيان تعلّق القصاص بالعضو بلافرق بين أُذن، وأُذن، فتستوي أُذن الصغير والكبير والصحيحة والمثقوبة- على نحو لا يعدّ عيباً- والصمّاء والسامعة، إنّما الكلام في أنّه هل يقتصّ من الصحيحة بالمخرومة؟ فيه احتمالات:
۱. تؤخذ الصحيحة بالمخرومة بلا ردّ شيء.
۲. لا تقتصّ الصحيحة بالمخرومة، بل يقتص إلى حدّ الخرم والحكومة فيما بقي.[2] ذكره وجهاً في الشرائع.[3]—)
[1]. المائدة: ۴۵.
[2]. قواعد الأحكام: ۳/ ۶۳۹.
[3]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۷.
(— ۳. يقتصّ من الجميع بشرط ردّ دية الخرم متمسكاً بعموم: «الأُذُنَ بِالأُذُنِ». وهو خيرة المحقّق، ولم يستبعده الماتن. ويؤيّده ما روي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام في مَن قطع أصابع رجل بالسيف حتّى سقطت وأتى آخر فأطار كف يده، فقال أبو جعفر عليه السلام: «اقطع يد قاطع الكف أصلًا ثم اعطه دية الأصابع».[1]
وهنا وجه آخر وهو:
۴. الانتقال إلى الدية. ونسبه في الجواهر إلى غيرنا.[2]
والظاهر هو الوجه الثالث لما عرفت من العموم، غاية الأمر يرد دية الخرم الموجود في المجنيّ عليه دون الجاني. وإذا قلنا به في المقام فالنتيجة جريانه في أمثال ذلك في غير الأُذن أيضاً.
نعم لو قطع بعض الأُذن جاز الاقتصاص بمثله كما أشار إليه في آخر المسألة.
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۰ من أبواب قصاص الطرف، الحديث ۱.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۲۸۵.
المسألة ۱۹. لو قطع أُذنه فألصقها المجنيّ عليه والتصقت فالظاهر عدم سقوط القصاص، ولو اقتصّ من الجاني فألصق الجاني أُذنه والتصقت ففي رواية قطعت ثانية لبقاء الشين، وقيل يأمر الحاكم بالإبانة لحمله الميّتة والنجس، وفي الرواية ضعف، ولو صارت بالإلصاق حيّة كسائر الأعضاء لم تكن ميّتة، وتصح الصلاة معها، وليس للحاكم ولا لغيره إبانتها، بل لو أبانه شخص فعليه القصاص لو كان عن عمد وعلم، وإلّا فالدية، ولو قطع بعض الأذن ولم يبنها فإن أمكنت المماثلة في القصاص ثبت وإلّا فلا، وله القصاص ولو مع إلصاقها [أي مع إلصاق المجنيّ عليه].^
^ في المسألة فروع ثلاثة:
۱. لو قطع أُذن شخص فألصقها المجنيّ عليه والتصقت، هل يسقط القصاص من الجاني أو لا؟
۲. لو اقتصّ من الجاني فألصق الجاني أُذنه والتصقت، هل يؤمر بالإبانة أو لا؟
۳. لو قطع بعض الأُذن ولم يبنها.
وقبل دراسة الفروع نشير إلى أمر، وهو أنّه نقل عن الشافعي أنّه يجب على الحاكم في الصورتين الأُوليين أن يجبره على قطعها؛ لأنّه حامل نجاسة، لأنّها بالبينونة صارت ميّتة فلا تصحّ صلاته ما دامت هي معه.[1]—)
[1]. الخلاف: ۵/ ۲۰۱، المسألة ۷۲.
(— والظاهر أنّه خلاف الفرض؛ لأنّ المفروض هو التحام المقطوع بالأصل لأجل السرعة في الالتصاق بحيث يجري الدم فيه فيعدّ جزءاً للحيّ، فلا يجوز لأحد إبانتها لأنّها صارت جزءاً له، ولو فرض أنّ أحداً قطع جزء من أمعائه ولكن أُلصقت بأمعائه إمعاء حيوان نجس العين فالتحمت فلا يحكم عليها بالميّتة، ولا أنّها جزء حيوان نجس العين؛ لأنّها بعد الالتحام تصير جزءاً من بدن الإنسان، فيحكم عليها بالطهارة، ونظيره عملية تبديل القلب المريض بقلب إنسان قد مات، وهو أمر شائع هذه الأيام.
ولذلك يقول المصنّف في المتن: ولو صارت بالإلصاق حيّة كسائر الأعضاء لم تكن ميّتة وتصحّ الصلاة معها، وليس للحاكم ولا لغيره إبانتها، بل لو أبانه شخص فعليه القصاص لو كان عن عمد وعلم، وإلّا فالدية.
إذا علمت هذا فلنرجع إلى دراسة الفروع:
فيقع الكلام في سقوط القصاص وعدمه، والظاهر عدم سقوطه؛ لأنّه جنى جناية وقطع أُذنه، فعليه أن يُعتدى عليه بالمثل. وأنّ إلصاق المجنيّ عليه وإن رفع الشين وصار مع الجاني متماثلين لكنّه لا يوجب سقوط القصاص لأجل جناية جَني عليه وقُطِع أُذنه، سواء بقي المجنيّ عليه على شينه أم لا.
وفي «الجواهر» لم ينقل الخلاف إلّامن الإسكافي لوجود المقتضي الّذي لا دليل على عدم اقتضائه بالإلصاق الطارئ.[1]—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۳۶۵.
(—
ففي رواية قطعت ثانية لبقاء الشين، وهي رواية إسحاق بن عمّار.
روى الشيخ باسناده عن محمد بن الحسن الصفّار، عن الحسن بن موسى الخشّاب، عن غياث بن كلوب، عن إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام: «أنّ رجلًا قطع من بعض أُذن رجل شيئاً، فرفع ذلك إلى عليّ عليه السلام فأقاده، فأخذ الآخر ما قطع من أُذنه فردّه على أذنه بدمه فالتحمت وبرئت، فعاد الآخر إلى عليّ عليه السلام فاستقاده فأمر بها فقطعت ثانية وأمر بها فدفنت، وقال عليه السلام:
إنّما يكون القصاص من أجل الشين»[1].
وقد وصف المصنّف الرواية بالضعف، ولكن لا ضعف فيها، فأمّا الحسن بن موسى الخشّاب فقد قال عنه النجاشي: من وجوه أصحابنا مشهور، كثير العلم والحديث.
ولو كان في الرواية ضعف فإنّما هو من جانب غياث بن كلوب البجلي، قال الطوسي في العدّة: إنّه من العامّة، ولكن عملت الطائفة بأخباره إذا لم يكن لها معارض من طريق الحق، وقال المجلسي في الوجيزة: ضعيف، وقيل: ثقة غير إمامي، له ۶۴ رواية عن إسحاق بن عمّار، فالضعف في السند غير ظاهر ولعلّه لأجل إسحاق بن عمّار حيث إنّ سيدنا كان يقول في وصفه: في النفس منه شيء، إنّما الكلام في العمل بالرواية، فلو عمل بالرواية فهو، وإلّا فلا—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۳ من أبواب قصاص الطرف، الحديث ۱.
(— وجه لإبانة ما أُلصق بعد تحقّق القصاص، خصوصاً إذا قام المجنيّ عليه بمثل ما قام به الجاني، إذ عندئذٍ يكونان متماثلين بعد تحقّق القصاص.
ولكن الظاهر من الرياض أنّ ضعف الخبر- على فرض وجوده- منجبر بعمل الأصحاب فترك الرواية أمر مشكل. اللّهمّ إلّاأن يفرّق بين حقوق الناس وحقوق اللَّه، بأنّ إجراء القصاص في الأوّل لأجل الانتقام، وقد حصل بالقطع وحصل الإيذاء، بخلاف الثاني فإنّ الغاية من قطع يد السارق إيجاد الشين لغاية عبرة الآخرين فلا يجوز له الإلصاق.
وهنا فرع آخر ذكره المحقّق وهو أنّه لو قطعت أُذن إنسان فاقتصّ من الجاني، ثم ألصقها المجنيّ عليه، كان للجاني إزالتها لتحقّق المماثلة في تشويه الخلقة.[1]
أقول: أوّلًا: الفرض بعيد جداً؛ لأنّ الفاصل الزماني- كما هو المفروض- يمنع عن الالتحام، كما هو المسموع من الأطباء.
وثانياً: إنّ استنباط حكم هذاالفرع من الرواية بعيد؛ لأنّ موردها القصاص من الجاني فيمنع من الإلصاق لحفظ الشين، بخلاف المقام فإنّ الاقتصاص من جانب المجنيّ عليه الذي ظلم، فلا يصح التعدّي من منع الظالم عن الإلصاق، إلى منع المظلوم عنه، فلاحظ.—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۵- ۲۳۶.
(—
فلو أمكنت المماثلة في القصاص ثبت وإلّا فلا، لما مرّ من أنّ موضع القصاص عبارة عمّا إذا تمكّن المقتصّ من الاستيفاء بالمثل، وإلّا لو تعسّر فينتقل إلى الدية أو الحكومة.
ولو افترضنا أنّه قطعها فتعلّقت بجلدة ثم ألصقها المجنيّ عليه، ثبت القصاص؛ لأنّ المماثلة في مقدار القطع ممكنة، فيندرج في جميع ما دلّ عليه، وإلى هذا يشير المصنّف بقوله: وله القصاص ولو مع إلصاقها، أي مع إلصاق المجنيّ عليه، كما مرّ في الفرع الأوّل.
المسألة ۲۰. لو قطع أُذنه فأزال سمعه فهما جنايتان، ولو قطع أُذناً مستحشفة شلّاء ففي القصاص إشكال، بل لا يبعد ثبوت ثلث الدية.^
^ في المسألة فرعان:
۱. إذا قطع أُذنه فأزال سمعه.
۲. لو قطع أُذناً مستحشفة شلّاء. وإليك دراستهما.
فلو قطع أُذنه فأزال سمعه، فقد جنى جنايتين: إحداهما: قطع العضو، والثانية: إذهاب السمع؛ فلو أراد الاقتصاص فيقتصّ بقطع الأُذن أوّلًا وبإذهاب السمع كما يأتي في إذهاب ضوء العين، فلو أراد الدية فيأخذ ديتين.
فلو كانت الأُذن المقطوعة مستحشفة- أي إذا كانت يابسة منقبضة[1]– شلّاء، فهل تقطع بها الصحيحة؟
قال العلّامة: وهل يستوي الصحيح والمستحشف؟ فيه إشكال كالأُذن[2].
والظاهر عدم الاقتصاص، لإلغاء الخصوصية من النصّ الوارد في اليد الشلّاء، فينتقل إلى الدية، وأمّا ما هو مقدار الدية؟ ففي «المبسوط»: عندنا ۲
[1]. راجع كتاب« العين»: ۳/ ۹۶، مادة« حشف».
[2]. قواعد الأحكام: ۳/ ۶۴۰.
المسألة ۲۱. يثبت القصاص في العين، وتقتصّ مع مساواة المحلّ، فلا تقلع اليمنى باليسرى ولا بالعكس، ولو كان الجاني أعور اقتصّ منه وإن عمي، فإنّ الحق أعماه، ولا يرُدّ شيءٌ إليه ولو كانت ديتها دية النفس إذا كان العور خلقة أو بآفة من اللَّه تعالى، ولا فرق بين كونه أعور خلقة أو بجناية أو آفة أو قصاص، ولو قلع أعور العين الصحيحة من أعور يقتصّ منه.^
(— يجب على من قطعها بعد الشلل ثلث الدية لا تمام الدية.[1]
ولعلّ الوجه في ذلك قياسها باليد الشلّاء[2].
^
في المسألة فروع:
الأوّل: جواز الاقتصاص في العين مع المساواة في المحلّ.
الثاني: إذا كان الجاني أعور، فهل يقتصّ من عينه الصحيحة؟
الثالث: إذا كان الجاني والمجنيّ عليه أعورين.
وإليك دراسة الفروع:
الفرع الأوّل: يدلّ على جواز القصاص في العين قوله سبحانه: «وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ» وكذا الروايات الواردة حول الاقتصاص في العين، ولكن يشترط—)
[1]. المبسوط: ۷/ ۱۲۵.
[2]. لاحظ: الوسائل: ۱۹، الباب ۲۸ من أبواب ديات الأعضاء، الحديث ۱.
(— اتّحاد المحلّ، أي اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى لا مع اختلافه، أخذاً بالمماثلة في الاعتداء.
الفرع الثاني: لو كان الجاني أعورَ (وهو الّذي ذهب حسُّ إحدى عينيه)، وكان المجنيّ عليه سالماً، فيقتصّ من عينه الصحيحة، وإن أوجب ذلك عماه، ولا يُعدّ ذلك ظلماً؛ فقد روى محمّد بن قيس، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: أعور فقأ عين صحيح؟ فقال: «تفقأ عينه»، قال: قلت: يبقى أعمى؟ قال: «الحقّ أعماه».
وروى نظيره أيضاً أبان، عن رجل، عن أبي عبداللَّه عليه السلام[1].
ويجوز القصاص حتّى فيما لو كانت ديتها (لو جنى عليها أحد) دية النفس وذلك فيما لو كان العوار خلقة أو بجناية أو آفة سماوية ففيه دية النفس، مع أنّ الدية في إحدى العينين نصف الدية، ولكن لمّا كان العوار أمراً خارجاً عن اختياره وكانت الجناية على العين الصحيحة منه، قد سببت صيرورته أعمى، صارت ديتها دية النفس. وسيأتي الكلام فيه في كتاب الديات.[2] نعم لو كان العوار لأجل القصاص، فدية العين السالمة نصف دية النفس.
الفرع الثالث: لو كان الجاني والمجنيّ عليه كليهما أعور، فقلع أحدهما العين الصحيحة من الثاني، يقتصّ منه، وذلك لأنّه جعل المجنيّ عليه أعمى، فيجازى بمثله من دون ردّ شيء.
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۵ من أبواب قصاص الطرف، الحديث ۱، ولاحظ ذيل الحديث.
[2]. لاحظ: تحرير الوسيلة: ۲/ ۵۱۵: كتاب الديات، القول في الجناية على الأطراف، الثاني: العينان، المسألة ۲ وفيها: في العين الصحيحة من الأعور الدية كاملة إن كان العور خلقة، أو بآفة من اللَّه تعالى. وسندرس المسألة في كتاب الديات بإذن اللَّه.
المسألة ۲۲. لو قلع ذو عينين عين أعور اقتصّ له بعين واحدة، فهل له مع ذلك الردّ بنصف الدية؟ قيل: لا، والأقوى ثبوته، والظاهر تخيير المجنيّ عليه بين أخذ الدية كاملة وبين الاقتصاص وأخذ نصفها، كما أنّ الظاهر أنّ الحكم ثابت فيما تكون لعين الأعور دية كاملة، كما كان خلقة أو بآفة من اللَّه، لا في غيره مثل ما إذا قلع عينه قصاصاً.^
^
في المسألة فروع:
الأوّل: للأعور الاقتصاص من ذي العينين، قال المحقّق: لو قلع ذو العينين العين الصحيحة من أعور، اقتصّ له بعين واحدة إن شاء، وهل له مع ذلك نصف الدية؟ قيل: لا، لقوله تعالى: «وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ»، وقيل: نعم، تمسّكاً بالأحاديث، والأوّل أولى.[1]
لا شكّ أنّ للأعور الاقتصاص من ذي العينين بعين واحدة، لقوله سبحانه: «وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ»، إنّما الكلام في أمر آخر وهو أنّ هذه الجناية سببت عمى الأعور، بخلاف قصاص الأعور من الصحيح- الذي مرّ الكلام فيه في المسألة السابقة- إذ أنّه تبقى له عين صحيحة، فصار ذلك سبباً لبحث أمر آخر وهو الفرع الآتي.
الفرع الثاني: هل يثبت مع القصاص وجوب ردّ نصف الدية إلى الأعور لأجل صيرورته أعمى أو لا؟—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۶.
(— قيل: لا، متمسّكاً بإطلاق الآية- أعني: «وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ»– مطلقاً، سواء كان المجنيّ عليه أعور أو غيره.
يلاحظ عليه: بأنّ الآية في مقام بيان أنّ كلّ عضو في مقابل نفس العضو فالعين في مقابل العين لا الأُذن، وأمّا عدم وجوب شيء آخر فلا تدلّ عليه.
وقيل: نعم يردّ نصف الدية مضافاً إلى القصاص بالعين الواحدة متمسّكاً بالأحاديث.
والأوّل هو خيرة المحقّق، وأمّا الثاني فهو خيرة كثير من الأصحاب، وقد نقله في الجواهر عن: النهاية والمبسوط والوسيلة والجامع والإيضاح وغاية المراد والمختصر وظاهر المقنع والمهذب البارع،[1] استناداً إلى الروايتين التاليتين:
۱. صحيح محمد بن قيس، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: «قضى أمير المؤمنين عليه السلام في رجل أعور أُصيبت عينه الصحيحة ففقئت، أن تفقأ إحدى عيني صاحبه ويعقل له نصف الدية، وإن شاء أخذ دية كاملة ويعفى عن عين صاحبه»[2].
۲. خبر عبد اللَّه بن الحكم عن أبي عبداللَّه عليه السلام، قال: سألته عن رجل صحيح فقأ عين رجل أعور؟ فقال: «عليه الدية كاملة، فإن شاء الّذي فقئت عينه أن يقتصّ من صاحبه ويأخذ منه خمسة آلاف درهم، فعل، لأنّ له الدية كاملة وقد أخذ نصفها بالقصاص»[3].—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۳۶۸.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۷ من أبواب ديات الأعضاء، الحديث ۲.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۷ من أبواب ديات الأعضاء، الحديث ۴.
(— ويؤيّد ذلك صحيح الحلبي عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «في عين الأعور الدية كاملة»[1].
ويؤيّده أيضاً خبر[2] أبي بصير عن أبي عبداللَّه عليه السلام: «في عين الأعور الدية»[3].
ومن المعلوم أنّ الاقتصاص بعين واحدة استيفاء لنصف الدية، ولا يمكن رد النصف الثاني إلّابالاقتصاص من العين الأُخرى وهو اعتداء فينتقل إلى الدية، وبذلك يعلم قوّة ما في المتن حيث قال: والأقوى ثبوته.
الفرع الثالث: لو قلنا بوجوب ردّ نصف الدية فهل يتعيّن الاقتصاص بعين واحدة وردّ نصف الدية، أو يتخيّر المجنيّ عليه بين هذا وأخذ دية كاملة؟
والثاني هو الأقوى لرواية محمد بن قيس الماضية.
الفرع الرابع: ما ذكر من ردّ نصف الدية يختصّ بما إذا كانت العين عوراء خلقة أو ذهبت بآفة من جهة اللَّه، لا فيما إذا قلعت قصاصاً. قال الشيخ: في العين العوراء إذا كانت خلقة أو ذهبت بآفة من جهة اللَّه، الدية كاملة.[4]
وذلك لأنّ منصرف قوله: «في عين الأعور الدية كاملة» هو ما إذا كانت كذلك خلقة أو بآفة سماوية، لا ما إذا أُدب بقلع إحدى عينيه، إذ ليس في قلعها إلّا نصف الدية.
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۷ من أبواب ديات الأعضاء، الحديث ۱.
[2]. لمكان علي بن أبي حمزة في السند.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۷ من أبواب ديات الأعضاء، الحديث ۳.
[4]. الخلاف: ۵/ ۲۳۵- ۲۳۶، المسألة ۲۲.
مسألة ۲۳. لو قلع عيناً عمياء قائمة فلا يقتص منه، وعليه ثلث الدية.^
^
كان الموضوع في السابق في الجناية على العين الصحيحة من الأعور بخلاف المقام فإنّ البحث في الجناية على العين العمياء منه، ثم إنّ العين القائمة كناية عن وجود جهاز في العين، دون نورها، احترازاً عمّا إذا لم يكن فيها جهاز، كما في المكفوفة منها، فتدبّر.
قال صاحب الجواهر: لو قلع عيناً عمياء قائمة، فلا قصاص لها من عين صحيحة، اتّفاقاً، لنقصها.[1]
وجهه ما تقدّم من اشتراط المماثلة بين العضوين، فالعين الباصرة الّتيترى كلّ شيء ليست مماثلة لعين قائمة ولكن لاترى شيئاً، ولأجل ذلك ينتقل إلى الدية.
إنّما الكلام في أنّ ديتها ثلث الدية أو الربع، وهذا ما يبحث عنه في كتاب الديات، وقد أحال إليه أيضاً صاحب الجواهر. واختار المصنّف القول بالثلث، ونحن نحيل القارئ إلى محلّه.
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۳۷۱.
المسالة ۲۴. لو أذهب الضوء دون الحدقة اقتصّ منه بالمماثل بما أمكن إذهاب الضوء مع بقاء الحدقة، فيرجع إلى حذّاق الأطباء ليفعلوا به ما ذكر. وقيل في طريقه: يطرح على أجفانه قطن مبلول ثم تحمى المرآة وتقابل بالشمس ثم يفتح عيناه ويكلّف بالنظر إليها حتّى يذهب النظر وتبقى الحدقة. ولو لم يكن إذهاب الضوء إلّابإيقاع جناية أُخرى كالتسميل ونحوه، سقط القصاص وعليه الدية.^
^
تشتمل المسألة على أمرين:
۱. حكم من جنى جناية صارت نتيجتها ذهاب ضوء العين دون الحدقة، على نحو تكون العين قائمة تفتح وتغلق لكنه لا يرى بها شيئاً.
ومن المعلوم أنّه إذا تمكّن المجنيّ عليه من الاقتصاص بالمثل يتعيّن له ذلك، بشرط أن لا يتجاوز إلى عضو آخر.
۲. ما هي الطريقة المتّبعة لاستيفاء هذا النوع من الاقتصاص دون أن يتجاوز إلى غيره؟
قال المحقّق: يُطرح على الأجفان قطن مبلول، ويقابل بمرآة محماة مواجهة للشمس حتّى تذهب الباصرة، وتبقى الحدقة.[1]
وقد استند في ذلك إلى رواية رفاعة عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «إنَّ—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۶.
(— عثمان أتاه رجل من قيس بمولى له قد لطم عينه فأنزل الماء فيها وهي قائمة ليس يبصر بها شيئاً، فقال له: أعطيك الدية، فأبى، قال: فأرسل بهما إلى عليّ عليه السلام وقال: احكم بين هذين، فأعطاه الدية فأبى، قال: فلم يزالوا يعطونه حتّى أعطوه ديتين، قال: فقال: ليس أُريد إلّاالقصاص، قال: فدعا علي عليه السلام بمرآة فحماها، ثمّ دعا بكرسف فبله، ثم جعله على أشفار عينيه وعلى حواليها، ثم استقبل بعينه عين الشمس، قال: وجاء بالمرآة، فقال: انظر، فنظر فذاب الشحم وبقيت عينه قائمة وذهب البصر».[1]
وفي السند سليمان بن الدهان له رواية واحدة في «الكافي» عن ابن فضّال (الحسن بن علي بن فضال) الذي هو من أصحاب الإجماع وهي هذه الرواية. ويظهر من «الخلاف» العمل بها لكن بشكل آخر قال: فإنّه يبل قطن ويترك على الأشفار ويقرب مرآة محماة بالنار إلى عينه فإنّ الناظر يذوب وتبقى العين صحيحة[2]، والظاهر من عبارته أنّ النظر إلى المرآة المحماة يكفي في إذهاب النور، من دون حاجة إلى الشمس.
وأمّا المتن فالإذهاب رهن أُمور:
۱. إحماء المرآة.
۲. جعلها في مقابل الشمس ليعكس عليها ضوؤها وحرارتها.
۳. تكليف الجاني بالنظر إلى المرآة. أي في المرآة التي تقابل—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۱ من أبواب قصاص الطرف، الحديث ۱.
[2]. الخلاف: ۵/ ۱۷۵، المسألة ۳۸.
(— الشمس، حتى تكون حرارة المرآة من جانب، وحرارة الشمس المنعكسة منها من جانب آخر، سببين لإذهاب النور.
ولو لم يكن إذهاب الضوء إلّابقلع العين ونحوه سقط القصاص وعليه الدية؛ لأنّه يستلزم الاعتداء على الجاني، والتسميل عبارة عن قلعها بالشوك أو بآلة حديدية.
نعم هذه الطريقة هي الوسيلة المتبعة (والممكنة) في عصر الإمام عليه السلام ولا أظن تعيّنها، فإذا أمكن إذهاب الضوء بالطرق الحديثة، فلا مانع من الاستيفاء بها.
المسألة ۲۵. تقتصّ العين الصحيحة بالعمشاء، والحولاء، والخفشاء، والجهراء، والعشياء.^
^
قد مرّ أنّه لا يجوز الاقتصاص من الصحيحة بالعمياء؛ لأنّ الاختلاف بينهما جوهري، فالأُولى تبصر بخلاف الثانية، وأمّا الاختلاف بين الصحيحة والخمسة التالية: الحولاء، والعمشاء، والخفشاء، والجهراء والعشياء، بالكمال والنقص فتقلع كلّ منهما بالأُخرى، لكون التفاوت في مقدار الانتفاع، ويمكن أن لا يكون بينهما اختلاف في الانتفاع وإنّما التفاوت في المظهر الخارجي للعين.
أمّا الحول فهو اعوجاج في العين.
والعمش خلل في الأجفان يقتضي سيلان الدمع غالباً.
والخفش عدم حدّة في البصر بحيث لا يرى من بُعد أو في الليل.
والجهر عدم البصر نهاراً ضد العشو الّذي هو ضد البصر ليلًا، فيندرج الجميع تحت قوله تعالى: «وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ».[1] إلّاأن يقال بعدم كون الآية في مقام البيان كما مرّ سابقاً.
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۳۷۱؛ ولاحظ: قواعد الأحكام: ۳/ ۶۳۹.
المسألة ۲۶. في ثبوت القصاص لشعر الحاجب والرأس واللحية والأهداب ونحوها تأمّل، وإن لا يخلو من وجه، نعم لو جنى على المحلّ بجرح ونحوه يقتصّ منه مع الإمكان.^
^
إذا جنى على شعر الحاجب والرأس واللحية والأهداب ففي المسألة قولان:
۱. القصاص إذا لم ينبت والدية إذا نبت.
۲. القصاص مطلقاً وهو الظاهر من المتن.
أمّا القول الأوّل: فقد اختاره المحقّق والعلّامة في كتابيه.
قال المحقّق: ويثبت (القصاص) في الحاجبين وشعر الرأس واللحية، فإن نبت فلا قصاص.[1]
ومراد المحقّق من الحاجبين الشعر النابت على العظم، ولذلك لم يقل:
وشعر الحاجبين، بخلاف المتن فإنّه استعمل الحاجب في العظم وأضاف لفظ الشعر إليه وقال: شعر الحاجب، والنتيجة واحدة، فإنّ المراد إذهاب الشعر لا الجناية في العظم، وعلى هذا فقد فصّل المحقّق بين الإنبات وعدمه فلا قصاص في الأوّل بخلاف الثاني، فإنّه يكشف عن الجناية في المنبت فصارت سبباً لعدم الإنبات.—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۶.
(— وقال العلّامة في «التحرير»: يثبت القصاص في الحاجبين وشعر الرأس واللحية، فإن نبت فلا قصاص، وليثبت فيه الأرش، وكذا في باقي الشعر يثبت فيه الأرش دون القصاص.[1]
وقال في «القواعد»: ويثبت القصاص في الأهداب، والأجفان، وشعر الرأس واللحية على إشكال ينشأ من أنّه لم يفسد المنبت، فالشعر يعود وإن أفسده، فالجناية على البشرة، والشعر تابع فإن نبت فلا قصاص.[2]
وهذه الكلمات ترمي إلى أمر واحد وهو عدم القصاص إن نبت (والأرش فقط)، والقصاص فيما إذا لم ينبت.
وأمّا القول الثاني: فالظاهر من المتن أنّه لا يخلو عن وجاهة فرجح ثبوت القصاص مطلقاً نبت أم لم ينبت حيث قال: وإن كان لا يخلو من وجه. وجهه: أنّ حلق الشعر مطلقاً جناية على الفرد فيقتصّ منه سواء نبت أم لم ينبت، فإنّ حلق الشعر أو قطعه يورث التشوّه في الوجه، فإنّ إنباته بعد شهور لا يوجب عدم ثبوت القصاص.
والقول الثاني لا يخلو عن قوة، لأنّ كلّ تجاوز على الإنسان في الخلقة ففيه القصاص إلّاما أخرجه الدليل، كما سبق.
إلى هنا تبيّن أنّ في المسألة قولين:
۱. القصاص إذا لم ينبت والدية إذا نبت.—)
[1]. تحرير الأحكام: ۵/ ۵۱۲، المسألة ۷۱۵۲.
[2]. قواعد الأحكام: ۳/ ۶۳۹.
(— ۲. القصاص مطلقاً نبت أو لا.
هذا كلّه مع قطع النظر عن الروايات والظاهر ممّا ورد انتفاء القصاص مطلقاً وثبوت الدية إذا لم ينبت، وإليك ما ورد:
۱. ما رواه مسمع عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: «قضى أمير المؤمنين عليه السلام في اللحية إذا حلقت فلم تنبت، الدية كاملة، فإذ نبتت فثلث الدية»[1].
والرواية ظاهرة في عدم القصاص، وقد فرّقت بين نبات اللحية وعدم نباتها، غير أنّ الرواية ضعيفة ففي السند محمد بن الحسن بن شمّون، قال عنه النجاشي: أبو جعفر، بغدادي، واقف ثم غلا، وكان ضعيفاً جدّاً فاسد المذهب، وأُضيفت إليه أحاديث في الوقف، عاش مائة وأربع عشرة سنة.
وفيه- أيضاً- عبداللَّه بن عبدالرحمن الأصمّ، قال عنه النجاشي:
المسمعي، بصريٌّ، ضعيف، غال، ليس بشيء.
قال العلّامة: له كتاب في الزيارات يدلّ على خبث عظيم ومذهب متهافت، وكان من كذّابة أهل البصرة.
وعلى هذا فلا يحتجّ بمثل هذه الرواية.
فإن قلت: قد رواها الصدوق بسنده عن السكوني.
قلت: في طريق الفقيه والفهرست إليه الحسين بن يزيد النوفلي، وقد حكم في جامع الرواة بضعف الطريق.—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۷ من أبواب ديات الأعضاء، الحديث ۱.
(— نعم صحّحه السيد الخوئي في معجم الرجال على طريقته حيث إنّ الحسين بن يزيد النوفلي من رجال «كامل الزيارات».
وبما أنّ الضابطة الّتي اعتمد عليها السيد الخوئي غير ثابتة عندنا كما أوضحنا حالها في كتابنا «كلّيات في علم الرجال»، فالرواية ضعيفة.
۲. ما رواه سلمة بن تمّام، قال: أهرق رجل قدراً فيها مرق على رأس رجل فذهب شعره، فاختصموا في ذلك إلى علي عليه السلام فأجّله سنة فجاء فلم ينبت شعره، فقضى عليه بالدية[1]. وهذه الرواية كالرواية المتقدّمة تدل على التفصيل بين الإنبات وعدمه، فالدية في الثاني.
والسند لا يخلو من ضعف، ففيه منهال بن خليل وهو لم يوثّق وإن ورد في أسانيد كامل الزيارات. كما أنّ فيه سلمة بن تمّام، وهو لم يوثّق.
۳. مرسلة علي بن خالد، عن بعض رجاله، عن أبي عبداللَّه عليه السلام قال: قلت:
الرجل يدخل الحمّام فيصبّ عليه صاحب الحمام ماءً حاراً فيمتعط شعر رأسه فلا ينبت؟ فقال: «عليه الدية كاملة»[2].
والظاهر أنّ الحكم بالدية لعدم كون الجناية عن عمد، بل عن خطأ حيث إنّ صاحب الحمّام تصوّر أنّ الماء ليس بالحدّ الّذي يمتعط الشعر به، وأراد بصبّ الماء عليه تكريمه، وكان التكريم بهذا النحو أمراً رائجاً في العصور السابقة، أو أراد غسله بالصابون وغيره، فلا منافاة بين كونه صاحب—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۷ من أبواب ديات الأعضاء، الحديث ۳.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۷ من أبواب ديات الأعضاء، الحديث ۲. يقال: معط الشعر: سقط.
(— الحمام وعاملًا في داخله، فتخرج الرواية عن صلاحية الاستدلال على المقام، وعلى فرض كون مورده العمد يقيّد بما تقدّم من الروايتين، من التفصيل بين الإنبات وعدمه.
وبما أنّ الروايات غير صالحة للاحتجاج فالمرجع هو القواعد- أعني:
القصاص- فيكون القول بالقصاص وجيه جدّاً، ولعلّ وجه التأمّل في المتن لأجل هذه الروايات.
ثم إنّ المصنّف أشار في آخر المسألة بأنّه لو جنى على المحلّ بجرح ومثله يقتصّ منه مع الإمكان، وما ذكره مطابق للقاعدة، وأمّا الإمكان وعدمه فيرجع فيه إلى أصحاب الاختصاص في الموضوع، وإلّا فينتقل إلى الدية أو الأرش.
المسألة ۲۷. يثبت القصاص في الأجفان مع التساوي في المحلّ، ولو خلت أجفان المجنيّ عليه عن الأهداب ففي القصاص وجهان، لا يبعد عدم ثبوته، فعليه الدية.^
^
الأجفان، جمع «جَفْن»، وهو غطاء العين من أعلى إلى أسفل.
الأهداب: جمع «هدب» وهو شعر أشفار العينين.
إذا علمت ذلك يقع الكلام في موردين:
۱. الاقتصاص في الأجفان مع التساوي في المحلّ، يميناً ويساراً، لأنّها عضو كسائر الأعضاء، فيشمله العموم.
۲. إذا خلت أجفان المجنيّ عليه عن الأهداب، فهل يقتصّ أو لا؟ وجهان مبنيان على تبعية الأهداب للأجفان كالشعر النابت على الأيدي وإن كانت أيدي المجنيّ عليه ملساء، ومن وضوح الفرق بين الأهداب والشعر النابت على الأيدي، فإنّ للأهداب وحدها دية، فهي كعضو برأسه، فالأولى في هذه الصورة الانتقال إلى الدية، إذ لا يمكن الاقتصاص مثلًا بمثل.
المسألة ۲۸. في الأنف قصاص، ويقتصّ الأنف الشامّ بعادمه، والصحيح بالمجذوم ما لم يتناثر منه شيء، وإلّا فيقتصّ بمقدار غير المتناثر، والصغير والكبير والأفطس والأشمّ والأقنى سواء، والظاهر عدم اقتصاص الصحيح بالمستحشف الّذي هو كالشلل. ويقتصّ بقطع المارن وبقطع بعضه. والمارن هو ما لان من الأنف، ولو قطع المارن مع بعض القصبة فهل يقتصّ المجموع أو يقتصّ المارن وفي القصبة حكومة؟
وجهان. وهنا وجه آخر، وهو القصاص ما لم تصل القصبة إلى العظم، فيقتصّ الغضروف مع المارن، ولا يقتصّ العظم.^
^
المارن– كما في المتن- مالان من الأنف، فالأنف مركّب من عظم ومن غضروف ليّن وهو المارن.
والأفطس: من تطامنت قصبةُ أنفه فهو أفطس، وأنفه كذلك أفطس، والمرأة فطساء، وجمعه فطس، والفطسة تطامن قبة الأنف والخفض.
الأشمّ: الأنف إذا ارتفع أعلاه.
الأقنى: ما ارتفع وسط قصبته وضاق منخره.
يقع الكلام في قصاص الأنف في موارد ستة، والموضوع في الفروع الخمسة هو قطع المارن، أعني: ما لان من الأنف.
۱. قصاص الأنف الشامّ بعادم الشم.—)
(— وجهه: إطلاق قوله سبحانه: «الأَنْفَ بِالأَنْفِ» فإنّ موضع القصاص هو العضو لا الحس، فسواء أكان شامّاً أم غير شامٍّ فيقتصّ. وعلى ذلك فحكم الأنف العادم للشم حكم الأُذن الفاقدة للسمع فيقتصّ بهما من الصحيح.
وقد مرّ في كلام المصنّف أنّه تقطع السامعة بالصمّاء كما في المسألة رقم ۱۸.
ولكن يبقى الكلام في الفرق بين الأنف والأُذن من جانب وبين العين من جانب آخر، فقد أفتى المصنّف في العين بعدم القصاص وقال: لو قلع عيناً عمياء قائمة فلا يقتصّ منه، وعليه ثلث الدية. ويمكن أن يقال: إنّ دور العين في الحياة الإنسانية أقوى من دور الأُذن والأنف ولذلك لا يقتصّ بالعمياء من الصحيحة بخلافهما. وهنا وجه آخر أفاده بعض حضّار بحثنا وهو أنّ قصاص الأنف الصحيح أو الأُذن الصحيحة، يلازم ذهاب العضو مع بقاء الشمِّ والسماع، بخلاف قصاص العين الصحيحة بالقلع فانّه يلازم ذهاب العضو والرؤية فلا يكون الاعتداء مثلًا بمثل، فلاحظ.
۲. قصاص الصحيح بالمجذوم ففيه وجوه ثلاثة:
أ. عدم القصاص مطلقاً وإن لم يسقط منه شيء؛ لأنّه في معرض السقوط.[1]
يلاحظ عليه: أنّ الموضوع للقصاص هو العضو والمفروض وجوده في المجذوم المجنيّ عليه، فيقتصّ من الصحيح عضواً بعضو.—)
[1]. قواعد الأحكام: ۳/ ۶۳۲.
(— ب. ما عليه المحقّق من جواز القصاص إذا لم يسقط منه شيء وقال:
ويقطع العضو الصحيح بالمجذوم إذا لم يسقط منه شيء.[1]
وتبعه العلّامة وقال: إن كان بأنفه جذام أُخذ به الأنف الصحيح ما لم يسقط منه شيء، لأن ذلك مرض ولو سقط منه شيء لم يقتصّ من الصحيح.[2]
يلاحظ عليه: أنّ الموضوع هو العضو، والمجذوم والصحيح كلّ ذا عضو، فلو قطع الأنف المجذوم وإن سقط منه شيء فقد قطع عضواً، فيقتصّ به بمقدار غير الساقط وإن كان أنف الجاني صحيحاً.
ج. ما في المتن يقتصّ من الصحيح إذا لم يتناثر شيء من أنف المجذوم، وإلّا اقتصّ بمقدار غير المتناثر، وهو الأقوى.
۳. والصغير والكبير والأفطس والأشمّ والأقنى سواء، وذلك لإطلاق قوله: «الأَنْفَ بِالأَنْفِ».
۴. وهل يقطع الصحيح بالمستحشف الّذي هو كالشلل؟
قال العلّامة: وهل يستوي الصحيح والمستحشف، إشكال كالأُذن.[3]
والظاهر لا، لأنّ المستحشف فاقد للحياة فيشبّه باليد الشلّاء.
۵. ولو قطع المارن- أعني: ما لان من الأنف- أو بعضه ففيه القصاص لإطلاق الأدلّة.—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۷.
[2]. تحرير الأحكام: ۵/ ۵۱۴، برقم ۷۱۵۴.
[3]. قواعد الأحكام: ۳/ ۶۴۰.
(— ۶. لو قطع المارن مع بعض القصبة، ومراده من القصبة هو الغضروف من الأنف كما يظهر من القول الثالث، خلافاً للّغة فإنّ قصبة الأنف هو عظمه.
فقد ذكر المصنّف احتمالات:
أ. يقتص المجموع ولعلّ المراد: المارن والقصبة، إذ من البعيد أن يقصد العظم أيضاً.
ب. يقتصّ المارن، وفي القصبة حكومة؛ لأنّها نوع من العظم ولا قصاص فيه.
ج. يقتصّ الجميع ما لم تصل القصبة إلى العظم، فيقتصّ الغضروف مع المارن، ولا يقتصّ العظم. ولعلّه يرجع إلى القول الأوّل.
وما اختاره في المتن لعلّه هو خيرة العلّامة في «التحرير» حيث قال: ولو قطع الأنف كلّه مع القصبة وجب القصاص في الجميع.[1]
ولعلّ مراده من الأنف هو المارن وبه عبّر في «المبسوط»[2]، والفرق بين الوجهين الأوّل والثالث، واضح حيث إنّ الوجه الثالث مشروط بعدم وصوله إلى العظم بخلاف الأوّل.
[1]. تحرير الأحكام: ۵/ ۵۱۴.
[2]. المبسوط: ۷/ ۹۶.
المسألة ۲۹. يقتصّ المنخر بالمنخر مع تساوي المحلّ، فتقتصّ اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى، وكذا يقتصّ الحاجز بالحاجز، ولو قطع بعض الأنف قيس المقطوع إلى أصله واقتصّ من الجاني بحسابه، فلو قطع بعض المارن قيس إلى تمامه، فإن كان نصفاً يقطع من الجاني النصف أو ثلثاً فالثلث، ولا ينظر إلى عِظم المارن وصغره، أو قيس إلى تمام الأنف، فيقطع بحسابه؛ لئلّا يستوعب أنف الجاني إن كان صغيراً.^
^
المنخر: ثقب الأنف، ويطلق النخير على صوت الأنف، كما في مجمع البحرين، مادة «نخر».
وذكر المصنّف في هذه المسألة أُموراً:
۱. يقتصّ المنخر بالمنخر مع تساوي المحلّ فتقتصّ اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى، لعموم الأدلّة الشامل لذلك؛ لأن له حدّاً ينتهي إليه، فهو كأحد الأصابع.[1]
۲. يقتصّ الحاجز بالحاجز، والمراد به ما بين المنخرين، وفسّره صاحب الجواهر بطرف الأنف.
والدليل نفس ما مرّ في السابق.
۳. لو قطع بعض الأنف، قيس المقطوع إلى أصله، أي إلى الأنف—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۳۸۴.
(— كلّه، واقتصّ من الجاني بحسابه، بمعنى أن يقاس المقطوع إلى مجموع الأنف فلو قطع ثلث الأنف يقطع من الجاني ثلث أنفه وهكذا.
ولو قطع بعض المارن قيس إلى تمام المارن، فإن كان المقطوع نصفه يقطع من الجاني النصف أو ثلثه فالثلث …
وعلى هذا فالمقيس عليه في قطع بعض الأنف هو نفس الأنف، وفي المارن نفس المارن، وسيأتي من المصنّف في قطع بعض المارن وجه آخر.
وحاصل الكلام: أنّه لا يراعى المساحة بين الأنفين أو بين المارنين حتّى يقتصّ بقدر ما قطع، وربّما يساوي تمام الآخر، بل إنّما تراعى النسبة.
فعلى هذا: فلو كان المقطوع ثلث المارن أو نصفه، فيقتصّ من الجاني ثلث مارنه أو نصفه.
وهكذا لو كان المقطوع من الأنف نصفه يقتصّ من أنف الجاني مثله، فالموضوع للقصاص هو نسبة المقطوع إلى أصله لا مقدار المقطوع من المارن والأنف؛ وإلّا ربّما يستوعب أنف الجاني أو المارن كذلك إذا كانا في المجنيّ عليه كبيرين وفي الجاني صغيرين، وقد مرّ نظيره.
وقال الفاضل في «كشف اللثام» مازجاً كلامه مع كلام العلّامة، قال: ولو قطع بعض الأنف نسبنا المقطوع إلى أصله وأخذنا من الجاني بحسابه، أي ما نسبته إلى تمام أنفه أو مارنه نسبة المقطوع من أنف المجنيّ عليه إلى أنفه أو مارنه، ولم تؤخذ من الجاني ما يساوي في المساحة المقطوع من المجنيّ—)
(— عليه، لئلّا يستوعب أنف الجاني لو كان صغيراً، وأنف المجنيّ عليه كبيراً، فالنصف من أنف الجاني أو مارنه بالنصف من ذلك من المجنيّ عليه، ساواه في المساحة أو زاد أو نقص، وبالجملة لا يراعى المساحة بين الأنفين وإنّما يراعى النسبة.[1]
واحتمل المصنّف في قطع بعض المارن كون المقيس عليه تمام الأنف لا تمام المارن فيقطع بحسابه، لئلّا يستوعب أنف الجاني إن كان صغيراً، ولعل التفاوت قليل.
ثم إنّ هنا سؤالًا وهو ما الفرق بين الشجاج والمقام حيث إنّ القصاص في الشجاج يقدّر بالطول والعرض- كما مرّ في المسألة ۱۵- ولكنّه في قصاص الأنف يقدّر بالنسبة، أي نسبة المقطوع إلى أنف المجنيّ عليه.
والجواب هو كبر مساحة الرأس وصغر الأنف؛ لأنّ القصاص في الشجاج حسب المساحة لا يستوعب جميع رأس الجاني إلّانادراً، وهذا بخلاف المقام فإنّ صغر الأنف يكون مظنة للتجاوز عن الحدّ، خصوصاً إذا كان أنف المجنيّ عليه كبيراً وأنف الجاني أصغر، ولأجل ذلك كان الموضوع هنا هو النسبة لا مقدار المساحة.
[1]. كشف اللثام: ۱۱/ ۲۱۴.
المسألة ۳۰. تقتصّ الشفة بالشفة مع تساوي المحلّ، فالشفة العليا بالعليا والسفلى بالسفلى، وتستوي الطويلة والقصيرة، والكبيرة والصغيرة، والصحيحة والمريضة ما لم يصل إلى الشلل، والغليظة والرقيقة. ولو قطع بعضها فبحساب المساحة كما مرّ، وقد ذكرنا حدّ الشفة في كتاب الديات.^
^
الشفة عضو كسائر الأعضاء يقتصّ منها، وتشملها العمومات المعروفة، فتقتصّ الشفة بالشفة مع تساوي المحلّ فالشفة العليا بالعليا والسفلى بالسفلى من غير فرق بين الطويلة والقصيرة والكبيرة والصغيرة والغليظة والرقيقة والصحيحة والمريضة مالم يصل إلى الشلل، فلا يقتصّ من الصحيحة بالشلّاء منها، نظير عدم الاقتصاص من اليد الصحيحة بالشلّاء.
وأمّا لو قطع بعض الشفة فالاقتصاص يكون بحسب المساحة، وإن شئت قلت: حسب الطول والعرض. ووجهه ما ذكرناه في الرأس.
ومع ذلك يمكن إلحاق الشفة بالأنف في أنّ الاقتصاص يكون بحسب النسبة لا المساحة. لنفس الوجه المذكور في الأنف، فلاحظ.
ويأتي تعريف الشفة في كتاب الديات.
المسألة ۳۱. يثبت القصاص في اللسان وبعضه ببعضه بشرط التساوي في النطق، فلا يقطع الناطق بالأخرس، ويقطع الأخرس بالناطق وبالأخرس، والفصيح بغيره، والخفيف بالثقيل، ولو قطع لسان طفل يقتصّ به إلّامع إثبات خرسه، ولو ظهر فيه علامات الخرس ففيه الدية.^
^
أمّا ثبوت القصاص في اللسان فلأنّه عضو كسائر الأعضاء، فلا فرق بين كلّه وبعضه مع وجود سائر الشرائط.
قال العلّامة في «القواعد»: وكذا يثبت [القصاص] في اللسان، وبعضه مع التساوي في النطق، ولا يُقطع الناطق بالأخرس.[1]
وقال في «التحرير»: ثبت القصاص في اللسان إجماعاً بشرط التساوي في الصحّة.[2]
وعلى هذا تترتّب عليه الفروع التالية:
۱. لا يقطع الناطق بالأخرس، لعدم التساوي.
۲. يقطع الأخرس بالناطق، لكون لسان الجاني أدون.
۳. يقطع الفصيح بغيره والخفيف بالثقيل، للتساوي في أصل النطق.
۴. لو قطع لسان طفل يقتصّ به، إلّامع إثبات خرسه. وأصالة السلامة—)
[1]. قواعد الأحكام: ۳/ ۶۴۱.
[2]. تحرير الأحكام: ۵/ ۵۲۳.
(— في الخلقة تدلّ على أنّه غير أخرس، إلّاإذا ظهرت فيه أمارات الخرس، فمالم تظهر، ففيه القصاص، وبعد الظهور ففيه الدية.
وقد ذكرنا غير مرّة أنّ ما هو الأصل في الشيء يكون معتبراً في حال الشكّ، كأصالة الحرمة في اللحوم، وأصالة حرمة البيع في الوقف، وأصالة حرمة النظر إلى المرأة، إلى غير ذلك. فما لم يدلّ دليل على الخروج عن الأصل يكون معتبراً؛ وهكذا المقام فإنّ الأصل في الخلقة هو السلامة ولا يعدّ مثل ذلك تمسّكاً بالعام في الشبهة المصداقية؛ لأنّ الأصل الحاكم في الطبيعة أمارة عقلائية على كون المورد من مصاديق العام ما لم يدلّ دليل على خروجه. وقد أوضحنا حاله في سائر بحوثنا الفقهية.
ومن الفروع الّتي لم يتطرّق المصنّف إلى ذكرها الفرع التالي:
۵. ويؤخذ بعض الصحيح من اللسان ببعض لكن بالنسبة، كما عن العلّامة في «التحرير» قال: ويؤخذ بعض الصحيح ببعض، ويعتبر التقدير بالأجزاء لا بالمساحة، ويؤخذ بالنسبة.[1]
[1]. تحرير الأحكام: ۵/ ۵۲۳، المسألة ۷۱۶۲؛ ولاحظ: كشف اللثام: ۱۱/ ۲۱۴.
المسألة ۳۲. في ثدي المرأة وحلمته قصاص، فلو قطعت امرأة ثدي أُخرى أو حلمة ثديها يقتصّ منها؛ وكذا في حلمة الرجل القصاص، فلو قطع حلمته يقتصّ منه مع تساوي المحلّ، فاليمنى باليمنى واليسرى باليسرى، ولو قطع الرجل حلمة ثدي المرأة، فلها القصاص من غير ردّ.^
^
ثدي المرأة وحلمته من الأعضاء فيثبت فيه القصاص كغيرها بشرط وجود سائر الشرائط، وبالجملة فالأصل في قطع الأعضاء هو القصاص، إلّاإذا قام الدليل على عدم القصاص فيه، كما في صورة العظم أو ما كانت المماثلة أمراً غير ممكن، وعلى هذا تترتّب الفروع التالية:
۱. لو تساوى الجاني والمجنيّ عليه في الجنسية كما لو قطعت امرأة ثدي أُخرى، أو حلمة ثديها، يقتصّ منها.
ولو قطع الرجل حلمة رجل، يقتصّ منه مع تساوي المحلّ، فاليمنى باليمنى واليسرى باليُسرى.
إنّما الكلام إذا اختلف الجاني والمجنيّ عليه في الجنس، فقد ذكر المصنّف له صورة واحدة، وهي ما يلي:
۲. إذا قطع الرجل حلمة ثدي المرأة ففيها القصاص من غير ردّ.
وقوله: «من غير ردّ» دفع لتوهم أنّ لحلمة ثدي المرأة منفعة ليست في الرجل، فهل ذلك يوجب ردّ شيء من الرجل إلى المرأة، فدفع بقوله:—)
(— لها القصاص من غير ردّ.
۳. لو قطعت المرأة حلمة ثدي الرجل فيقتصّ منها بلا ردّ شيء؛ وذلك لأنّ الاختلاف بينهما ليس كالاختلاف بين اليد الصحيحة واليد الشلّاء أو العين الباصرة والعمياء.
المسألة ۳۳. في السنّ قصاص بشرط تساوي المحلّ، فلا يقلع ما في الفك الأعلى بما في الأسفل ولا العكس، ولا ما في اليمين باليسار وبالعكس، ولا يقلع الثنيّة بالرباعية أو الطاحن أو الناب أو الضاحك وبالعكس، ولا تقلع الأصلية بالزائدة، ولا الزائدة بالأصلية، ولا الزائدة بالزائدة مع اختلاف المحلّ.^
^
السنّ هو العضو المعروف المنقسم في العادة إلى ثمان وعشرين، اثنا عشر منها في مقاديم الفم: ثنيّتان من فوق وهما وسطها، ورباعيتان خلفهما، ونابان خلفهما، ومثلها من أسفل فيكون المجموع اثنا عشر سناً. والمآخير ستة عشر، أربع ضواحك من كلّ جانب واحد، واثنتا عشر طواحن من كلّ جانب ثلاثة.
ففي الجميع القصاص بالنص، أي قوله سبحانه: «وَ السِّنَّ بِالْسِّنِّ» لكن بشرط التساوي في المحلّ، والتساوي في الأصالة والزيادة، ويترتّب عليه الفروع التالية:
۱. لا يقلع ما في الفك الأعلى بما في الأسفل ولا العكس.
۲. لا يقلع ما في اليمين باليسار وبالعكس.
۳. ولا تقلع الثنيّة[1]، بالرباعية[2] والناب.—)
[1]. الثنيّة: هي أسنان مقدّم الفم ثنتان من فوق وثنتان من أسفل.
[2]. الرباعية: هي السن الّتي بين الثنيّة والناب.
(— ۴. ولا تقلع الثنيّة بالطاحن[1]، ولا الثنية بالناب[2]، ولا الثنيّة بالضاحك،[3] وبالعكس، للاختلاف في المحل.
۵. لا تقلع الأصلية بالزائدة، وهي الّتي تنبت في جنب الأصلية من منبع واحد، ولا الزائدة بالأصلية ولا الزائدة بالزائدة مع اختلاف المحلّ.
ويظهر من الفاضل الاصفهاني في تفسير قول العلّامة: «ولا أصلية بالزائدة ولا بالعكس مع تغاير المحلّ»: جواز قلع الزائدة بالأصلية إذا اتحدا بأن نبتت مع الأصلية من منبت واحد جاز القصاص؛ لأنّه أخذ للناقص بدل الكامل.[4]
غير أنّ الظاهر من «التحرير» عدمه حيث قال: ولا بالعكس وإن اتحدّ المحلّ[5].
ولعلّ مبنى الوجهين على أنّ النبات من منبت واحد، هل يكفي في اتّحاد المحل أو لا؟
وحاصل الكلام: أنّ الشرط هو المماثلة، وهي أمر عرفي، فاقتصاص الزائدة بالزائدة، والأصلية بالأصلية جائز بحكم المماثلة، إنّما الكلام فيما إذا كان له سنان يُعدّ أحدهما أصلياً والآخر زائداً، فالظاهر أنّ المماثلة منتفية.
وأمّا ما ينبت بعد القلع فلا يوصف بالزائدة بل ينوب مناب الأصل؛ لأنّ
[1]. الطاحن: هو الضرس.
[2]. الناب: هي السنّ خلف الرباعية.
[3]. الضاحك: هو كل سنّ تبدو عند التبسّم.
[4]. كشف اللثام: ۱۱/ ۲۱۶.
[5]. تحرير الأحكام: ۵/ ۵۱۶، المسألة ۷۱۵۵.
دية الأُولى هو الثلث ودية الثانية تمامها.
المسألة ۳۴. لو كانت المقلوعة سن مُثغر- أي أصلي نبت بعد سقوط أسنان الرضاع- ففيها القصاص، وهل في كسرها القصاص أو الدية والأرش؟ وجهان، الأقرب الأوّل، لكن لابدّ في الاقتصاص كسرها بما يحصل به المماثلة كالآلات الحديثة، ولا يضرب بما يكسرها لعدم حصولها نوعاً.^
^
المُثْغِر: وهو الغلام الّذي سقطت سن اللبن (منه) ونبت مكانها، يقال لمن سقطت رواضعه وهي سن اللبن: ثَغَرَ فهو مثغور، فإذا نبت قيل: أثغر.
وعلى هذا فالأولى في التعبير أن يقال: فإن قلع سنَّ مثغرٍ (كما في التحرير)[1]. مكان «لو كانت المقلوعة سن مثغر».
وفي «القواعد» مثله.[2] وقد تبع المصنّف عبارة الجواهر في المقام.[3]
ثم إنّ قوله في المتن «أصلي» بالجرّ كأنّه تفسير للمثغر. وليس بصحيح لأنّه عبارة عن الإنسان الذي سقطت سن اللبن ونبتت مكانها سن أُخرى ولا وجه لوصفه بالأصلي، فتعيّن أنّه تفسير للسن، فاللازم عندئذٍ النصب: «أي أصلياً نبت بعد سقوط أسنان الرضاع».
إذا عرفت ذلك فلو قلع سن مثغر وجب القصاص، ويدلّ عليه—)
[1]. تحرير الأحكام: ۵/ ۵۱۵، المسألة ۷۱۵۵.
[2]. قواعد الأحكام: ۳/ ۶۴۲.
[3]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۳۸۶.
(— قوله سبحانه: «وَ السِّنَّ بِالْسِّنِّ».
إنّما الكلام إذا لم يقلع بل كسر فهل فيه القصاص لشبهة أنّه من العظم ولا قصاص في العظم؟
لكن الماتن أفتى بالقصاص لكن بالآلات الحديثة الّتي تحصل بها المماثلة، ولا يضرب بما يكسرها. لعدم حصولها نوعاً. وبذلك يفترق عن كسر العظام حيث لا يتمكّن المقتصّ فيها من الكسر حسب ما في السن، إلّاإذا أمكن بالآلات الحديثة.
المسألة ۳۵. لو عادت المقلوعة قبل القصاص فهل يسقط القصاص أم لا؟ الأشبه الثاني، والمشهور الأوّل، ولا محيص عن الاحتياط بعدم القصاص، فحينئذٍ لو كان العائدة ناقصة متغيّرة ففيها الحكومة، وإن عادت كما كانت، فلا شيء غير التعزير إلّامع حصول نقص، ففيه الأرش.^
^
إذا قلع سن مثغر- السن النابت بعد سقوط سنّ اللبن- فإن حكم أهل الخبرة بعدم العود استوفى الحقّ- أي القصاص أو الدية- كما مرّ في المسألة السابقة.
إنّما الكلام في هذه المسألة فيما إذا لم يستوف القصاص لسبب من الأسباب، كعدم التمكّن من الجاني، لكن عادت سنّ المجنيّ عليه، فهنا فروع:
۱. لو عادت كما كانت هل يسقط القصاص أو لا؟
۲. لو عادت كما كانت فهل تجب الدية أو الأرش؟
۳. لو عادت وكانت ناقصة أو متغيّرة.
وإليك دراسة الفروع:
الموضوع في المقام ما إذا عادت قبل القصاص بلا نقصٍ، فيقع الكلام تارة في سقوط القصاص وعدمه، وأُخرى في ثبوت الدية على فرض—)
(— سقوط القصاص، فلو قلنا بالقصاص فلا يبقى موضوع للفرع الثاني، ولمّا ذهب المحقّق إلى سقوط القصاص، عَنونَ الفرع الثاني.
وعلى كلّ تقدير فقد استقرب المصنّف بقاء القصاص من الجاني وإن عادت، وعلّله في «المسالك» بقوله: بأنّه لم تجر العادة بنبات سن المثغر، وما اتّفق نعمة وهبة جديدة من اللَّه تعالى فلا يسقط به حقّه من الجاني.[1] خلافاً للمشهور فقالوا بسقوط القصاص، ومنهم المحقّق حيث قال: فإن عادت كما كانت فلا قصاص ولا دية.[2] والشاهد في قوله: «فلا قصاص». وأمّا قوله: «فلا دية» فسيأتي البحث فيه في الفرع الثاني.
ويمكن توجيهه بأمرين:
۱. أنّ ما عاد قائم مقام الأوّل، فكأنّه لم يفت وصار كما لو عاد سنّ غير المثغر.
۲. ما ورد في رواية إسحاق بن عمّار من أنّ القصاص لأجل الشين.[3] ولا شين بعد العود.
ولا يخفى قوة القول الأوّل فإنّه ظَلَم بقلع سنّه فاقتضى القصاص وعوده ثانياً لا يؤثّر فيما جنى، فإنّه نعمة جديدة. وأمّا الشين فقد أفضى عليه فترة من الزمان وعوده لا يزيل—)
[1]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۹۰.
[2]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۷.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۲۳ من أبواب قصاص الطرف، الحديث ۱.
(— الشين المتقدّم. ومع ذلك فالقول الثاني هو الأوفق بالاحتياط، ولذلك قال في المتن: «ولا محيص عن الاحتياط بعدم القصاص» خصوصاً مع ملاحظة درء الحدود بالشبهات، وأمّا حكم الدية أو الأرش على القول بعدم القصاص فسيأتي الكلام فيه في الفرع التالي.
قال المحقّق: لا قصاص ولا دية، ولو قيل بالأرش كان حسناً.[1]
قد تقدّم أنّه لو قلنا ببقاء القصاص لا موضوع لهذا الفرع، وإنّما يبحث في هذا الفرع على فرض المحقّق من سقوط القصاص في الفرع الأوّل، أو احتياط الماتن بعدم القصاص في الفرع الأوّل، وأمّا عدم الدية فلعودها كما كانت، ووصفه في «الجواهر» بقوله: بلا خلاف محقّق أجده فيه، للأصل وغيره.[2]
ومع ذلك استحسن المحقّق بأنّه لو قيل بالأرش كان حسناً. وجهه على ما في «الجواهر»: إنّه نقص دخل على المجنيّ عليه بسبب الجاني فلا يهدر للحديث، ولزوم الظلم، وعود السنّ نافى القصاص أو الدية لا ذلك النقص لاستحالة إعادة المعدوم.
وحاصل كلامه: أنّ المجنيّ عليه عاش في فترة معيّنة بلا سن، وهو نقص ورد عليه، وبما أنّه لا دية له يرجّح الأرش، ولذلك قيّد في المتن—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۷.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۳۸۷.
(— الأرش بحصول النقص، وليس النقص إلّاما ذُكر غير أنّ صاحب الجواهر استحسن عدم الأرش مع فرض عدم التفاوت، وذكر وجه ذلك أنّه مقتضى الأصل وعدم كون الحرّ مالًا يدخله النقص في مثل ذلك، وكون العبد أصلًا له فيما ليس له مقدّر إنّما هو في الجراحات، وليس ذلك منها لأنّ كونه فاقد السنّ في تلك الفترة وإن كان نقصاً لكن ليس نقصاً يتدارك بالمال، بخلاف الجراحات.[1]
أقول: ما ذكره أمر عجيب حيث يطلق سراح الجاني بلا قصاص ولا دية بحجة أنّ السنّ عادت مع أنّ العود من اللَّه لا صلة له بالجاني، فلو لم نقل بالقصاص احتياطاً فلا محيص من الدية. ويؤيد ما ذكرنا ما سيوافيك في سنّ الصبيّ إذا قلعت وعادت ففي مرسل جميل: «ليس عليه قصاص وعليه الأرش»، فانتظر.
قال المحقّق: فإن عادت ناقصة أو متغيّرة كان فيها الحكومة.[2]
وتبعه المصنّف في المتن، ويراد بالحكومة هنا الأرش.
إنّما الكلام في كيفية تقدير الأرش، ففيه قولان:
۱. تفاوت ما بين قيمته بسنّ تامّة لو فرض عبداً، وبين قيمته—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۳۸۷.
[2]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۷.
(— بسنّ متغيّرة، وملاحظة التفاوت مع الدية الكاملة، نقله في التنقيح الرائع والمسالك قولًا.[1]
ومعنى ذلك أنّ من قلعت سنّه، يفرض عبداً ويقوّم تارة مع السنّ التامّة، وأُخرى مع السنّ المتغيّرة في حالة واحدة. فإن كان التفاوت بين القيمتين بالربع مثلًا، يحكم بدفع ربع الدية الكاملة إلى من قلعت سِنُّه.
۲. يراد به التفاوت فيما بين كونه مقلوع السنّ مدّة ثمّ نبتت متغيّرة وبين كونه بسنّ في تلك المدّة وبعدها غير متغيّرة. وهذا هو خيرة الفاضل المقداد، قال: فيحتمل أن يقال: تفاوت ما بين دية مقلوع السنّ مدّة ثم نبتت متغيّرة وبين كونه بسنّ في تلك المدّة وبعدها غير متغيّرة، لأنّه نقص حصل في تلك المدّة فلا يهدر.[2] ومثله المسالك.[3]
وعلى كلّ تقدير فلا شكّ في لزوم الأرش مع العود متغيّرة.
[1]. لاحظ: التنقيح الرائع: ۴/ ۴۵۷؛ ومسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۹۰. وقد نقل في الجواهر المطبوع مصحفّاً، فجاء فيها« وبها متغيرة في الدية» والصحيح ما أثبتناه بتصرّف يسير من المسالك، ومثلها عبارة التنقيح، فلاحظ.
[2]. التنقيح الرائع: ۴/ ۴۵۷.
[3]. لاحظ: مسالك الأفهام: ۱۵/ ۴۵۷.
المسألة ۳۶. لو عادت بعد القصاص فعليه غرامتها للجاني بناءً على سقوط القصاص إلّامع عود سنّ الجاني أيضاً، وتستعاد الدية لو أخذها صلحاً، ولو اقتصّ وعادت سنّ الجاني ليس للمجنيّ عليه إزالتها، ولو عادت سنّ المجنيّ عليه ليس للجاني إزالتها.^
^
كان البحث في المسألة السابقة عود المقلوعة قبل القصاص وقد عرفت صورها، وأمّا البحث في المقام ففي عودها بعد القصاص ففي المسألة فروع:
۱. لو عادت سن المجنيّ عليه فقط بعد القصاص من الجاني- بعد فرض أنّه لا قصاص على المجنيّ عليه للجاني كما يدلّ عليه قول المصنّف (بناء على سقوط القصاص)- فهل يجب عليه دفع الغرامة للجاني أو لا؟
۲. لو أخذ الدية صلحاً- بعد كون الواجب هو القصاص- ثم عادت سنّ المجنيّ عليه، فهل يجب عليه إعادة الدية إلى الجاني؟
۳. هل لكلّ من الجاني والمجنيّ عليه قلع السنّ الجديدة بعد القصاص؟
وإليك دراسة الفروع:
الفرع الأوّل: إذا عادت سن المجنيّ عليه بعد القصاص منه، فلا شكّ أنّه لا قصاص عليه؛ وذلك لأنّه قام بالقصاص بأمر من الشرع ولم يكن عالماً بأنّه ستعود سنّه المقلوعة.
وقد ذهب الشيخ إلى عدم الغرامة على المجنيّ عليه، والماتن—)
(— على خلافه.
قال الشيخ: وإن كان المجنيّ عليه اقتصّ من الجاني ثم نبتت المقلوعة فمن قال: هذه هبة مجدّدة لا شيء عليه، لأنّه أخذ القصاص في سنّه وقد وهب اللَّه له سنّاً … إلخ.[1]
وقد استقرب في المتن الوجه الثاني؛ وذلك لأنّ المعاد في نظر العرف هو المبتدأ، فكأنّه لم يقلع، فيكون القصاص في غير موقعه، وبما أنّه كان جاهلًا فعليه دية سنّ الجاني.
والظاهر هو قول الشيخ؛ لأنّ قلع سن الجاني في مقابل قلع سنّ المجنيّ عليه وقد وقع في محلّه، وعوده ثانياً لا يخرج عمل الجاني عن كونه عدواناً، والمنهي لا ينقلب عمّا هو عليه، ولا وجه لدية سن الجاني.
نعم لو عاد سنّ الجاني أيضاً فليس له أخذ الدية من المجنيّ عليه على كلا القولين أو الوجهين كما في المتن، لحصول المساواة من الطرفين.
الفرع الثاني: لو لم يقتصّ المجنيّ عليه من الجاني- على خلاف ما في الفرع الأوّل- وإنّما أخذ الدية صلحاً، ثمّ عادت سنّ المجنيّ عليه، فهل يجب عليه ردّ ما صولح عليه أو لا؟
والمسألة مبنية على ما ذكر في الفرع الأوّل، فلو قلنا بأنّ عودها هبة مجدّدة فلا شيء عليه كما عليه الشيخ، يسقط وجوب ردّ الدية، وأمّا لو—)
[1]. المبسوط: ۷/ ۹۹. وذيل العبارة لا يخلو عن حزازة فلاحظ.
(— قلنا بوجوب دفع الغرامة على الجاني، يجب عليه في المقام ردّ الدية؛ لأنّه إنّما أخذ الدية بدلًا، وقد عادت فكان عليه ردّ بدلها.[1] حتى لا يلزم الجمع بين البدل والمبدل.
وبما أنّك عرفت أنّ الأقوى هو الوجه الأوّل وأنّ القصاص في الفرع السابق، والدية في هذا الفرع في مقابل عمل عدواني لا ينقلب عمّا هو عليه بالعود فلا يجب على المجنيّ عليه ردّ الغرامة كما في الفرع الأوّل، ولا إعادة ما صولح في هذا الفرع. وتصوّر أنّ الدية في مقابل الشين وقد ارتفع بالعود، مدفوع بحصوله فترة بعد القلع وقبل العود على أنّ هذا النوع من العلّة أشبه بالحكمة التي لا يدور الحكم مدارها وجوداً وعدماً.
الفرع الثالث: لو عادت سنّ كلّ من الجاني أو المجنيّ عليه فليس للآخر قلع سنّه.
قال المحقّق: ولو اقتصّ البالغ بالسن، فعادت سن الجاني، لم يكن للمجنيّ عليه إزالتها، لأنّها ليست بجنسه.[2]
ومنه يعلم حكم العكس، أعني: إذا عادت سنّ المجنيّ عليه فليس للآخر قلعه، لأنّ ا السن الجديد غير الأوّل، والمجنيّ عليه اقتصّ من الجاني مقابل السن الأوّل، والسن الثاني غير الأوّل وجوداً، وإن كان عينه عرفاً.
[1]. المبسوط: ۷/ ۹۹.
[2]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۸.
المسألة ۳۷. لو قلع سنّ الصبي ينتظر به مدة جرت العادة بالإنبات فيها، فإن عادت ففيها الأرش على قول معروف، ولا يبعد أن يكون في كلّ سنّ منه بعير، وإن لم تعد ففيها القصاص.^
^
كان الكلام في المسائل السابقة في سنّ المثغر- أي السن النابت بعد سقوط سنّ اللبن- والموضوع في هذه المسألة سنّ من لم يثغر- أي السن النابت باللبن والرضاع- فلو قلع أحد سنّ الصبي فلا يقتصّ من الجاني، بل ينتظر به مدّة جرت العادة بالإنبات فيها، فهنا صورتان:
الأُولى: إذا عادت المقلوعة فلا قصاص بل فيه الأرش فتكون نظير سنّ المثغر إذا عادت، ففي المتن: ففيها الأرش على قول معروف، أي على قول المحقّق وغيره حيث قالوا بسقوط القصاص دون الدية، خلافاً للمصنّف حيث لم يلتزم بالدية ما لم يكن فيه نقص، ولذلك نسب رفع الدية إلى قول معروف.
أمّا عدم القصاص مادام الرجاء موجوداً بالعود فلمرسل جميل بن درّاج، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما عليهما السلام أنّه قال: في سنّ الصبي يضربها الرجل فتسقط ثم تنبت؟ قال: «ليس عليه قصاص وعليه الأرش».[1]
والفرق بين المقام وما مرّ واضح حيث إنّ العود هنا أمر طبيعي فلا يقتصّ، بل ينتظر بخلاف سن المثغر فالعود أمر نادر.—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۴ من أبواب قصاص الطرف، الحديث ۱۲.
(— أمّا الأرش فلنفس الرواية، وأمّا ما هو المراد من الأرش ففيه وجوه ثلاثة:
۱. المراد بالأرش ما هو المذكور في المسألة السابقة، أي تفاوت ما بين كونه فاقد السن زمن ذهابها وواجدها لو كان عبداً.
۲. ذهب الشيخ في «المبسوط» إلى أنّ المراد به حكومة الجرح وإسالة الدم.[1]
۳. ما حكي عن المهذّب والغنية والكافي والوسيلة والإصباح وديات المبسوط من أنّ في سن الصبي بعيراً مطلقاً، من غير فرق بين ما لو عاد أو لم يعد.
ويدلّ عليه الخبران:
۱. روى الشيخ باسناده عن سهل بن زياد، عن ابن شمّون، عن الأصمّ، عن مسمع، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «إنّ عليّاً عليه السلام قضى في سن الصبي قبل أن يثغر بعيراً في كلّ سنّ».[2]
۲. وروى أيضاً باسناده عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام:
«أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قضى في سنّ الصبي إذا لم يثغر ببعير».[3]
لكن الذي يضعّف الوجه الثالث ضعف السند في الروايتين أوّلًا—-)
[1]. لاحظ: المبسوط: ۷/ ۹۷.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۳ من أبواب ديات الأعضاء، الحديث ۲.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۳۳ من أبواب ديات الأعضاء، الحديث ۳.
(— خصوصاً الأُولى منهما- إلّاأن يقال: إنّ الأرش إنّما هو في الجراحات وفي غيرها يتعيّن العمل بالنص. وعليه يتمّ ما في المتن من أنّ في كلّ سنّ منه بعيراً، لا الأرش بكلا الوجهين الأوّلين.
وإطلاق الروايتين منصرف إلى ما إذا عادت ثانياً، لأنّه جرت العادة على العود، وقلّما يتّفق ألّا تعود، ولذلك فصّل في المتن بين العود فقال فيه بعير، وعدمه ففيه القصاص.
الصورة الثانية: إذا لم تعد، فالقصاص هو المحكّم.
المسألة ۳۸. يثبت القصاص في قطع الذكر، ويتساوى في ذلك الصغير ولو رضيعاً، والكبير بلغ كبره ما بلغ، والفحل والذي سلّت خصيتاه إذا لم يؤد إلى شلل فيه، والأغلف والمختون. ولا يقطع الصحيح بذكر العنّين ومن في ذكره شلل، ويقطع ذكر العنين بالصحيح والمشلول به. وكذا يثبت في قطع الحشفة، فتقطع الحشفة بالحشفة، وفي بعضها أو الزائد عليها استوفي بالقياس إلى الأصل، إن نصفاً فنصفاً وإن ثلثاً فثلثاً وهكذا.^
^
في المسألة فروع:
۱. ثبوت القصاص في قطع الذكر، في عامّة الصور.
۲. لا يقطع الصحيح بذكر العنين ومَن في ذكره شلل.
۳. إذا قطع بعض الحشفة فإنّما يستوفى بالقياس إلى الأصل. وإليك دراسة الفروع:
الفرع الأوّل: قال المحقّق: ويثبت في الذكر، ويتساوى الذي سلّت خصيتاه، والأغلف، والمختون.[1]
ووصفه في «الجواهر» بقوله: بلا خلاف أجده في شيء من ذلك بيننا، بل ولا من غيرنا، إلّامن مالك فلم يثبت القود بين الفحل ومسلول الخصيتين،—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۶.
(— قائلًا بأنّه لا منفعة فيه، وردّ عليه بقوله: إنّ ذلك نقص في الماء لا فيه.[1]
والدليل دخول الجميع تحت العموم، وهو قوله تعالى: «وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ» بعد اشتراك الجميع في الاسم والخلقة والسلامة.
الفرع الثاني: لا يقاد الصحيح من الذكر بذكر العنين، كما مرّ من أنّه لا يقتصّ من اليد الصحيحة باليد الشلّاء، وقد مرّ أنّه يشترط في القصاص أن لا يكون المقتصّ منه أعلى، بل يجب أن يكون إمّا مساوياً أو أخفض.
ثمّ إنّ العنن قسم من الشلل، والمراد من الثاني ما يكون منقبضاً لا ينبسط ولو في الماء الحار أو منبسطاً لا ينقبض ولو في الماء البارد.
وقد قلنا: إنّه تشترط المساواة أو كون المقتصّ منه أخفض، وبذلك يُعلم أنّه يقتصّ من العنين بالصحيح، كما يقطع الأشل بالأشل أو بالصحيح، اللّهم إلّا إذا خيف من نزف الدم وعدم انقطاعه.
الفرع الثالث: كما يجري القصاص في قطع تمام الذكر كذلك يجري في قطع بعضه، من غير فرق بين الحشفة وغيرها، نعم الحشفة برأسها عضو من الأعضاء، فالقصاص في الجميع بلحاظ القياس إلى الأصل، لا بلحاظ المساحة ولا بلحاظ الطول، فلو قطع ثلث الحشفة يقطع مثله من الجاني، سواء أكانت أكبر أو أصغر أو تساوتا، وهذا هو الحكم السائد في قصاص الأعضاء.
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۳۷۶.
المسألة ۳۹. في الخصيتين قصاص، وكذا في إحداهما مع التساوي في المحلّ، فتقتصّ اليمنى باليمنى واليسرى باليسرى، ولو [جُنيَ بأحدهما ولم تذهب منفعة الأُخرى ولكن] خشي [من القصاص] ذهاب منفعة الأُخرى تؤخذ الدية، ولا يجوز القصاص إلّاأن يكون في عمل الجاني ذهاب المنفعة فيقتصّ، فلو لم تذهب بالقصاص منفعة الأُخرى مع ذهابها بفعل الجاني فإن أمكن إذهابها مع قيام العين يجوز القصاص، وإلّا فعليه الدية. ولو قطع الذكر والخصيتين اقتصّ منه، سواء قطعهما على التعاقب أو لا.^
^
في المسألة فروع:
۱. ثبوت القصاص في الخصيتين.
۲. ثبوت القصاص في إحداهما مع التساوي في المحلّ.
۳. إذا جنى بإحداهما ولم تذهب منفعة الأُخرى ولكن خُشِيَ من القصاص ذهابُ منفعة الأُخرى.
۴. إذا ذهبت منفعة الأُخرى من المجنيّ عليه بفعل الجاني وأدّى القصاص إلى ذهاب منفعة الأُخرى.
۵. إذا جنى الجاني بإحدى الخصيتين وذهبت منفعة الأُخرى من المجنيّ عليه واقتصّ منه، ولكن بقيت منفعة الأُخرى للجاني.—)
(— ۶. لو قطع الذكر والخصيتين معاً.
وإليك دراسة الفروع.
أمّا الفرعان الأوّل والثاني: فالحكم فيهما مورد اتّفاق، قال المحقّق: وفي الخصيتين القصاص، وكذا في إحداهما.[1]
ووصفه في «الجواهر» بقوله: بلا خلاف ولا إشكال.[2] والدليل عليه وجود الإطلاق وعدم وجود مقيّد في البين، لقوله سبحانه: «وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ»[3].
الفرع الثالث: إذا جنى بإحداهما، ولم يذهب منفعة الأُخرى للمجنيّ عليه وخُشي من القصاص ذهابُ منفعة الأُخرى للجاني، ينتقل إلى الدية، للضابطة الكلية: كلّ ما امتنع القصاص ينتقل إلى الدية.
الفرع الرابع: إذا ذهبت منفعة الأُخرى- من المجنيّ عليه- بفعل الجاني، يقتصُ منه، وإن ذهبت منفعة الأُخرى- من الجاني- أخذاً بقوله سبحانه: «فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ».[4]
الفرع الخامس: إذا جنى الجاني بإحدى الخصيتين وذهبت منفعة الأُخرى واقتصّ منه ولكن لم تذهب منفعة الأُخرى، فإن أمكن إذهابها مع—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۶.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۳۷۷.
[3]. المائدة: ۴۵.
[4]. البقرة: ۱۹۴.
(— قيام العين يجوز القصاص وإلّا فعليه الدية، أخذاً بالضابطة، ولعلّ الطب الحديث قادر على إنجاز ذلك.
الفرع السادس: إذا قطع الذكر والخصيتين اقتصّ منه، سواء قطعهما دفعة أو على التعاقب، بدءاً بالذكر أو الخصيتين؛ سواء أدّى قطع الخصيتين إلى عنن أو شلل في الذكر، أو لا.
وإلى ذلك يشير المصنّف بقوله: قطعهما على التعاقب أولا. وما ذكر من التسوية ردّ على ما ربما يتوهم من أنّه إن ابتدأ بقطع الانثيين أوّلًا، ثم قطع الذكر لم يقتصّ له من ذكره الصحيح، لأنّ ذكر المجنيّ عليه يشلّ قبل قطعه بقطع الأُنثيين فينتقل إلى الدية كما هي الضابطة.
وجه الردّ: أنّ ما ذُكر من أنّه لا يقتصّ من الصحيح بالمشلول، فيما إذا كان السبب غير الجاني، وأمّا إذا جاء الشلل بسبب جنايته فلا، لأنّه قطع الخصيتين والذكر صحيح فيقتصّ كذلك، فعروض الشلل على الذكر بعد قطع الانثيين من عمل الجاني، وما جاء من قبلِهِ لا يمنع من القصاص.
المسألة ۴۰. في الشفرين القصاص، والمراد بهما اللحم المحيط بالفرج إحاطة الشفتين بالفم، وكذا في إحداهما، وتتساوى فيه البكر والثيّب، والصغيرة والكبيرة، والصحيحة والرتقاء والقرناء والعفلاء والمختونة وغيرها، والمفضاة والسليمة. نعم لا يقتصّ الصحيحة بالشلّاء.
والقصاص في الشفرين إنّما هو فيما جنت عليها المرأة، ولو كان الجاني عليها رجلًا فلا قصاص عليه، وعليه الدية، وفي رواية غير معتمد عليها إن لم يؤد إليها الدية قطع لها فرجه. وكذا لو قطعت المرأة ذكر الرجل أو خصيته لا قصاص عليها، وعليها الدية.^
^ في المسألة فروع:
۱. ثبوت القصاص في الشفرين وفي إحداهما.
۲. حكم الاقتصاص من الصحيحة بالشلّاء.
۳. إذا كان الجاني رجلًا.
۴. لو قطعت المرأة ذكر الرجل أو خصيته.
وإليك دراسة الفروع:
المراد من الشفرين هو اللحم المحيط بالفرج إحاطة الشفتين بالفم.
والدليل على ثبوت القصاص فيهما إطلاق الأدلّة، من غير مقيّد.—)
(— نعم حكى في الجواهر عن بعض العامّة عدمه، بناء على أنّها لحم ليس له حدّ ينتهي إليه.[1] وهو كماترى.
ولا فرق بين البكر والثيّب، والصغيرة والكبيرة، والصحيحة والرتقاء والقرناء والعفلاء والمختونة وغيرها، والمفضاة والسليمة؛ وذلك لأنّ البكارة والرتق والإفضاء وأضدادها تتعلّق بالباطن.
لا يقتصّ من الصحيحة بالشلّاء، لما مرّ من الحديث في اليد الصحيحة إذا قطعت يداً شلّاء فلا تقطع الصحيحة بها.
كان الكلام فيما سبق فيما إذا كان الجاني امرأة، وأمّا لو كان الجاني رجلًا، فلا موضوع للقصاص فينتقل إلى الدية على الضابطة المقرّرة في كلّ مورد يمتنع القصاص.
نعم ورد في رواية أنّه إن لم يؤدّ إليها الدية قُطع لها فرجه؛ روى الكليني بسند صحيح عن عبد الرحمن بن سيابة، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال: «إنّ في كتاب علي عليه السلام: لو أنّ رجلًا قطع فرج امرأته لأغرمته لها ديتها، وإن لم يؤد إليها الدية قطعت لها فرجه إن طلبت ذلك».[2]—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۳۷۷.
[2]. الوسائل: ۱۹، الباب ۹ من أبواب قصاص الطرف، الحديث ۲.
(— وفي الكافي مكان «امرأته»: «امرأة»، ومكان «لا غرمته»: «لأغرمنّه».
وقد وصف المصنّف الرواية بغير المعتمد عليها؛ وذلك لأنّ عبد الرحمن بن سيابة لم يوثّق، وربما تتوهّم وثاقته لكونه في أسانيد كامل الزيارات، وقد علمت عدم كفايتها في إثبات الوثاقة.
نعم كان الرجل أميناً ماليّاً للإمام الصادق عليه السلام حيث دفع إليه أموالًا ليقسّمها في عيالات من أُصيب مع عمّه زيد، فلو عُمل بالرواية فيقتصر على محلّه مع أنّ الحديث لا صلة له بالمتن حيث إنّ الموضوع هو الجناية على الشفرين، والوارد في الحديث الجناية على فرج امرأته، ومن المعلوم أنّ الفرج أعمّ من الشفرين، خصوصاً أنّ الموضوع هو الزوجة على نسخة الوسائل، فالانتقال منها إلى غيرها يحتاج إلى دليل.
لو قطعت المرأة ذكر الرجل أو خصيته، لا قصاص عليها لعدم الموضوع، فينتقل إلى الدية.
المسألة ۴۱. لو أزالت بكر بكارة أُخرى، فالظاهر القصاص؛ وقيل بالدية، وهو وجيه مع عدم إمكان المساواة، وكذا تثبت الدية في كلّ مورد تعذّر المماثلة والمساواة.^
^
لو أزالت بكر بكارة أُخرى بإصبعها، اقتصّ منها مع إمكان المساواة، وإلّا فالدية، ونقل عن الفخر والشهيد تعيّن الدية؛ وذلك لاحتمال عدم إمكان إدراكها بالبصر حتى تتحقّق المساواة.
وأمّا لو كان الجاني هو الرجل فالدية متعيّنة.
وهنا فروع:
الأوّل: لو قطع من كان يده ناقصة بإصبع أو أزيد يداً كاملة صحيحة فللمجنيّ عليه القصاص، فهل له بعد القطع أخذ دية ما نقص عن يد الجاني؟ قيل: لا، وقيل: نعم فيما يكون قطع إصبعه بجناية وأخذ ديتها أو استحقّها، وأمّا إذا كانت مفقودة خلقة أو بآفة لم يستحق المقتصّ شيئاً، والأشبه أنّ له الدية مطلقاً، ولو قطع الصحيح الناقص عكس ما تقدّم فهل تقطع يد الجاني بعد أداء دية ما نقص من المجني عليه، أو لا يقتص وعليه الدية، أو يقتص ما وجد وفي الباقي الحكومة؟ وجوه، والمسألة مشكلة مرّ نظيرها.^
^ في الفرع صورتان هما:
۱. إذا قطع من كانت يده ناقصة بأصبع أو أصبعين يداً كاملة، فهل له على الجاني أخذ دية ما نقص من يد الجاني؟
۲. لو قطع الصحيحُ الناقص، فهل تقطع يد الجاني الصحيحة، بعد أخذ دية ما نقص من المجنيّ عليه أو لا؟
وإليك دراسة الصورتين:
إذا كان النقص في طرف الجاني، كما لو كانت يده ناقصة بأصبع وقد—)
(— قطع يداً كاملة، فإن اختار المجنيّ عليه دية اليد، أخذها كاملة، وهذا خارج عن محط البحث.
وإن اختار الاقتصاص فله الاقتصاص من يده الناقصة أخذاً بالضابطة.
إنّما الكلام في موضع آخر وهو أنّ اليد التي يقتصّ منها ناقصة فاقدةً لأصبع، وقد جنى على اليد الصحيحة، فلو اقتصّ صاحب اليد الصحيحة من الناقصة لم تتحقّق المساواة، فهنا أقوال ثلاثة والكلّ متّفق على جواز القصاص وإنّما الاختلاف في الدية:
الأوّل: ما اختاره الشيخ في «الخلاف» من أخذ دية الإصبع، قال: إذا قطع يداً كاملة الأصابع ويده ناقصة الإصبع، فالمجنيّ عليه بالخيار بين العفو على مال وله دية اليد خمسون من الإبل، وبين أن يقتصّ فيأخذ يداً ناقصة إصبعاً قصاصاً، ويأخذ دية الإصبع المفقودة. ثم نقل عن أبي حنيفة أنّ المجنيّ عليه بالخيار بين أن يأخذ دية يد كاملة، ويعفو، وبين أن يقتصّ فيأخذ دية يد ناقصة إصبعاً، ولا يأخذ دية الإصبع المفقودة.[1] الثاني: ما نقله في «الجواهر» عن بعض متأخّري المتأخّرين من القول بعدم ردّ شيء مع قطعها مطلقاً، سواء أكانت مفقودة خلقة أو بآفة أو أخذ ديتها لصدق قوله: «اليد باليد».[2] والقائل هو المحقّق الأردبيلي.[3] وإلى هذا القول أشار المصنّف، «وقيل: لا».—)
[1]. الخلاف: ۵/ ۱۹۳، المسألة ۶۰.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۳۹۸.
[3]. مجمع الفائدة: ۱۴/ ۱۸.
(— يلاحظ عليه: أنّ الموضوع هو المماثلة في الاعتداء، وفي مقام الاقتصاص لم تتحقّق المماثلة؛ لأنّ الجاني جنى على خمسة أصابع صحيحة، وفي مقام القصاص اقتصّ من ثلاثة أو من أربعة أصابع عنه دون الخمسة، لفقدها، فلأجل تحقّق المماثلة لامحيص من ضم الدية إلى الاقتصاص من اليد من غير فرق بين أن يكون النقص مستنداً إلى الخلقة أو إلى غيرها، فما اختاره في المتن هو الأقوى.
الثالث: ما ذهب إليه الشيخ في «المبسوط» من القول بالتفصيل بأنّه إن كان النقص خلقة أو بآفة من اللَّه ولم يأخذ شيئاً في مقابل نقص الإصبع لم يدفع إلى الجاني صحيح اليد شيئاً بخلاف ما إذا أخذ ديتها أو استحقّها على غيره وجب عليه ردّ المال.[1]
وإلى هذا القول أشار المصنّف بقوله: قيل نعم، فيما يكون قطع إصبعه بجناية وأخذ ديتها أو استحقها، وأمّا إذا كانت مفقودة خلقة أو بآفة لم يستحق المقتصّ شيئاً.
ثمّ إنّ المصنّف اختار القول الأوّل وهو ثبوت الدية مطلقاً، واستدلّ عليه بالوجهين التاليين:
۱. أنّ الجاني قد قطع منه إصبعاً لم يستوف قصاصها فيكون له ديتها، لقوله صلى الله عليه و آله و سلم: «في كلّ إصبع عشر من الإبل».
۲. تلك الإصبع لو كانت استوفى منها، فإذا لم توجد استوفى بدلها،—)
[1]. المبسوط: ۷/ ۸۵.
(— كما لو قطع إصبعين وليست له إلّاواحدة.
فإن قلت: ما الفرق بين المقام وبين ما إذا كانت يد الجاني شلّاء وأراد المجنيّ عليه قطعها، فهو لا يأخذ معها شيئاً؟
قلت: الفرق بينهما واضح فإنّ التفاوت هناك بالكيفية، فاليدان كلاهما كاملتي الأجزاء غير أنّ إحداهما شلّاء، بخلاف المقام فإنّ التفاوت هنا بالوجود والعدم فالجاني يملك أربع أصابع والمجنيّ عليه خمسة.
واستدلّ للقول الثاني بخبر سورة بن كليب، فقد جاء فيها أنّ أبا عبد اللَّه عليه السلام سُئل عن رجل قتل رجلًا عمداً وكان المقتول أقطع اليد اليمنى؟ فقال:
«إن كانت قطعت يده في جناية جناها على نفسه أو كان قطع فأخذ دية يده من الذي قطعها، فإن أراد أولياؤه أن يقتلوا قاتله أدّوا إلى أولياء قاتله دية يده [التي] قيد منها، إن كان أخذ دية يده ويقتلوه. وإن شاءُوا طرحوا عنه دية يد وأخذوا الباقي، قال: وإن كانت يده قطعت في غير جناية جناها على نفسه ولا أخذ لها دية قتلوا قاتله ولا يغرم شيئاً، وإن شاءُوا أخذوا دية كاملة، قال: وهكذا وجدناه في كتاب علي عليه السلام».[1] يلاحظ عليه– مضافاً إلى ضعف السند كما مرّ سابقاً- بوجهين:
۱. أنّ مورد الرواية هو القتل لا الجناية في الطرف.
۲. أنّ موردها كون المجنيّ عليه ناقصاً بخلاف المقام فإنّه فيما إذا كان الجاني ناقصاً فالاستدلال بها على غير موردها غير تام.—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۵۰ من أبواب القصاص في النفس، الحديث ۱.
(—
إذا انعكس الأمر بأن كان النقصان في يد المجنيّ عليه، فهنا احتمالات:
۱. تقطع يد الجاني بعد ردّ دية ما نقص من المجنيّ عليه من الأصابع إلى الجاني. وهذا هو الوجه الأوّل في كلام المصنّف، وهو الأوفق بالقواعد إذ فيه جمع بين القصاص فيما يمكن، وأخذ الدية في الإصبع ممّا لا يمكن القصاص فيه.
۲. ما أشار إليه بقوله: لا يقتصّ، وعليه الدية. وهذا هو المحِكيّ عن بعض متأخّري المتأخّرين كما في «الجواهر»[1] (ولعل مراده المحقّق الأردبيلي).
وإليه أشار في «المسالك» وقال: وربما قيل بالمنع من القصاص على هذا الوجه لعدم المماثلة، فلا يجبر أن يلقي حديدة القصاص في غير الموضع الذي لقيته حديدة الجاني.[2]
۳. ما اختاره في «المسالك» وهو المنع عن قطع اليد الكاملة من الكوع لما فيه من استيفاء الزيادة، لكنّه يقطع الأصابع الأربعة إن شاء ويأخذ دية الكفّ أو يأخذ الدية.[3]
هذا وقد تقدّم من المصنّف الكلام في نظير المسألة في باب كيفية الاستيفاء في المسألة رقم ۲۷، فيما لو قطع يده فعفا المقطوع ثم قتله القاطع، فلاحظ ما مرّ هناك من الكلام فإنّه يفيدك في المقام.
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۳۹۸.
[2]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۹۴.
[3]. مسالك الأفهام: ۱۵/ ۲۹۳.
الثاني: لو قطع إصبع رجل فسرت إلى كفّه بحيث قطعت ثم اندملت، ثبت القصاص فيهما، فتقطع كفّه من المفصل، ولو قطع يده من مفصل الكوع ثبت القصاص، ولو قطع معها بعض الذراع اقتصّ من مفصل الكوع، وفي الزائد يحتمل الحكومة ويحتمل الحساب بالمسافة، ولو قطعها من المرفق فالقصاص وفي الزيادة ما مرّ، وحكم الرجل حكم اليد، ففي القطع من المفصل قصاص، وفي الزيادة ما مرّ.^
^ للفرع صور:
۱. لو قطع إصبع رجل فسرت إلى كفّه بحيث قطعت ثم اندملت.
۲. لو قطع يده من مفصل الكوع.
۳. تلك الصورة ولكن قطع معه بعض الذراع.
۴. ولو قطعها من المرفق.
۵. ولو قطعها مع شيء من العضد.
۶. حكم الرِجل في عامّة الصور.
وإليك دراسة الفروع واحداً بعد الآخر.
لو قطع إصبع رجل- مثلًا- فسرت الجناية إلى كفّه بحيث قطعت ثم اندملت، فما هو حكمه؟ فهنا أقوال:—)
(— ۱. ينتقل إلى الدية، وهو المحكيّ عن الشيخ في «المبسوط»[1] وهو غير واضح؛ لأنّ الأصل في الجناية هو القصاص ولا ينتقل إلى الدية إلّا بالتراضي، والكلام في حكم الجناية بما هي هي.
۲. ثبوت القصاص فيهما، وهو خيرة المحقّق.[2] لعموم الأدلّة بعد كون السراية من فعل الجاني، فالمقام نظير ما لو قطع يده ابتداءً، فكما يحكم فيه بالقصاص من الكوع فهكذا المقام، والسبب- أعني: قطع الإصبع- أقوى من المباشر- أعني: السراية في نظر العرف- لأنّه يرى الجاني هو المسؤول في فساد اليد وقطعها نهاية حفظاً لسلامة الإنسان. وهذا هو الأقوى لإمكان القصاص فيهما من دون تغرير أو كسر عظم لوجود المفصل.
۳. القصاص في الإصبع وأخذ الدية في الباقي. حكاه في «الشرائع» ولم يسمّ قائله وهو لم يرتضه حيث قال: وهل القصاص في الإصبع وأخذ الدية من الباقي؟ الوجه: لا، لإمكان القصاص فيهما.[3]
وحكاه في «الجواهر» عن الفاضل يريد به العلّامة.
يلاحظ عليه: بأنّه مبني على تعدّد الجناية وهو خلاف المفروض؛ لأنّ هنا جناية واحدة، وهو قطع الإصبع وقد سرت إلى الكفّ، والثانية من توابع الأُولى.—)
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۴۰۰.
[2]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۸.
[3]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۸.
(—
ويراد منه ما يلي طرف الزند ممّا يلي الإبهام، يثبت القصاص فيه لعموم الأدلّة، والميزان في قصاص العضو عبارة عن كلّ عضو ينتهي إلى مفصل بحيث لا تغرير في القصاص ولا موجب لكسر العظم.
لو قطع معها بعض الذراع اقتصّ من اليد من الكوع وله الحكومة في الزائد من دون قصاص فيه، لما عرفت من أنّ الميزان في ثبوت القصاص كلّ عضو ينتهي إلى المفصل، فعندئذٍ لو اقتصّ من المرفق بعد ردّ الفاضل كما حكى عن ابن الجنيد[1] لزم الاعتداء، ولو اقتصّ ببعض الذراع حسب المساحة في ذراع المجنيّ عليه يلزم كسر العظام، فعندئذٍ يتعيّن القصاص من الكوع والحكومة على نحو ما مرّ من فرضه عبداً تارة مع اليد وأُخرى فاقدها ويؤخذ من دية اليد بتلك النسبة، وذهب ابن إدريس في الزائد حسب المساحة، فإن كان المقطوع ثلث الذراع فعليه دية الثلث وأرشه. وقد ذكر الاحتمالان في المتن بلا ترجيح.
لو قطعها من المرفق ثبت القصاص، لوجود المفصل وعدم تغرير—)
[1]. مختلف الشيعة: ۹/ ۴۵۸، المسألة ۱۳۶.
(— فيه.
فحكمه ما مرّ إذا قطع اليد مع شيء من الذراع، فيقطع من المرفق، وفي الزائد الحكومة بكلا الاحتمالين.
قال في «الجواهر»: نعم لو قطعها من العضد فلا قصاص منه، لما عرفت، بل يقتصّ من المرفق وفي الباقي الحكومة.
وهنا احتمال آخر وهو القصاص من الكوع أو الأصابع والحكومة في الباقي، وقد عرفت بطلانه.
حكم الرِّجْلِ حكم اليد في عامّة ما ذكر بلا فرق.
الثالث: يشترط في القصاص التساوي في الأصالة والزيادة، فلا تقطع أصلية بزائدة ولو مع اتّحاد المحلّ، ولا زائدة بأصلية مع اختلاف المحلّ، وتقطع الأصلية بالأصلية مع اتّحاد المحلّ، والزائدة بالزائدة كذلك، وكذا الزائدة بالأصلية مع اتّحاد المحلّ وفقدان الأصلية، ولا تقطع اليد الزائدة اليمنى بالزائدة اليسرى وبالعكس، ولا الزائدة اليمنى بالأصلية اليسرى، وكذا العكس.^
^
قد نشأ من اعتبار التساوي في الأصالة والزيادة في مورد الإصبع واليد اختلاف الحكم من حيث جواز الاقتصاص وعدمه في الصور التالية:
۱. تقطع الإصبع الأصلية بمثلها.
۲. تقطع الإصبع الزائدة بمثلها.
۳. لا تقطع الأصلية بالزائدة سواء اتّحدتا في المحلّ أو لا.
۴. لا تقطع الزائدة بالأصلية مع اختلاف المحلّ.
۵. لا تقطع اليد الزائدة اليمنى بالزائدة اليسرى وبالعكس.
۶. لا تقطع الزائدة اليمنى بالأصلية اليسرى وبالعكس.
أمّا الجواز في الأُوليين فلوجود المماثلة، كما هي واضحة.
وأمّا عدم الجواز في الصورة الثالثة فلأجل وجود الكمال في—)
(— إصبع الجاني دون المجنيّ عليه، وقد مرّت شرطية المماثلة في الكمال في القصاص من غير فرق بين اتّحاد المحلّ وعدمه. نعم مع اختلاف المحلّ يكون الحكم آكد وأشدّ لوجهين: عدم المماثلة من حيث الأصلية، والزيادة والاختلاف في المحلّ.
وأمّا الصورة الرابعة فبما أنّ النقص في إصبع الجاني والكمال في إصبع المجنيّ عليه، فمقتضى القاعدة الجواز مع وحدة المحلّ، وأمّا مع الاختلاف في المحلّ فلا، لأجل عدم المماثلة من هذه الجهة.
وممّا ذكرنا يظهر حكم الصورتين الخامسة والسادسة.
الرابع: لو قطع كفّه فإن كان للجاني والمجنيّ عليه إصبع زائدة في محلّ واحد- كالإبهام الزائدة في يمينهما- وقطع اليمين من الكفّ، اقتصّ منه؛ ولو كانت الزائدة في الجاني خاصّة فإن كانت خارجة عن الكفّ يقتصّ منه وتبقى الزائدة، وإن كانت في سمت الأصابع منفصلة فهل يقطع الكفّ ويؤتى دية الزائدة، أو يقتص الأصابع الخمس دون الزائدة ودون الكفّ وفي الكفّ الحكومة؟ وجهان، أقربهما الثاني، ولو كانت الزائدة في المجنيّ عليه خاصّة فله القصاص في الكفّ، وله دية الإصبع الزائدة، وهي ثلث دية الأصلية، ولو صالح بالدية مطلقاً كان له دية الكفّ ودية الزائدة، ولو كان للمجنيّ عليه أربع أصابع أصلية وخامسة غير أصلية لم تقطع يد الجاني السالمة، وللمجنيّ عليه القصاص في أربع، ودية الخامسة، وأرش الكفّ.^
^
في الفرع صور ويدور البحث فيها على أحد محورين:
۱. قطع الكفّ المشتمل على إصبع زائدة في الجاني والمجنيّ عليه، أو في أحدهما.
۲. إذا كانت الإصبع الخامسة في المجنيّ عليه أو الجاني- كما سيوافيك- غير أصلية. وإليك عناوين الصور:—)
(— ۱. لو قطع كفّه وكان لكلّ من الجاني والمجنيّ عليه إصبع زائدة في محلٍّ واحد.
۲. لو كانت الزائدة في الجاني خاصّة وكانت خارجة عن الكفّ.
۳. تلك الصورة لكن كانت الإصبع الزائدة في سمت الأصابع منفصلة.
۴. لو كانت الزائدة في المجنيّ عليه خاصّة.
۵. لو كان للمجنيّ عليه أربع أصابع أصلية وخامسة غير أصلية.
وإليك دراسة الصور.
الأُولى: إذا كان لقاطع الكفّ إصبع زائدة وللمقطوع كذلك، يثبت القصاص لتحقّق التساوي في الزائدة ومحلّها كما هو المفروض، دون ما إذا كانت الزيادة لأحدهما في اليمنى وللآخر في اليسرى، ودون ما إذا كانت لأحدهما إبهام زائد وللآخر خنصر زائد، لما مرّ من شرطية اتّحاد المحلّ.
الصورة الثانية: إذا كانت الإصبع الزائدة للجاني خاصّة وكانت خارجة عن الكف- بأن تكون على الذراع مثلًا- اقتصّ منه أيضاً؛ لأنّ الزيادة لا تمنع من استيفاء الحق؛ لأنّ محلّها على الذراع، فلا تزاحم قطع الكفّ.
الصورة الثالثة: تلك الصورة ولكن كانت الزيادة للجاني في سمت الأصابع منفصلة، فهنا وجهان:
۱. يقطع الكفّ مع الأصابع الأصلية والزائدة، غاية الأمر يدفع دية—)
(— الزائدة إلى الجاني.
۲. يقتصّ من الأصابع الخمس دون الزائدة ودون الكفّ، وفي الكفّ الحكومة.
وقد اختار المحقّق في المقام الوجه الثاني حيث قال: وإن كانت الزيادة في سمت الأصابع منفصلة ثبت القصاص في الخمس دون الزيادة ودون الكفّ وكان في الكفّ الحكومة.[1]
ولكنّه قدس سره اختار في موضع آخر الوجه الأوّل، فقد سبق منه قدس سره في الفصل الرابع في كيفية الاستيفاء قوله في المسألة الثانية عشرة:
وكذا لو قطع كفّاً بغير أصابع قطعت كفّه بعد ردّ دية الأصابع،[2] وقد اعتمد فيه على رواية الحسين بن العباس بن الجريش عن أبي جعفر الثاني عليه السلام، فلاحظ.[3]
وإلى ما ذكرنا يشير صاحب «الجواهر» اعتراضاً على المحقّق: «وبذلك ونحوه يظهر لك الاضطراب في كلامهم باعتبار الفتوى به تارة (في البحث السابق) والإعراض عنه أُخرى كما في المقام».[4]
وأمّا المصنّف فقد استقرب في المقام نفس ما اختاره المحقّق،—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۹.
[2]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۳.
[3]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۰ من أبواب قصاص الطرف، الحديث ۱.
[4]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۴۰۴.
(— أي اختصاص الاقتصاص بالأصابع الخمس دون الزائدة ودون الكفّ، ولكن في الكفّ الحكومة؛ ولكنّه قدس سره في البحث السابق جعل العمل بالقول الأوّل هو الأحوط حيث قال: وكذا (الأحوط) لو قطع كفّاً بغير أصابع قطعت يده بعد رد دية الأصابع فإنّها مشكلة أيضاً.[1]
الصورة الرابعة: لو كانت الزائدة في المجنيّ عليه خاصّة فله القصاص في الكفّ من الكوع، مضافاً إلى أنّ له دية الإصبع الزائدة وهو ثلث دية الإصبع الأصلية. ولو صالح بالدية مطلقاً اجتمع له ديتان: دية الكفّ، ودية الزائدة. نعم يحتمل سقوط دية الزائدة بحجة أنّها لحم زائدة كالسمن.
الصورة الخامسة: لو كان للمجنيّ عليه أربع أصابع أصلية وخامسة غير أصلية لم تقطع يد الجاني إذا كانت أصابعه كاملة أصلية للضابطة المعروفة من عدم قطع الكامل بالناقص المستلزم للاعتداء، فللمجنيّ عليه حينئذٍ القصاص في الأربع ودية الخامسة لتعذّر استيفائها وحكومة الكفّ.
وهناك صورة أُخرى لم يذكرها المصنّف تعرّض لها المحقّق وقال: لو كان للجاني أربع أصابع وكانت الخامسة ليست أصلية، ثبت القصاص؛ لأنّ الناقص يؤخذ بالكامل كما هو واضح.
[1]. لاحظ: تحرير الوسيلة، فصل القول في كيفية الاستيفاء، المسألة ۲۷.
الخامس: لو قطع من واحد الأنملة العليا ومن آخر الوسطى، فإن طالب صاحب العليا يقتصّ منه، وللآخر اقتصاص الوسطى، وإن طالب صاحب الوسطى بالقصاص سابقاً على صاحب العليا، أُخّر حقّه إلى اتّضاح حال الآخر، فإن اقتصّ صاحب العليا اقتصّ لصاحب الوسطى، وإن عفا أو أخذ الدية فهل لصاحب الوسطى القصاص بعد رد دية العليا، أو ليس له القصاص بل لابدّ من الدية؟ وجهان، أوجههما الثاني، ولو بادر صاحب الوسطى وقطع قبل استيفاء العليا فقد أساء، وعليه دية الزائدة على حقّه وعلى الجاني دية أنملة صاحب العليا.^
^
في الفرع صور:
۱. لو قطع من واحد الأنملة العليا ومن آخر الوسطى وسبق صاحب العليا بالمطالبة.
۲. لو سبق صاحب الوسطى بالمطالبة.
۳. لو عفا صاحب الأنملة العليا وأخذ الدية، فهل لصاحب الوسطى القصاص أو لا؟
۴. لو بادر صاحب الوسطى قبل استيفاء العليا.
وإليك دراسة الصور:
الأُولى: لو قطع من واحد الأنملة العليا ومن آخر الوسطى، فإن—)
(— سبق صاحب العليا وطالب بحقّه اقتصّ وكان للآخر الوسطى، إذ لا يزاحم قصاص العليا مع قصاص الوسطى، ولذلك يجوز لصاحب الوسطى بعد اقتصاص العليا أخذ الدية أو العفو.
الصورة الثانية: لو سبق صاحب الوسطى بالمطالبة أُخر حقّه إلى انتهاء حال الآخر؛ وذلك لأنّ قطع الوسطى يلازم قطع العليا فيلزم التصرّف في حقّ صاحب العليا، فحينئذٍ إن اقتصّ صاحب العليا تصل النوبة إلى صاحب الوسطى، فيستوفي كلّ حقّه.
الصورة الثالثة: لو عفا صاحب العليا على مالٍ أو بدونه فهنا وجهان:
۱. أنّ لصاحب الوسطى القصاص بعد رد دية العليا إلى الجاني.
۲. يسقط القصاص ولابدّ من الدية.
اختار المحقّق الوجه الأوّل وقال: وإن عفا صاحب العليا على مالٍ أو بدونه، كان لصاحب الوسطى القصاص إذا ردّ دية العليا مقدّمة لتحصيل حقّه.[1]
وقد نسب هذا القول إلى الشيخ والعلّامة ويؤيده خبر الحسين بن العباس بن الجريش، عن أبي جعفر الثاني عليه السلام قال: قال أبو جعفر الأوّل عليه السلام لعبد اللَّه بن عباس: ما تقول في رجل قطع رجل أصابعه بالسيف حتى سقطت فذهبت وأتى رجل آخر فأطار كفّ يده فأتى به إليك وأنت قاضٍ- إلى أن—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۳۹ بتصرّف.
(— قال:- [وقال أبو جعفر:] إقْطع يد قاطع الكف أصلًا ثم أعطه دية الأصابع.[1] غير أنّ المصنّف قدس سره استوجه الوجه الثاني، أي دفع الدية، وقد خالف الرواية في موضعين: هذا الفرع والفرع الرابع.
ويمكن أن يقال في تأييد الوجه الثاني: إنّ قصاص صاحب الوسطى حتى مع ردّ الدية يُعدُّ اعتداء على الجاني، حيث إنّه قطع أنملة وهذا يعتدي عليه بأنملتين.
الصورة الرابعة: لو بادر صاحب الوسطى وقطع قبل استيفاء العليا، فقد استوفى حقّه وزيادة، وعليه دية الزائد على حقّه، أي دية الأنملة العليا ودفعها إلى الجاني، ثم على الجاني دية أنملة صاحب العليا، بدفع ما أخذه من صاحب الوسطى إلى صاحب العليا.
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۰ من أبواب قصاص الطرف، الحديث ۱.
السادس: لو قطع يميناً- مثلًا- فبذل شمالًا للقصاص فقطعها المجنيّ عليه من غير علم بأنّها الشمال فهل يسقط القود، أو يكون القصاص في اليمنى باقياً؟ الأقوى هو الثاني. ولو خيف من السراية يؤخّر القصاص حتى يندمل اليسار، ولا دية لو بذل الجاني عالماً بالحكم والموضوع عامداً، بل لا يبعد عدمها مع البذل جاهلًا بالموضوع أو الحكم، ولو قطعها المجنيّ عليه مع العلم بكونها اليسار ضمنها مع جهل الجاني، بل عليه القود، وأمّا مع علمه وبذله فلا شبهة في الإثم، لكن في القود والدية إشكال.^
^
في الفرع صور:
۱. لو قطع يميناً- مثلًا- فبذل الجاني شمالًا للقصاص وقطعها المجنيّ عليه من غير علم من الجاني والمجنيّ عليه بأنّها الشمال، فهل يقتصّ من اليمنى؟ والكلام في المقام في ثبوت القصاص وعدمه، وأمّا الدية فسيأتي الكلام عنها في الصورة الرابعة.
۲. على القول ببقاء القصاص في اليمنى، لو خيف من السراية إلى النفس إذا قطعت منه اليدان، فهل يجب التأخير حتى يندمل اليسار؟
۳. لو بذل الجاني اليسار عالماً بالحكم والموضوع مع جهل المجنيّ عليه بالحكم والموضوع فهل تجب الدية مع ثبوت القصاص؟—)
(— ۴. لو بذل الجاني جاهلًا بالموضوع أو الحكم مع جهل المجنيّ عليه فهل تجب الدية؟ وهذا هو نفس الفرع الأوّل لكن الكلام فيه في وجوب الدية.
۵. لو قطعها المجنيّ عليه مع العلم بكونها اليسار فلا يسقط القصاص من اليمنى، إنّما الكلام في ضمان المجنيّ عليه.
۶. تلك الصورة مع علم الجاني أيضاً.
وإليك دراسة الصور:
الأُولى: لو قطع يميناً- مثلًا- فبذل الجاني شمالًا للقصاص عن جهل بالموضوع والحكم فقطعها المجنيّ عليه من غير علم بأنّها الشمال، يقع الكلام في أنّه هل يسقط القود، أو يكون القصاص في اليمنى باقياً؟ فيه قولان:
۱. ذهب الشيخ إلى سقوطه وقال: والذي يقتضيه مذهبنا بأنّه يسقط عنه القود.[1]
۲. ما عليه المحقّق حيث بعد ما نقل قول الشيخ قال: وفيه تردّد؛ لأنّ المتعيّن قطع اليمنى فلا يجزي اليسرى مع وجودها، فعلى هذا يكون القصاص في اليمنى باقياً.[2]
والثاني هو المتعيّن؛ وذلك لأنّ الواجب قطع اليمنى فكيف تجزي اليسرى عنه مع وجود اليمنى، وما فعله ليس عوضاً عنها بشهادة أنّهما لو اتّفقا عليه لم يصر عوضاً؛ أضف إلى ذلك: أنّ اليسار يقطع باليمين إذا لم يكن—)
[1]. المبسوط: ۷/ ۱۰۱.
[2]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۴۰.
(— يمين، والمفروض وجوده.
الصورة الثانية: إذا كان القصاص باليمنى مؤدّياً للسراية إلى النفس مع وجود الجرح في اليسرى، لم يجز القصاص حتى يندمل الجرح فيها، لما مرّ من أنّ القطع إذا كان موجباً لتعريض النفس للهلاك لم يجز سواء كانت السراية مضمونة أو لا، أخذاً بالأهم. خصوصاً مع جهل الجاني بالموضوع أو الحكم حيث قال المجنيّ عليه: أخرج يمينك، فأخرج يساره، بلا التفات.
قال المحقّق: ويؤخّر حتى يندمل اليسار توقّياً من السراية (إلى النفس) بتوارد القطعين.[1]
الصورة الثالثة: لو بذل الجاني اليسار عالماً بالحكم والموضوع عامداً، مع جهل المجنيّ عليه بالحال، فلا شكّ في ثبوت القصاص، وأمّا الدية فلا دية له قطعاً كما هو ظاهر المتن؛ لأنّه أقدم على ذلك عالماً عامداً، فيكون الثاني مغروراً فلا ضمان.
وبعبارة أُخرى: أنّ جهل المجنيّ عليه ليس كافياً في عدم وجود الدية، إذ حينئذٍ يكون شبه العمد وإنّما السبب في عدم وجوبها هو عمد الجاني مع جهل المجنيّ عليه فيكون مغروراً، فتسقط الدية.
الصورة الرابعة: ولو بذلها الجاني جاهلًا بالموضوع والحكم مع جهل المجنيّ عليه، وهي نفس الصورة الأُولى لكن الكلام فيها من حيث ترتّب الدية وعدمه، فلم يستبعد المصنّف عدم وجوب الدية، ولعلّ وجهه أنّ السبب—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۴۰.
(— أقوى من المباشر، فإنّ المفروض جهله ولكن الظاهر وجوب الدية لما عرفت من أنّ مجرّد جهل المجنيّ عليه غير كافٍ في عدم الدية ما لم يكن هناك غرور والمفروض جهل الجاني أيضاً كالمجنيّ عليه، وعلى هذا فالمباشر أقوى من السبب.
الصورة الخامسة: لو قطعها المجنيّ عليه مع العلم بكونها اليسار مع جهل الجاني، فالظاهر أنّ عليه القود مطلقاً؛ لأنّه يدخل في الجناية عمداً وعدواناً التي هي موضوع القصاص، غير أنّ ثبوت القصاص له على المجنيّ عليه في قطع اليسار لا ينافي ثبوت حقّ القصاص للمجنيّ عليه في قطع اليمنى، نظير ما إذا جنى كلّ على الآخر على الخلاف.
الصورة السادسة: نفس الصورة السابقة مع علمهما بالحال، فقد أشكل المصنّف في القود والدية ولكن الظاهرثبوتهما؛ لأنّ المجنيّ عليه مع فرض علمه بأنّ هذه يسار ولا يجوز له قطعها، فإذا أقدم عليه وقطعها دخل ذلك في القطع عمداً وعدواناً، وبذل الجاني يساره ولو مع علم المجنيّ عليه لا يبرّر قطعه بشهادة أنّه لو فرض أنّه بذل نفسه فهل يجوز للمبذول له قتله؟!
السابع: لو قطع إصبع رجل من يده اليمنى- مثلًا- ثم اليد اليمنى من آخر اقتصّ للأوّل، فيقطع إصبعه ثم يقطع يده للآخر، ورجع الثاني بدية إصبع على الجاني؛ ولو قطع اليد اليمنى من شخص ثم قطع إصبعاً من اليد اليمنى لآخر، اقتصّ للأوّل، فتقطع يده، وعليه دية إصبع الآخر.^
^ في الفرع صورتان:
الأُولى: لو قطع إصبع رجل من يده اليمنى مثلًا ثم قطع اليد اليمنى للرجل الآخر فمَن يتقدّم في القصاص؟
الثانية: لو انعكس الأمر فقطع اليد أوّلًا ثم الإصبع من الآخر فمن يتقدّم في القصاص؟ وإليك دراسة الصورتين:
قال المحقّق: اقتصّ للأوّل ثم للثاني، ويرجع بدية إصبع.[1]
وجهه: أنّ فيه الجمع بين الحقّين، إذ كلّ يقتصّ، تارة من الإصبع وأُخرى من اليد؛ بخلاف ما لو قدّم الثاني فلو اقتصّ من الكفّ، لا يبقى موضوع للاقتصاص من الإصبع.
يلاحظ عليه بوجهين:
أوّلًا: أنّه ليس فيه جمعاً بين الحقّين بتمامهما، لأنّه إذا قدم اقتصاص الأصبع، يقتص صاحب اليد من يد ناقصة الأصبع.—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۴۱.
(— وثانياً: أنّ لازمه هو العمل بهذا النحو في الصورة الثانية، أي لو قطع اليد أوّلًا ثم الإصبع من آخر مع أنّ الفتوى فيها غير ذلك حيث قال هناك: تقطع يده ويلزم بدفع دية الإصبع.
والأولى تعليله بما في الجواهر بقوله: ضرورة كونه كما إذا قطع يدَه الكاملة ذو يد ناقصة إصبعاً، فيرجع إليه بدية إصبع [مع قطع يده الناقصة].[1]
فلو انعكس الأمر بأن قطع اليد أوّلًا ثمّ الإصبع من آخر قال المحقّق:
اقتصّ للأوّل، وأُلزم للثاني دية الإصبع.
وعلّله بالجواهر بقوله: إذ هي بمنزلة من قطع إصبعاً ولا إصبع له يماثلها فإنّه ينتقل إلى الدية.[2]
أقول: هنا احتمال آخر وراء ما ذكره المصنّف وهو تقديم من جنى عليه أوّلًا في القصاص. وقد مرّ الكلام فيه في مسألة مَن قتل الواحد جماعة على التعاقب فهل يتقدّم إلى القصاص ولي المقتول الأوّل على الثاني أو لا؟
فلاحظ.[3]
[1]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۴۲۳.
[2]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۴۲۳.
[3]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۴۲۳.
الثامن: إذا قطع إصبع رجل فعفا عن القطع قبل الاندمال، فإن اندملت فلا قصاص في عمده، ولا دية في خطئه وشبه عمده، ولو قال: «عفوت عن الجناية» فكذلك، ولو قال في مورد العمد: «عفوت عن الدية» لا أثر له، ولو قال: «عفوت عن القصاص» سقط القصاص ولم يثبت الدية وليس له مطالبتها، ولو قال: «عفوت عن القطع أو عن الجناية» ثم سرت إلى الكفّ خاصّة سقط القصاص في الإصبع. وهل له القصاص في الكفّ مع رد دية الإصبع المعفوّ عنها، أو لابد من الرجوع إلى دية الكفّ؟
الأشبه الثاني مع أنّه أحوط، ولو قال: «عفوت عن القصاص» ثم سرت إلى النفس فللولي القصاص في النفس، وهل عليه رد دية الإصبع المعفوّ عنها؟ فيه إشكال، بل منع وإن كان أحوط، ولو قال: «عفوت عن الجناية» ثم سرت إلى النفس فكذلك، ولو قال: «عفوت عنها وعن سرايتها» فلا شبهة في صحّته فيما كان ثابتاً، وأمّا فيما لم يثبت ففيه خلاف، والأوجه صحّته.^
^
في الفرع صور وفروض تدور جميعها على محورين:
۱. لو قطع إصبع رجل فعفا المجنيّ عليه قبل الاندمال فاندملت، فعندئذٍ يقع الكلام فيما هو المعفوّ حسب ما يدلّ عليه اللفظ.
۲. لو قطع إصبع رجل فعفا المجنيّ عليه قبل الاندمال ولم تندمل، بل سرت إلى الكفّ أو النفس، فيقع الكلام في جواز القصاص في الكفّ—)
(— أو النفس.
وقبل دراسة المحورين بصورهما نشير إلى أمر وهو:
إنّ الكلام في هذه الفروض مبني على جواز العفو قبل الاندمال، والظاهر جوازه؛ لأنّه إسقاط لحق ثابت عند الإبراء فيكون العفو عنه من أهله في محلّه.
قال الشيخ: إذا قطع إصبع غيره فقال المجنيّ عليه: قد عفوت عن عقلها وقودها، ثم اندملت، صحّ العفو عن العقل والقود معاً. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي.
وقال المزني: لا يصحّ العفو عن دية الإصبع؛ لأنّه عفو عمّا لم يجب، بدليل أنّ المجنيّ عليه لو أراد المطالبة بدية الإصبع لم يكن له؛ ولأنّه عفا عن مجهول لأنّه لا يدري هل يندمل فيستقرّ دية الإصبع، أو يسري إلى النفس فيختلف ذلك.
وردّ عليه الشيخ بقوله: إنّه حق ثابت يجوز إسقاطه كالقصاص وقوله: «إنّه لم يجب» باطل فإنّ الحقّ واجب بالجناية وإنّما يتأخّر الاستقرار إلى حين الاندمال. وقوله: «لا يملك المطالبة» لا يدلّ على أنّه غير ثابت، كما أنّ المال المؤجل ثابت الاستحقاق وإن لم يملك بالمطالبة في الحال.[1]
وسيوافيك الكلام في الصورة الثالثة.
المحور الأوّل: لو عفا المجني عليه قبل الاندمال، فالكلام يقع فيما—)
[1]. الخلاف: ۵/ ۲۰۷، المسألة ۸۴.
(— هو المعفوّ عنه، فربّما يقول في صورة الاندمال: عفوت عن القطع، وأُخرى:
عن الجناية، وثالثة في مورد العمد: عفوت عن الدية، ورابعة يقول فيه: عفوت عن القصاص، وإليك بيان الصور:
الأُولى: إذا قطع إصبعه فعفا المجنيّ عليه قبل الاندمال وفرضنا الاندمال في المستقبل فإن قال: «عفوت القطع» يسقط القصاص إذا كان عمداً، والدية إذا كان شبه عمد أو خطأً محضاً. فإنّ الفرض أوّلًا وبالذات في العمد هو القصاص والدية في غيره، فيكون متعلّق العفو هو ذاك.
الصورة الثانية: لو قال: عفوت عن الجناية، فهو كما سبق والمراد العفو عن مسببها وموجبها، وليس هو إلّاالقصاص في العمد والدية في غيره.
الصورة الثالثة: لو قال في مورد العمد: عفوت عن الدية، فلا أثر له ولم تثبت الدية إلّابالرضا منه بذلك، ولو رضى فلا يحتاج إلى الصلح لوجود الإيجاب من المجنيّ عليه والرضا من الجاني.
الصورة الرابعة: لو قال: عفوت عن القصاص، سقط القصاص ولم تثبت الدية، وليس له المطالبة، لما مرّ من أنّ ثبوت الدية فرع التراضي بين الطرفين، والمفروض عدمه.
إلى هنا تمّ الكلام في العفو في الصور المختلفة مع اندمال الجرح.
المحور الثاني: أعني ما إذا عفا قبل الاندمال ولكن لم يندمل الجرح وسرى إلى الكف أو النفس، وفيه صور:
الصورة الأُولى: لو قال: عفوت عن الجناية قبل السراية ثم سرت—)
(— إلى الكفّ خاصّة، سقط القصاص في الإصبع؛ لأنّ المفروض تعلّق العفو به.
وأمّا حكم الكفّ الذي لم يتعلّق به العفو فهو جناية جديدة، لم يتعلّق بها العفو، ففيه وجهان: أ. القصاص في الكفّ مع رد دية الإصبع المعفو عنه.
ب. الرجوع إلى دية الكفّ.
والثاني هو ما في المتن تبعاً للمحقّق، قال: لو قال: عفوت عن الجناية ثم سرت إلى الكفّ سقط القصاص في الإصبع وله دية الكفّ. أمّا سقوط القصاص في الإصبع لأنّ المفروض العفو عنه، وأمّا الدية في مورد الكفّ فلأنّ في قطعه تغريراً في الإصبع المعفوّ عنه فيسقط القصاص فيه، فلو قطع يكون من مقولة قطع كفّ كامل بناقص.
وأمّا الوجه الأوّل، أي جواز القصاص في الكفّ مع ردّ دية الإصبع المعفوّ عنه، فلا دليل عليه إلّاخبر الحسين بن العباس بن الجريش عن أبي جعفر الثاني عليه السلام فقد جاء فيه: «اقطع يد قاطع الكفّ ثم أعطه دية الأصابع».[1]
لكن الرواية ضعيفة يقتصر على موردها وهو ما إذا قطع رجل أصابع رجل وأتى رجل آخر فأطار كفّ يده، فهنا أفتى الإمام بأنّه يقطع يد الجاني [الثاني] ويعطى له دية الأصابع، وأين هذا ممّا نحن فيه؟!
الصورة الثانية: لو قال: عفوت عن القصاص قبل الاندمال ثم سرت—)
[1]. الوسائل: ۱۹، الباب ۱۰ من أبواب قصاص الطرف، الحديث ۱.
(— إلى النفس، قال المحقّق: كان للولي القصاص في النفس بعد ردّ ما عفا عنه.[1]
وقال الشيخ في «الخلاف»: إذا قطع إصبع غيره فعفا عنه المجنيّ عليه ثم سرى إلى نفسه، كان لولي المقتول القود ويجب عليه أن يرد على الجاني دية الإصبع التي عفا عنها المجنيّ عليه، فلو أخذ الدية أخذ دية النفس إلّادية الإصبع. وقال الشافعي: إذا عفا عن الإصبع سقط القصاص في النفس؛ لأنّ القصاص لا يتبعّض. ثم استدلّ بقوله تعالى: «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ»[2].[3]
لكن المصنّف تردّد في ردّ دية الأصبع بل منع، وقال: وإن كان الرد أحوط.
وجه الإشكال ما أشار إليه في «الجواهر» من أنّه بعفوه عنه كأنّه اقتصّ منه، فكما لا يغرم لو سرى الجرح بعد اقتصاصه عوضه فيقتله بالسراية من غير ردّ لما استوفاه فكذا المقام.[4]
وحاصله: قياس العفو بما إذا اقتصّ عن الإصبع ثم سرت الجناية إلى النفس فقتله، كما لا يجب فيه ردّ دية الإصبع فهكذا إذا عفا عن قصاص الإصبع وسرت الجناية فاقتصّ منه.
الصورة الثالثة: لو قال: عفوت عن الجناية قبل الاندمال، ثم سرت—)
[1]. شرائع الإسلام: ۴/ ۲۴۱.
[2]. الإسراء: ۴۵.
[3]. الخلاف: ۵/ ۲۰۹، المسألة ۸۷.
[4]. جواهر الكلام: ۴۲/ ۴۲۷.
(— إلى النفس فكذلك، يعني للولي القصاص في النفس، لأنّ قوله: عفوت عن الجناية، عفو عن قطع الإصبع دون لوازمه من السراية إلى النفس. فالسراية جناية جديدة لم يتعلّق به العفو، وأمّا ردّ دية الإصبع فقد مرّ الكلام فيه في الصورة السابقة.
الصورة الرابعة: لو قال قبل الاندمال: عفوت عن الجناية وعن سرايتها، فلا شكّ أنّه يصحّ العفو ممّا كان ثابتاً قبل الإبراء وهو دية الجرح؛ وأمّا فيما لم يثبت كتلف النفس، ففيه خلاف، والأوجه عند المصنّف صحّته. ووجه الصحّة أنّه يكفي في الإبراء وجود المقتضي وهو الجرح القابل للسراية المنهي للنفس، وهذا المقدار من الثبوت كافٍ للخروج عن عدم جواز ضمان ما لم يجب، والمقام أشبه بالبراءة عن الجناية للطبيب والبيطار.
ولقد ورد جواز الإبراء فيه.
وبذلك يعلم ضعف ما يستدلّ بعدم الجواز بأنّه إبراء ما لا يجب، لما عرفت من اختصاص عدم الجواز بفقد المقتضي لا المورد. وقد أشبعنا الكلام في جواز الإبراء فيما إذا كان المقتضي موجوداً عند البحث عن التأمين فلاحظ.[1]
ومع ذلك كلّه فيحتمل اتّباع الأعراف في هذه الموارد؛ لأنّه ربما يكون لفظ في عرف مفيداً لمعنى خاص غير معروف لنا. نعم لو لم يكن عرف خاص فالمتّبع ما ذكر.
[1]. الشركة والتأمين: ۲۶۸- ۲۷۲.
التاسع: لو عفا الوارث الواحد أو المتعدّد عن القصاص سقط بلا بدل، فلا يستحقّ واحد منهم الدية، رضي الجاني أو لا؛ ولو قال: «عفوت إلى شهر أو إلى سنة» لم يسقط القصاص، وكان له بعد ذلك القصاص، ولو قال: «عفوت عن نصفك أو عن رجلك» فإن كنّى عن العفو عن النفس صحّ وسقط القصاص، وإلّا ففي سقوطه إشكال بل منع، ولو قال:
عفوت عن جميع أعضائك إلّارجلك مثلًا، لا يجوز له قطع الرجل، ولا يصحّ الإسقاط.^
^
يدور البحث في هذا الفرع حول العفو على وجه الإطلاق أو العفو إلى مدّة معيّنة، أو العفو عن بعض الأعضاء، أو العفو عن مجموع البدن باستثناء عضو خاص كالرِّجل. وإليك دراسة هذه الفروع:
الأوّل: لو عفا الوارث الواحد أو المتعدّد عن القصاص سقط بلا بدل فلا يستحق واحد منهم الدية، رضي الجاني أو لا.
وجهه: أنّ الفرض في الجناية العمدية هو القصاص وليست الدية في عرضه، وإنّما ينتقل إلى الدية بالتصالح والتراضي، والمفروض أنّ الموجود هو العفو عن القصاص لا التراضي على الدية، فلا يستحقّ الوليّ الوارث الدية، رضي الجاني أو لا، فإنّ رضاه ليس مشرّعاً حتى يجعل غير المستحق مستحقاً.
الثاني: إذا عفا إلى مدّة وقال: عفوت إلى شهر أو سنة ففي المتن لم—)
(— يثبت القصاص وكان له بعد ذلك القصاص؛ وذلك لأنّ المتبادر من هذه العبارة هو تأخير إجراء القصاص إلى شهر، وهو إن لم يدلّ على بقاء القصاص لا يدلّ على سقوطه.
الثالث: إذا تعلّق العفو بنصف البدن أو عضو منه فقال: عفوت عن نصفك أو عن رجلك، فبما أنّ هذا النوع من الكلام غريب غير عرفي؛ لأنّ القصاص الذي هو إزهاق الروح لا يتبعّض حتى يتحقّق بالنصف أو الرجل، فإن كان المتكلّم عاقلًا حكيماً فلابدّ من صرف كلامه إلى معنى معقول، وهو أنّه أراد العفو على وجه الإطلاق، وعندئذٍ يسقط القصاص، ومع سقوطه لا تصل النوبة إلى الدية. فإن كان هذا النوع من صرف الكلام إلى معنى معقول عرفياً فهو، وإلّا فلا يسقط القصاص بكلام أشبه بلقلقة اللسان.
الرابع: لو تعلّق العفو بالبدن مستثنياً عضواً واحداً بأن يقول: عفوت عن جميع أعضائك إلّارجلك، ففي المتن لا يجوز له قطع الرِّجل ولا يصحّ الإسقاط، أي إسقاط القصاص.
وجهه: أنّ هذا النوع من الكلام أمرٌ غير عرفي لا يمكن الاستدلال به على شيء من سقوط القصاص، وعلى فرض بقائه ليس له قطع الرِّجل لما عرفت من أنّ القصاص إنّما هو بطريق مخصوص لا قطع العضو إرباً إرباً.
العاشر: لو قال: «عفوت بشرط الدية» ورضي الجاني وجبت دية المقتول، لا دية القاتل.^
^
لو عفا عن القصاص بشرط دفع الدية ورضي الجاني فهو أمر نافذ، لما قلنا من أنّها في طول القصاص وإنّما تلزم بالتصالح والتراضي، والمفروض رضاية الوليّ الحاكي عنه قوله: عفوت بشرط الدية، كما أنّ المفروض رضا الجاني، هذا أمر واضح وكأنّ الداعي لعنوان هذه المسألة هو ما في ذيل الكلام، وهو أنّ الميزان في دفع الدية هو دية المقتول أو دية الجاني إذا فرض قتله. ولا شكّ أنّ المراد هو دية المقتول لأنّها عوض عن القصاص، فكما أنّ متعلّق القصاص هو المقتول فهكذا الدية.
وتظهر الثمرة فيما إذا اختلف الجاني والمجنيّ عليه من حيث الذكورية والأُنوثية، فلو كان الجاني ذكراً والمقتول مؤنثاً فنصف الدية وفي العكس تمام الدية، ولعلّه قدس سره ضمّ هذين الفرعين إلى ثمانية فروع حتى يناهز عدد الفروع العشرة فيكون من مصاديق قوله سبحانه: «تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ»[1].
^^^
تم تحرير هذه المحاضرات التي أُلقيت أوان الثورة الإسلامية الإيرانية
سنة ۱۴۰۲ ه وتمّ تجديد النظر فيها في الدورة الثانية
[1]. البقرة: ۱۹۶.
من دراسات أحكام القصاص وذلك في سنة ۱۴۳۲ ه،
راجياً من اللَّه سبحانه أن يرفع درجات سيدنا
الأُستاذ ويحشره مع أجداده الطاهرين
ويرزقنا زيارة مشاهدهم في الدنيا
وشفاعتهم يوم القيامة.
والحمد للَّهالذي بنعمته تتمّ الصالحات
جعفر السبحاني
قم المشرّفة
| الشريعة الاسلامية الغراء (سبحانى) | |
| المقدمة | |
| كتاب القصاص | |
۱۱ | |
۱۱ | |
۱۲ | |
۱۷ | |
۱۸ | |
۱۹ | |
۲۱ | |
۲۳ | |
۲۴ | |
۲۶ | |
۲۷ | |
۲۸ | |
۲۸ | |
۲۹ | |
۳۱ | |
۳۳ | |
۳۵ | |
۳۷ | |
۳۸ | |
۳۹ | |
۴۱ | |
۴۳ | |
۴۴ | |
۴۴ | |
۴۶ | |
۴۸ | |
۴۹ | |
۵۱ | |
۵۳ | |
۵۳ | |
۵۴ | |
۵۷ | |
۵۹ | |
۶۲ | |
۶۳ | |
۶۳ | |
۶۵ | |
۶۷ | |
۶۸ | |
۷۰ | |
۷۱ | |
۷۲ | |
۷۴ | |
۷۶ | |
۷۶ | |
۷۸ | |
۷۹ | |
۸۰ | |
۸۲ | |
۸۴ | |
۸۵ | |
۸۷ | |
۸۹ | |
۹۳ | |
۹۵ | |
۹۸ | |
۹۹ | |
۱۰۳ | |
۱۰۵ | |
۱۰۷ | |
۱۰۹ | |
۱۱۰ | |
۱۱۱ | |
۱۱۴ | |
۱۱۴ | |
۱۱۷ | |
۱۱۷ | |
۱۱۹ | |
۱۲۰ | |
۱۲۲ | |
۱۲۷ | |
۱۲۸ | |
۱۳۰ | |
۱۳۱ | |
۱۳۲ | |
۱۳۴ | |
۱۳۶ | |
۱۳۹ | |
۱۴۱ | |
۱۴۲ | |
۱۴۲ | |
۱۴۳ | |
۱۴۴ | |
۱۴۵ | |
۱۴۷ | |
۱۴۷ | |
۱۵۲ | |
۱۵۵ | |
۱۵۷ | |
۱۶۴ | |
۱۶۴ | |
۱۶۸ | |
۱۷۰ | |
۱۷۲ | |
۱۷۲ | |
۱۷۳ | |
۱۷۳ | |
۱۷۵ | |
۱۷۶ | |
۱۷۷ | |
۱۷۸ | |
۱۷۹ | |
۱۷۹ | |
۱۸۱ | |
۱۸۲ | |
۱۸۳ | |
۱۸۵ | |
۱۸۸ | |
۱۸۸ | |
۱۸۹ | |
۱۹۱ | |
۱۹۱ | |
۱۹۲ | |
۱۹۳ | |
۱۹۴ | |
۱۹۵ | |
۱۹۵ | |
۱۹۶ | |
۱۹۷ | |
۱۹۹ | |
۲۰۲ | |
۲۰۳ | |
۲۰۴ | |
۲۰۵ | |
۲۰۵ | |
۲۰۷ | |
۲۱۲ | |
۲۱۴ | |
۲۱۴ | |
۲۱۵ | |
۲۱۷ | |
۲۲۰ | |
۲۲۲ | |
۲۲۳ | |
۲۲۴ | |
۲۲۵ | |
۲۲۶ | |
۲۲۶ | |
۲۲۷ | |
۲۲۸ | |
۲۲۹ | |
۲۳۱ | |
۲۳۴ | |
۲۳۴ | |
۲۳۵ | |
۲۳۸ | |
۲۴۰ | |
۲۴۲ | |
۲۴۲ | |
۲۴۲ | |
۲۴۳ | |
۲۴۳ | |
۲۴۸ | |
۲۵۳ | |
۲۵۵ | |
۲۵۵ | |
۲۵۶ | |
۲۵۷ | |
۲۵۸ | |
۲۶۱ | |
۲۶۵ | |
۲۶۵ | |
۲۷۱ | |
۲۷۳ | |
۲۷۶ | |
۲۷۹ | |
۲۸۱ | |
۲۸۶ | |
۲۹۵ | |
۲۹۶ | |
۲۹۶ | |
۲۹۶ | |
۳۰۲ | |
۳۰۳ | |
۳۰۴ | |
۳۰۷ | |
۳۱۱ | |
۳۱۲ | |
۳۱۴ | |
۳۱۶ | |
۳۱۷ | |
۳۱۸ | |
۳۲۰ | |
۳۲۰ | |
۳۲۱ | |
۳۲۲ | |
۳۲۵ | |
۳۲۶ | |
۳۲۹ | |
۳۳۵ | |
۳۳۹ | |
۳۴۰ | |
۳۴۱ | |
۳۴۲ | |
۳۴۳ | |
۳۴۵ | |
۳۴۵ | |
۳۴۷ | |
۳۴۸ | |
۳۴۹ | |
۳۵۳ | |
۳۵۳ | |
۳۵۷ | |
۳۵۹ | |
۳۵۹ | |
۳۶۳ | |
۳۶۵ | |
۳۶۶ | |
۳۷۰ | |
۳۷۱ | |
۳۷۲ | |
۳۷۵ | |
۳۷۶ | |
۳۷۷ | |
۳۷۸ | |
۳۸۱ | |
۳۸۴ | |
۳۸۵ | |
۳۸۷ | |
۳۸۷ | |
۳۸۹ | |
۳۹۷ | |
۳۹۷ | |
۳۹۹ | |
۴۰۵ | |
۴۰۶ | |
۴۰۸ | |
۴۱۰ | |
۴۱۴ | |
۴۱۶ | |
۴۲۱ | |
۴۲۳ | |
۴۲۶ | |
۴۳۰ | |
۴۳۱ | |
۴۳۳ | |
۴۳۳ | |
۴۳۴ | |
۴۳۹ | |
۴۴۰ | |
۴۴۱ | |
۴۴۱ | |
۴۴۲ | |
۴۴۳ | |
۴۴۵ | |
۴۴۹ | |
۴۴۹ | |
۴۵۰ | |
۴۵۱ | |
۴۵۶ | |
۴۵۶ | |
۴۵۷ | |
۴۵۸ | |
۴۶۰ | |
۴۶۱ | |
۴۶۲ | |
۴۶۲ | |
۴۶۷ | |
۴۶۹ | |
۴۷۰ | |
۴۷۰ | |
۴۷۰ | |
۴۷۲ | |
۴۷۳ | |
۴۷۵ | |
۴۸۰ | |
۴۸۵ | |
۴۸۹ | |
۴۹۵ | |
۵۰۲ | |
۵۰۹ | |
۵۱۱ | |
۵۱۳ | |
۵۱۴ | |
۵۱۵ | |
۵۲۰ | |
۵۲۰ | |
۵۲۱ | |
۵۲۱ | |
۵۲۱ | |
۵۲۲ | |
۵۲۲ | |
۵۲۴ | |
۵۲۶ | |
۵۲۶ | |
۵۲۹ | |
۵۲۹ | |
۵۳۰ | |
۵۳۰ | |
۵۳۱ | |
۵۳۲ | |
۵۳۳ | |
۵۳۶ | |
۵۳۷ | |
۵۳۸ | |
۵۳۹ | |
۵۴۲ | |
۵۴۴ | |
۵۴۶ | |
۵۴۸ | |
۵۴۹ | |
۵۵۱ | |
۵۵۴ | |
۵۵۶ | |
۵۵۷ | |
۵۶۰ | |
۵۶۱ | |
۵۶۳ | |
۵۶۴ | |
۵۶۴ | |
۵۶۵ | |
۵۶۷ | |
۵۷۰ | |
۵۷۱ | |
۵۷۴ | |
۵۷۵ | |
۵۸۰ | |
۵۸۱ | |
۵۸۵ | |
۵۸۸ | |
۵۸۹ | |
۵۹۱ | |
۵۹۳ | |
۵۹۵ | |
۵۹۷ | |
۵۹۷ | |
۵۹۹ | |
۶۰۰ | |
۶۰۲ | |
۶۰۵ | |
۶۰۸ | |
۶۱۰ | |
۶۱۳ | |
۶۱۴ | |
۶۱۴ | |
۶۱۵ | |
۶۱۶ | |
۶۱۷ | |
۶۲۱ | |
۶۲۲ | |
۶۲۴ | |
۶۲۴ | |
۶۲۴ | |
۶۲۵ | |
۶۲۵ | |
۶۲۶ | |
۶۲۸ | |
۶۳۲ | |
۶۳۵ | |
۶۳۹ | |
۶۴۰ | |
۶۴۱ | |
۶۴۷ | |
۶۴۹ |